1 مقابلته، فإنه في نفسه من الأمور العقلية التي صقلها الفكر، فلا يجد أحد سبيلا إ ردها والطعن فيها، أو إلى أن فعلهم لخروجه عن حيز القبول منزل منزلة العدم حتى ، فتأمل، عز وجلكأنهم لم يتحقق منهم القصد دون الحصول بخلاف ما كان من قبله .)1( والله تعالى أعلم بأسرار كتابه متعلق بالمجيء، ﱫ ﭖ ﱪ .)2(حقَّ الأمر يحَُقُّ حقًّا فهو حق، أي: ثبت واستقر والمراد منه هنا ما جاء في القرآن من أدلة دامغة وبراهين ساطعة للرد على أي: إلا نزل جبريل ﱫ ﭔ ﭕ ﭖ ﱪضلالاتهم وترهاتهم، يقول ابن كث .)3(مِنَ الله بجوابهم والتعبير عن هذه الردود الدامغة بتلك اللفظة؛ للإشارة إلى أن ما أتى في القرآن ليس ردا عليهم على سبيل الجدل والمماراة، ولكنها الحقيقة الثابتة بعينها، فـ هو الغاية التي يريد القرآن تقريرها، وليس مجرد الانتصار في الجدل، ولا الغلب في .)4(المحاجة، إنما هو الحق القوي بنفسه الواضح الذي لا يلتبس به الباطل وأدخل على ( الحق ) الألف واللام الذي لا شيء أثبت منه، فيزهق ما أتوا به لبطلانه، ويفتضح بعد ذلك الستر فضيحة .)5(تخَُجِّل القائل، والسامع القابل .33/13) روح المعا1( .124، وانظر: مفردات الراغب504-503 /1) عمدة الحفاظ2( .101/5، والخازن430/13، وانظر: تفسير الطبري318/3) تفسير ابن كث3( .2563/ 5) في ظلال القرآن4( .316/5) نظم الدرر للبقاعي5(
عدد الصفحات ١٧٨1 ، وقوله ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﱪ وتأمل دقة التناسق وشدة التناسب بين قوله: ؛ فإنه لما أدخل الباء على المثل أدخلها على الحق ليفيد أن الحق ﱫﭔ ﭕ ﭖ ﱪ ملتصق بالمجيء لا ينفك عنه، وفي هذا تأكيد على أن هذا هو . )1(المبطل لما جاؤوا به القاطع لمادة القيل والقال معطوف على المجرورﱫ ﭗﱪ الواو عاطفة، و ﱫ ﭗ ﭘﱪ والمعنى: إلا جئناك بالحق وجئناك بأحسن تفسير، وكما اقتضى العطف هنا المشاركة في الحكم الإعرابي اقتضي أيضًا التغاير، وهنا تغاير في الصفات فالمجيء بالحق يغاير المجيء بأحسن تفسير. صفة على وزن أفعل، والحسن في الأصلﱫ ﭗ ﱪ و مرغوب فيه، وذلك ثلاثة أضرب: مستحسن من جهة العقل، ومستحسن من جهة الهوى، ومستحسن من جهة الحس... والحسن أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر، يقال: رجل حسن وحسان، وامرأة حسناء وحسانة وأكثر ما جاء .)2(في القرآن من الحسن فللمستحسن من جهة البصيرة هنا على وجهين:ﱫ ﭗﱪوقد اختلف المفسرون في دلالة من ﱫ ﭗ ﭘﱪ هي أفعل تفضيل: الأول « )3(ﱫ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸﱪ مثلهم، وَمَثَلُهم قولهم: ؛) 4(كثيرًا .73/4، وانظر: فتح القدير، طبعة دار الفكر209 /7) روح البيان1( .118-117) مفردات الراغب2( .438/6، وفتح البيان529/14، وانظر: اللباب497/6) البحر المحيط3( .25 /5) معاني القرآن للنحاس4(
عدد الصفحات ١٧٩10 .)1(أحسن وجهًا وعلى هذا الوجه ثمة إشكال؛ لأن فيه إقرارًا بأن ما جاء به الكفار من مقترحات فاسدة، وأسئلة باطلة، وضلالات فارغة كان حَسَنًا، وأن ما جاء به القرآن في الرد عليهم كان أحسن فحسب. وقد انبرى بعض المفسرين ليزيل هذا الإشكال، يقول حقي يكون بزعمهم، يعنى: لما كان السؤال حسنا بزعمهم قيل: الجواب الأحسن من . )2(السؤال يعني بذلك: أن ما أتوا به ليس حسنا في ذاته، لكنه حسنٌ في زعم كفار قريش، فقابله بالأحسن بناء على هذا الزعم. كما حاول ابن عاشور إزالة هذا الإشكال أيضًا فقال من بهرجة سفسطتهم وشبههم، فيجيء الكشف عن الحق أحسن وقعا في نفوس .)3(السامعين من مغالطاتهم، فيكون التفضيل بهذا الوجه على حقيقته وهذا هو الرد الأقوى على هذا الإشكال وإليه نميل؛ لأن الحسن البادي في ضلالات الكفار في كل زمان ما هو إلا زخرف من القول، وسفسطة ضالة وبهرجة فارغة يفقهها أهل العلم دوما، ويقفون عليها لأول وهلة. اسم التفضيل هنا ليس على أصله؛ ومن ذهب إلى هذا الوجه رأى :الوجه الثاني أن الذي أتى به كفار قريش ليس حسنًا حتى يكون ما جاء به رب العالمين أحسن، .67/4، بتصرف، وانظر: معاني القرآن للزجاج244-243/3) تفسير النسفي1( .32/13، وانظر: روح المعا209 /7) روح البيان2( .23/19) التحرير والتنوير3(
عدد الصفحات ١٨٠11 ومعنى أحسن تفسيرا على ذلك يأتون به له حسن في الجملة، وهذا أحسن منه، وهذا نظير قولهم .)1(له غاية الكبرياء في حد ذاته لأنه المتبادر؛ ولأنه لا يحتاج إلى تقدير محذوف، ؛وهذا الوجه الثاني هو الراجح وما لا يحتاج لتقدير أولى مما يحتاج، علاوة على أن كل ما ورد على وزن أفعل لا يشترط أن يكون أفعل تفضيل مثل قولنا: الله أكبر والله أعظم كما مر، يؤكد هذا من سياقات خمس الذكر الحكيم أيضًا أن تلك الصيغة على هذا النحو وردت في القرآن الكريم مرات، ولم يذكر بعدها المفضل عليه مطلقا سواء كانت أفعل تفضيل أم لا. وعبر هنا بلفظ الحسن دون الوضوح مثلا؛ لأن الحسن أشمل دلالة فهو يحمل في طياته معنى الوضوح والبيان زيادة على دلالته الأصلية، وهذا هو المراد، يقول ؛ أي: ولا يقولون قولا يعارضون به ﱫ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﱪابن كث ؛ )2(الحق، إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر، وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم لأن ما قالوه كلام بشري، وما جاءهم من الحق كلام رباني، وفرق بين باطل المخلوق المبهرج، وحق الخالق الكاشف. تمييز لأحسن، وهذا التمييز أزال الإبهام الكامن في لفظ أحسن؛ لأن ﱫ ﭘﱪ العبارة قبل ذكر هذا اللفظ تحتمل أن تكون أحسن معنى، وأحسن بيانا، وأحسن مثلا إلخ فلما جاء هذا التمييز أزال الإبهام، وحدد المراد. ، والتحرير 209/7، وروح البيان216/6، وانظر: تفسير أبي السعود32/13) روح المعا1( .23/19والتنوير .72/2) تفسير ابن كث2(
عدد الصفحات ١٨١12 و « ؛ الفَسرُْ: كشف المُغَطَّى، ﱫ ﭗ ﭘﱪ والتَّفْسيرُ مثله... وقوله عز وجل: .)1(والتفسير: كشف المُراد عن اللفظ المُشْكل فالتفسير في الأصل بمعنى البيان، وكشف المغطى، وإبانة المراد من الألفاظ المشكلة، وعلى ذلك فهو ليس مختصا بالقرآن، بل هو إبانة عن الألفاظ المشكلة في اللغة بوجه عام، ولكنَّ اقتران هذه اللفظة بالحديث عن القرآن في هذا السياق جعلها عند إطلاقها تشير إلى الكشف والبيان عن معاني القرآن -حقيقة كانت أم مجازًا- حتى صارت حقيقة عرفية يذهب الذهن لذلك تلقائيًّا. واختلف في معنى التفسير هنا على رأيين: ﱫ ﭗ ﭘﱪ ، يقول الطبـري البيان والتفصيل الأول: .)2(وأحسن مما جاءوا به من المثل بيانًا وتفصيلاً وعلى هذا الرأي يكون معنى الآية الكريمة: ولا يأتونك بأي مثل من أمثلتهم المتهافتة إلا جئناك بالجواب الحق الثابت الذي يدمغ باطلهم، وبالكلام الذي هو أحسن كشفا وبيانا وتفصيلا من أمثلتهم وشبهاتهم. ، يقول الشهاب المعنىالثاني: يقال: تفسير هذا كذا وكذا أي: معناه، فهو مصدر بمعنى المفعول؛ لأن المعنى مفسر .55/5) لسان العرب، مادة (ف. س. ر1( ، وتفس101/5، وتفسير الخازن101/5، وانظر: تفسير البغوي429/9) تفسير الطبري2( .23 /19، والتحرير والتنوير529/14، واللباب72/2البيضاوي
عدد الصفحات ١٨٢13 .)1(كدرهم ضرب الأم وعلى هذا الرأي يكون معنى الآية الكريمة: ولا يأتونك بأي مثل من أمثلتهم المتهافتة إلا جئناك بالجواب الحق الثابت الذي يدمغ باطلهم، وبما هو أحسن معنى من معانيهم. أن التفسير هنا يشمل المعنيين السابقين؛ لأنه لو كان المراد به واحدا مما والراجح: سبق لعبر به ولا مانع، أمَا أنه قد آثر التعبير بالتفسير، واختاره على تلك المصطلحات فهذا إشارة إلى أن ذاك اللفظ أوسع دلالة من تلك المصطلحات فهو يضمها جميعا في طياته، وبهذا يكون اللفظ قد جاء في مكانه الأليق به. ولعل هذا هو السر في التعبير بهذا اللفظ الفريد الوحيد مادة وصيغة في الذكر - لما فيها من )2(الحكيم، والتعبير بالفرائد في القرآن -كما أسلفنا في بحث سابق دلالات واسعة، ومعان كثيرة، وحسن في اللفظ، وجمال في الصياغة لا تتأتى في غيرها من الألفاظ التي تقاربها في معناها، أو ما يسميه بعضهم بالمترادف الذي لا يوجد -من وجهة نظري- في الذكر الحكيم؛ لأن لكل لفظة دلالة لا تؤديها غيرُها بالقدر نفسه، وبالتطابق ذاته، وهذا مكمن من مكامن إعجاز القرآن يجب أن نركز عليه بشدة للتعرف على أسراره، ونكات التعبير بلفظة دون ما يقاربها. وأما قولنا: إن هذه اللفظة بمعنى تلك، فهذا إطلاق على سبيل التسامح فحسب فليتنبه إليه، ومن ثم فإن للتفسير معنى مستقلاًّ يخالف ما يقاربه من وجه ويتفق معه ، وتفسير النيسابوري 91/3، وانظر: الكشاف130/7) حاشية الشهاب على البيضاوي1( .32/13، وروح المعا289/6، وحاشية زاده497/6، والبحر المحيط237/5 ) انظر كتابنا: من الأسرار البلاغية في الفرائد القرآنية2(
عدد الصفحات ١٨٣14 من وجه كما ترى وتبين لك، ولكن ليس إياه، وإلا لاكتفى رب العالمين بواحد، وهذا بدهي لا يحتاج لتطويل. وهذا يدفعنا أيضًا إلى القول بوجود فرق بين التفسير والتأويل، ومن ثم فقد جانب ابن منظور الصواب حين وافق على قول ؛ لأنهما ليسا بمعنى واحد؛ لأن القرآن عبر بالتفسير في موضع، )1(والمعنى واحد وبالتأويل في مواضع كما مر. ولذا فإن من فرق بينهما قد حالفه الصواب، بصرف النظر عن صحة ما فرق به. يقول السمين الحلبي وتأويله حمله على المعاني اللائقة ما ظاهره قد يفهمه من لم تثبت قدمه في العلم .)2(المتغاير أقول هذا؛ لأن القول في الحديث عنهما قد تشعب وطال، وكثير من المفسرين غير ناظر إلى )3(اجتهد في بيان الفرق بين هذين المصطلحين حسب نهج كل واحد الدلالة القرآنية المحضة لكل منهما. ونحن هنا بطبيعة الحال لا نعيب على هؤلاء تلك الوجهة؛ لأنه لا مشاحة في الاصطلاح ما دامت تلك الطائفة قد اتفقت على ذلك، أما مصدر اللوم والمؤاخذة فأن يذكر أحدٌ من تلك الطوائف معنى لهذه اللفظة يتلاءم مع مذهبه ثم يسقطه على .55/5) لسان العرب، مادة (ف. س. ر1( .36/5، واللباب لابن عادل394، وانظر: مفردات الراغب273/3) عمدة الحفاظ2( ،273/3، وعمدة الحفاظ للسمين الحلبي49،48) انظر على سبيل المثال: الفروق للعسكري3( .36/5، واللباب لابن عادل394ومفردات الراغب
عدد الصفحات ١٨٤1 القرآن، ويدعي أن هـذا هو المعنى المقصود من لفظـة الحال في التأويل كما بينا في موضعه هناك. ومن ثم فإن ما ذهب إليه ابن عاشور في قوله للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن، وما يستفاد منها باختصار أو توسع، .)1(والمناسبة بين المعنى الأصلي، والمعنى المنقول إليه لا يحتاج إلى تطويل فغير مرفوض، ولا ضير عليه؛ لأن تعريفه مبني على المعنى الذي سقناه لتلك الكلمة، منطلق من مفهوم هذا اللفظ في القرآن الكريم. .12/1) مقدمة التحرير والتنوير1(
عدد الصفحات ١٨٥المبحث ال
عدد الصفحات ١٨٦1 للتحليل البلاغي أثر واضح في الكشف عن الفروق بين الألفاظ التي عنونا بها بحثنا هذا، وسوف نركز هنا قدر الإمكان على بيان أثر هذا التحليل البلاغي في استكشاف الفروق والعلائق الكامنة بين هذه المصطلحات القرآنية من واقع النص القرآني ذاته، وليس من كلام خارج عنه. وقبل الولوج إلى هذا الغرض أود أن أؤكد على أننا سنذكر هنا ما تفيده هذه المصطلحات بمنطوقها، وما تدل عليه بمفهومها سواء كان مفهوم موافقة أو مخالفة، وهما المصطلحان اللذان أخذ بهما الأصوليون في التعامل مع النصوص المختلفة، والكشف عن مكنوناتها، أو كما يسميه بعض البلاغيين المحدثين مستتبعات التراكيب، فكل ما يستتبع هذه المصطلحات من دلالات سنحاول إيضاحه، وإيجازه أمام القارئ الكريم. ونبدأ بالحديث عن مصطلح التدبر فنقول وبالله التوفيق: لم يرد المصدر (التدبر) مطلقا في الذكر الحكيم، وكذلك لم يرد الفعل الماضي ا هذا الفعل الماضي الخماسي في أربع آيات على النحو الآتي : المبحث السادس: أثر التحليل البلاغي في استكشاف الفروق والعلائق بين هذه المصطلحات القرآنية
عدد الصفحات ١٨٧1 في آيتي سورتي (النساء ومحمد) المدنيتﱫ ﭼ ﱪ وردت صيغة أولاًا: سياق يتحدث صراحة عن المنافقين، وقد وردت تلك الصيغة مرفوعة بثبوت النون، وقبلها ﱫ ﭻ ﭼ هاتين الآيتين إلى المفعول به .ﭽﭾ ﱪ وقد كشف لنا التحليل البلاغي لآيتي سورتي (النساء ومحمد) عن حقائق عديدة ومتنوعة على النحو الآتي: ظهرت التاء في هذا الفعل في هاتين السورتين، ولم تدغم في الدال كما كان -1 الحال في آيتي سورتي (المؤمنون وص) كما سيأتي، وفي هذا إشارة واضحة -وا أعلم- إلى التخلي عن هذا النفاق، والكشف عما يضمره، هؤلاء من مكر للإسلام ؛ لأن الله عز وجل يعلم سرائر قلوبهم، فعكس إظهار التاء هنا هذا ×ولرسوله . )1(المعنى ورد هذا الفعل بصيغة المضارع؛ لإفادة التجدد، أي: يجب عليهم تجديد التدبر -2 آنا بعد آن، ووقتا بعد وقت؛ لأنهم -بداهة- لن يتدبروه فـي كل وقت وح آثر التعبير بصيغة التفعل إيماء إلى مراعاة التدرج والتتبع وبذل الجهد في -3 التدبر؛ ليصلوا للمطلوب منفيًّا بلا؛ لأنه ينفي عن المنافقين التدبر في الوقت ﱫ ﭼ ﱪ ورد المضارع -4 ) أشار البقاعي إلى سرٍّ آخر في إظهار التاء في آية محمد، فقال 1( ذلك (أي: الجهاد بالسيف وما دونه) من أظهر ما في القرآن من المعاني، فلا يحتاج في العثور عليه إ .170/7كبير تدبُّر
عدد الصفحات ١٨٨1 والحال الذي تتنزل فيه الآيات الكريمة، كما جاء أيضًا مسبوقا بهمزة الاستفهام الإنكاري التوبيخي التعجبي؛ لأنه ينكر عليهم عدم التدبر، ويوبخهم على تركه، ويتعجب من حالتهم تلك. اسْتُعمل التدبر في هاتين الآيتين على معناه اللغوي، ولم يستعمل في معنى -5 مجازي كما بان لنا من خلال التحليل البلاغي يعود على المنافقين فهم المخاطبون ﱫ ﭼ ﱪ الفاعل واو الجماعة في -6 بالتدبر كما أوضح السياق السابق واللاحق في السورت وهذا الفاعل لا يختص بالمنافقين في عصر النبوة بل يتسع ليشمل المنافقين في كل زمان ومكان؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، وفي هذا حث لهؤلاء جميعا على التدبر؛ لأن في التدبر الاحتكام إلى هذا الإدراك في ظاهرة لا يعييه إدراكها، وهي في الوقت ذاته ذات دلالة .)1(لا تمارى المفعول به، أي: الواقع عليه التدبر في السورتين هـو لفظ القرآن صراحة، -7 واختصاص تلك اللفظة بهؤلاء المخاطبين؛ للتركيز على صفة القراءة التي يحملها هذا اللفظ، فهؤلاء كانوا يقرؤون القرآن بألسنتهم أمام المسلمين -نفاقًا- لا يبلغ حناجرهم، ولا يتجاوز تراقيهم فحكى التعبير بتلك اللفظة حالتهم وركز على نظرتهم للذكر الحكيم فهم لا يحفظونه ولا يكتبونه ولا يحبون سماعه بل كانوا يقرؤونه خداعا ونفاقا فحسب إن كانوا في محفل مع المسلمين. اختصت آية سورة (النساء) بذكر الغاية من التدبر، وهي: التوصل إلى أن -8 .721/2) في ظلال القرآن1(
عدد الصفحات ١٨٩10 الذكر الحكيم من قيل رب العالمين؛ لأنه يحمل بين طياته دليلا على صدقه في مبانيه ومعانيه، وفي كل ما يخبر به عن أحوال المنافقين، وبهذا جاء التصريح في عجز الآية ، فالتدبر يهديهم ﱫ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﱪفي قوله تعالى: وهذا من ثمار التدبر الواضحة؛ لأنهم ×للوقوف على صدق القرآن، وصحة نبوته لم ينافقوا إلا لشكهم، وعدم تصديقهم بهذين الأمرين. اختصت آية سورة (محمد) ببيان السبب في عدم تدبرهم، وهو أن لهم قلوبا -9 غليظة منغلقة منعتهم من التدبر، ومن نفاذ نور القرآن إليها، وهذا بمفهوم المخالفة يشير إلى أن القلوب المتدبرة في القرآن هي القلوب الحية اللينة المتفتحة التي لم يغطها الران، وهي قلوب المؤمنين الموحدين، وهكذا فقد اختصت تلك الآية بالتصريح بوسيلة التدبر، واختصت آية النساء بالتصريح بذكر الغاية من التدبر، فكلتا الآيتين المدنيتين تكاملتا في ذكر الوسيلة والغاية من التدبر. وأخيرا من يتأمل في هاتين الآيتين يلحظ ملاحظة دقيقة: فقد اتحدت الآيتان -10 في مطلعهما، واختلفتا في عجزهما، واتحادهما في مطلعهما عائد -والله أعلم- لاتحاد المخاطبِين فيهما، وهم المنافقون، واختلافهما في عجزهما عائد لاختلاف السياقين المكتنف بالحديث عن المنافقين في كل آية كما تقدم، وهذا سر دقيق وراء ابتدائهما بتركيب متطابق لفظا ونظما، واختتامهما بتركيب مختلف لفظًا ونظماً. * * * ذُكر التدبر أيضًا في سورة (المؤمنون) المكية في سياق صريح عن كفار مكة، ثانيًاا: ومن خلال التحليل البلاغي لهذه الآية تبدت لنا عدة حقائق على الوجه الآتي: مجزومًا بحذف النون؛ حيث سُبق بأداة الجزم ﱫ ﭼ ﱪ ورد المضارع -1
عدد الصفحات ١٩٠11 « الكلام دعوتهم لذلك في حاضرهم ومستقبلهم جاء هذا الفعل مسبوقا بهمزة الاستفهام الإنكاري التعجبي التوبيخي حيث -2 أنكر عليهم عدم التدبر، ووبخهم على تركه، وتعجب من حالتهم تلك كما فعل مع المنافقين تماما. يجد أن التاء قلبت ﱫﮣ ﮤ ﱪ من يتأمل تلك الصيغة في قوله تعالى: -3 دالا، وأدغمت الـدال في الدال؛ لأن الأصل إلى أن الكافرين لو تدبروه وتأملوه بسرعة لوقفوا على حقيقة كونه من عند الله؛ لأنهم أمراء الفصاحة، وأساطين البيان لا يعجزهم الكشف عن معادن الكلام، والحكم على مصدريته. التدبر في هذه الآية استعمل في حقيقته اللغوية كما سبق تماما.-4 يعود على كفار قريش الذين تحدثﱫﮣ ﮤﱪ الفاعل واو الجماعة في قوله: -5 السياق السابق عنهم صراحة، فهؤلاء وحدهم هم المخاطبون بالتدبر في تلك الآية ، والمراد به القرآن ﱫ ﮥ ﱪ المفعول به، أي: الواقع عليه التدبر هنا هو لفظ -6 الكريم، وجاء بهذه اللفظة في سياق الحديث عن كفار قريش دون القرآن كما مر؛ إلماعًا إلى تلك الصفة، وهذا المعنى المستمد من تلك اللفظة، فكفار قريش كانوا يسمعون والمؤمنين، ولم يكونوا يقرؤونه نفاقا كما كان حال ×القرآن مقولا متلوا من الرسول المنافقين، فجاءت تلك اللفظة حاكية بدقة متناهية حالتهم، وكاشفة عن أن القـرآن الكريم ما هـو إلا جنس من أجناس الأقوال المعروفة لهم، لكنه قول معجز متحدىً به.
عدد الصفحات ١٩١12 وبذلك تكون تلك الآية قد أبانت صراحة عن أن المخاطبين بالتدبر هنا هم كفار مكة، وأن الواقع عليه التدبر هو القول. لم تنص تلك الآية على الغاية من حث الكافرين على التدبر؛ لأن ذلك مفهوم -7 بطبيعة الحال لا يحتاج لنص، فالغاية من حث الكافرين على التدبر هي انخلاعهم عن . ×الكفر، واهتداؤهم للإيمان، والوقوف على صدق القرآن، وصحة نبوة الرسول * * * ذُكر التدبر أيضًا في آية سورة (ص) المكية، والسياق قبلها لم يحدد صراحة ثالثًاا: من هم المخاطبون بالتدبر فيها، ولكنَّ التحليل البلاغي كشف عن أن المخاطب بالتدبر هم المؤمنون، وقد برزت لنا عدة حقائق من خلال هذا التحليل البلاغي على النحو الآتي: في هذه السورة منصوبا مسبوقا بلام ﱫ ﭼ ﱪ ورد الفعل المضارع -1 ، وفي هذا إشارة ﱫ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﱪ التعليل في قوله تعالى: صريحة وقاطعة إلى أن العلة في إنزاله هي تدبره. لم تذكر مع هذا الفعل أداة استفهام، ولم يُسْبَق كذلك بأداة نفي أو جزم -2 كما سبق؛ لأن المخاطبين هنا غيرُ منفي عنهم التدبر بل هو فقط يحكي العلة من مباشرة في قوله: ×نزول القرآن، وهو تدبر آياته، ومن ثم جاء الخطاب للرسول هو المقصود بذلك، ×، ولم يرد ذلك في الآيات السابقة مما يؤكد على أنهﱫﭴﱪ ومعه أمته. من يتأمل يجد أن هذه الصيغة أدغمت فيها كذلك التاء مع الدال كما مر -3 وهذا الإدغام يكشف عن حال المؤمنين المخاطبين بتلك الآية في أنهم يسارعون إ
عدد الصفحات ١٩٢13 تدبر آيات الكتاب الحكيم بمجرد نزولها؛ لأنه لب حياتهم، ومصدر الخير والسعادة والهداية لهم، وفي هذا مدح واضح لهؤلاء المؤمنين المتدبرين. التدبر في هذه الآية جاء أيضًا على حقيقته اللغوية كما سبق. -4 يعود على المؤمنين بعامة دون تخصيصﱫ ﭶ ﱪ : الفاعل واو الجماعة في قوله-5 لطائفة منهم، وهم العلماء، فتدبر كتاب الله لا يقتصر على طائفة كالعلماء والفقهاء وأضرابهم بل هو واجب على جميع المؤمنين، وفي ذلك يقول الشنقيطي بعض متأخري الأصوليين: إن تدبر هذا القرآن العظيم، وتفهمه والعمل به، لا يجوز .)1(إلا للمجتهدين خاصة... قول لا مستند له من دليل شرعي أصلاً وعلى ذلك فجميع المؤمنين بلا استثناء مدعوون للتدبر فيه لكنْ كلٌ يتدبر على قدر حظه ومداركه، ويستخرج منه على قدر علمه وفهمه بالأدوات المتاحة له، ولم تنص هذه الآية الكريمة على أدوات التدبر؛ لأن هذا مفهوم للمخاطبين بطبيعة الحال. المفعول به، أي: الواقع عليه التدبر هنا هـو-6 يعود على الكتاب صراحة، والمراد بالكتاب -لا شك- القرآن الكريم، وهـذا دليل آخر يؤكد علـى أن المخاطبين بالتدبر هنا هم المؤمنون كافة بمختلف طوائفهم، وعلى قدر مداركهم، وخص المؤمنين بهذا؛ ولم يذكر القرآن أو القول كما مضى؛ إشارة إلى الخصيصة المستمدة من تلك اللفظ وهي الكتابة، فالمـؤمنون هم المعنيون بكتابته دون غيرهم، فعبر بلفظة تنبئ عن تلك الحالة، علاوة على أنها لفظة أشمل من سابقتيها، وتتناسب في الحديث عن المؤمنين هنا أتم التناسب؛ لأن المكتوب مقروء، والمقروء مسموع ومن ثم فذكر هذا اللفظ أغنى عن ذكر هذين هنا، والله أعلم. .459/7) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن1(
عدد الصفحات ١٩٣