المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التدبر حقيقته وعلاقته بمصطلحات التأويل والاستنباط والفهم والتفسير دراسة بلاغية تحليلية على آيات من الذكر الحكيم

عبد الله عبد الغني سرحان

صفحة ١١ من ١٤

12 هذا، ويلاحظ هنا أن مفعول يسبحن محذوف، تقديره: يسبحن الله، وحذف المفعول؛ للعلم به وعدم تطرق الذهن لسواه، والحذف في القرآن يعتمد على لقانة السامع، وذكانة المخاطب، ومن ثم لا يذكر الأمر البدهي المعلوم بالضرورة، فضلا عن أن ذكر المفعول يجعل العبارة كزة ثقيلة لمن ينطقها ويرددها ويتدبر فيها. قرأ الجمهور بنصبها، وعلى هذه القراءة ففي الواو وجهان ﱫ ﯔﯕ ﱪ إعرابيان: عاطفة عطفت لفظـة الطير على الجبال.:الأول .)1(والط، الواو بمعنى مع الثاني: « .)2(العطف على الضمير في يسبحن، وفيه ضعف؛ لعدم التأكيد والفصل .)3( جمع طائر، وهوﱫ ﯔﯕ ﱪو وأل في الطير للعموم الاستغراقي كما مر في الجبال، ويجوز أن تكون للعموم العرفي أي: الطيور المحيطة ببيئته التي يعيش فيها فإن لكل منطقة في العالم طيورًا تشتهر بها، تتواءم مع طبيعة تلك البيئة، والراجح أن (أل) للعموم الاستغراقي، فلو فرض وانتقل إلى أي بقعة في العالم لسبحت معه طيورها، وهذا يعنى أن جميع أصناف الطيور الجارحة والوادعة كان داود عز وجل يسمع تسبيحها، ويفهم لغتها؛ لأنها ، وتفسير 172/ 21، والرازي580/2، وانظر: الكشاف331/6) تفسير البحر المحيط1( .119/17، والتحرير والتنوير80/6، وأبي السعود37/2البيضاوي ، 331/6، وتفسير البحر المحيط 37/2، وانظر: البيضاوي 80/6) تفسير أبي السعود 2( .606/11، روح المعا462/6، وحاشية الشهاب56/6وحاشية الشيخ زاده .508/4، واللسان630، والمقاييس498/2، وانظر: عمدة الحفاظ322) المفردات3(

عدد الصفحات ١٦٢

13 سُخرت له، وهذا من تمام المنة وكمال النعمة في سياق الامتنان والإنعام، وبهذا تتسق دلالة (أل) هنا مع دلالة (أل) في الجبال. وتسبيح الطيور مع داود عز وجل كان معجزة له لم يشركه فيها كائن ما كان. وكيفية تسبيح الطير هنا اختلف فيه على معنيين: يقول الشيخ سيد طنطاوي تسبيح حقيقي الأول: ، ولم يتعرض أحد من المفسرين لكيفية وطريقة )1(داود عز وجل هو تسبيح حقيقي هذا التسبيح الحقيقي إلا أنه مفهوم بطبيعة الحال؛ لأن الطيور من الكائنات الحية ولها أصوات تتميز بها، ولكن هل كان داود يسمع تسبيحها ويفهمه كما كان سليمان يفهم لغة الطير والنمال؟ أقول: نعم، هذا واضح جدا كما يفهم من سياق الامتنان. يقول الرازي هو تسبيح مجازي، الثاني: الكلام، ولكن أجمعت الأمة على أن المكلفين إما الجن أو الإنس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف بل تكون على حالة كحال الطفل في أن يؤمر وينهى، وإن لم يكن مكلفًا فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق، وأيضًا فيه دلالة على قدرة الله تعالى وعلى تنزهه عما لا يجوز فيكون القول فيه .)2(كالقول في الجبال لما قدمناه من أدلة في الحديث عن الجبال، وليس هذا بغريب؛ والراجح هو الأول: لأن ذلك كان خاصية لداود عز وجل على وجه الإعجاز. وهنا يثور سؤال: لمـاذا قدم المولى عز وجل تسبيح الجبـال مع داود على تسبيح .237/9) التفسير الوسيط1( .558/13، وانظر: اللباب172 / 21) تفسير الرازي2(

عدد الصفحات ١٦٣

14 الطير معه؟ أجاب عن ذلك النيسابوري بقوله لأن ذلك أدل على القدرة، وأدخل في الإعجاز، فإن الطير أقرب إلى الحيوان الناطق .)1(من الجماد لم ترد على تلك البنية ﱫ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﱪهذا، وجملة التركيبية في القرآن كله إلا هنا، ولكن ورد في معناها العام تراكيب أخرى، وذلك في ، وقوله ]10[ ﱫ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﱪقوله تعالى: وسياق كل آية يختلف عن غيرها، ]19[ ﱫ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫﱪ تعالى: ولذا اختلف التركيب في كل واحدة. « ﱫ ﯖ ﯗﱪ نريده بما لنا من العظمة المحيطة، فلا تستكثروا علينا أمرًا، وإن كان عندكم عجبًا .)2( والواو يجوز أن تكون عاطفة، والجملة بعدها معطوفة على جملة وسخرنا مع داود، وهذا العطف هو الذي سماه البلاغيون التوسط بين الكمالين، كما يجوز أن تكون .ﱫ ﮮ ﱪالواو للحال، والجملة بعدها حالية من الضمير في والجملة ﱫ ﮩ ﮪ ﱪكما يجوز أن تكون الواو للاعتراض كما مر في قوله: ﱫ بعدها معترضة بين الخبر السابق عن داود، والخبر اللاحق عنه في قوله تعالى: ، وفي ذلك يقول ابن عاشور]80[ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﱪ ، والبحر المحيط 172/21، والرازي580/2، وانظر: الكشاف38/5) تفسير النيسابوري1( .165/11، وتفسير القاسمي177/6، وفتح البيان506/5، وروح البيان331/6 .101/5) نظم الدرر للبقاعي2(

عدد الصفحات ١٦٤

1 ، وهذا الأخير هو )1( معترضة بين الإخبار عما أُوتيه داود ﱫ ﯖ ﯗﱪ الراجح، والمتبادر من السياق. كان هنا ناقصة ناسخة، ولهذا الفعل في القرآن دلالات عديدة ﱫ ﯖ ﱪو لا يتسع المقام لذكرها، ولكن ينبغي أن نؤكد على أن دلالة هذا الفعل تستغرق هنا الماضي والحاضر والمستقبل، أي: كنا فاعلين ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، وهذا مفهوم عقلاً وبداهةً وعقيدةً؛ لأن الحديث هنا عن المولى عز وجل، وهذا أمر يقيني ثابت في ، يقول ابن عاشورعز وجلحقه . )2(ثابت لله من قبل، أي: وكنا قادرين على ذلك وضمير العظمة تعجزه هذه الأشياء التي تعد من العجائب والغرائب في عُرف البشر. خبر كان، وهو جمع مذكر سالم مفرده فاعل، والمفرد فاعل جاء ﱫ ﯗﱪ على صيغة اسم الفاعل من الثلاثي فعل، والتعبير بصيغة اسم الفاعل هنا يدل على الدوام والثبوت والاستمرار، أي: كنا فاعلين لتلك المعجزات في كل زمان قادرين عليها في كل وقت وحين، وهذا سر التعبير بتلك الصيغة بدلا من الصيغة الفعلية، لو قال اللفظة من تفخيم وتعظيم يتلاءم مع عظمة المولى عز وجل. يعمل عمل الفعل الثلاثيﱫ ﯗﱪو وهنا حـذف المفعول، والتقدير: وكنا فاعلين ذلك، وقد اختلف المفسرون في ماهية .120/17) التحرير والتنوير1( .120/17) التحرير والتنوير2(

عدد الصفحات ١٦٥

1 المحذوف على وجه المحذوف هو تسخير الجبال والطير، يقول الطبري الأول: .)1(فاعلو ذلك، ومسخرو الجبال والط ﱫ يقول الخازن،التفهيم وإيتاء الحكم والعلـم، وتسخير الجبال والطير الثاني: .)2( يعني: ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم والتسخﯖ ﯗﱪ وأرى أن الحذف هنا للتعميم، يدل على ذلك أن التفهيم وإيتاء الحكم والعلم، وتسخير الجبال والطير ذكرت قبل ذلك، فالمحذوف يعود عليها جميعها. دون عاملين له أسرار بلاغية دقيقة تتمثل في أن ﱫ ﯗﱪوالتعبير بلفظة: « وتقليب وجهات النظر في صوره، واختيار ما يهدي إليه النظر فيها، والله عز وجل هذه واحدة.يخفى عليه شيء، ولا تلتبس عليه الأمور أن العامل قد يعمل له غيره، والله غني عن العالمين.:والثانية أن العامل يعمل ليحصل على ثمرة عمله من خير، فهو فقير إليه، والله :والثالثة أغنى الأغنياء. لهذه المحظورات -والله أعلم- خلا القرآن من إسناد عمل، يعمل إلى أسماء الله الحسنى، تقديسا له وتنزيها، ورعاية لواجبات عقيدة التوحيد... أما « ومن أبرزها أن الفعل هو ما صدر عن الفاعل مباشرة دون واسطة، وأن أفعال ا .237/9، وانظر: التفسير الوسيط58 /9) تفسير الطبري1( ، وفتح القدير305/4، وانظر: تفسير الخازن305/4) تفسير البغوي على هامش الخازن2( .177/6، وفتح البيان591/3

عدد الصفحات ١٦٦

1 صادرة عن قوة سلطانه، والفعل كما قال اللغويون: لا يحتاج إلى تفكير وطول نظر، بل الشأن فيه أن يصدر ابتداء، لذلك وغيره امتنع إسناد عمل إلى الله، وجاز إسناد فعل .)1(إليه؛ لأنه من صفات الكمال والجلال والجمال ﱫ ﯖ هنا اختلف فيه فقيل ﱫ ﯖ ﯗﱪ والمراد من قوله: أي: قادرين على أن نفعل هذا، وإن كان عجبًا عندكم، وقيل: كنا نفعل ﯗﱪ . )2(بالأنبياء مثل ذلك أي: فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال ﱫ ﯖ ﯗﱪ وقيل .)3(وتسبيحهنَّ، والطير لمن نخصه بكرامتنا ولكنَّ الشنقيطيَّ رفض ما ذُكر سابقا عند الزمخشري وأبي حيان، وأبدى رأيا ﱫ ﮮ ﮯ مؤكدًا لقوله: ﱫ ﯖ ﯗﱪ آخر فقال ، والموجب لهذا التأكيد: أن تسخير الجبال وتسبيحها ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﱪ .)4(أمر عجب خارق للعادة، مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة ما ذهب إليه الشنقيطي، فالجملة توكيد معنوي؛ والراجح: ، وهذا ما يتواءم مع كون هذه الجملة معترضة كما مر.)5(تسبيح الجبال والطير معه .135،131) دراسات جديدة في إعجاز القرآن1( ، وروح البيان للشيخ حقي 173/21، وانظر: مفاتيح الغيب 580/2) الكشاف 2( .506/5 .331 /6) تفسير البحر المحيط3( .841/4) أضواء البيان للشنقيطي4( .120/17) التحرير والتنوير5(

عدد الصفحات ١٦٧

المبحث الخام

عدد الصفحات ١٦٨

1 ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﱪ قوله عز وجل: .]33[ وردت هذه الآية الكريمة في سورة الفرقان المكية، وسميت بهذا الاسم؛ لأن الله عز وجل ذكر فيها القرآن الكريم هذا الكتاب العظيم الذي فَرَّق به بين الحق والباطل، والكفر والإيمان، والنور والظلام، والهدى والضلالة. ﱫ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ وقد استهلت السورة مباشرة بهذا الاسم في قوله تعالى: تأكيدًا علـى هـذا المغزى السابق. ثم ]1[ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﱪ تتابعت آيات السورة في النعي على كفار مكة الذين زعموا أن القرآن الكريم أساطيرٌ ﱫ ﭺ ﭻ ﭼ كما حُكِي عنهم في قوله تعالى: ×اكتتبها سيد المرسل ، وظلت الآيات تتحدث ]5[ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﱪ عن تكذيبهم القرآن، واستهزائهم بسيد الأنام، وإنكارهم لرسالته، واستطردت تذكر أحوال عتاةِ الكفار مثل عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف، ثم تحدثت عما جأر به ﱫ ﯘ ﯙ لربه في إعراض قومه عن القرآن العظيم في قوله تعالى: ×الرسول ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ المبحث الخامس: الأسرار البلاغيَّة في آية التفسير

عدد الصفحات ١٦٩

10 ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ .]33-30[ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﱪﯾ ﯿ ﰀ وهكذا يتضح لكل متدبر أن الآية محل الدراسة وردت صراحة في سياق الحديث .×عن كفار مكة، وما يزعمونه عن القرآن الكريم، والرسول العظيم ومناسبة تلك الآية لما قبلها أبرزها ابن عاشور بقوله وتعللاتهِم، وألقمهم أحجار الردِّ إلى لهواتهم عطف على ذلك فذلكة جامعة تعم ما تقدم، وما عسى أن يأتوا به من الشكوك والتمويه بأن كل ذلك مدحوض بالحجة ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ :فقال، )1(الواضحة الكاشفة لترهاتهم عطفت هذه الجملة على ﱫﭑ ﭒﱪ، فالواو إذن في قوله: ]33[ ﭘﱪ ما قبلها، ويجوز أن تكون استئنافية، والراجح الأول؛ لشدة اتصال الآية في معناها بما قبلها كما اتضح من ذكر المناسبة. لا نافية، وﱫ ﭑ ﭒ ﱪ و الاستعارة التبعية، وفي هذا يقول ابن عاشور والمعنى: لا يأتونك بشُبَه يُشَبِّهون بها حالا من أحوالك يبتغون إظهار أن حالك لا يشبه حال رسولٍ من الله إلا أبطلنا تشبيههم وأريناهم أن حالة الرسالة عن الله لا . )2(تلازم ما زعموه والتعبير بالإتيان عن الإظهار فيه مبالغة واضحة لهذا المعنى، وكأن تلك الشبه قد يحاجونه، ويجادلونه ×تجسدت فـي صورة محسوسة حتى حملوها، وأتوا بها للرسول .21/19) التحرير والتنوير1( .21/19) التحرير والتنوير2(

عدد الصفحات ١٧٠

11 بها، وهذا من جمال التعبير بتلك اللفظة والتعبير بالمضارع دون الماضي فيه استحضار لتلك الصورة أمام الأعين لترسخ أقوالهم الشنيعة في نفوس المستمعين، وفيه أيضًا إشارة إلى أن هذا الأمر كان يحدث ويتجدد من المشركين حالا بعد حال، وزمانا بعد زمان، يقول ابن عاشور تشمل ما عسى أن يأتوا به من هذا النوع كقولهم: ﱫ ﭑ ﭒ ﱪالمضارع في قوله: .)1(»ﱫﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﱪ تعود على كفار قريش كما يدل السياق بوضوح.ﱫ ﭒ ﱪوواو الجماعة في صراحة، ×وكاف الخطاب في محل نصب مفعول به، وهي تعود على النبي ؛ لإفادة أن إتيانهم الأمثال × إلى ضمير النبيﱫ ﭒ ﱪوالقصد من ؛ لأنه كان من الممكن أن يقال: ولا يأتون بمثل، ويجُعَل )2(يقصدون به أن يفحموه هنا يؤدي هذا المعنى، ×الفعل المتعدي كاللازم، فذكر المفعول العائد على النبي نكاية فيه، وكراهية في ×وفيه أيضًا إشعار بأن كل ما يفعلونه موجه لشخصه ﱫ دعوته؛ ولأنهم يعتقدون أن تكذيب ما جاء به وتشويهه فيه القضاء على دينه، .ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﱪ جار ومجرور متعلق بالفعل قبله، والمثل كما يقـول الراغبﱫ ﭓ ﱪ على وجهين: بمعنى المِثْل نحو شِبْهٍ وَشَبَهٍ ونِقْضٍ وَنَقَضٍ، قال بعضهم: وقد يعبر به :أحدهما .ﱫ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﱪعن وصف الشيء نحـو قوله: .22/19) التحرير والتنوير1( .21/19) التحرير والتنوير2(

عدد الصفحات ١٧١

12 عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني، أي: معنى كان، وهو أعم: والثاني .)1(الألفاظ الموضوعة للمشابهة والمراد بالمثل هنا اختلف فيه على أكثر من معنى: بسؤال عجيب ﱫ ﭑ ﭒ ﱪ، يقول الزمخشريبمثل: بسؤال عجيب :الأول . )2(من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثل في البطلان إلا أتيناك نحن بالجواب الحق وعلى هذا المعنى يكون الغرض من هذا السؤال العجيب الطعن في نبوته، ظنا منهم أنه لا يقدر على الرد على سؤالاتهم الباطلة، ×والقدح في رسالته، وتعجيزه وأمثلتهم الفاسدة المتعنتة التي تخرج عن دائرة العقل. بحال ﱫ ﭑ ﭒﱪ يقول أبو حيان بمثل: بحال عجيبة وصفة غريبة،الثاني: وصفة عجيبة يقولون: هَلاَّ كانت هذه صفتك وحالك نحو أن يُقْرَنَ بك مَلَكٌ يُنذر معك، أو يُلقى إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو يُنَزَّل عليك القرآن جملة إلا أعطيناك ما يحق لك في حكمتنا، ومشيئتنا أن تعطاه، وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه، .)3(ودلالة على صحته الاستثناء المذكور فإن ويأباهوقد رفض العلامة أبو السعود هذا الرأي بقوله المتبادر منه أن يكون ما أعطاه الله تعالى من الحق مترتبا على ما أتوا به من الأباطيل دامغا لها، ولا ريب في أن ما آتاه الله تعالى من الملكات السنية اللائقة بالرسالة قد أتاه .77/4، وانظر: عمدة الحفاظ482) مفردات الراغب1( .216/6، وتفسير أبي السعود237/5، وانظر: تفسير النيسابوري91/3) الكشاف2( ، وتفس237/5، وتفسير النيسابوري91/3، وانظر: الكشاف497/6) البحر المحيط3( .217/6أبي السعود

عدد الصفحات ١٧٢

13 ،)1(من أول الأمر لا بمقابلة ما حكي عنهم من الاقتراحات لأجل دمغها وإبطالها وقد أورد الألوسي ردا على اعتراض أبي السعود السابق فقال إلخﱫﭔ ﭕ ﱪ .)2(وهو كما ترى، فالحق التعويل على الأول فالألوسي نفسه يرفض هذا الرد الذي أورده لضعفه كما يبدو من كلامه؛ ولأن السياق لا يؤيده كما يفهم من كلامه أيضًا، وهو رد له وجاهته كما ترى. أي: لا ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﱪ، يقول أبو حيانبشبهة بمثل: :الثالث يأتونك بشبهة من جنس الشبهات المذكورة الواضحة البطلان كأنها مثل يمثل بها ﱫﮒ الذي يدمغ ما جاؤوا به من المثل ويبطله، كقوله: ﱫﭔ ﭕ ﭖ ﱪ .)3(»]18[ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﱪ وعلى هذا الرأي يكون القرآن الكريم قد سمى .)4(وسمى ما يُدْفَع به الشُّبهِ حقًّا أن المثل هنا لا يقتصر على واحد مما سبق بل هو عام -كما ذكره الراغب والراجح: من أمثال فيما سبق قبل نزول الآية، وما ×قبل- يندرج تحته جميع ما ضربوه للنبي سوف يأتون به مستقبلا، علاوة على أن لفظ (مَثَل) هنا نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم، ولهذا قال ابن عاشور .32/13، وروح المعا130/7، وانظر: حاشية الشهاب217/6) تفسير أبي السعود1( .130/7، وانظر: حاشية الشهاب33-32/13) روح المعا2( .317/3، وتفسير ابن كث49/6، وانظر: البحر المحيط289/6) حاشية الشيخ زاده3( .289/6، وحاشية الشيخ زاده101/5، وانظر: تفسير الخازن101/5) تفسير البغوي4(

عدد الصفحات ١٧٣

14 ﱫ ﭨ ﭩ ﭪوالمقصود: مَثَل من نوع ما تقدم من أمثالهم المتقدمة ابتداء من قوله: ﱫ ﭺ ﭻ ﭼ ﱪ، ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﱪ .)1(بقرينة سوق هذه الجملة عقب استقصاء شبهتهم وفي تنكير المَثَل أيضًا إشارة إلى أن جميع الأمثلة التي يأتون بها بقصد التشكيك والإضلال هي أمثلة حقيرة وضئيلة لا يؤبه بها، ولا يلتفت إليها فهي لا تأثير لها، ولا مغزى من ورائها، ولا تعدو أن تكون ضلالات وخزعبلات. وإدخال الباء على لفظ المَثَل هنا يفيد الإلصاق، أي: بمثل ملتصق بنفوسهم المتردية، وعقولهم الضالة ظنا منهـم أنهم سيحاجونه، ويغلبـونه، وينتصرون عليه. ولم يرد هذا اللفظ على تلك الهيئة المنكرة مسبوقا بالباء إلا في هذا الموطن فحسب في القرآن كله، ولعل ذلك لتفردهم في اقتراحات الأمثال الفاسدة والمتعنتة بما لا يضاهيهم أحد من الأمم السابقة في ذلك. أداة استثناء والاستثناء هنا مفرغ؛ لأن أداة ﱫ ﭔ ﱪ ، ﱫ ﭔ ﭕ ﭖ ﱪ الاستثناء لم تسبق بشيء يصح إخراج ما بعد إلا منه، وقد قدر بعض المفسرين المستثنى منه المحذوف بحال من الأحوال فقال .)2(حال إتياننا إياك الحق الذي لا محيد عنه ، ﱫﭒﱪمن مفعـول )3( « ﱫ ﭕ ﱪوجملة: .21/19) التحرير والتنوير1( /6، وتفسير أبي السعود289/6، وانظر: حاشية زاده على البيضاوي209 /7) روح البيان2( .22/19، والتحرير والتنوير32/13، وروح المعا216 .217 /6، وانظر: تفسير أبي السعود32 /13) روح المعا3(

عدد الصفحات ١٧٤

1 والمعنى على ذلك: لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال إلا حال استحضارنا وإتياننا إياك الحق الذي لا محيد عنه، وفائدة هذه الجملة الحالية ذكرها الألوسي فقال ذلك مقارنا لإتيانهم وإن كان بعده؛ للدلالة على المسارعة إلى إبطال ما أتوا به تثبيتًا .)1( »×لفؤاده والمجيء: هنا ليس على حقيقته اللغـوية بل هو مجيء مجازي على سبيل الاستعارة ﱫﭕ ﭖ ﱪ التبعية كما تقدم في نظيره الإتيان، يقول ابن عاشور ﱫ ﭕ ﭖ ﱪ وهو مجيء مجازي، ومقابلة ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﱪمقابل قوله: ﱫ إشارة إلى أن ما يأتون به باطل. مثال ذلك أن قولهم: ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﱪلقوله: أبطله قوله ]7[ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﱪ ﱫ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ تعالى: .)2(»]20[ ﯬ ﯭﯮ ﱪ مع أنه في معنى المستقبل يفيد تحقق المجيء، ﱫ ﭕ ﱪ« .)3(وهو المناسب لمقام الوعد والتثبيت كما × لم يختلف أحد في أنها تعود على النبيﱫ ﭕ ﱪ في وكاف الخطاب يجد أن ﱫ ﭕ ﱪ ، و ﱫ ﭒ ﱪ عادت عليه في يأتونك، لكن من يتأمل في الفاعل فيهما مختلف، فهو في الإتيان عائد على مشركي قريش؛ لأنهم هم الذين أتوا بالمثل الباطل، وفي المجيء عائد على المولى عز وجل؛ لأنه هو الذي جاء بالحق، وكأن .130/7، وحاشية الشهاب217 /6، وانظر: تفسير أبي السعود32/13) روح المعا1( .22 /19) التحرير والتنوير2( .183) تفسير ابن باديس3(

عدد الصفحات ١٧٥

1 معنى الكلام على هذا التحليل البلاغي بالحق من الجملة الثانية؛ لدلالة لفظ المثل عليه في الجملة الأولى هذا ما يهدي إليه السياق، ويقتضيه نسق الأسلوب القرآني المعجز. حيث كان يأتيه × فيهنَاونسبة المجيء للضم الوحي من الله بالقرآن صباحا ومساء، ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، فكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن كإنزال كتاب مما قبله من الكتب المتقدمة، فهذا المقام أعلى وأجلُّ، .)1(وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء وفيه أيضًا تفخيم وتعظيم للحق المجيء به، وبيان واضح بأن كل ما يأتي به الكفار باطل مردود؛ لأن في مقابله يأتي الرد من الخالق، وفرق بين ما يدبره المخلوق، وما يرد به الخالق عز وجل. إلى أن الإتيان والمجيء هنا بمعنى واحد، يقول بعض المفسرينهذا، وقد ذهـب الألو أن يتحد ما ينسب إليه عز وجل، وما ينسب إليهم لفظًا، مع كون ما للتفنن، وكراهة .)2( أتوا به في غاية القبح والبطلان، وما جاء به عز وجل في غاية الحقية والحسن إلى وجود فرق بينهما، يقول ابن عاشوروذهب آخرون مجازا كَثُر فيما يسوء وما يُكْرَه كالوعيد والهجاء، قال شقيق بن شريك الأسدي: أَتَانيِ مِنْ أَبيِ أَنَسٍ وَعِيـدٌ فَسُلَّ لَغَيْظَةِ الضَّحَّاكِ جِسْمِي .318/3) تفسير ابن كث1( .33/13) روح المعا2(

عدد الصفحات ١٧٦

1 وقول النابغة أَتَانيِ أَبَيْتَ الَّلعْنَ أَنَّكَ لمُْتَنِي ........................ وقوله: فَلَيَأْتِيَنْكَ قَصَائِدٌ وَلَيَدْفَعَنْ جَيْشًا إِلَيْكَ قَوَادِمُ الأَكْوَارِ. يريد قصائد الهجاء، وقول الملائكة للوط ، وتقدم ﱫ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﱪولذلك قالوا له في المجيء الحقيقي: ﱫ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ، ﱫﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﱪ في سورة الحجر، وقال الله تعالى: بخلاف فعل المجيء إذا استعمل ﱫ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﱪ، ﮌﮍ ﱪ في مجازه، فأكثر ما يستعمل في وصول الخير والوعد والنصر والشيء العظيم، قال ﱫ ﭱ ﭲ ، ﱫﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﱪ ، ﱫ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﱪ تعالى: ﱫﮙ ﮚ ، وفي حديث الإسراء ﭳ ﭴﱪ .)1(»ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﱪ ولست أؤيد هنا أن التغاير من قبيل التفنن بل لكل لفظة معنى لا تؤديها نظيرتهُا علم هذا المعنى من علمه، وجهله من جهله، والرأي الثاني عند ابن عاشور هو الأولى بالاعتبار، فهما يختلفان، ولكل سياقاته في القرآن الكريم كما بان لك مما ذكره ابن عاشور. فضلاً عن أن الألوسي تراجع عن ذلك في آخر كلامه السابق حيث قال في التعبير بالإتيان أولا والمجيء ثانيًا على هذا إشارة إلى أن ما يأتون به من الأمثال في نفسه من الأمور التي تتخيل بسهولة، ولا تحتاج إلى إعمال فكر، بخلاف ما يكون في .23-22/19) التحرير والتنوير1(

عدد الصفحات ١٧٧