المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التدبر حقيقته وعلاقته بمصطلحات التأويل والاستنباط والفهم والتفسير دراسة بلاغية تحليلية على آيات من الذكر الحكيم

عبد الله عبد الغني سرحان

صفحة ١ من ١٤

التَّدَبُّـر حَقِيقَتُهُ وعَلاقتُه بُِصْطَلَحاتِ التَّأْويلِ، والاسْتِنْبَاطِ ، والفَهْمِ، والتَّفْسيرِ دراسة بلاغية تحليلية على آياتٍ مِنَ الذِّكْرِ الحَكيمِ تأليف الدكتور / عبد الله عبد الغني سرحان الأستاذ المشارك بكلية اللغة العربية -جامعة الأزهر- القاهرة وجامعة الملك خالد -أبها- السعودية

عدد الصفحات ٢

هـ1430ح عبد الله عبد الغني سرحان، فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر سرحان، عبدالله عبدالغني. / عبدالله عبد التدبر حقيقته وعلاقته بمصطلحات التأويل، والاستنباط، والفهم، والتفسير هـ1430الغني سرحان - الرياض، سم22 × 17 ص؛360 978 - 603 - 00 - 3343 - 0ردمك - القرآن - مباحث عامة أ. العنوان 1 1430 / 5865 229ديوي رقم الإيداع: ........... ردمك: .................................... التدبر حقيقته وعلاقته بمصطلحات التأويل، والاستنباط، والفهم، والتفسير م2009 هـ1430 المملكة العربية السعودية 5الرياض - الدائري الشمالي - مخرج 11652 / 87612 - ص. ب4563423تلفاكس tadabbor@gmail.comالبريد الحاسو

عدد الصفحات ٣

تـنـــويـــه من لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل. فلقد وجه لي الأخوةُ القائمون على مركز تدبُّر للاستشارات التربوية والتعليمية -مشكورين- دعوة للمشاركة في الملتقى العلمي الأول لتدبر القرآن الكريم في مدينة الرياض، فكان هذا الكتاب ثمرة من ثمرات هذا المؤتمر.

عدد الصفحات ٤

 الحمد لله الذي مَنَّ علينا بنعمة العقل والتدبر، ووهبنا منَّةَ النظر والتفكر، وتفضل علينا بالفهم والتذكر، وأمرنا بالعظة والاعتبار، وأكرمنا بالاستنباط والاختيار، والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد... فلقد تلقَّيت دعوةً كريمة من القائمين على مؤتمر التدبر الأول الذي عقد بالرياض «م، وكان عنوان المؤتمر2008 /6/5هـ، الموافق1429 /6/1يوم الخميس »والتفس، حقيقته وعلاقته بمصطلحات: التأويل، والاستنباط، والفهم منِّي مُقرِّر المؤتمر الحضور، والإدلاء بدلوي بمداخلة شفوية أو تحريرية، وقد دعاني هذا للعودة إلى كتاب ربنا عز وجل لاستيضاح مفاهيم هذه المصطلحات من خلال النص القرآني الكريم ذاته، وقد كتبتُ في هذا الصدد وريقات قليلة كمداخلة، ثم حضرت المؤتمر، ووجدت أن أصحاب الكلمة في هذا المؤتمر وجلَّ المداخلين تكلَّموا عن هذه المصطلحات من النواحي التفسيرية واللغوية المحضة، وبيَّنوا علاقة كل مصطلح بالآخر، كما قرَّره بعض علماء التفسير واللغة. وهذه الطريقـة لم تَرُقْ لي كثيرًا، ومن ثَمَّ فقد ارتأيت بحكم تخصصي في البلاغة أنَّ

عدد الصفحات ٥

 الطريق الأمثل لذلك: أن أعطيَ هذا الموضوع حقَّه من البحث والدرس والتفصيل من خلال التحليل البلاغي للآيات الوارد فيها تلك المصطلحات، مع التركيز على استمداد دلالات هذه المصطلحات من واقع النص القرآني ذاته، وليس من كلام بعض المفسرين أو اللغويين الذين أشاروا إلى دلالات هذه الألفاظ بعيدًا عن السياق القرآني عامة. ولن نصل إلى تلك الغاية بحق إلا بدراسة الآيات التي وردت فيها تلك المصطلحات دراسةً بلاغية تحليلية مرتبطة بسياقاتها المختلفة في القرآن الكريم. وأعني بهذه الدراسة البلاغية التحليلية أن تُستقرأ جميع الآيات التي وردت فيها هذه المصطلحات، ودراستها كلها، ثم استنباط المعنى المراد من هذه المصطلحات كما قرره الذكر الحكيم في مختلف السياقات، ثم بيان الفروق الدلالية بينها بعد ذلك من واقع هذا التحليل البلاغي. وهذه الدراسة وحدها هي الكفيلة -على ما أعتقد- بإبراز الضوء على الفروق الدقيقة، والعلائق المختلفة بين تلك المصطلحات. ومن ثم فهذا البحث سيأخذ على عاتقه تأصيل هذه المصطلحات من واقع استعمال القرآن الكريم لها، ثم بيان الفروق بينها من واقع هذا الاستعمال، والكشف عن المعاني المحدثة لهذه المصطلحات، والتي لا صلة لها بمدلول هذه المصطلحات في الذكر الحكيم، والتي يحاول البعض جعلها الأصل اللغوي في تفسير ما ورد من هذه الألفاظ في القرآن الكريم. من هنا استعنت بالله رب العالمين، وأعددت الآيات التي وردت فيها تلك المصطلحات، وجمعتُ ما قيل حولها من كلام المفسرين واللغويين؛ للوقوف على

عدد الصفحات ٦

 المعنى المراد من هذه المصطلحات كما بينه القرآن، وهي خطوة على طريق طويل نحاول أن نجعل فيه القرآن الكريم منطلقنا وغايتنا الذي يجب أن نتحاكم إليه عند الفصل بين معاني الكلمات المتقاربة الدلالات في اللغة. هذا، وبعد معاناة طويلة ومشقة مضنية في مراجعة ما كُتِب حول تلك المصطلحات في كتب التفسير واللغة المختلفة، تكشف لي للوصول إلى تلك الغاية أن أنهج في بحثي النهج الآتي: الاكتفاء بدراسة الآيات الأربع التي ورد فيها الحديث عن التدبر، وعدم -1 دراسة الآيات التي وردت فيـها مادة البحث عن نطاقه، وإن كنت في حاشية الدراسة لم أغفل إلقاء الضوء على ذلك حسبما يقتضيه المقام. الاكتفاء بدراسة الآية التي ورد فيها مصطلح التأويل في سورة-2 دون غيرها من الآيات في بقية السور؛ لأنها محل الشاهد، مع الأخذ في الحسبان إلقاء الضوء على معاني التأويل في غير هذه الآية حسبما يقتضيه المقام. دراسة الآيات الثلاث التي ورد فيها الاستنباط والفهم والتفسير فحسب؛ -3 لأن هذه الألفاظ الثلاث لم تذكر إلا في هذه الآيات الثلاث؛ فهي مصطلحات فريدة وحيدة لم ترد إلا مرَّة واحدة -مادة وصيغة- في القرآن الكريم. تحليل الآيات التي وردت فيها تلك المصطلحات الخمسة تحليلاً بلاغيًّا -4 شموليًّا من كافة الوجوه والمستويات الدلاليَّة المحتملة لها قدر الإمكان عرض مختلف آراء اللغويين والمفسرين في دلالات هذه المفاهيم، والاكتفاء -5 بنقل رأي واحد منهم، أو أكثر حسبما يقتضيه المقام، وإحالة القارئ الكريم على بقية

عدد الصفحات ٧

 الكتب الوارد فيها الرأي نفسه في حاشية الدراسة منعًا للتطويل الخلوص عقب تحليل هذه الآيات إلى استخراج العلائق الكامنة بين هذه -6 المصطلحات، والكشف كذلك عن الفروق الدقيقة بينها كما أظهره التحليل البلاغي كل هذا من واقع النص القرآني ذاته لا من كلامٍ خارج عنه لأي عالم من العلماء لم يتوخَّ هذا الأمر عند حديثه، وهذا هو الأساس السليم، والمرتكز القوي المتين للكشف عن الدلالات، وبيان الفروق بين تلـك المصطلحات؛ لأن هي لبُّ كلام العرب وزبدتُه، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها، والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور . )1( والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة التأكيد على أن هذه المصطلحات القرآنية السالفة بينها حتماً فوارق دقيقة، -7 عزوإلا فعقلاً ومنطقًا لو كانت متَّحدة في معناها من كافة الوجوه؛ لاكتفى المولى بإحداها عن الأخرى في الذكر الحكيم، هذا الكتاب المعجز الذي وُضعت فيه وجل كل لفظة بقسطاس مستقيم. وعلى ذلك فإن المقصود بالتدبر يختلف عن غيره من بقية المصطلحات، لكنه ليس اختلافًا متضادًّا كالاختلاف بين القيام والجلوس، والنوم واليقظة، والمرض والصحة، والضحك والبكاء، فهذه الألفاظ لا يمكن أن تجتمع معانيها بأيِّ وجه من الوجوه، عكس المفاهيم محل الدراسة، فهي وإن افترقت من وجه؛ فإنها قد تلتقي من وجه آخر مثل التقاء معاني الأفعال .201/1) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني ص (ن)، وانظر المزهر للسيوطي1(

عدد الصفحات ٨

 من وجه، وافتراقها من وجه آخر التأكيد كذلك على أن القرآن الكريم يجب أن يكون منطلقنا في بيان معاني -8 هذه المصطلحات، بعيدًا عن الأهواء والتحزبات والتعصبات لدى بعض المفسرين، واللغويين، والأصوليين الذين فسرَّوا هذه المصطلحات وفق مذاهبهم ومناهجهم بعيدًا عن دلالتها القرآنية منطوقًا أو مفهومًا. وعلى ذلك؛ فقد تكونت خطة الدراسة من مقدمة وستة مباحث. مقدمة: عن باعث البحث ومنهجه وخطته.-1 المبحث الأول: الأسرار البلاغية في آيات التدبر-2 المبحث الثاني: الأسرار البلاغية في آية التأويل-3 المبحث الثالث: الأسرار البلاغية في آية الاستنباط-4 المبحث الرابع: الأسرار البلاغية في آية التفهيم-5 المبحث الخامس: الأسرار البلاغية في آية التفس-6 المبحث السادس: أثر التحليل البلاغي في استكشاف الفروق والعلائق ب- 7 .هذه المصطلحات القرآنية فهرست: أهم المصادر والمراجع.-8 فهرست الموضوعات-9

عدد الصفحات ٩

المبحث الأول

عدد الصفحات ١٠

11 أو، ونبدأ )1(نستهل تحليل الآيات الأربع التي ورد فيها التدبر بالآيتين المدنيت ﱫﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ بآية سورة النساء في قوله تعالى: ]82[ ﮆ ﮇ ﮈﱪ المدنية التي عُنيت -كما عنيت )2(وهذه الآية الكريمة وردت في سورة النساء سائر السور المدنية- بالحديث عن الأحكام التشريعية، كما عنيت كذلك بالحديث عن أهل الكتاب والمنافقين، فمن يتأمل مطلعها يجد أنها بدأت بالحديث عن حقوق الأيتام، وبخاصة اليتيمات في حجور الأولياء، كما كشفت عن حقوق المرأة عند عقد القران عليها، ثم ذكرت بالتفصيل أحكام المواريث، كما تحدثت عن المحرمات من النساء بمختلف أنواع التحريم نسبًا ورضاعًا ومصاهرةً، كما تناولت حقَّ الزوج على زوجته، وحق الزوجة على زوجها، وغير ذلك من أحكام. ثم انتقلت للحديث عن أهل الكتاب، ثم تحدَّثت عن المنافقين من قوله تعالى ﱫﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ، واستمرت في الحديث ]65[ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﱪ ]29، وص68]24، ومحمد82) الآيتان المدنيتان هما1( ) سميت بذلك؛ لأن جل الأحكام التشريعية الواردة فيها تتعلق بالنساء بوجه عام2( المبحث الأول الأسرار البلاغيَّة في آيات التدبُّر

عدد الصفحات ١١

12 )، ومن ثم؛ فإن هذه الآية الكريمة التي معنا هنا وردت91عنهم إلى نهاية الآية سياق الحديث عن هؤلاء المنافقين كما سيتضح بعدُ بجلاء. لـماَّ ومناسبة هذه الآية لما قبلها ذكرها ابن عادل فقال ×حكى أنواعَ مكر المنافقين وكَيْدِهم؛ لأجل عَدَم اعتِقَادِهم صحَّة دَعْوَى النَّبي للرِّسَالَة، فلا جَرَم أمرهم الله تعالى بأن يَنْظُروا ويتفكروا في الدَّلائِل الدَّالَّة على صِحَّة ؛ فتدبر القرآن حق التدبر فيه أمارة )1(»ﱫﭻ ﭼ ﭽﭾﱪالنُّبوَّة؛ فقال تعالى: .×قاطعة، وحجة ساطعة على صحة نبوته هيفقيل: اختلف في معناها: ﱫ ﭻ ﭼ ﱪوالهمزة في قوله: وقيل:. )2(»]74[ ﱫﮧ ﮨ ﮩ ﮪﱪ بمعنى الأمر، كقوله تعالى: هي للاستفهام الإنكاري، يقول أبو حيان يتأملون ما نزل عليك من الوحي، ولا يعرضون عنه، فإن في تدبره يظهر برهانه، .)3(ويسطع نوره، ولا يظهر ذلك لمن أعرض عنه، ولم يتأمله وهذا الرأي هو الأرجح، والسياق القرآني يؤيده تمامًا؛ لأن هذه الآية الكريمة وردت في سياق الإنكار على هؤلاء المنافقين، أي: ما كان ينبغي حدوث ذلك منهم. ومن يتأمل في دلالة هذا الاستفهام الإنكاري يلحظ مجيئه مصحوبًا أيضًا بتوبيخهم على عدم التدبر، والتعجب من حالهم في استمرارهم على نفاقهم مع على مسامعهم، وبين ×توافر أسباب الهداية لهم، وهو القرآن الذي يردده الرسول .455/2، وتفسير النيسابوري332/9، وانظر مفاتيح الغيب519/6) تفسير اللباب1( .370/3) حاشية زادة على البيضاوي2( ، دار الفكر491/1، وفتح القدير للشوكا305/3) البحر المحيط3(

عدد الصفحات ١٢

13 ظهرانيهم ليل نهار، وهذا ما ذكره ابن عاشور، فقال .)1(والتعجيب منهم في استمرار جهلهم مع توفر أسباب التدبير لديهم اختلف في معناها على رأيين:ﱫﮧﱪوالفاء في قوله: وقد اختلف ،عطفت الجملة التي بعدها على جملة محذوفة قبلهاعاطفة، :الأول في تقدير هذه الجملة المحذوفة على وجهين حكاهما الألوسي بقوله وقيل: في أن ما ذكر شهادة الله تعالى فلا يتدبرون القرآن... أي: أيشكونعلى مقدَّر، .)2(: أيعرضون عن القرآن، فلا يتأملون فيهالمعنى وبذلك تكون جملة يتدبرون معطوفة بالفاء على جملة يعرضون أو يشكون المحذوفة. الفاء للتفريع على الكلام السابق، ولا حذف، يقول ابن عاشور: الثاني .)3(تفريع على الكلام السابق المتعلق بهؤلاء المنافق ومعنى التفريع -كما يفهم من كلام ابن عاشور-: أنَّ الفاء للاستئناف، استأنفت كلامًا جديدًا، لكنه ليس جديدًا منقطعًا عما سبق، بل جديد متصل به، مُتفرِّع عنه. وهذا الرأي الثاني هو ما أميل إليه هنا؛ لأنيِّ تتبَّعت هذه الفاء المسبوقة بهمزة ) مرة، ولم يتضح لي أنها 45الاستفهام، وبعدها لا النافية في القرآن، فوجدتها وردت عطفت الفعل بعدها على مقدر قبلها، وما لا يحتاج لتقدير أولى مما يحتاج. فعل مضارع من الماضي ا ﱫﭼﱪوقوله: الدُّبر؛ أي: الظهر، اشتقوا من الدُّبر فعلاً، فقالوا: تَدَبَّرَ: إذا نظر في دُبُر الأمر؛ أي: في .404/1، والفتوحات الإلهية207/2، وانظر: تفسير أبي السعود137/5) التحرير والتنوير1( .404/1، والفتوحات الإلهية207/2، وانظر: تفسير أبي السعود186/4) روح المعا2( .137/5) التحرير والتنوير3(

عدد الصفحات ١٣

14 .)1(غائبه، أو في عاقبته؛ فهو من الأفعال التي اشتقت من الأسماء الجامدة النظر في أدبار الأمور وعاقبتها، يقول الفيومي وأصل التدبُّر: .)2(فَعلتُهُ عَنْ فِكْر وَرَوِيَّةٍ، وَتَدَبَّرْتُهُ تَدَبُّرًا: نَظَرْتُ فيِ دُبُرِهِ، وَهُوَ عَاقِبَتُهُ وَآخِرُهُ ويقول ابن منظور .)3(ما لم يرَ في صدره، وعَرَفَ الأَمْرَ تَدَبُّرًا: أَي بآخَرَةٍ هذا هو أصل التدبُّر كما ذكره اللغويون، ولم يخرج كثير من المفسرين عن ذلك ، إلا أن بعض المفسرين المتأخرين توسعوا )4(التعريف، وإنِ اختلفت عباراتهم في ذلك في هذا التعريف. هـ1069يقول الشهاب الخفاجي ( ت وعواقبها، ثم استعمل في كلِّ تأمُّل، سواء كان نظرًا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابه، وإن دلَّ الاشتقاق على أنه النظر في العواقب .)5(والأدبار خاصة فالتدبُّر عنده لم يقتصر على عواقب الأمور فحسب، بل امتدَّ ليشمل حقائقها وأسبابها ولواحقها، وغير ذلك على وجه الإطلاق، وهذا المعنى هو الأليق هنا؛ .145/8، وانظر: حاشية الشهاب137/5) التحرير والتنوير1( .374، وانظر: معجم المقاييس في اللغة لابن فارس72) المصباح المن2( ، وتاج العروس 112/12، مادة: (دبر)، وانظر: تهذيب اللغة 273/4) لسان العرب 3( .266،265/11 ، وزاد المس366/1، وتفسير الثعالبي187/4، والمحرر الوجيز546/1) انظر: الكشاف4( ، وتفس 563/1، وتفسير الخازن 348/1، وتفسير النسفي 333/9، ومفاتيح الغيب 87/2 .207/2، وتفسير أبي السعود455/2، وتفسير النيسابوري290/5القرطبي .186/4، وانظر: روح المعا315/3) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي5(

عدد الصفحات ١٤

1 لأنَّ دعوة المنافقين إلى التدبر في القرآن تقتضي النظر في كلِّ ما يتَّصل به من حقائقه، وأجزائه وسوابقه، وأسبابه ولواحقه؛ للإيمان به، والاهتداء إلى صحة النبوة. وعلى هذا التعريف الواسع يكون مصطلح التدبُّر قدِ استعمل في حقيقته اللغوية كذلك، ولم ينتقل إلى حقيقة شرعية، أو مجازٍ. « وبذلك يكون التدبُّر في القرآن .)1(يرمي إليها، وعاقبة العامل به، والمخالف له والماضي ا استعمالاتها.غالبالرباعي وفي هذا دعوة للمنافقين أن يتدبروا القرآن الكريم مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة؛ .×حتى يصلوا للإيمان به، وبصحة نبوته يقول ابن القيم .)2(مرة، ولهذا جاء على بناء التفعُّل؛ كالتجرُّع، والتفهُّم، والتب كما يحتمل التعبير بتلك الصيغة أيضًا إفادة المعاناة والتكلُّفِ وبذل الجهد، يقال: تدبَّر المسألة، أي: تفكَّر فيها، وبذل جهدًا حتى وعاها، ووقف على حقيقتها. وهذا بلا شك يقتضي من المتدبِّر إنعام النظر، وإعمال العقل، وإطالة الفكر حتى يَسْبرَُ أغوار الحقائق القرآنية، ويقف على غايات الآيات الكريمة، ومقاصدها الشريفة، ومراميها البعيدة؛ لأنَّ المطلوب قد لا يظهر بالبديهة للوهلة الأولى، أو بادئ ذي بدء بل يظهر بآخرة. .233/5) تفسير المنار1( .183 /1) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة لابن قيم الجوزية2(

عدد الصفحات ١٥

1 هذا، ومن يتسمَّع لأصوات حروف الكلمة وتدرجها في النطق يلحظ كذلك هذه المعاني المختلفة، وبذلك تتعاور تلك الصيغة مع أصوات حروفها في أداء تلك هنا يومئ إلى ضرورة تجدد التدبر وحدوثه كلما )1(المعاني الدقيقة، والتعبير بالمضارع ) لم يرد التدبُّر في القرآن إلا على صيغة المضارع من الماضي ا1( تدبير الأمر؛ فقد ورد فيه الفعل المضارع ﱫﯭ ] 3[ ﱫﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄﮅ ﱪالتي تقتضي الكثرة في قوله تعالى: ﱫﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﱪ]31[ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲﯳ ﱪ ]5[ ﱫﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﱪ]2[ [ ﱫﮮ ﮯﱪكما ورد اسم الفاعل ]5 وبذلك يتَّضح لنا من التعبير بتلك الصيغة أمور ) مرات.4 جاء التعبير بالمضارعأولاًا: المدبِّر في هذه الآيات الأربع (أي الفاعل المحذوف) هو الله عز وجل.ثانيًاا: المدبَّر (أي: المفعول المذكور) في جميع الآيات هو الأمر، والأمر هنا ورد معرَّفًا بـ(أل) التي ثالثًاا: ﱫﮞ ﮟ تفيد الاستغراق الكلي لجميع أنواع الأمر، وهذا حقٌّ لا مرية فيه، كما قال تعالى في آية أخرى: .]54[ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﱪ ورد اسم الفاعلرابعًاا: والمفعول المذكور هو لفظة الأمر المنكرة، وهنا مفارقة دقيقة: فالملائكة تُدَبِّرُ أمرًا ما، والله يُدبِّرُ الأمرَ كلَّه. نستنتج من هذا: أنَّ الله عز وجل وصف نفسه بأنه المدبِّر، وأنه يُدبِّر أمور الخلائق كلَّها دون استثناء، فالله هو المدبِّرُ، والأمر هو المدبَّر، كما وصف الملائكة المقربين بذلك -أيضًا-، ولكنهم يدبرون ) مرات، 4 لا يتجاوزونه، والعجيب: أن الذكر الحكيم استخدم الرباعيأمرًا ما بإذنه ) مرات، والمصدر8واسم الفاعل منه ) مرة، في سياقات لا صلة لها بما 13) مرات، وجمع الجمع5) مرات، والجمع4( نحن فيه، وكل هذا يُنبئ عن أنَّ القرآن الكريم يضع كل صيغة في مكانها الأشكل بها، وهذا من دلائل .253،252إعجازه في اختيار صيغه بما لا يسمح الوقت بالإفاضة فيه. انظر المعجم المفهرس

عدد الصفحات ١٦

1 عنَّ الأمر لذلك؛ لأن الإنسان لا يتدبَّر القرآن في كلِّ وقت وحين، بل كلما قرأه أو سمعه، أو انشغل به في قضية من قضاياه؛ فهو يحدث ويجدد التدبر في كل مرة. والواو في قوله السابق عنهم بوضوح، ولا يمكن أن تحمل على غيرهم مطلقًا، وإلا لاقتلعنا الآية من سياقها. هل يراد بهم المنافقون الذين كانوا في المدينة النبوية أيام النبي ولكننا نتساءل: ، وبذلك تنحصر دلالتها فيهم فحسب؟ أم أن دلالتها تتسع لتشمل المنافقين في × كل زمان ومكان؟ إني أميل إلى الأخير؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أقول: والقرآن يخاطبهم في كل عصر ومصر، والحكمة من حثِّ جميع المنافقين على التدبر فيه الذي يملك عليهم نفوسهم، ويتجسد أمام بصائرهم ما سوف ينالهم من جزاء يوم .)1(القيامة مفعول به تعدى إليه الفعل « ، فصار له كالعلم،×نحو كُفران ورجحان... وقد خُص بالكتاب المنزل على محمد .)2(كما أنَّ التوراة لِـماَ أُنْزل على موسى والإنجيل على عيسى والقرآن مشتق .1781/4) زهرة التفاسير للإمام محمد أبو زهرة 1( .414) مفردات الراغب2(

عدد الصفحات ١٧