34 القلب إذا كان عارفًا كان معروفًا؛ لأن القلب خلق للمعرفة، فإذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه لا يعرف، وهذا كما يقول القائل في الإنسان المؤذي .)1(سبع وكأن التنكير عكس هذا الإنكار الموجود في نفوسهم للإسلام، فتلاءم تنكير اللفظ مع هذا المعنى، وهو وجه جدير بالنظر والاعتبار، ولا يناقض الوجهين اللذين ذُكرا من قبل. ؛ لأنه لو قال: على ﱫﮕ ﮖﱪ وأضاف القرطبي سرًّا رابعًا، فقال قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة، والمراد: أم على قلوب هؤلاء، وقلوب . )2(من كانوا بهذه الصفة فالتنكير كما يفهم من هذا الحديث للعموم العرفي، أي: يدخل في التنكير قلوب هؤلاء المنافقين المخاطبين بالآية، وما كان على شاكلتهم في كلِّ زمان ومكان، وهذا الوجه يتعارض مع الوجه الثاني عند أبي السعود من إرادة البعضية، ولكنه أقوى منه، ومن ثم؛ فالراجح: أن التنكير هنا للتفظيع والإنكار والعموم كلُّ هذا لا يُرْفض؛ لأن النكاتِ البلاغية لا تتزاحم ما دامت لا تتعارض. وهي هنا ، )3(« ؛ لأن القلوبوردت على سبيل الاستعارةليست على معناها الحقيقي الذي مرَّ، بل البشرية لا توضع عليها أقفال كما توضع على الخزائن والصناديق، والأبواب الحديدية .458/17، وانظر: اللباب286/27) مفاتيح الغيب1( .439، وانظر: التفسير القيم لابن القيم247 /16) تفسير القرطبي2( .39/4، وانظر: القاموس المحيط518/8) روح البيان3(
عدد الصفحات ٣٤3 والخشبية، فالقرينة هنا عقليَّة حاليَّة سياقيَّة، على أنَّ هذا المعنى الحقيقي غير مراد أنها وقد اختلف المفسرون في نوع الاستعارة في تلك الآية، فمنهم من يرى تمثيل لعدم وصول الذكر إليها، ﱫﮔ ﮕ ﮖ ﮗﱪ يقول الألو تمثيليَّة، .)1(وانكشاف الأمر لها يقصد الألوسي: أنَّ في تلك العبارة استعارة تمثيليَّة، حيث شبَّه حال المنافقين في عدم وصول الهداية إليهم، وانكشاف الأمر لهم بالأبواب التي عليها أقفال تمنع ولوج مَن بالخارج إلى الداخل. وروعة تلك الاستعارة: أنها جعلت القلب كما يقول ابن القيم الباب المرتجِّ الذي قد ضرب عليه قفل؛ فإنه ما لم يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ما وراءه، وكذلك ما لم يرفع الختم والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان .)2(والقرآن ، حيث استعار الأقفال للرَّين الذي على استعارة تصريحيَّةومنهم من يرى أنها استعارة للرين الذي ﱫﮔ ﮕ ﮖ ﮗﱪالقلوب، يقول ابن عطية ، وفائدة تلك الاستعارة المبالغة في عدم وصول الإيمان إلى القلوب؛ )3(منعهم الإيمان لما عليها من رَين يمنع وصول الحق إليها، ونفاذ الحكمة والموعظة فيها، كما يمنع القفل الولوج إلى الداخل. ، وتفسير 385/3، وعمدة الحفاظ424، وانظر: مفردات الراغب605/16) روح المعا1( .35/18، وحاشية القونوي على البيضاوي503/8، وحاشية الشهاب182/6الخازن .439) التفسير القيم2( ، وابن عطية هنا لم يصرح باسم الاستعارة؛ لأن هذا المصطلح ظهر71 /15) المحرر الوجيز3( .23/9بعده بزمن في كتب البلاغيين كما هو معلوم، وانظر: فتح البيان
عدد الصفحات ٣٥3 ، يقول ابن عاشورومنهم من يرى أنها استعارة مَكْنِيَّة استعارة مكنية، إذ شبهت القلوب -أي: العقول- في عدم إدراكها المعاني بالأبواب، أو الصناديق المغلقة، والأقفال تخييل كالأظفار للمنية في قول أبي ذؤيب الهذلي: .)1(وَإِذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا أَلْفَيْتَ كُلَّ تمَِيمَةٍ لا تَنْفَعُ وهذا الأخير هو الراجح؛ لأن الاستعارة هنا جسدت القلوب، وجعلتها كالأبواب يجري عليها ما يجري على الأبواب المغلقة بالأقفال، علاوةً على أنها أكثر توضيحًا للمعنى، وأكثر تأكيدًا وقوةً ومبالغةً له. وعلى كلٍّ؛ فالتعبير هنا جاء في غاية الحيوية والغنى والثراء؛ لأن كل هذه الأنواع من الاستعارات تحقَّقت فيه، واحتملها كما ترى. وهنا ملاحظة جدير بالنظر، وتزيد تلك الاستعارة قوةً ومبالغة، فإن الذكر الحكيم لم يقل الأقفال إلى ضميرها، وفي هذه الإضافة تأكيد على أن هذه الأقفال من نوع معين تتلاءم مع قلوب هؤلاء، وهي أقفال الكفر والعناد، فالأقفال المعهودة محسوسة، يقول ابن القيم، ولكنَّ هذه أقفال معنوية معقولة تتناسب مع تلك القلوب بالتعريف نوع تأكيد، فإنه لو قال: أقفال لذهب الوهم إلى ما يعرف بهذا ﱫﮗﱪ الاسم، فلما أضافها إلى ضمير القلوب علم أنَّ المراد بها ما هو للقلب بمنزلة القفل .)2(للباب، فكأنه أراد: أقفالها المختصة بها التي لا تكون لغيرها ويقول ابن عاشور ، ولم يصرح بمسمَّى الاستعارة. 170/7، وانظر: نظم الدرر114 /26) التحرير والتنوير1( .23 /9، وانظر فتح البيان للشيخ صديق خان439) التفسير القيم2(
عدد الصفحات ٣٦3 .)1(اختصاص الأقفال بتلك القلوب؛ أي: ملازمتها لها، فدل على أنها قاسيَّة وهكذا فإن هذه الآية الكريمة قد نصَّت صراحة على أن القلوب المنغلقة الغليظة القاسية لا تتدبَّر الذكر الحكيم، وهذا يعني بمفهوم المخالفة: أن القلوبَ المنفتحةَ الليِّنةَ السليمة الخالية من الأهواء والأمراض هي التي تتدبر القرآن، وهذا لا يتحقق إلا في قلوب الخُلَّص من المؤمنين، وبذلك تكون تلك الآية قد نصَّت على أداة التدبر الحقيقي، ووسيلته الصحيحة، وهي القلوب المفتوحة لا الغليظة القاسية، ولم يرد هذا .)2(الأمر في آيات التدبر إلا في هذا الموطن .114 /1) التحرير والتنوير1( ﱫ ﭨ ﭩ ﭪ) وردت أدوات أخرى للتدبر في آيات أخرى مثل القشعريرة في قوله تعالى: 2( ]23[ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﱪ ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠﱪالدمع في قوله تعالى: ﱫ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﱪ]83[ ]58[
عدد الصفحات ٣٧3 ﱫﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ الأسرار البلاغية في قوله تعالى: ثالثًاا: ]68[ ﮬﱪ وردت هذه الآية الكريمة في سورة المكية- بتقرير الوحدانية وغيرها من الأمور التي تهتم بها السور المكية وهذه الآية التي نحن بصددها وردت في مقام الحديث الصريح عن كفار مكة، حيث ورد قبلها . ]54[ ﱫﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﱪقوله تعالى: ، والمخاطبون هم كفار مكة، ×واتَّفق المفسرون على أنَّ الخطاب فيها للنبي ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن المؤمنين، ثم عادت وتحدثت عن كفار مكة في قوله ﱫﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ عز وجل: ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﱪ ، ﱫﭳ ﭴﱪ ، فالضمائر في هذه الآيات في قوله عز وجل: ]67-63[ ﱫﮖ ﮗ ﮘ ﮙ، ﱫﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﱪ، ﱫﮈ ﮉﱪ، ﱫﭹ ﭺﱪ تعود كلُّها على كفار مكة الذين تحدَّثت عنهم السورة قبل ﮚ ﮛ ﮜ ﱪ
عدد الصفحات ٣٨3 ذلك كما بيَّنا ﱫﮣ ﮤ ﮥ وكذلك الحال في الآية محل الدراسة وما بعدها في قوله تعالى: ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ، فإن الضمائر في ]70-68[ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﱪ .. إلخ، تعود ﱫ ﮰ ﮱ ﯓ ﱪ، ﱫﮫﱪ، ﱫ ﮧ ﱪ، ﱫ ﮤ ﱪقوله: على كفار مكة دون أدنى شك أو احتمال، كما هو واضح من الآيات السابقة واللاحقة التي جاءت الآية الكريمة محل الدراسة في سياقاتها. ﱫ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ومناسبة تلك الآية لما قبلها حكاه البقاعي بقوله ﱫﮔ لما كانت الآيات (أي: المذكورة في قوله عز وجل: ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﱪ لمَِا فيها من ]66[ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﱪ البلاغة المعجزة، والحكم المعجبة داعية إلى تقبُّلها بعد تأمُّلها، وكانوا يعرضون عنها، ويفحشون في وصفها، تارة بالسحر، وأخرى بالشعر، وكرة بالكهانة، ومرَّة بغيرها، مسندًاا إلى تسبب عن ذلك الإنكار عليهم، فقال: معرضًا عنهم، إيذانًا بالغضب، .)1( الذي هو أولى بإلقاء السمعالجمع للاستفهام الإنكاري ﱫ ﮣ ﱪ الهمزة في قوله: ﱫ ﮣ ﮤ ﮥ ﱪ وقوله: التوبيخي التعجبي على نحو ما مرَّ في آية النساء ومحمد، فهو عز وجل ينكر على كفار مكة عدم تدبُّرهم للقرآن الكريم الذي يُلقى على مسامعهم ليل نهار، ويوبِّخهم على ذلك، أي: ما كان ينبغي وقوع هذا منهم، ويتعجب من حالهم في إعراضهم عن لا يَملِكُ مَن يتدبَّره أن يظلَّ معرضًا ×الهداية؛ لأن .197/3، والفتوحات الإلهية173/6، وانظر: حاشية زاده211/5نظم الدرر للبقاعي) 1(
عدد الصفحات ٣٩40 .)1(عنه اختلف فيها على وجهين:ﱫﮣ ﱪوالفاء في قوله: عطفت الجملة التي بعدها على جملة محذوفة قبلها تتفق مع عاطفة، الأول: السياق السابق لها، وفي هذا يقول أبو السُّعود عليه الكلام؛ أي: أفعلوا ما فعلوا من النكوص والاستكبار والهجر، فلم يتدبَّروا .)2(القرآن متفرِّعة عما قبلها، يقول ابن عاشور استئنافية أنها الثاني: ﱫﮠ .. إلى قوله: ﱫﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﱪعلى الكلام السابق، وهو قوله: ، وهذا الأخير هو الراجح؛ لأن ما بعد الفاء متفرِّع عما قبلها، ومرتبط )3(»ﮡﱪ به أشدَّ ارتباط كما يبدو بوضوح مِن تماسك تلك السياقات، واتصالها بلحمة شديدة لا ينفصم عُراها. »لَْ و لا النافية لنفي الحال أو الاستقبال حسب السياق، والمراد هنا: نفي تدبُّرهم للقرآن نفيًا حاسماً جازمًا فيما مضى؛ ومن ثم عبرَّ بـ (لم) التي تقلب المضارع إلى المضي، وهذه الأداة عكس عقب الاستفهام الإنكاري يرجح أنها تنفي عنهم التدبر في الماضي، وتحضُّهم عليه .2474/4) في ظلال القرآن1( ، والفتوحات الإلهية 94-93/6، وانظر: روح البيان 143/6) تفسير أبي السعود 2( .197/3 . 87 / 18) التحرير والتنوير3(
عدد الصفحات ٤٠41 حالة نزول الآية ومستقبلاً، وهذا معنى يستشفُّ بوضوح من السياق؛ لأن من ينكر على أحدٍ عدم القيام بفعلٍ ما؛ فهو يحضه على فعله حاضرًا، ويحثُّه عليه مستقبلاً، ولهذا يتضمن حضَّهم على ﱫﮣ ﮤ ﮥ ﱪ أشار الشنقيطي فقال .)1(تدبُّر هذا القول الذي هو القرآن العظيم وفي هذا دلالة أيضًا -والله أعلم- إلى أن كفار مكة المخاطبين بتلك الآية سيتدبَّرون القرآن، وسيؤمنون به مستقبلاً، وقد كان، بخلاف النفي بـ (لا) في آيتي النساء ومحمد التي تنفي عن المنافقين التدبر في الحاضر فحسب، ولم تتعرض للمستقبل، وهذه خصيصة من خصائص التعبير في كل آية أظهرتها أداة الجزم هنا، وأداة النفي هناك. أصله يتدبروا ﱫ ﮤ ﱪ الدال، مخرج الدال بطرف اللسان، وأطراف الثنيتين، ومخرج التاء بطرف اللسان وأصول الثنيتين، فكل ما قرب مخرجه فافعل به هذا، ولا تقل ، وسر الإدغام هنا حكاه )2(« أي: المتلو عليهم بأن ينظروا في أدبارهﱫﮣ ﮤ ﮥﱪ الإمام البقاعي فقال ، ليعلموا أنه مُوجب الإدغاموعواقبه، ولو لم يبلغوا في نظرهم الغاية بما أشار إليه .)3(للإقبال والوصال، والوصف بأحسن المقال وفي الإدغام -زيادة على ذلك- إشارة إلى أن كفار قريش كانت تضيق صدورهم، .50/10، والوسيط للشيخ طنطاوي874/5أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن )1( .585/2، وانظر: السراج المنير للشربيني107-106/1) معاني القرآن للأخفش2( .212- 211/5) نظم الدرر للبقاعي3(
عدد الصفحات ٤١42 وتنغلق قلوبهم عند سماعه؛ لأنهم يعلمون في قرارة نفوسهم أنه حق، وأن كل ما يعيبون به على القرآن لا صحة له، فحكى الإدغام أحوالهم النفسية والشعورية، ومن ﱫﮑ خاطفًا سريعًا ذا نبرة شديدة بخلاف ﱫ ﮣ ﮤ ﱪثم جاء التعبير بقوله: في الحديث عن المنافقين من انفتاح الفم في النطق مع لا النافية، وكأنه ﮒ ﱪ يحثُّهم على التأمل فيه بروية، وهدأة مرة بعد مرة، أما كفار قريش فيكفيهم هنا أدنى تدبر للوصول للحق؛ لأنهم الموصوفون في القرآن باللسن واللدد، وسرعة الفهم والبديهة. عائدة على كفار مكة حسبما هو واضح من الآية ﱫﮤ ﱪوواو الجماعة في قوله: ، حيث كان كفار مكة يسمرون، ﱫﮞ ﮟ ﮠ ﮡﱪالسابقة في قوله: ويذكرون القرآن بالهجر، فيقولون: هو سحر وشعر وكهانة. مفعول به، مصدر من الثلاثي قال، وهو يطلق على أوجه عديدة: ﱫﮥﱪ أن يكون للمركب من الحروف المُبرَْزِ بالنطق مفردًا كان أو جملة، أظهرها:« فالمفرد كقولك ذلك.. يقال للمتصور في النفس قبل الإبراز باللفظ قول، فيقال: في نفسي قول :الثاني ، فجعل ما في اعتقادهم ﱫﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﱪ لم أظهره، قال تعالى: قولاً. للاعتقاد نحو: فلان يقول بقول أبي حنيفة.:الثالث يقال للدلالة على الشيء، نحو قول الشاعر:الرابع:
عدد الصفحات ٤٢43 .)1(امْتَلأَ الحَْوْضُ وَقَالَ قَطْنِي والمراد هنا الأول؛ لأن القرآن قول مركب من حروف كما يقول القرطبي، )2(لكنه قول متحدَّى به، أو كما يقول البقاعي .)3(القول، بل هو في عداد البهائم والتعبير بالقول هنا دون القرآن أو الكتاب؛ للإشارة إلى أن كفار قريش كانوا ، والصحابة، ولم يكونوا يقرؤونه قراءة، أو يكتبونه ×يسمعونه مقولاً من النبي كتابة، وفي التعبير به أيضًا إشارة إلى أنهم كانوا يجعلونه في منزلة بقية الأقوال التي يستمعون إليها من البشر، فلا يلتفتون لمعانيه، ولا يدققون لما فيه. ولعل في اختيار القول أيضًا إشارة واضحة إلى أنهم أمة القول بمختلف فنونه وأغراضه: شعرًا، ونثرًا، ومَثَلاً، وحكمةً، فكيف لم يتدبَّروا هذا القول الذي جاء على وفق طرائقهم اللغوية، وسلائقهم البيانية، وهم مَن هم من أمراء الفصاحة وملوك البلاغة، وسلاطين البيان؟! كل هذا كامن في اختيار تلك اللفظة، ومن ثم فهي تحكي حالتهم، وتكشف عن سريرتهم، وتعكس ما كانوا عليه بدقة متناهية، ووضوح تام، ولذا فالتعبير بتلك اللفظة أدق وألصق بهذا السياق، ولا يمكن أن يحلَّ غيرها محلها من نحو القرآن كما مضى، والكتاب كما سيأتي. و(أل) في القول تفيد العموم العرفي، أي: القول الذي استمعوا إليه وليس .408/3، وانظر: عمدة الحفاظ430) مفردات ألفاظ القرآن للأصفها1( .139/12) تفسير القرطبي2( .212-211/5) نظم الدرر للبقاعي3(
عدد الصفحات ٤٣44 مقصودًا به القرآن كله؛ لأن القرآن كله لم يكن قد نزل بعد، وهذا القول قل أو كثر لو تدبَّروه كان كافيًا في إيمانهم وعودتهم إلى رحاب الحق؛ وقد انطبق هذا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في واقعة إيمانه، حين آمن بقراءة بعض آيات تلاها، فلو فعل الكفار مثلما فعل لعادُوا لرشدهم، وآمنوا بربهم. ويجوز أن تكون (أل) للعهد، أي: هذا القول المعهود الذي يستمعون إليه من ، والصحابة رضوان الله عليهم.×النبي : وبعدَ أن أنكر عليهم عدم تدبرهم للقرآن تلاه بالإنكار على عدم الإيمان؛ فقال بشيء غريب ×أي: أجاءهم رسولهُم محمد ؛ ﱫ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﱪ يتفق ×مستبدع لم يأت آبائهم السابقين؟ كلاَّ، ليس الأمر كذلك؛ لأن ما جاءهم به -في أصوله وكلياته- مع ما جاء به إبراهيم وإسماعيل وغيرهما عليهم السلام، وفي جاء لهدايتهم كبقية الرسل، ولم يكن بدعا في ×هذا تقريع آخر لهم؛ لأنَّ الرسول ]9[ ﱫﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﱪذلك، قال تعالى: ﱫﮦﱪمنقطعة، بمعنى: بل، يقول أبو السعود ﱫﮦ ﮧﱪ في قوله: ﱫﮦﱪو منقطعة، وما فيها من معنى (بل) ﱫ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﱪفي قوله تعالى: ، وأم المنقطعة هذه: )1(للإضراب والانتقال عن التوبيخ بما ذُكر إلى التوبيخ بآخر ، تقديره: ﱫ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﱪ« .)2(بل أجاءهم وحذف أداة الاستفهام في هذا الموضع جائز؛ لدلالة (أم) عليه، ولفهمها من .297/6، وفتح البيان139/12، وانظر تفسير القرطبي143/6) تفسير أبي السعود1( .88 / 18) التحرير والتنوير2(
عدد الصفحات ٤٤4 السياق؛ ولأن ذكرها سيسبب ثقلاً واضحًا في الكلام والاستفهام المقدر هنا خرج عن حقيقته إلى الإنكار والاستبعاد، يقول أبو السعود ما لم يأت آباءهم الأولين، حتى استبدعوه واستبعدوه، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال، يعني: أن مجيء الكتب من جهته تعالى إلى الرسل عليهم السلام سنة قديمة له تعالى لا يكاد يُتسنى إنكارها، وأن مجيء القرآن على طريقته فمن أين .)1(ينكرونه؟ وقيل: إن الاستفهام هنا، وفيما يلي تلك الآية للتقرير، وهو حمل المخاطب على ، ﱫﮮ ﮯ ﮰﱪ ، وقوله: ﱫﮦ ﮧﱪ الإقرار بما يعلمه، يقول الجمل ، أم في المواضع الثلاثة مقدرة بـ (بل) الانتقالية، وهمزة ﱫﮱ ﯓﱪ وقوله: .)2(الاستفهام التقريري، والتقدير: بل أجاءهم، بل ألم يعرفوا، بل أيقولون وعلى ذلك: فهذه الاستفهامات هنا خرجت عن حقيقتها من طلب معرفة المجهول إلى معنى من هذه المعاني المجازية التي أشرت إليها، وهذا عند البلاغيين المتأخرين يعدُّ من قبيل المجاز المرسل لعلاقة اللزوم، وإلى هذا أشار ابن عاشور فقال: « الخطأ يستلزم الشك في صدوره عن العقلاء، فيقتضي ذلك الشك السؤال عن وقوعه .)3(من العقلاء .238/12، وتفسير القاسمي94/6، وانظر: روح البيان143/6) تفسير أبي السعود1( .170/4، وحاشية الصاوي592/6، وانظر: حاشية الشهاب197/3) الفتوحات الإلهية2( ضمن 193/1، وانظر: حاشية الدسوقي على شرح السعد 87/18) التحرير والتنوير 3( شروح التلخيص
عدد الصفحات ٤٥4 المجيء في اللغة ﱫﮧﱪوقوله: مجيء بسهولة، والإتيان قد يقال باعتبار القصد، وإن لم يكن منه الحصول، والمجيء يقال اعتبارًا بالحصول، ويقال: جاء في الأعيان والمعاني، ولمَِا يكون مجيئه بذاته وبأمره، .)1(ولمن قصد مكانًا، أو عملاً، أو زمانًا والمجيء هنا مستعمل في المجيء في المعاني، وهو هنا ليس على حقيقته، بل . )2(« وهذا المجاز استعارة تبعيَّة؛ لأنها جرت في الفعل كما يرى متأخرو البلاغيين، والتعبير عن التبليغ والإخبار وهما من المعنويات بالمجيء لتشخيص المعنويات، وإبرازها في صورة المحسوسات؛ لتثبيتها في الأفئدة والعقول. يعود على كفار قريش، كما تؤكد السياقات. ﱫﮧﱪوالضم : اسم موصول بمعنى الذي، وهي هنا فاعل جاء، وهي صادقة على ﱫﮨﱪو الموصولة صادقة على دين، والمعنى: أجاءهم دين ﱫﮨﱪدين، يقول ابن عاشور ، وإسناد )3(لم يأت آباءهم الأولين، وهو الدين الداعي إلى توحيد الإله وإثبات البعث قرينة واضحة على أنَّ الفعل جاء مجازًا؛ لأنَّ ﱫﮨﱪالفعل جاء للفاعل اسم الموصول الدين لا يتأتى منه المجيء حقيقة. صلة الموصول، والمراد من هذه الصلة قد ﱫ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﱪ وجملة: من توحيد ×يكون ظاهر معناها، بمعنى: أنَّ الدين الذي أتى به الرسول الكريم .416/1، وانظر: عمدة الحفاظ102) مفردات الراغب1( .88 /18) التحرير والتنوير2( .88/18) التحرير والتنوير3(
عدد الصفحات ٤٦4 الإله والبعث لم يكن لهم عهد به من قبل، وعلى هذا المعنى الظاهر تهَكُّم بهم، إذ قد أنكروا دينًا جاءهم، ولم يسبق مجيئه لآبائهم، ووجه التهكُّم أنَّ شأن كلِّ رسول جاء بدين أن يكون دينُه أُنُفًا، ولو كان للقوم مثله؛ لكان مجيئه تحصيل حاصل. وإن كان المراد من الصلة: أنه مخالف لما كان عليه آباؤهم؛ لأن ذلك من معنى: لم يأت آباءهم، كان الكلام مجرد تغليط؛ أي: لا اتجاه لكفرهم به؛ لأنه مخالف لما كان .)1(عليه آباؤهم، إذ لا يكون الدين إلاَّ مخالفًا للضلالة الإتيان هنا أيضًا مجاز عن الإبلاغ على نحو ما سبق، فأصل الكلام: : ﱫﮪﱪ « وذكر قبل المجيء؟ لأن المجيء الأول مجيء بالذات؛ أي: أجاءهم الرسول بخبر وبلاغ ودين أقول: فأليق به المجيء، والثاني تكرار، فأليق به الإتيان؛ لأن الإتيان كما يقول الراغب ، فهو أخصُّ من المجيء، وهكذا وضع كلُّ لفظ في موضع لا يصلح فيه )2(بسهولة غيره. آباء: مفعول يأت، والفاعل ضمير مستتر يعود على ما الموصولة : ﱫﮫﱪ التي هي فاعل جاء، والمعنى: بل أجاءهم دين أو بلاغ لم يأت هذا الدين أو البلاغ آباءهم الأولين. وآباء: جمع تكسير مفرده أب، والأب في اللغة .88 /18) التحرير والتنوير1( ، حيث أورد للإتيان معاني أخرى60-57/1، وانظر: عمدة الحفاظ4) مفردات الراغب2(
عدد الصفحات ٤٧4 أبا ×كان سببًا في إيجاد شيء، أو إصلاحه، أو ظهوره: أَبًا، ولذلك يسمى النبي .)1(المؤمن وليس المراد بالآباء هنا آباء كفار قريش المخاطبين بالآية بداهة، بل المراد آباؤهم الأبعدون الذين ينتسبون إليهم، ولعل هذا يُفسرِّ سرَّ استعمال الآباء هنا بدلاً عن الوالدين التي تدلُّ على الأب والأم المباشرين. ) مرة مرفوعًا ومنصوبًا 64والتعبير بالآباء جمع تكسير جاء في الذكر الحكيم ، وهو في هذه المواضع لم يكن المقصود به الأب المباشر، بل المقصود به )2(ومجرورًا الآباء المباشرين في قوله تعالى: مثلاًا: يحدده سياقات الكلام المختلفة، فقد قُصد به ، كما أريد به ]31[ ﱫﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﱪ ﱫﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ الأب غير المباشر في قوله تعالى: ، فالسياق هو الذي يحُدِّد المراد به، وهنا السياق يشير ]170[ ﭝ ﭞﭟﱪ بوضوح إلى أن الآباء ليسوا هم الآباء المباشرين بل أجدادهم، ومن ثم فإن إطلاق الآباء على الأجداد قد يكون مستعملاً في حقيقته؛ لأنه يجوز إطلاق الأب على الوالد ﱫ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ المباشر، وعلى الجد، قال تعالى: ، وإبراهيم عز وجل لم يكن أبا يعقوب، بل كان جده، وقد ]133[ ﯭ ﱪ يكون مجازًا؛ لأنه لم يستعمل في معناه الموضوع له في اللغة، يقول السمين الحلبي: .)3(« .3) مفردات الراغب1( .4 -3) المعجم المفهرس2( .55/1) عمدة الحفاظ3(
عدد الصفحات ٤٨4 والضم عنهم بوضوح كما بيَّنا. : جمع أول، و ﱫﮬﱪ أوجه: المتقدم بالزمان، كقولك: عبد الملك أولاً، ثم منصور. أحدها: المتقدم بالرياسة في الشيء، وكون غيره محتذيًا به، نحو: الأمير أولاً، ثم الثاني: الوزير. المتقدم بالوضع والنسبة، كقولك للخارج من العراق: القادسية أولاً ثم :الثالث فيد، وتقول للخارج من مكة: فيد أولاً، ثم القادسية. .)1( المتقدم بالنظام الصناعي، نحو أن يقال: الأساس أولاً، ثم البناء :الرابع والمراد به هنا هو الوجه الأول، وهو التقدم بالزمان، والمعنى: أم جاءهم ما لم يأت آبائهم الأولين في الأزمنة الغابرة. وقد اختلف المفسرِّون في تحديد آبائهم الأولين هنا على رأيين: هم آباء كفار قريش من :الأول وقحطان، ومضر وربيعة، وقس والحرث بن كعب، وأسد بن خزيمة وتميم بن مرة، .)2(وتبع وضبة بن أد هم سلف الأمم السابقة: من نوح وإبراهيم وإسماعيل بوجه عام، يقول :الثاني الثعالبي .156/1، وانظر عمدة الحفاظ27) مفردات الراغب1( .55/2، والبيضاوي36/3، وانظر الكشاف143/6) تفسير أبي السعود2(
عدد الصفحات ٤٩