المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التدبر حقيقته وعلاقته بمصطلحات التأويل والاستنباط والفهم والتفسير دراسة بلاغية تحليلية على آيات من الذكر الحكيم

عبد الله عبد الغني سرحان

صفحة ٢ من ١٤

1 ، فأصله من الضم والجمع؛ ولذا )1(ولدًا الكتاب قرآنًا من بين سائر كتب الله المنزلة لكونه جامعًا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة ﱫﭲ ]111[ ﱫﯼ ﯽ ﯾﱪ جميع العلوم، كما أشار بقوله: .)2(»]89[ ﭳ ﭴﱪ وذكر في هذه الآية لفظة القرآن، وذكر في غيرها لفظة القول، والكتاب كما سيأتي؛ لأن المخاطبين بالتدبر هنا -كما مر- هم المنافقون، وهؤلاء كانوا يقرؤون القرآن في حضرة المسلمين، ويرددون آياته على ألسنتهم دون تدبر، بل كانوا يتمتمون بها مكرًا ودهاء، فجاءت تلك اللفظة تعكس حالهم، وتحكي صنيعهم الظاهر. ويجوز أن يكون اختيار تلك اللفظة راجعًا أيضًا إلى أن هؤلاء المنافقين كانوا لا يكتبونه البتة، ولا يحفظونه في صدورهم مطلقًا، وهذا يؤيده السياق الخارجي، فلم بكتابة القرآن، فبان بهذا أنَّ لفظة ×يُعرف أنَّ منافقًا عليمَ النفاق كلَّفه رسول ا القرآن تحمل في طياتها معنًى مغايرًا للفظة القول والكتاب، يؤكد ذلك: أنَّ الكتاب ، ]1[ ﱫﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﱪ عطف عليه في قوله تعالى: والعطف يقتضي التغاير في الذات، أو في الصفات كما هو معلوم. وتعريف القرآن بـ (أل) فيه إشارة إلى فخامته وعظمته، أي: هذا القرآن العظيم .×المنزَّل على خاتم المرسلين محمد ويجوز أن تكون (أل) للعهد، أي: هذا القرآن المعهود الذي تقرؤونه، كما يجوز أن ، ويجوز أن يكون القرآن غير مشتق، يقول الزرك87/2) زاد المسير لابن الجوزي1( الشافعي هو اسم لكتاب الله، يعني أنه اسم علم غير مشتق، كما قاله جماعة من الأئمة ، والراجح أنه مشتق ثم صار علما بالغلبة.349/1للزرك .338/3) عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي2(

عدد الصفحات ١٨

1 تكون للعموم، أي: جميع القرآن الذي نزل عليهم حتى نزول تلك الآية، وهذا يعني أنَّ من يتدبر أقلَّه -أو أكثره- لا يكون متدبرًا له، فتدبره كله يحمي من الوقوع في توهم الاختلاف، وإلى ذلك أشار الإمام ابن تيمية بقوله عنه لا يكون إلا بتدبُّره كلِّه، وإلا فتدبر بعضه لا يُوجب الحكم بنفي مخالفة ما لم يَتدَبَّر .)1(لما تَدَبَّرَ هذا، ومن سمات تلك اللفظة: أنَّ الذهن -عند ذكرها- يذهب إلى معناها تلقائيًّا، ولا يحتاج لأمارات، بخلاف غيرها من الألفاظ التي أطلقت على القرآن فتحتاج لقرائن من السياق لمعرفة المراد بها؛ لأنها تطلق عليه وعلى غيره. وحضُّ المنافقين على تدبر القرآن يحتمل أن يتأملوا دلالة تفاصيل آياته على مقاصده التي أرشد إليها المسلمين، :أحدهما أي: تدبر تفاصيله. أن يتأملوا دلالة جملة القرآن ببلاغته على أنه من عند الله، وأن الذي جاء :وثانيهما به صادق، وسياق هذه الآيات يرجح حمل التدبر هنا على المعنى الأول، أي: لو تأمَّلوا وتدبَّروا هدى القرآن؛ لحصل لهم خير عظيم، ولما بقوا على فتنتهم التي هي سبب إضمارهم الكفر مع إظهارهم الإسلام، وكلا المعنيين صالح بحالهم، إلا أنَّ المعنى ؛ أي: في الآيات السابقة، ولكني )2(الأول أشدُّ ارتباطًا بما حكي عنهم من أحوالهم أقول: كلا المعنيين من غايات حث المنافقين على التدبر فيه. ؛ أيﱫﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﱪوقوله تعالى: .70/4، وج307/13) مجموع فتاوى ابن تيمية1( .137/1) التحرير والتنوير لابن عاشور2(

عدد الصفحات ١٩

20 من عند مخلوق لكان على قياس الكلام المخلوق، بعضه فصيح بليغ حسن، وبعضه مردود ركيك فاسد، فلما كان القرآن جميعه على منهاج واحد في الفصاحة والبلاغة ثبت أنه من عند الله. أفلا يتفكَّرون في القرآن، فيعرفوا بعدم التناقض فيه، وصدق ما يخبر به والمعنى: ، وأن ما يكون من عند غير الله لا يخلو عن تناقض عز وجلعن الغيوب أنه كلام الله واختلاف، فلما كان القرآن ليس فيه تناقض واختلاف عُلم أنه من عند قادر على ما لا .)1(يقدرون عليه، عالم بما لا يعلمه سواه يجوز أن تكون عاطفة عطفت ما ﱫﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﱪ والواو في قوله: بعدها على ما قبلها، ويجوز أن تكون حالية، ويترتب على كل معنى اختلاف في ﱫﭿ ﮀ ﮁ ﮂ الدلالة المرادة، وإلى هذين الوجهين أشار ابن عاشور، فقال إلخ، يجوز أن يكون عطفًا على الجملة الاستفهامية، فيكونوا أُمِرُوا بالتدبُّر ﮃ ﮄ ﱪ في تفاصيله، وأُعلِمُوا بما يدل على أنه من عند الله، وذلك انتفاء الاختلاف منه، فيكون الأمر بالتدبر عامًّا، وهذا جزئي من جزئيات التدبر ذُكر هنا انتهازًا؛ لفرصة المناسبة ، فيكون زائدًا على الإنكار المسوق له ×لغمرهم بالاستدلال على صدق الرسول الكلام، تَعَرَّضَ له؛ لأنه من المهم بالنسبة إليهم، إذ كانوا في شكٍّ من أمرهم. من معنيي التدبر هنا، ويجوز أن تكون الجملة بالمعنى الأولوهذا الإعراب أليق حالاً من القرآن، ويكون قيدًا للتدبر، أي: ألا يتدبرون انتفاء الاختلاف منه، فيعلمون من معنيي التدبر.بالمعنى الثانيأنه من عند الله، وهذا أليق ومما يستأنس به للإعراب الأول: عدم ذكر هذه الزيادة في الآية المماثلة لهذه من .564/1) تفسير الخازن1(

عدد الصفحات ٢٠

21 إلى قولهﱫﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟﱪ سورة القتال، وهي قوله: ، وهذه دقائق من تفسير الآية أهملها ﱫﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﱪ .)1(جميع المفسرين ولكني أقول: عدم القطع بدلالة معينة للواو هو الأرجح؛ لأن لكل دلالة معنًى مقصودًا كما رجَّحنا قبلُ في أن هذين المعنيين هما من غايات التدبر. ﱫﮀ ﮁ حرف امتناع لامتناع، وهي شرطية غير جازمة، وجملة: ﱫﭿ ﱪ هنا ناقصة ناسخة، ﱫﮀﱪ لا محل لها من الإعراب، فعل الشرط، وﮂ ﮃ ﮄ ﱪ واسمها محذوف تقديره: ولو كان القرآن، وحذف للعلم به، ولفهمه من السياق السابق بوضوح، حيث نُصَّ عليه في مطلع هذه الآية الكريمة. وأصل التعبير بهذا الفعل .)2(نحو: كان زيد عالـماً، معناه: أنه اتصف بالعلم فيما مضى دلالة على الانقطاع وهذا هو المعنى المراد هنا، فالانقطاع في معنى الفعل قائم، ولم يفقد هذا الأصل، أي: لو فرض حصول القرآن سلفًا من عند غير الله؛ لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. على أصلها للابتداء، أي: لو كان القرآن بداية من عند غير الله. ﱫﮁ ﱪ مجرورة بـ (من)، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، تقديره ﱫﮂﱪ ، ﱫﮁﱪ ظرف مكان لا يتصرف بأكثر من جره بـ ﱫﮂ ﱪفي محل نصب خبر كان، و لفظ موضوع للقرب، فتارة يستعمل في المكان، وتارة في ﱫﮂ ﱪ وقال بعضهم: ﱫﭽ ﭾ ﭿ الاعتقاد نحو: عندي كذا، وتارة في الزلفى والمنزلة، قال تعالى: .138/5) التحرير والتنوير1( .509/3) عمدة الحفاظ2(

عدد الصفحات ٢١

22 ، وهي هنا على أصلها للظرفية المكانية)1(»]47[ ﮀ ﮁﱪ ، وكان من الممكن أن يقال: ولو كان من غير الله؛ لأن دلالة ﱫﮂ ﱪوعبر هنا بـ بمفهوم المخالفة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك: أنَّ هذا النمط الفريد من ﱫﮂ ﱪ القول لا يقدر عليه غيره؛ لأنه من عند الحضرة العلية الربانية، فضلاً عن أن العندية أضفت بجرسها ظلالاً قويَّةً على هذا الأسلوب، كما يحسُّه كلُّ متدبِّر متذوِّق لأسرار الكتاب الكريم. ، وذكر السمين لهذه اللفظة معاني عديدة ﱫﮂ ﱪ : غيرِ مضاف لـ ﱫﮃ ﮄﱪ قوله: ، وهذا هو المعنى الذي يشير إليه السياق بوضوح تام، )2(صفة بمعنى مغايرمنها أنها أي: لو كان القرآن من عند مغاير لله، إنسًا كان، جانًا كان؛ لحصل فيه اختلاف كثير لما يعتور هذه المخلوقات من نقصٍ، فكلامها يكون ناقصًا كأشخاصها. لم يجسر كائن ما كان أن يتسمَّى به، قال تعالى: ولفظ الجلالة علم على المولى ، وعبرَّ به دون لفظ رب؛ لأن المقام هنا مقام ]65[ ﱫﭚ ﭛ ﭜ ﭝﱪ الألوهية والعبودية والوحدانية، وليس مقام الربوبية التي تستخدم في سياق الإنعام والإحسان والإصلاح والملك والتربية وغير ذلك، يقول السم ﱫ ﭖ ﭗ فيه لفظ الرب فلمناسبة ذلك المقام، ألا ترى حسن موقعه في قوله تعالى: حيث نبَّههم على استحقاق الحمد له بكونه مُصلِحَهم ومالكهم، ﭘ ﭙﱪ .)3(ومتوليِّ مصالحهم .362، وانظر مفردات الراغب156 /3) عمدة الحفاظ1( .381، وانظر مفردات الراغب224 /3) عمدة الحفاظ2( .64 /2) عمدة الحفاظ3(

عدد الصفحات ٢٢

23 أي؛ ﱫﮅ ﮆ ﮇ ﮈﱪ وقوله: .)1(الله؛ لوجدوا فيه اختلافًا في المعنى أو اللفظ واقعة في جواب الشرط، والجملة بعدها لا محل ﱫﮅﱪواللام في قوله: لها من الإعراب جواب شرط لو، والفعل وجد يستعمل على أضرب شتى، يقول وجود بإحدى الحواس الخمس، نحو: وجدت زيدًا، الوجود أضرب: الراغب نحو: ووجود بقوة الشهوة ووجدت طعمَه، ووجدت صوتَه، ووجدت خشونتَه، أو ووجود بالعقل،وجدت الشبع، ووجود بقوة الغضب، كوجود الحزن والسخط، .)2(بواسطة العقل، كمعرفة الله تعالى، ومعرفة النبوة وهذا المعنى الأخير هو المراد، فعن طريق العقل الراجح السديد يعرف عدم وجود اختلاف في القرآن، وهذا يشير من طريق خفيٍّ إلى أن العقل يعدُّ أداةً -غير منصوص عليها- من أدوات الحكم على القرآن بأنه من عند الله. وآثر التعبير بهذا الفعل دون غيره؛ لأنَّ في دلالته إشارة إلى أن هذا القرآن لو كان من عند غير الله لعثروا فيه بيسر وسهولة على تناقض واختلاف؛ لأنهم أهل بصيرة نافذة في الكشف عن حقائق الكلام، ومراميه، وأنواع التراكيب المختلفة فيه، فلو كان من عند غير الله لاتضح عند المتدبرين ما فيه من اختلاف، فجاء الفعل وجد في مكانه تمامًا. تعود على المنافقين المذكورين قبلُ بلا خلاف. ﱫ ﮅ ﱪوواو الجماعة في : جار ومجرور متعلقان بالماضي وجد، و(في) للظرفية على أصل معناها، ﱫﮆﱪ .46/2) حاشية الصاوي على الجلال1( .328/4، وانظر عمدة الحفاظ549) مفردات الراغب2(

عدد الصفحات ٢٣

24 والتعبير بـ(في) هنا جاء دقيقًا جدًّا، أي: لو كان من عند غير الله لوجدوا الاختلاف مظروفًا في طيَّاته، وهذا يشير من طريقٍ خفيٍّ إلى أنَّ المتدَبِّر إذا أراد أن يقفَ على كُنه هذا الكلام يجب أن ينغل في طوايا تراكيبه، وأن يعمل عقله وقلبه في مكنونات أساليبه، فيسبر أغوارها، ويتعرف على خفاياها ويتأمل حقائقها، ويتبصر دقائقها، عندئذ يظهر له إن كان من عند الله أم لا، أما من ينظر فيه من المنافقين نظرة سريعة، ويقرأه بهَِذٍّ وهذرمة، وبلا تمعُّن، فسَيُخَيِّلُ إليه عقله المريض أن فيه اختلافًا. اختلف فيه، فقيل ﱫ ﮆ ﱪ والضمير في ، وقيل: يعود على ما يخُبر الله عز وجل به رسولَه مما يُبَيِّتُ المنافقون، كما )1(الظاهر ﱫﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ورد في الآية السابقة في قوله: .]81[ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰﱪ يقول ابن عطية . )2(يبيِّتون اختلافًا والرأي الأول هو الجدير بالنظر؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور وهو القرآن، وهذا هو الظاهر الذي يتَّسق مع السياق. على مفعول وجد؛ للمسارعة بذكر القرآن ﱫﮆﱪوتقديم الجار والمجرور الكريم بعود الضمير عليه؛ لأن النفوس مُشرَئِبَّة إليه في المقام الأول. مصدر : مفعول به للفعل وجد، وهوﱫﮇﱪ، ﱫﮇ ﮈﱪقوله: من الماضي ا .520 /6، وانظر: اللباب لابن عادل51-50/4) الدر المصون للسمين الحلبي1( ، حيث ذكر الرأي520/6، واللباب305/3، وانظر: البحر المحيط188/4) المحرر الوجيز2(

عدد الصفحات ٢٤

2 .)1(طريق الآخر في حاله أو قوله وهذا الأخير هو المراد هنا، ولكن ليس المراد من اختلاف الأقوال القرآن من اختلاف في تفسير وتأويل وقراءة، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، فليس هو المقصود في الآية، بل هذه من علوم القرآن . وإنما المراد من الاختلاف هنا: اختلاف )2(الدالة على اتِّساع معانيه، وإحكام مبانيه التناقض في المعاني، والتفاوت في النظم والمباني، وهذا ما ذهب إليه الزمخشري بقوله: لكان الكثير منه مختلفًا متناقضًا قد تفاوت نظمه ﱫﮅ ﮆ ﮇ ﮈﱪ « وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغًا حدَّ الإعجاز، وبعضه قاصرًا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارًا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارًا مخالفًا للمخبر عنه، وبعضه دالاًّ على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالاًّ على معنى فاسد غير ملتئم، فلما صحة معان، وصدق إخبار تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء، وتناصر .)3(عُلم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره « وقيل: يحتمل أن يكون المراد من الاختلاف فيه اختلافًا بين ما يذكره من أحوالهم، وبين الواقع، فليكتفوا بذلك في العلم بأنه من عند الله، إذ كان يصف ما في قلوبهم وصف المطَّلع على الغيوب، وهذا استدلال وجيز .)4(وعجيب قصد منه قطع معذرتهم في استمرار كفرهم بقوله بعد إيراده لههذا الرأي الثاني العلامة أبو السعود وأيد .605 /1، وانظر: عمدة الحفاظ157) مفردات الراغب1( .290 /5، وانظر تفسير القرطبي305/3) البحر المحيط2( .187/4، وتفسير الألو316/3، وانظر: حاشية الشهاب547-546/1) الكشاف3( .208/2، وانظر: تفسير أبي السعود138 /5) التحرير والتنوير4(

عدد الصفحات ٢٥

2 يستدعيه جزالة النظم الكريم، وأما حمل الاختلاف على التناقض، وتفاوت النظم البلاغة بأن كان بعضه دالاًّ على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه على معنى كما فاسد غير ملتئم، وبعضه بالغًا حدا الإعجاز، وبعضه قاصرًا عنه يمكن معارضته .)1( فمما لا يساعده السباق ولا السياقجنح إليه الجمهور، وأرى أن تنكير لفظ اختلاف هنا ينفي الاختلاف الفاسد بجميع أنواعه عن القرآن الكريم، والمعنى أنه لا يوجد فيه أدنى نوع من أنواع الاختلاف المذكورة قبل، بل هو على نهج واحد في البلاغة، ومرتبة واحدة في الفصاحة، وهو أيضًا يطابق أحوال من يخبر عنهم بصدق تام، ومن ثم لا حاجة بنا لتأييد الرأي الأول أو الثاني؛ لأن الاختلاف يشملهما جميعًا؛ وهذا بخلاف كلام البشر ففيه التناقض والتفاوت وعدم المطابقة للواقع .)2(منه صحيحًا مطابقًا للواقع إلا القليل النادر نعت لاختلاف، والكثرة في الأصل ضد القلة، وهما ﱫﮈﱪ ، ولا يراد من الكثرة هنا ضدها، وهي القلة، )3(في الكمية المنفصلة كالأعداد بل الكثرة والقلة منتفيتان عن القرآن، فليس فيه اختلاف كثير، أو قليل بحال من يدلُّ بمفهومه على أن في القرآن ﱫﮇ ﮈﱪالأحوال، اختلافًا قليلاً، وإلا لما كان للتقييد بوصف الكثرة فائدة مع أنه لا اختلاف فيه أصلاً. قلت: التقييد بالكثرة للمبالغة في إثبات الملازمة، أي: لو كان من عند غير الله .404/1، وانظر: الفتوحات الإلهية208/2) تفسير أبي السعود1( ، دار 491/1، وانظر: فتح القدير للشوكا 328 /2) فتح البيان للشيخ صديق خان 2( الفكر .443) مفردات الراغب3(

عدد الصفحات ٢٦

2 تعالى لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا فضلاً عن القليل، لكنه من عند الله تعالى، فليس فيه .)1(اختلاف لا كثير ولا قليل أقول هذا؛ لأن منطوق هذه الجملة: أنَّ القرآن لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا؛ ومفهومها: أنَّ القرآن لو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافًا قليلاً، وليس هذا مراد البتة لا عقلاً ولا مقامًا ولا سياقًا داخليًّا أو خارجيًّا، فالكثرة هنا كما يقول الأصوليون: وصف لا مفهوم له، يؤكد هذا: أن القرآن لم يرد فيه المصدر « وهذا ما أكَّده ابن عاشور بقوله وقوعه بمدلول (لو)؛ لِيَعْلَمَ المتدَبِّر أن انتفاء الاختلاف من أصله أكبر دليل على أنه من عند الله، وهذا القيد غير معتبر في الطرف المقابل لجواب (لو)، فلا يقدر ذلك ، بل يقدر هكذا: لكنه من عند الله، فلا اختلاف ﱫﮈﱪالطرف مقيدًا بقوله: .)2(فيه أصلاً مفعول به ﱫﮇ ﱪمفعول به أول، و ﱫﮈﱪ يجوز أن يكون :وقيل ثان، بمعنى: مختلفًا على صيغة اسم الفاعل، والتقدير: ولو كان القرآن من عند غير الله لوجدوا فيه كثيرًا مختلفًا. قال الألو وحينئذ لا يمكن وصف الاختلاف بالكثرة؛ لأنه لا يكون الاختلاف حينئذ إلا بأن ، وانظر: الفتوحات الإلهية 235 /6) تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن1( .46/2، وحاشية الصاوي على تفسير الجلال404/1للجمل .138 /5) التحرير والتنوير2(

عدد الصفحات ٢٧

2 يكون البعض منه معجزًا، والبعض غير معجز، وهو اختلاف واحد، فلذا جُعل .)1( اختلافًا، بمعنى مختلفًا وثانيهما: كثيرًا، أَولهما:(وجدوا) متعديًا إلى مفعولين: ولكني أرى أنَّ الإعراب الأول هو المناسب والأليق، والاختلاف فيه على أصله من المصدرية؛ لأنه ينفي ذات الاختلاف في الطرف المقابل، وهذا أقوي كما قدمنا، وبخاصة أنَّ الاعتراض سيظل قائماً أيضًا على الرأي الثاني، ويكون تقدير الكلام في الطرف المقابل: ولو كان القرآن من عند الله؛ لوجدوا فيه قليلاً مختلفًا، حاشا وكلاًّ. ويبقى هنا سؤال مهم: ماذا لو وقع لأحد من المؤمنين المتَّقين اختلاف في القرآن؟ أجاب عن هذا أبو حيان، فقال اختلافًا، فالواجب أن يتَّهم نظره، ويسأل من هو أعلم منه، وما ذهب إليه بعض الزنادقة المعاندين من أنَّ فيه أحكامًا مختلفة، وألفاظًا غير مؤتلفة؛ فقد أبطل مقالتهم . )2(علماء الإسلام .316/3، وانظر: حاشية الشهاب188،187/4) تفسير الألو1( .366/1، وتفسير الثعالبي188/4، وانظر: المحرر الوجيز305/3) البحر المحيط2(

عدد الصفحات ٢٨

2 ﱫ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ الأسرار البلاغية في قوله تعالى: ثانيًاا: .]24[ ﮗﱪ وقد وردت هذه الآية في سورة أحوال الكفار، ثم أحوال المؤمنين، حيث ذكرت ما أَعدَّه عز وجل للمتقين في جنات ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ النعيم، ثم تحدَّثت عن المنافقين من قوله: ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ .]25-20[ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﱪ فكما ترى جاءت الآية التي معنا في طيَّات الحديث عن المنافقين؛ لأن الضمائر في هذه الآيات تعود عليهم بلا شك؛ ولأن ما ذكرته الآيات من نعوت وصفات هي لصيقة الصلة بالمنافقين، وهذا ما أكد عليه جل المفسرين.

عدد الصفحات ٢٩

30 ومن هنا فإن الإمام القرطبي جانبه الصواب في قوله هم المنافقون ﱫﮒﱪ؛ لأن المخاطبين بواو الجماعة في قوله: )1(لجميع الكفار نصًّا، كما يشير السياق السابق واللاحق كما قدمناه. ووجه ارتباط هذه الآية بما قبلها حكاه الخازن، فقال ﱫﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ المتقدِّمة، وذلك أنَّ الله تعالى لما قال: كالتهييج لهم على ترك ما هم ﱫﮑ ﮒ ﮓ ﱪ، فكان قوله: ﮏﱪ فيه من الكفر الذي استحقُّوا بسببه اللَّعنة، أو كالتبكيت لهم على إصرارهم على .)2(الكفر هذا التركيب القرآني ورد بعينه في ﱫﮑ ﮒ ﮓﱪ وقوله تعالى: سورة النساء، وسبق الحديث عنه تفصيلاً، فلا حاجة لإعادة القول فيه، لكن ينبغي أن نركِّز هنا على أمر دقيق جدًّا، وهو أن المخاطب بالتدبر في السورتين هم المنافقون، ولكن من يقارن بين السياقين في السورتين يجد بينهما اختلافًا واضحًا، حيث تحدَّث في صدورهم غير ما ينطقون به أمامه، ×هناك عن المنافقين الذين يُبَيِّتُون للرسول وهنا تحدث عن كراهيتهم للقتال، وإفسادهم في الأرض، وتقطيعهم الأرحام، ومن ثم وجدنا توازنًا وتلاؤمًا، فاتحَّد المطلَعُ والصدر من أجل اتحِّاد المخاطبين، واختلف العجز من أجل اختلاف السياقين، فلله درُّ الذكر الحكيم، فهذا وأمثاله مما لا يعدُّ ويحصى من مناط إعجازه. على وجهين: هناﱫﮔ ﱪاختلف في دلالة ﱫﮔ ﮕ ﮖ ﮗﱪ وقوله: .247 / 16) تفسير القرطبي1( .23/9، وفتح البيان151/4، وانظر: الفتوحات الإلهية للجمل182/6) تفسير الخازن2(

عدد الصفحات ٣٠

31 منقطعة بمعنى (بل)، يقول ابن عاشورﱫﮔ ﱪ رأي جمهور المفسرين أن الأول: للإضراب الانتقالي، والمعنى: بل على قلوبهم أقفال، وهذا الذي ﱫﮔ ﱪ« ﱫﮄ ﮅسلكه جمهور المفسرين هو الجاري على كلام سيبويه في قوله تعالى: ، ]52-51[ في سورة الزخرف ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﱪ .)1(خلافًا لما يوهمه، أو توهمَّه ابن هشام وعلى هذا الرأي يكون بعد (أم) همزة استفهام محذوفة، والمعنى: بل أعلى قلوب أقفالها، وهذا ما يفهم جليًّا من أقوال بعض المفسرين، يقول الشيخ صديق حسن .)2(خان وهذه الهمزة المحذوفة على هذا الرأي خرجت عن معناها الحقيقي من السؤال ، (أم) بمعنى ﱫﮔ ﮕ ﮖ ﮗﱪعن المجهول إلى التقرير، يقول الزمخشري . )3((بل)، وهمزة التقرير؛ للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة، لا يتوصل إليها ذكر كما يجوز أن تكون هذه الهمزة للتوبيخ، يقول الصاوي وهو انتقال من توبيخهم على عدم التدبر إلى توبيخهم بكون قلوبهم مقفلة لا تقبل .)4(التدبر والتفكر (أم) ليست منقطعة بل هي (أم) المتصلة، والتي يسميها البلاغيون الثاني: ، 247/16، وتفسير القرطبي 193/7، وانظر: زاد المس 113 /26) التحرير والتنوير 1( ، والفتوحات الإلهية للجمل 285،284/1، ومغني اللبيب لابن هشام 287/7وتفسير البغوي .151/4 ، دار الفكر38/5، وفتح القدير71/15، وانظر: المحرر الوجيز23/9) فتح البيان2( .218/2، وتفسير البيضاوي226/4، وانظر: تفسير النسفي536/3) الكشاف3( .1375 /3، وتفسير الصابو518/8، وروح البيان305/5) حاشية الصاوي4(

عدد الصفحات ٣١

32 ﱫﮑ ﮒ أم المعادلة الواقعة بين متساويين، يقول القونوي .)1( في قوة أوصل لهم القرآن، فلم يتأملوا حقَّ التأمل، أم لم يصل لهم ﮓﱪ ويقول الألو .)2(فتكون أم متصلة أن (أم) منقطعة بمعنى (بل)، كما ذهب ابن عاشور، وثلة كبيرة من والراجح: المفسرين؛ لأنها لو كانت متصلة؛ لاحتاجت إلى تقدير كلام بعدها يتلاءم مع ما قبلها وفق القاعدة المشهورة في (أم) المعادلة، وأيضًا (بل) المنقطعة هنا لا تحتاج لتقدير كلام محذوف بعدها، وما لا يحتاج لتقدير أولى مما يحتاج. على قلوب جار ومجرور خبر مقدم، وأقفالها مبتدأ مؤخر، ﱫﮕ ﮖ ﮗﱪ هنا ليست على حقيقتها، بل هي للاستعلاء المجازي؛ لأن مجرورها القلوب ﱫﮕ ﱪو ليس شيئًا حسيًّا يصلح محلاًّ للاستعلاء الحقيقي. وإنما عُبرَّ بها دون غيرها؛ ليبينِّ أن هذه الأقفال قد استولت على تلك القلوب، وقهرتها، وسيطرت عليها، وتمكَّنت منها. بتلك )3(جمع قلب ﱫﮖﱪو الآية لا يختلف أحد في ذلك. وآثر التعبير بها هنا دون لفظة أفئدة؛ لأن أصل المادة تحمل في طياتها معنى التقلب ، ويقول الأزهري: )4(والتحول، يقول ابن منظور .35/18) حاشية القونوي على تفسير البيضاوي1( .458/17، وانظر: اللباب605/16) روح المعا2( .38 /5) فتح القدير للشوكاني، دار الفكر العر3( .685 /1) لسان العرب مادة (ق ل ب4(

عدد الصفحات ٣٢

33 ، بخلاف لفظة الأفئدة التي تحمل معاني الرقة والرهافة،)1(« تتقلَّب بالأفكار وهذا غير مراد هنا، إذ القلب كما يقول العسكري .)2(...، والأفئدة توصف بالرقةوالعزوم فإيثار لفظة القلب عكس غلظة قلوبهم، وكشف عن بشاعة نفوسهم من إبطان الكفر، وإظهار الإيمان، وفيها أَيضًا إشارة إلى أن هؤلاء يجب أن يتحوَّلوا عما هم فيه من عدم التدبُّر والتفكُّر، وعندئذٍ تصل المواعظ سهلة طيِّعة إلى قلوبهم، علاوة على أن هذه المادة تفيد أيضًا النظر في عواقب الأمور، ، وهذا المعنى أشدُّ انسجامًا مع )3(»ﱫﭖ ﭗ ﭘﱪ وفي التنزيل العزيز: التدبر المنفي عنهم، فالتدبر هو تقليب الأمور، والنظر في عواقبها، وهكذا وضعت تلك اللفظة في مكانها الأمثل بها. وتنكير القلوب هنا ذكر فيه المفسرون أكثر من وجه، يقول أبو السعود لتهويل حالها، وتفظيع شأنها بإبهام أمرها في القساوة والجهالة، كأنه قيل: إماالقلوب لأن المراد بها وإماعلى قلوب منكرة لا يعرف حالها، ولا يقادر قدرها في القساوة، .)4(قلوب بعض منهم وهم المنافقون وقد زاد الرازي وجهًا ثالثًا، وهو التنبيه على الإنكار الكامن في قلوب المنافقين فقال .387/3، وعمدة الحفاظ426، وانظر: مفردات الراغب173/9) تهذيب اللغة1( .155) الفرق اللغوية2( .422/2) المعجم الوسيط3( ، والفتوحات218/2، والبيضاوي536/3، وانظر: الكشاف99/8) تفسير أبي السعود4( .259/15، وتفسير القاسمي605/16، وتفسير الألو23/9، وفتح البيان151/4الإلهية

عدد الصفحات ٣٣