14 لم تنص تلك الآية على الغاية من التدبر؛ لأنها مفهومة لا تحتاج لنص فالغاية-7 من تدبر المؤمنين هي زيادة الإيمان، وفهم منهج القرآن، وتطبيق هذا المنهج سلوكا، وعملاً في حياة المسلمين. والغاية من تدبر المؤمنين كذلك الوقوف على حقائق الشريعة، وأحكامها، والكشف عن أسرار إعجاز الذكر الحكيم، واستخراج كنوزه، ودرره، والوقوف على مكنوناته، وما حواه من معانٍ رشيدة، وأساليب إعجازية هي غاية في النهاية، وغير ذلك من الغايات حسب طبيعة كل متدبر، وما عساه أن يتدبر فيه. وهنا نقول: إن التدبر -وهو النظر في أدبار الآيات والتأمل في أعقابها، والوقوف على أسرارها، وتفهم معانيها- لا بد أن يسبقه إلمام بعلوم اللغة العربية المختلفة، ومعرفة أساليب العرب، وطرائق تراكيبهم التي نزل بها القرآن، وغير ذلك من أدوات بمعنى أن تكون هناك ضوابط عقلية وشرعية ينطلق منها المتدبر في كتاب الله، وليس هذا فحسب بل يجب أن تكون هناك أسس يسير عليها كل متدبر في أي علم من العلوم، وقد تنبه علماؤنا، وأسلافنا القدماء رحمهم الله إلى ذلك فوضعوا شروطا للمفسر، وشروطا للمفتي الذي يجتهد في مسائل الدين فلا بد كذلك من وجود الأدوات التي يدخل بها المتدبر إلى رحاب القرآن الكريم. وهكذا فإن الغاية من تدبر المؤمنين تختلف عن الغاية من تدبر المنافقين والكفار كما مر، وقد نص الذكر الحكيم على الغاية من تدبر المنافقين، وترك للعقول أمر استنباط غاية التدبر لغيرهم من المؤمنين والكافرين كما أسلفنا. لم يرد التذكر مع التدبر إلا في آية سورة (ص) وبين التذكر والتدبر علاقة -8 تتمثل في أن التذكر خص الله عز وجل به أصحاب العقول الزكية، فهو للخواص من
عدد الصفحات ١٩٤1 أكابر العلماء من المؤمنين، والتدبر غير مختص بأحد، بل هو لكافة البشر من المؤمنين، والمنافقين، والكافرين. من يتدبر في هاتين الآيتين المكيتين في سورتي (المؤمنون)، و(ص) يلاحظ -9 التغاير التام في مطلعهما وخاتمتهما؛ وذلك عائد لأن المخاطَب بالتدبر فيهما مختلف، فآية سورة (المؤمنون) الخطاب فيها للكفار، وآية سورة (ص) الخطاب فيها للمؤمنين كما أكدنا، والسياق فيهما مختلف كذلك، ومن ثم اختلفت الآيتان صدرًا وعجزًا كما ، وفي مستهـل آية (ص) ﱫﮣ ﮤ ﮥﱪترى، حيث ورد في مفتتح آية (المؤمنون) فبدأ في سورة (المؤمنون) بالاستفهام الإنكاري ﱫ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﱪ التوبيخي التعجبي، وافتتح في (ص) بكلام خبري تقريري؛ ليكشف عن العلة من التدبر، وأن تدبر القرآن الكريم أمر ثابت مقرر عند المؤمنين، فهو يخبر عنه فحسب. وبعد، فنستنتج من هذا كله أن المُخاطبَ بالتدبر في القرآن ثلاث طوائف طائفة المنافقين، وطائفة الكافرين، وطائفة المؤمنين، وأن الواقع عليه التدبر أيضًا ثلاثة ألفاظ: لفظ القرآن، ولفظ القول، ولفظ آيات الكتاب. وبين هذه الألفاظ الثلاثة علاقة قـوية، وصلة شديدة ملتحمة كما ترى، وبهذا صار معنا ثلاثة مصطلحات مستنبطات من هذه الآيات الأربع: بصيغة اسم الفاعل، أو المخاطبون بالتدبر هم المنافقون المُتَدَبِّرون الأول: والكافرون والمؤمنون. : بصيغة اسم المفعول هو الذكر الحكيم مقروءا ومسموعا ومكتوبا، المتدبَّر الثاني: أي: بمختلف مسمياته، وعلى شتى صفاته. بصيغة المصدر، وهو عملية التدبر ذاتها.التدبر الثالث:
عدد الصفحات ١٩٥1 وما دام التدبر مقصورًا على القرآن الكريم مقروءا ومسموعا ومكتوبا فمتابعـة للـذكر الحكيـم -ما دام القـرآن هـو منطلقنا في تحرير وتأصيل المصطلحات- لا يجـوز أن يُطلَق مصطلح التدبر علـى التفكـر في الكون، والنفس الإنسانية؛ لأن القرآن لم ، وما )1(يُطلِقْ التدبر على ذلك، بل أطلق عليه عبارات أخرى مثل: التفكر والنظر ﱫ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ) كما جاء في قوله تعالى: 1( ﱫﭥ]8[ ﱫ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭﱪ]13[ ﰔﱪ ]44[ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﱪ فمن يتأمَّل في هذه الآيات يجد أنَّ الواقعَ عليه التفكُّر في القرآن جاء متنوعًا ومتعددًا، فالتفكُّر وقع على الدلائل المنظورة من الكون، والنفس الإنسانية، والآيات المسطورة، وعلى ذلك؛ فمتعلق التفكر في القرآن أعمُّ من متعلق التدبُّر؛ لأنَّ التدبُّر لا يكون إلا في الآيات المسطورة فحسب، ومن ثم يجوز لنا أن نقول: تفكر في القرآن، وتدبر في القرآن؛ كما صرح بذلك القرآن، لكن لا يجوز أن نقول: تدبَّر في ملكوت السموات والأرض، والنفس الإنسانية؛ لأن التدبُّر لم يقع على شيء من ذلك البتة. ومن هنا تبدو العلاقة بين التدبر والتفكر، ومن يتأمل كذلك في الآيات التي وقع عليها النظر يجد أن الواقع عليه النظر أيضًا جاء متنوعًا ومتعددًا، ما بين النظر في ملكوت السموات والأرض؛ كما في ] 185[ ﱫﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﱪقوله تعالى: ﱫﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ الذين سبقوا كفار قريش؛ كما في قوله تعالى: ﱫﮀ ] 21[ ﮖ ﮗﮘ ﱪ ]6[ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﱪ على القرآن مطلقًا. وانطلاقًا من كون القرآن الكريم هو منطلقنا في إطلاق المصطلحات المختلفة لا يجوز أن نقول: نظر في القرآن؛ لأن القرآن لم يصرِّح بذلك، وهكذا الحال في نظائر هذين اللفظين، نحو: التعقل والاستبصار والاعتبار، مما لا يسعنا الوقت للإطالة فيه. هذا، وعلاقة النظر بالتدبر علاقة وثيقة؛ لأنَّ المتدبِّر ينظر للمُتَدَبَّرِ بأناة وتأمل حتَّى يصل إلى مراده من التدبر.
عدد الصفحات ١٩٦1 جاء على ألسنة علمائنا في كتب التراث إنما هـو من قبيل التسامح في العبـارة فحسب، وليس هـذا من مصطلحات القرآن الكريم، وإطلاقاته. ولكن مما ينبغي التأكيد عليه هنا أننا يجوز لنا بالقياس العقلي أن نطلق التدبر على الحديث الشريف كتابة وقراءة وسماعًا. كما يجوز لنا أن نطلق التدبر على كلام العرب كله شعره ونثره، فمن أراد أن يفهم حقائق هذه الأقوال، ويقف على كنهها، ودرجات بلاغتها فعليه بالتدبر فيها على وفق أسس وقـواعد التـدبر الصحيحة، وهكذا نتوسع بالتدبر إلى جميع آفاقه، ومجالاته الرحبة. كما يجوز لنا أن نطلق التدبر كذلك على سائر علوم المسلمين المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، وليس هذا منا ابتعادا عما أَصَّلْنَاه من قبل، ولكنه قياس عليه، وهو قياس صحيح جدًّا إن شاء الله تعالى، فسائر علوم المسلمين المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، يجب أن تُقْرَأَ وتدرس بكيفية التدبر ذاته في القرآن الكريم والسنة النبوية وكلام العرب. ولقد قام أسلافنا بالوفاء بحق التدبر في هذه الجوانب كلها فتركوا لنا تراثا تليدًا خالدًا في شتى العلوم والمعارف. ولن تستطيعَ أمة الإسلام أن تنهض من كبوتها العابرة إلا بالعودة من جديد للتدبر، والتأمل في القرآن الكريم، والحديث الشريف، وكلام العرب، وسائر العلوم المختلفة حتى تستعيدَ سالف المجد والحضارة، والفكر، والثقافة التي أنتجها أسلافنا القدماء حينما أعملوا عقولهم، وشحذوا أفكارهم، وانكبوا على كتاب الله وسنة نبيه، واستنبطوا هذا التراث العظيم المتنوع في شتى العلوم والمعارف الإنسانية، وكل هذا
عدد الصفحات ١٩٧1 كان تلبية من علماء المسلمين، واستجابة واعية وانصياعًا واضحًا لما أمرهم به رب العالمين من التدبر فتدبروا، ومن التفكر فتفكروا، ومن النظر فنظروا واستبصروا. وبعد، فلقد اتضح لكل ذي لب أن القرآن يسمي الأشياء بمسميات دقيقة عكس البشر فقد يتسامحون ويطلقون هذا على ذاك، وهذا ما يجب التنبه له مما يدل على أننا لا بد أن نسمي الأشياء بمسمياتها القرآنية، وهو الاتجاه الأعز. كما بان لنا أيضًا الفرق الواضح بين كلام الرحمن وكلام الإنسان ففضل كلام الرحمن على كلام الإنسان كفضل الله على سائر خلقه، وكل ذلك ظواهر قرآنية تستحق البحث والدرس بأناة أكثر، وتدبر أعمق؛ لاستخراج الفروق الدقيقة، وإدراك العلاقات القائمة بينها؛ لأن ما ذكرناه كان بنظرة عجلى في هذا الجانب الغزير. هذا ما هدى إليه التدبر البلاغي في هذه الآيات الأربع التي ورد فيها هذا المصطلح .منطوقًاا ومفهومًاا وهنا يجدر بنا الكشف عن الفروق، والعلائق بين التدبر، وغيره من المصطلحات المعنون بها هذا البحث. بذكر العلاقة بين التأويل والتدبر.:ونبدأ أولاًا وهنا نقول: دلنا التحليل البلاغي لآية التأويل على الآتي: التأويل في القرآن الكريم جاء مصدرا على تلك الهيئة اللفظية في جميع -1 مواضعه، عكس التدبر فلم يرد مصدرًا مطلقا بل ورد فعلا مضارعا على نحو ما سبق. التأويل في اللغة ورد بمعنيين:-2
عدد الصفحات ١٩٨1 بمعنى التفسالأول: بمعنى المرجع والعاقبة والمصير، وأجمع جل المفسرين على أن التأويل الثاني: في جميع المواضع المذكورة في القرآن كان بالمعنى الثاني، والتدبر ورد في اللغة بمعنى واحد، وهو النظر في أدبار الأمور وعواقبها، وعلى ذلك فلفظتا التأويل والتدبر في القرآن قريبتان؛ لأنهما يجتمعان في دلالة المآل والعاقبة كما هو بين من هذين التعريفين، ولكن التأويل مرتبط بالآيات المتشابهات الخفية الدلالة، والتدبر مرتبط بالمحكم والمتشابه كما يستبان لنا بعدُ، فمناطه أوسع من مناط التأويل. أما التأويل بالمصطلح الحادث عند المتأخرين ـ كما تقدم ـ فلم يرد بمعناه هذا في القرآن البتة، ولا تدل عليه آيات التأويل بمنطوقها أو بمفهومها، وهذا التعريف لا نعترض عليه في حد ذاته، بل اعتراضنا أن يكون هو الذي قصده القرآن كما يزعم بعض المؤولين، ومعلوم أن حمل التأويل في القرآن على هذا المعنى كما حمله البعض من الباطنية والمتزندقة والشيعة سوغ لهم أن يخرجوا كثيرا من آيات القرآن عن معناها المراد منها كما هو معلوم لديهم. ) مرة، وقع التأويل على متشابه القرآن 17 استعمل التأويل في القرآن -3 ، والموؤَّل في هذه السورة، أي: الواقـع )1(الكريم مرة واحدة في سورة (آل عمران عليه التأويل قسمان: ) أما في بقية سور القرآن الكريم، فيلاحظ أن المؤَّوَل (أي: الواقع عليه التأويل) في هذه الآيات 1( جاء متنوعًا، فهو يعود على ما ينتظر أهل مكة من عاقبة ما وعدوا به يوم القيامة، كما هو بين من سياقه في سورتي النساء ويونس، أو يكون بيانًا لعاقبة ما وُعِدوا به من العذاب، كما في سورة الأعراف، أو تفسيرًا لأحلام وأحاديث ورؤى، كما في آيات سورة يوسف، أو كشفًا لأمر السفينة والغلام والجدار، كما في سورة الكهف.
عدد الصفحات ١٩٩200 المتشابهات: التي لا يعلمها إلا الله عز وجل مثل: الغيبيات، وحقيقة :الأول البعث والنشور، والجنة والنار وغيرها. المتشابهات التي تحتمل أكثر من دلالة، لخفاء في اللفظ أو المعنى أو هما :الثاني معا. أما التدبر فقد استعمل في القرآن أربع مرات وقع على القرآن مرتين، وعلى القول مرة، وعلى آيات الكتاب مرة، فالمتدَبَّر، أي: الواقع عليه التدبر هو القرآن مقروءا ومسموعا ومكتوبا، ومن ثم فالواقع عليه التأويل في القرآن أخص من الواقع عليه التدبر؛ لأن التأويل واقـع على المتشابهات بشقيها فحسب، وهي قليلة كما بينا، والتدبر واقع على الذكر الحكيم كله محكما ومتشابها، فالتدبر أعم؛ لأنه يشمل جميع آيات القرآن، والتأويل محصور في الآيات المتشابهات خفية الدلالة. في القرآن كما يبدو من آية التأويل في سورة (آل عمران) إما أن يكون المؤِّول -4 هو الله عز وجل لا يشركه غيره، وهذا يختص بتأويل المتشابهات من الأمور الغيبية، كأمر الروح، وحقيقة القيامة، والجنة والنار، ونحو ذلك من الأمور التي استأثر الله بعلمها. ، وهؤلاء يعلمون )1(وإما -على رأي آخر- أن يكون معه الراسخون في العلم تأويل المتشابهات المحتملة لأكثر من دلالة، ويسلمون بالأول تسليماً. والمُتَدَبِّرون، أي: المخاطبون بالتدبر ثلاثة: المنافقون، والكافرون، وجميع المؤمنين، ) أما المؤِّول في بقية السور؛ فهو إمَّا نبيًّا من أنبياء الله، وهو يوسف عز وجل، كما حُكِيَ عنه في 1( ] 36[ ﱫﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﱪقوله تعالى: ﱫﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﱪ على أرجح الأقوال، وهو الخضر، كما في قوله تعالى: ]78[
عدد الصفحات ٢٠٠201 وعلى ذلك فالمخاطبون بالتدبر أكثر من المتأولين، فالتدبر في القرآن متاح للجميع ممن يملكون أدوات التدبر وشروطه، والتأويل لمتشابه القرآن محصور في الراسخين في بذلك في قوله×العلم مثل: عبد الله ابن عباس الذي دعا له المصطفى ، وغيره من الراسخين في العلم.)1(في الدين وعلمه التأويل التأويل قسمان:-5 ، وهو الذي يتتبع الآيات المتشابهة، ويفسرها على هواه، وما تأويل مذمومالأول: يشتهيه، وهذا لا يقع إلا من الذين في قلوبهم زيغ فهم الذين يتتبعون المتشابه قصدا للفتنة والتشكيك والإضلال. ، وهو الشق الثاني من المتشابهات الذي يدركه الراسخون في تأويل محمودالثاني: العلم، وهؤلاء لا يتتبعون المتشابه طلبا للفتنة، والتلبيس والضلالة، أو طلبا للتأويل حسب الهوى كما يفعل الزائغون بل يتتبعونه بغرض فهمه وتفسيره، وبيان الحكمة للناس في وروده. وهذا التأويل المحمود يرتبط ارتباطا وثيقا بالتدبر، فمن لا يتدبر الآية بقلبه فلن يفهم المقصود منها، ولن يستطيع رد المتشابه إلى المحكم. نستنتج مما سبق أن الصلة بين التدبر، والتأويل صلة وثيقة جدا، فالذي يعلم التأويل بوجه عام هو الله عز وجل، وبعض الأنبياء، وبعض عباده الصالحين، والراسخون على حسب الاختلاف في معنى التأويل، والذي يُدبِّرُ الأمر كله هو الله ، ]5[ ﱫ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﱪ عز وجل كما في قوله تعالى: كما مرَّ تفصيلاً. ]5[ ﱫ ﮮ ﮯﱪوالملائكة كما في قوله تعالى: هـ.1379، دار المعرفة، بيروت170/1) فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسق1(
عدد الصفحات ٢٠١202 ، والمؤمنون (العباد الصالحون)،×والذي يتدبر القرآن حق التدبر هو الرسول فهذا مناط الالتقاء بين التأويل، والتدبر من جهة الفاعل. هو القرآن الكريم، ولكنهما والمتدبَّر المؤَّول كما يتفقان من جهة المفعول في أن يختلفان من جهة أن المؤَّوَل في القرآن هو المتشابه، والمتدبَّر يشمل جميع القرآن المحكم والمتشابه. ولكنهما يختلفان من جهة أن التدبر في القرآن عام للجميع كافرين ومنافقين ومؤمنين، أي: لجميع الخلائق أجمعين، بينما التأول في أحد معنييه وقفٌ على الراسخين بذلك كما مر، فالتدبر ×في العلم مثل حبر الأمة ابن عباس الذي دعا له المصطفى على ذلك أعم من التأويل كما ترى، وبذلك يلتقي التأويل بالتدبر من جهات، ويختلف معه من جهات أُخَر. وبذلك نصل إلى أن القرآن الكريم مادام يستخدم لفظة دون غيرها فهذا دليل على أن لها معنى يخالف غيرها، ولا يمكن أن تكون دلالتها مطابقة لدلالة غيرها، قد تتقارب معها في بعض الأحوال، ولكنها لا تتطابق البتة، وهذا ما يؤكد عليه هذا البحث، ويدعو لأن يكون القرآن قدوتنا في اختيار التعبيرات والأساليب التي نستخدمها؛ لأن مناط الاختلاف بين الأمم والأفراد هو عدم تحديد المصطلح، وعدم فهم الآخر فهما جيدا، فإذا أرسيت تلك القاعدة أولا، وفهمنا المصطلح الذي يدور حوله الحديث اقتربت الأفهام، وتواصل الناس بوضوح، وابتعدوا أو اقتربوا على هذا الأساس. * * *
عدد الصفحات ٢٠٢203 ثانيًاا: العلاقة بين الاستنباط والتدبر تكشف لنا من خلال التحليل البلاغي لتلك الآية الآتي: ورد الاستنباط في الذكر الحكيم بصيغة الفعل المضارع المتصل به واو الجماعة -1 المرفوع بثبوت النون من الأفعال الخمسة، وهو في تلك الجهة يتفق مع التدبر تماما، فكلاهما وردا على هذا المنوال (يستنبطون)، ( يتدبرون) ولكن الاستنباط من حيث الاشتقاق يختلف عنه في أمرين: أنه مأخـوذ من الماضي السداسي (اسْتَنْبَطَ)، والألـف والسين والتاء فيه الأول: تدلُّ على الطلب والمشقة والمعاناة الفكرية، أي: أن المستنبط يبذل جهده، ويعمل عقله ليصل لمراده كما يحصل المستنبط على الماء من قعر البئر بالصبر والتكلف، والمعاناة وبذل الجهد، أما التدبر فقد صيغ من الماضي الخماسي (تَدَبَّر) الذي يدل على التدرج والتتبع، وبين الدلالتين فرق واضح. لفظة الاستنباط فريدة وحيدة في القرآن مادة وصيغة بخلاف التدبر فقد الثاني: تكرر أربع مرات على نحو ما بينا. الاستنباط في هذه الآية استعمل مجازا حيث انتقل من المعنى الحسي، وهو -2 استنباط الماء من البئر إلى دلالة معنوية، وهو استخراج الأخبار الخفية من معادنها، والوقوف على حقائقها على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية أو المكنية كما بينا، عكس التدبر فقد استخدم في معناه الحقيقي الأصلي. واو الجماعة في الفعل (يستنبطون) مختلف فيها على رأيين:-3 ، وأولي الأمر (من الأمراء والعلماء وكبار × تعود على الرسول الأول: الصحابة).
عدد الصفحات ٢٠٣204 تعود على المنافقين فهم المذيعون للأراجيف وهم المستنبطون كذلك، الثاني: والراجح الأول كما بينا، وعلى ذلك فهم المستنبطون للأخبار الخفية والدقيقة في أمر الحرب والسلم، وهم المنوط بهم إذاعتها من عدمها حسبما يتراءى لهم. واو الجماعة في الفعل (يتدبرون) تعود في آيتي (النساء) و(محمد) على المنافقين، وفي آية (المؤمنون) على الكافرين، وفي آية (ص) على المؤمنين فالمدعوون للتدبر ثلاث طوائف: المنافقون، والكافرون، وجميع المؤمنين، وعلى ذلك فالمخاطبون بالتدبر أكثر من المستنبطين؛ لأن التدبر مطلوب من كافـة الناس باختلاف مشاربهـم، بخلاف ، )1( ×الاستنباط؛ فإنه لا يكـون للكافة بل يختص كما حكى القرآن بالرسول وأولي الأمر ( العلماء والولاة وأهل البصائر) فهـؤلاء طوائف خاصة، وليسوا عامـة المؤمنين، وهذا هو وجـه المفارقة بينهما من تلك الجهة. ، أي: الواقع عليه الاستنباط في الآية هو الأخبار الخفية الدقيقة من المُسْتَنْبَطُ -4 الأمن والخوف، أو من أمر ( الحرب والسلم ) فالاستنباط هنا -كما هو جلي- لم يتعلق بآية من آيات القرآن لم يفهمها المنافقون فهما صحيحا بل هو متعلق بعدم الوقوف على حقيقة الأخبار التي يتناقلها بعض الناس بدون فهم أو روية، ويفشونها، ولا يعرفون حقائقها، ولو ترك المنافقون هذا الأمر لأهله لاستنبطوه، ووضعـوا الأمور في نصابها، وأدركوا حقائق الأخبار المتناقلة، وهل هي مما تذاع وتنشر أم لا؟ ، أي: الواقع عليه التدبر هو القرآن بوجه عام لاسيما المقاصد الأصلية والمُتَدَبَّر × في حال حياته ومعه أولو الأمر، وهو ممتدٌّ بعد وفاته ×) الاستنباط محصور في الرسول1( في أولي الأمر في كلِّ المجتمعات الإسلامية؛ لأنهم الذين يقفون على حقائق الأمور، ويعرفون كُنه الأخبار التي قد تكون سببًا في المفسدة.
عدد الصفحات ٢٠٤20 من آيات العقائد والشرائع التي ترشد الكافـرين إلى الإيمان بالله عز وجل، وتخلع المنافقين عن النفاق، وتجعلهم يقرون بصحة النبوة، وأن القرآن من عند الله، ومن ثم فالمستَنْبَطُ أخص من المُتَدَبَّر؛ لأنه واقع على الأخبار الخفية التي يجب أن يستخرجها هو الذكر الحكيم بوجه عام.والمتدَبَّر أعلم الناس بحقائقها، وهنا يلوح لنا أمران مهمان جدًّا: أن هناك علاقة وثيقة جدًّا بين المتدبرين والمستنبطين، فالمستنبطون الأول: يستخرجون ما خفي ودق من الأخبار ويقفون على صحتها، ويقررون هل هي مما تنشر وتذاع على العامة أم تظل سرًّا؛ حرصًا على الأمن القومي للبلاد باللغة المعاصرة؟ والمتدبرون لا يتدبرون إلا ما يحتاج في إدراكه إلى تأمل وتفكر وإنعام نظر؛ ليستخرج خفيه، ويوقف على حقيقته، فالتدبر على ذلك يُعدُّ أصلاً أصيلا للاستنباط؛ لأن الذي يستنبط الأمور الخفية، والمسائل الدقيقة لا بد أن يتدبر ويتأمل فيها أولا، وعلى ذلك فالتدبر أعم، والاستنباط أخص لأنه نتيجة من نتائج التدبر، فالتدبر يؤدي حتماً إلى الاستنباط، والاستنباط يحتاج إلى التفكر والتدبر، وقديما قال الإمام الشافعي .)1(»»رحمه ا ويزخر تراثنا العظيم بكثير من العلماء، والفقهاء، والقضاة، وأصحاب البصائر الذين وفَّقَهُم المولى عز وجل لاستنباط كثير من المسائل الخفية، وإزاحة الركام عن القضايا الشائكة التي خفيت على غيرهم، وكانت سبب فتنة وبلبلة في شتى صنوف العلوم والمعارف عقيدة وتفسيرًا وحديثًا وفقهًا وبلاغةً ونحوًا، وغير ذلك، وما ذلك .180/1) مفتاح دار السعادة1(
عدد الصفحات ٢٠٥20 إلا بفضل ونتيجة التدبر والتفكر المستَنْبَطُ في الآية، أي: الواقع عليه الاستنباط هو ما خفي ودق من :الأمر الثاني أمر الحرب والسلم، أو الخوف والأمن كما دل السياق بوضوح، ومن ثم فإن معنى الاستنباط الوارد في تلك الآية لا ينطبق بحال من الأحوال على معنى الاستنباط عند الأصوليين. استنبَطَ الفَقِيهُ: إِذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده فالاستنباط في قولهـم ليس عليه نص من الآية، وليس مستعملا في القرآن بهذا المعنى الوارد )1(»...وفهمِه عندهم، ونحن هنا لا نعترض بطبيعة الحال على جواز القياس والاستنباط، فهذا من أصول الشريعة التي لا ينبغي لأحد رفضها بحال من الأحوال، إنما اعتراضنا أن نسقط مصطلحات الأصوليين، وغيرهم على معنى الاستنباط في الآية، وكأنه هو المعنى المراد منها نصا. نعم يجوز أن نقول: إن مصطلح الاستنباط عند الأصوليين متكئ على المعنى اللغوي، ومبني عليه، وهو يعد من قبيل الاستعارة التبعية أو المكنية؛ من هذا المعنى اللغوي الحقيقـي السابق، ولكنه ليس منصوصا عليه في الآية نصا، وغاية ما هنالـك أن هذا من مصطلحات الأصوليين الفنية التي وضعوها دلالة على المعنى المراد به عندهم. في قوله وعلى ذلك فإن ما استدل به الجصاص القول بالقياس، واجتهاد الرأي في أحكام الحوادث؛ وذلك لأنه أمر بردِّ الحوادث إلى الرسول في حياته إذا كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته، .336/9، وانظر: مفاتيح الغيب للرازي410/ 7) لسان العرب1(
عدد الصفحات ٢٠٦20 وهذا لا محالة فيما لا نص فيه؛ لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه، فثبت بذلك أنَّ من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها هو مودع في النص قد كلفنا الوصول الآية لا تدل كما رأينا على الاستنباط لأن لا يصح؛)1(إلى الاستدلال عليه واستنباطه بهذا المعنى الحـادث عند الأصوليين، لكنه مفهوم من فحوى الكلام، ومستتبعات التراكيب على أقصى تقدير، ومن ثم فنحن نؤيد ما ذهب إليه الشيخ رشيد رضا حين رفض هذا بشدة كما مر في موضعه. * * * ثالثًاا: العلاقة بين الفهم والتدبر: تكشف لنا من خلال التحليل البلاغي للآية التي ورد فيها مصطلح التفهيم الآتي: في الذكر الحكيم بصيغة الماضي المضعف الع ورد الفهم -1 الآية الكريمة هذا الماضي الرباعي على الماضي الثلاثي (فَهِمَ)؛ لأن الثلاثي سيعكس المطلوب حيث يوحي بأن القضية قد فهمها سليمان من تلقاء نفسه، وهذا غير مراد؛ لأن المولى عز وجل هو الذي فَهَّمَهَا له بأي طريقة من طرق التفهيم التي بيناها هناك. علاوة على أن الفهم مصدر الثلاثي (فَهِمَ) إنما يكون بالفطرة، فكل من كان عاقلا فهو يفهم ما حوله ويدركه على قدر علمه وعقله وسعة مداركه، وهذه قضية بدهية لا تعرض لها تلك الآية هنا. / 9، ومفاتيح الغيب306/3، وانظر: البحر المحيط183/3) أحكام القرآن للجصاص1( .330/2، وفتح البيان292/5، وتفسيرالقرطبي339-337
عدد الصفحات ٢٠٧20 كما آثرت الآية الكريمة وجل كان أكثر، وأعمق فهما لتلك القضية من أبيه داود عز وجل. فضلاً عن سلاسة وعذوبة وقوة هذه اللفظة عند النطق بها مع الضمائر الواردة معها بخلاف أفهم كما أوضحنا هناك. فقد ورد بصيغة المضارع من الماضي اأما التدبر كون كلاًّ منهما وردا من الماضي غير الثلاثي، ولكنهما يختلفان في ثلاثة أمور: الفعل الرباعي الأول: القضية، وتقدير الكلام واحد هو: القرآن، والقول، وآيات الكتاب على اختلاف المواضع. الفعل الماضي الرباعي أفاد التكثير كما مضى، بخلافالثاني: على التتبع والتدرج، وليس على الكثرة. الفعل الماضي الرباعي الثالث: وصيغة عكس التدبر فقد ورد في مواطن عديدة كما ذكرنا. في الآية، أي: الفاعل هو الله عز وجل، وقد ورد الحديث عنه بضمير المُفَهِّم -2 العظمة عظيم، والفاعل في التدبر هم الطوائف الثلاثة، والحديث عنهم ورد بواو الجماعة لكل طائفة، وفـرق بين المُفَهِّمُ وهو الله عز وجل، والمُتَدَبِّرون وهم هذه الطوائف الثلاثة على اختلاف مشاربها . ، أي: الواقع عليه التفهيم في هذه الآية تمثل في شيئين:المُفَهَّمُ -3 سليمان عز وجل فهو الذي وقع عليه التفهيم؛ لأنه مفعول أول للفعلالأول:
عدد الصفحات ٢٠٨20 « كان منحة وهبة وامتنانا من المولى عز وجل على عبده سليمان عز وجل، وأنه لا يرتبط بصغر، أو كبر، أو أفضلية، وبالقياس فإن التفهيم من رب العالمين للقضايا الشائكة يقع كذلك على المؤمنين من عباده الصالحين الذين يمتن المولى عز وجل عليهم بذلك. القضية المتنازع عليها هي التي وقع عليها التفهيم؛ لأنها مفعول ثان للفعل الثاني: « تمس حياة الناس، ويلاحظ أنها كانت من الأمور العويصة، والقضايا الشائكة، والمسائل الخفية الدقيقة حيث حكـم فيها داود عز وجل بحكم خلاف الحكم الذي حكم به سليمان عز وجل، ولذا كان التفهيم هنا بإلهامٍ لسليمانعز وجل لأن رب العالمين نسبه لنفسه بنون العظمة في قوله تلك القضية بعينها، ومن لم يقع عليه تفهيم الله عز وجل لها، فمن فهمه الله عز وجل صار أقدر على الإتيان بالحكم الصائب بعينه كما مر. أما التدبر فقد وقع على القرآن الكريم بما فيه من أمور دنيوية وأخروية وعلى ذلك فالواقع عليه التدبر أشمل وأعم، والواقع عليه الفهم أخص؛ لأن التدبر يقع كل المعاني المستكنة في القرآن الكريم دنيوية وأخروية، والتفهيم اختص بالقضايا الشائكة والمسائل العويصة التي هي غاية في اللطف والخفاء. وبينهما أيضًا مغايرة من جهة أخرى، فالتدبر في القرآن واقع على العبارات والأساليب مقروءة ومسموعة ومكتوبة، والتفهيم واقع على قضية دنيوية حياتية.
عدد الصفحات ٢٠٩