16 المبحث الأول: دلالة المنطوق "ال مَن طُوقِ :هو مَا دَل َّ عَلَي هِ الل َّف ظُ فِي مَحَل ِ الن ط قِ "(1)، وقيلمَا فُهِمَ مِن دَلَالَةِ الل َّف ظِ قَط عًا فِي مَحَل ِ الن ط قِ"(2). ويقسم العلماء دلالة المنطوق إلى قسمين مطابقة، وتضمن(3). المطلب الأول: دلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على تمام المعنى الموضوع له(4)، أو دلالته بالنسبة لتمام مسماه(5)، وقيل هي التي تدل على كَمَالِ ال مَع نَى ال مَو ضُوعِ لَهُ الل َّف ظُ (6). كدلالة البيت على جميع ما فيه من أبواب وجدران وسقف كقوله تعالى: {[سورة التكاثر: (1)]فإنه ذم لكل أمر مباح يتم الإكثار منه حتى يلهي صاحبه عن الآخرة. قال الإمام ابن القيم: "والتكاثر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الل ه والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية، فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه، أو بالعلم فيجمعه تكاثرا وتفاخرا، وهذا أسوأ حالا عند الل ه ممن يكاثر بالمال والجاه؛ فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها "(7). 1- انظر: بيان المختصر، للأصفهاني،2/034)، دار مدني، السعودية، ط1،1046ه، وكشف الأسرار شرح أصول البزدو ي، (2/213.) 2- الإحكام في أصول الإحكام للآمدي،3/66.) 3- انظر: أصول الفقه لابن مفلح،1/16)، مكتبة العبيكان، الرياض، ط 1،1024ه، وشرح مختصر ابن الحاجب، للأصفهاني، 1/112)، دار المدني، السعودية، ط1،1046ه، وغيرها 0- انظر:شرح الخبيصي، (ص 12.) 1- المحصول، للرازي، (ص: 222.) 6- الإحكام في أصول الأحكام للآمدي،1/11.) 7- عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن القيم، (ص 102)، دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: زكريا علي يوسف
عدد الصفحات ١٧17 المطلب الثاني: دلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع له اللفظ(1)، وقيل: هي التي تدل على بعض ال مَع نَى ال مَو ضُوعِ لَهُ الل َّف ظُ (2). كدلالة البيت على السقف فقط، في قولك: سقط البيت وكقوله تعالى: {[سورة التكاثر: (1)]، إذا استدللت بها على من انشغل باستكثار جمع المال ولم يبنِ لآخرته شيئاً، أو بالنساء أو المباحات، وفي عصرنا الحاضر يصل ح الاستدلال بها على من ألهاه الحرص على كثرة المتابعين في برامج التواصل الاجتماعي حتى أدى بعضهم إلى شراء المتابعين ليتكاثر بهم، فألهاه التكاثر. 1- انظر شرح الخبيصي، (ص 12.) 2- الإحكام في أصول الأحكام للآمدي،1/11.)
عدد الصفحات ١٨18 المبحث الثاني: دلالة المفهوم "دَلَالَةُ ال مَف هُومِ : مَا دَل َّ عَلَي هِ الل َّف ظُ لَا فِي مَحَل ِ الن ط قِ "(1). وينقسم المفهوم إلى قسمين(2): موافقة ومخالفة ويقسمه بعضهم(3) إلى فحوى الخطاب؛ وهو مفهوم الموافقة أو دلالة الأولى، ودليل الخطاب؛ وهو مفهوم المخالفة، ولحن الخطاب؛ وهو ما دل على مساوٍ له نفس الوصف، وهو أقرب إلى معنى القياس، فإلحاقه به أولى(4) . المطلب الأول: مفهوم الموافقة هو ما يكون فيه المسكوت عنه موافقا لحكم المنطوق مع كون ذلك الحكم أولى به(5)، وقيل: "مَا يكون وصف مسكوته يُوَافق وصف منطوقه، وَقد يكون أولى بذلك ال وَص ف ال َّذِي هُوَ مَظَن َّة الحكم ، وَمُق تَضى ال حِك مَة "(6) . ويسميه بعض العلماء (دلالة الأ و لى)، وبعضهم يسميه (فحوى الخطاب– كما تقدم-. قال إمام الحرمين الجويني(7)" :مفهومالموافقة: هو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم في المنطوق به من جهة الأولى، وهذا كتنصيص الَّب تعالى في سياق الأمر ببر الوالدين على النهي عن التأفيف؛ فإنه مشعر بالزجر عن سائر جهات التعنيف". 1- كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، (2/213.) 2- انظر: المحصول لابن العربي، (ص140)، تحقيق حسين البدري، دار البيارق، عمان، ط 1،1024ه 3- انظر: البرهان في أصول الفقه، للجويني،1/166)، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، 2/213)، وغيرها من كتب الأصول 0- انظر إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد الباجي، (147)، حققه عبدالمجيد التركي، دار الغرب الإسلامي، ط 1،1047ه 1- انظر: مذكرة أصول الفقه، للشنقيطي، (ص 237)، المكتبة السلفية، المدنية المنورة 6- تقويم النظر، لابن الدهان122]1/21)، تحقيق د. صالح الخزيم، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1،1022ه 7- البرهان في أصول الفقه، للجويني،1/166.)
عدد الصفحات ١٩19 واتفق العلماء على الاحتجاج به(1) إلا بعض الظاهرية كابن حزم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَمَن لَم يَل حَظ ال مَعَانِيَ مِن خِطَابِ الل َّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا يَف هَمُ تَن بِيهَ ال خِطَابِ وَفَح وَاهُ مِن أ ه لِ الظ َّاهِرِ كَاَل َّذِينَ يَقُولُونَ إن َّ قَو لَهُ [سورة الإسراء: (23)]، لَا يُفِيدُ الن َّه يَ عَن الض َّر بِ، وَهُوَ إح دَى الَّ ِوَايَتَي نِ عَن دَاوُد، وَاخ تَارَهُ اب نُ حَز مٍ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الض َّع فِ، بَل وَكَذَلِكَ قِيَاسُ ال أ و لَى، وَإِن لَم يَدُل َّ عَلَي هِ ال خِطَابُ، ل َكِن عُرِفَ أ ن َّهُ أ و لَى بِال حُك مِ مِن ال مَن طُوقِ بِهَذَا، فَإِن كَارُهُ مِن بِدَعِ الظ َّاهِرِي َّةِ ال َّتِي لَم يَس بِق هُم بِهَا أ حَد مِن الس َّ لَفِ، فَمَا زَالَ الس َّلَفُ يَح تَج ونَ بِمِث لِ هَذَا. ."(2). المطلب الثاني: مفهوم مخالفة "هُوَ ال َّذِي يكون وصف منطوقه يُخَالف وصف مسكوته "(3)، وقيل وَهُوَ مَا كَانَ حُك مُال مسكُوتِ عَن هُ مُخَالِفًا لِحُك مِ ال مَن طُوقِ "(4)، وقيل: "هو إُثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه"(5) . وهذا: يسميه بعض العلماء (دليل الخطاب) كما تقدم، وهو الدلالة على ضد حكم اللفظ لوجود نقيض السبب. قال الجويني(6)" :مفهوم المخالفة هو ما يدل من جهة كونه مخصصا بالذكر على أن المسكوت عنه مخالف للمخصص بالذكر كقوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة" هذا التخصيص يشعر بأن المعلوفة لا زكاة فيها ". ويدل على صحة الاستدلال بمفهوم المخالفة حديث أ بِي ذَر ٍ ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الل هِ، ذَهَبَ أ ه لُ الد ثُورِ بِال أ جُورِ، يُصَل ونَ كَمَا نُصَل ِي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَد َّقُونَ بِفُضُولِ أ م وَالِهِم . قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الل هِ :(أ وَلَي سَ قَد جَعَلَ الل هُ ل َكُم مَا تَص َّد َّقُ ونَ، إِن َّ بِكُل ِ تَس بِي حَةٍ 1- انظر: المحصول لابن العربي، (ص140)، وأصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، للسلمي، (ص372.) 2- الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية،1/320)، تحقيق: حسنين محمد مخلوف، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، 1326. 3- تقويم النظر، لابن الدهان1/21.) 0- الإحكام في أصول الأحكام للآمدي،2/217) 1- شرح تنقيح الفصول، لشهاب الدين القرافي، 1/13)، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، شركة الطباعة الفنية المتحدة، 1323 ه-1273م 6- البرهان في أصول الفقه، للجويني،1/166.)
عدد الصفحات ٢٠20 صَدَقَةً، وَبِكُل ِ تَح مِيدَةٍ صَدَقَةً، وَفِي بُض عِ أ حَدِكُم صَدَقَةً ) قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الل هِ، أ يَأْتِي أ حَدُنَا شَه وَتَهُ يَكُونُ لَهُ فِيهَا أ ج ر ؟ قَالَ: (أ رَأ ي تُم لَو وَضَعَهَا فِي ال حَرَامِ، أ كَ انَ عَلَي هِ فِ يهَا وِز ر ؟ وَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي ال حَلَالِ، كَانَ لَهُ فِيهَا أ ج ر )(1). فاستدل النبي لأجر من وضع شهوته في الحلال بوزر من وضعها في الحرام. وهو أنواع(2)، والمشهور أنها ستة 1- مفهوم الصفة: مثل قوله: {[ورة النساء: (92)]، فلا يصح تحرير رقبة كافرة. 2- مفهوم الشرط: مثل قوله :{[سورة الطلاق: (6)]، أي فلا نفقة للمطلقة غير الحامل، ويدل على اعتباره ما روي عن يَع لَى ب نِ أ مَي َّةَ، قَالَ: سَأ ل تُ عُمَرَ ب نَ ال خَط َّابِ، قُل تُ مِنَ الص َّلاَةِ إِن خِف تُم أ ن يَف تِنَكُمُ ال َّذِينَ كَفَرُوا [سورة النساء: (101)]، وَقَد أمِ نَ الن َّاس؟! فَقَالَ لِي عُمَرُ: عَجِب تُ مِم َّا عَجِب تَ مِن هُ، فَسَأ ل تُ رَسُولَ الل هِ صَل َّى الل هُ عَلَي هِ وَسَ ل َّمَ عَن ذَلِكَ، فَقَالَ: (صَدَقَة تَصَد َّقَ الل هُ بِهَا عَلَي كُم ، فَاق بَلُوا صَدَقَتَهُ )(3). 3- مفهوم الغاية: مثل قوله:{[سورة البقرة: (230)]، فإن نكحت جاز الَّجوع بينهما 4- مفهوم الحصر: مثل قوله :{[سورة النجم: (43)]، أي وليس غيره سبحانه. 5- مفهوم اللقب: مثل قوله: (الَّاحمون يرحمهم الَّحمن)(4)، فمن لم يكن راحما لم ينل هذا الفضل. 1- رواه الإمام أحمد في مسنده31/376)، رقم 21073)، تحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط 1،1021ه، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم: ( 1446)، تحقيق فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت 2- انظر مسودة الفقه، للشنقيطي، (ص: 232)، وتلخيص الأصول، لثناء الله الزاهدي، (ص 11) ، مركز المخطوطات، الكويت، ط 1،1010ه 3- أخرجه الإمام أحمد، 170)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين، رقم 626.) 0- أخرجه الإمام أحمد، رقم 6020)، وأبو داود في باب الرحمة، رقم: ( 0201)، والترمذي في باب ما جاء في رحمة المسلمين، رقم 1220)، تحقيق أحمد شاكر، وصححه الألباني وأحمد شاكر والأرنؤوط وغيرهم.
عدد الصفحات ٢١21 6- مفهوم العدد: مثل قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث(1)، أي فإذا لم يبلغ حمل، ويدل على اعتباره حديث اب نِ عُمَرَ رَضِيَ الل َّهُ عَن هُمَا، أ ن َّهُ قَالَ: لَم َّا تُ وُف ِيَ عَب دُ الل َّهِ ب نُ أ بَي ٍ، جَاءَ اب نُهُ عَب دُ الل َّهِ ب نُ عَب دِ الل َّهِ إِلَى رَسُولِ الل َّهِ صَل َّى الل هُ عَلَي هِ وَسَل َّ مَ فَأ ع طَاهُ قَمِيصَهُ، وَأ مَرَهُ أ ن يُكَف ِنَهُ فِيهِ، ثُم َّ قَامَ يُصَل ِي عَلَي هِ ، فَأ خَذَ عُمَرُ ب نُ الخَط َّابِ بِثَو بِهِ، فَقَالَ: تُ صَل ِي عَلَي هِ وَهُوَ مُنَافِق ، وَقَد نَهَاكَ الل َّهُ أ ن تَس تَغ فِرَ لَهُم ؟ ! قَالَ: (إِن َّمَا خَي َّرَنِي الل َّهُ - أ و أ خ بَرَنِي الل َّهُ - فَقَالَ عِينَ مَر َّةً فَلَن يَ غ فِرَ الل هُ لَهُم [سورة التوبة: (00)]، فَقَالَ سَأ زِيدُهُ عَلَى سَب عِينَ ) قَالَ: فَصَل َّ ى عَلَي هِ رَسُولُ الل َّهِ صَل َّى الل هُ عَلَي هِ وَسَل َّمَ وَصَل َّي نَا مَعَهُ، ثُم َّ أ ن زَلَ الل َّهُ عَلَي هِ عَ لَى أ حَدٍ م ِن هُم م َّاتَ أ بَ دًا وَلاَ تَقُم عَلَىَ قَب رِهِ إِن َّهُم كَفَرُوا بِالل هِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُم فَاسِقُونَ }[سورة التوبة: (04])(2). وذهب جمهور العلماء إلى القول بالاحتجاج به بشروط(3): 1- أن لا يخالف نصا صريحا، مثل حديث: (لا تحرم المصة ولا المصتان(4) مفهومه أن يتم التحريم بالثلاث، ول كن جاء النص على أن التحريم لا يكون إلا بخمس رضعات مشبعات(5). 2- أن لا يكون القيد خرج مخرج الغالب، نحو قوله تعالى{لا َّتِي فِي حُجُورِكُم[سورة النساء: (23)]، فلو كانت ربيبة وغير متربية في بيته فتحرم أيضا 3- أن لا يكون القيد لبيان الواقع، نحو قوله سبحانه{ض عَافًا م ضَاعَفَةً [سورة آل عمران: (130)]، فالمرابي لا يكتفي بالقليل، وكقوله تعالى {وَلَا تُك رِهُوا فَتَيَاتِكُم عَلَى ال بِغَاء إِن أ رَد نَ تَحَص نًا [سورة النــور: (33])، فليس معناه: أنها 1- أخرجه أصحاب السنن الأربعة: أبو داود: باب ما ينجس من الماء، رقم 63)، والترمذي: باب منه آخر، رقم 67)، والنسائيب التوقيت في الماء، رقم: ( 12)، وابن ماجه: باب مقدار الماء الذي لا ينجس، رقم 117)، وهو حديث صحيح 2- أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله0323.) 3- انظر: مذكرة أصول الفقه، للشنقيطي، (ص 201.) 0- أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها، باب في المصة والمصتان، رقم 1014.) 1- أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها، باب التحريم بخمس رضعات، رقم 1012.)
عدد الصفحات ٢٢22 إن لم ترد التحصن فيجوز إكراهها، وإنما المقصود أن الإكراه لا يحصل إلا إذا كانت الأمة تريد الإحصان والعفاف، وأما التي لا تريد التحصن فتفعل البغاء من غير إكراه. 4- أن لا يكون القيد خرج للامتنان، نحو قوله تعالى{حرَ لِتَأْكُلُوا مِن هُ لَح مًا طَرِي ًّا [سورة النحل: (14])، الطري وغير الطري كلاهما مباح أكله، ول كن السياق سياق امتنان. 5- أن لا يكون القيد خرج للتوكيد والحث، نحو قوله : (لا يحل لامرأة تؤمن بالل ه واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم)(1)، فليس معناه أن منلم تؤمن بالل ه واليوم الآخر جاز لها. وهذه الشروط غاية في الأهمية، وفيها رد على كثير من الطعون في القرآن، وفيها ضبط لمنهج الاستدلال بمفهوم المخالفة. 1- أخرجه البخاري عن أبي هريرة، في أبواب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة، رقم 1432)، ومسلم عن أ هريرة بنحوه في كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج، رقم: ( 1332.)
عدد الصفحات ٢٣23 المبحث الثالث: دلالة الاقتضاء الاقتضاء لغةً: الطلب(1). وفي اصطلاح الأصوليين: دلالة الاقتضاءمعناها أن المعنى يتقاضها لا اللفظ"(2)، وقيل ما يكون من ضرورة اللفظ(3)،وقيل: مَا كَانَ ال مَد لُولُ فِيهِ مُض مَرًا (4)، فهي دلالة اللفظ على غير ما سيق له. ومما يؤيد اعتباره ما ذكره الل ه تعالى في قصة يوسف عليه السلام باستدلالهم على براءة يوسف بقد ِ القميص من دبر، الذي يدل على أنه هارب، وأما الطالب فيُقد قميصه من قُبُل، { * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُد َّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَت وَهُوَ مِن الص َّ ادِقِينَ * فَلَم َّا رَأ ى قَمِيصَهُ قُد َّ مِن دُبُرٍ قَ الَ إِن َّهُ مِن كَي دِكُن َّ إِن َّ كَي دَكُن َّ عَظِيم [سورة يوسف: (26 - 20)]. وهي تنقسم– على الَّاجح - إلى قسمين: إشارة والتزام. المطلب الأول: دلالة الإشارة: هي ما يكون في اللفظ دليل عليه غير مقصود(5)، وقيل: "هوما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه"(6)، ففي اللفظ دلالة عليه ول كنها غير مقصودة من المتكلم لا منطوقا ولا مفهوما، كدلالة قوله تعالى: {[سورة ط ه: (94)]، على أن اللحية من سنن الأنبياء. 1- لسان العرب، لابن منظور، 1/3661.) 2- شرح تنقيح الفصول، للقرافي، (ص 11.) 3- روضة الناظروجنة المناظر، لابن قدامة المقدسي، (2/114.) 0- الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي،3/60.) 1- شرح مختصر الروضة، للطوفي، (2/742)، تحقيق د عبدالله التركي، مؤسسة الرسالة، ط 1،1047ه 6- المهذب في علم أصول الفقه المقارن، د عبدالكريم النملة، 0/1712)، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1،1024ه
عدد الصفحات ٢٤24 ويسميها بعضالأصوليين دلالة الإيماء(1)، والفرق بينها وبين دلالة الالتزام: وجود لفظ في النص يدل عليه، مثل "فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب: كقوله تعالى: {[سورة المائدة: (30)]، يفهم منه: كون السرقة علة القطع، وليس بمنطوق به، ول كن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام، وكذا ق وله تعالى ال أ ب رَارَ لَفِي نَعِيمٍ [سورة الانفطار: (13)]،أي: لبرهم، {[سورة الانفطار: (41)]، أي: لفجورهم.وهذا قد يسمى "إيماء" و"إشارة"(2). المطلب الثاني: دلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على خارج عن معناه، لازم له(3)، وقيلدلالة اللفظ على ما يتوقف عليه صدق المتكلم(4)، "وقيلهو ما يكون من ضرورة اللفظوليس بمنطوق به. وهوإما أن لا يكون المتكلم صادقًا إلا به، كقوله: (لا عمل إلا بنية)، أي صحيح، وقوله (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان..) أي إثمه أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ شرعًا بدونه، كقوله تعالى عَلَى سَفَرٍ فَعِد َّة [سورة البقرة: (104)]،أي: فأفطر فعد َّة . أو من حيث يمتنع وجوده عقلًا بدونه، كقوله تعالى [سورة النساء: (23)]، يتضمن إضمار الوطء ويقتضيه"(5)، وكحديثلا وصية لوارث)(6) أي صحيحة. 1- الجامع لمسائل أصول الفقه، للشيخ عبدالكريم النملة، (ص220)، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1،1024ه 2- روضة الناظر وجنة المناظر، لابن قدامة المقدسي 2/142.) 3- شرح الخبيصي(ص 12.) 0- شرح تنقيح الأصول، للقرافي، (ص 11.) 1- روضة الناظر وجنة المناظر، لابن قدامة المقدسي 2/114) 6- أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوراث، رقم: ( 2272) ، وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، رقم 2713)، والدارقطني، كتاب الفرائض والسير وغير ذلك، ( 0/74)، والبيهقي، كتاب الوصايا، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، 6/033) رقم (12101) من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أنس بن مالك
عدد الصفحات ٢٥25 واعلم أن دلالة الاقتضاء(1) لا تكون أبداً إلا على محذوف دل المقام عليه، وتقديره لا بد منه؛ لأن الكلام دونه لا يستقيم لتوقف الصدق أو الصحة عليه"(2). وبعضهم يخص دلالة الاقتضاء باللازم فقط، ويلحق دلالة الإشارة بالمنطوق– وقد تقدم-. ودلالة الالتزام أوسع من دلالة الإشارة، والتمكن منها يورث بابا واسعا في الفهم والعلم. 1- يعني دلالة الالتزام، وقد تقدم معنا أن الأصوليين مختلفون بتسميتها. 2- مذكرة في أصول الفقه، للشنقيطي (ص 222.)
عدد الصفحات ٢٦26 الفصل الثاني (تطبيقي):تطبيقات على هذه القاعدة المبحث الأول: دلالة المنطوق. المبحث الثاني: دلالة المفهوم. المبحث الثالث: دلالة الاقتضاء.
عدد الصفحات ٢٧27 المبحث الأول: دلالة المنطوق وفيه مطلبان: المطلب الأول: أمثلة دلالة المطابقة: 1- {[6]): " وَهَذَا يَش مَلُ الَّ ِجَالَ وَالن ِسَاءَ ضَرُورَةً "(1). 2- {[102]): "قَالَ اب نُ عَب َّاسٍ، وَأ بُو ال عَالِيَةِ، وَمُجَاهِد ، وَالض َّح َّاكُ، وَالَّ َّبِيعُ ب نُ أ نَسٍ، وَالس د ِي : الجَنَف: ال خَطَأ ؛ وَهَذَا يَش مَلُ أ ن وَاعَ ال خَطَأِ كُل َّهَا، بِأ ن زَادَ وَارِثًا بِوَاسِطَةٍ أ و وَسِيلَةٍ، كَمَا إِذَا أ و صَى بِبَي عِ هِ الشيءَ الفُلاني مُحَابَاةً، أ و أ و صَ ى لِاب نِ اب نَتِهِ لِيَزِيدَهَا، أ و نَح وَ ذَلِكَ مِنَ ال وَسَائِلِ، إِم َّا مُخ طِئًا غَي رَ عَامِدٍ، بَل بِطَب عِهِ وَقُو َّةِ شَفَقَتِهِ مِن غَي رِ تَبَص رٍ، أ و مُتَعَم ِدًا آثِمًا فِي ذَلِكَ، فَلِل وَصِي ِ -وَال حَالَةُ هَذِهِ -أ ن يُص لِحَ ال قَضِي َّةَ ويعدلَ فِي ال وَصِي َّةِ عَلَى ال وَج هِ الش َّر عِي ِ "(2). 3- {[رى (29]): "وَهَذَا يَش مَلُ ال مَلَائِكَةَ وَال جِن َّ وَال إِن سَ وَسَائِرَ ال حَيَوَانَاتِ، عَلَى اخ تِلَافِ أ ش كَالِهِم وَأ ل وَا نِهِم وَلُغَاتِهِم ،وَطِبَاعِهِم وَأ ج نَاسِهِم ، وَأ ن وَاعِهِم ، وَقَد فَر َّقَهُم فِي أ ر جَاءِ أ ق طَارِ ال أ ر ضِ وَالس َّمَوَاتِ "(3). 4- قَو لُهُ : {[12]) : "وَهَذَا يَش مَلُ قَت لَهُ بَع دَ وُجُودِهِ، كَمَا كَانَ أ ه لُ ال جَاهِلِي َّةِ يَق تُلُونَ أ و لَادَهُم خَش يَةَ ال إِم لَاقِ ، وَيَعُم قَت لَهُ وَهُوَ جَنِين ، كَمَا قَد يَف عَلُهُ بَع ضُ ال جَهَلَةِ مِنَ الن ِسَاءِ، تَط رَحُ نَف سَهَا لِئَل َّا تَح بَ لَ إِم َّا 1- تفسير القرطبي، 10/123)، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 2،1260م 2- تفسير ابن كثير، 1/021)، تحقيق سامي السلامة، دار طيبة للنشر، ط2،1024ه 3- تفس ابن كثير، ( 7/247.)
عدد الصفحات ٢٨28 لِغَرَضٍ فَاسِدٍ أ و مَا أ ش بَهَهُ "(1). 1- تفسير ابن كثير، 2/144.)
عدد الصفحات ٢٩29 المطلب الثاني: أمثلة على دلالة التضمن 1- { وَأ ش فَق نَ مِن هَا وَحَمَلَهَا ال إِنسَانُ إِن َّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [72]). "َقَالَ اب نُ مَس عُودٍ: هِيَ فِي أ مَانَةِ ال أ م وَالِ كَال وَدَائِعِ وَغَي رِهَا، وَرُوِيَ عَن هُ أ ن َّهَا فِي كُل ِ ال فَرَائِضِ، وَأ شَد هَا أ مَانَةُ: ال مَالِ. وَقَالَ أ بَي ب نُ كَع بٍ: مِنَ ال أ مَانَةِ أ نِ ائ تُمِنَتِ ال مَر أ ةُ عَلَى فَر جِهَا . وَقَالَ أ بُو الد َّر دَاءِ: غُس لُ ال جَنَابَ ةِ أ مَانَة ، وَإِن َّ الل َّهَ لَم يَأْمَنِ اب نَ آدَمَ عَلَى شَي ءٍ مِن دِينِهِ غَي رُهَا. وَقَالَ اب نُ عُمَرَ:أ و َّلُ مَا خَلَقَ الل َّهُ مِنَ ال إِن سَانِ فَر جَهُ وَقَالَ: هَذِهِ أ مَانَة أ س تَو دِعُكَهَا فَلَا تُ ل بِس هَا إِل َّا بِحَق ٍ، فَإِن حَفِ ظ تَهَا حَفِظ تُكَ "(1). 2- { *أ ن ر َّآهُ اس تَغ نَى [6-7]): "ومن الطغيان طغيان العلم، فالمرء قد يزداد عنده العلم حتى تكسبه تلك الزيادة طغياناً فيتعدى على غيره، ولا يسلك مع الناس سبيل الشرع في العدل في اللفظ؛ لأن من أراد أن يقيم الأقوال فهو قاض، والقاضي يجب عليه أن يحكم بالعدل لا أن يحكم بالهوى"(2). 3- {[72]): "عن ابن جُرَيج، قوله{وَال َّذِينَ لَا يَش هَدُونَ الز ورَ } قال: ال كذب قال أبو جعفر: وأصل الزور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه، أنه خلاف ما هو به، والشرك قد يدخل في ذلك؛ لأنه محس َّن لأهله، ح تى قد ظنوا أنه حق، وهو باطل، ويدخل فيه الغناء؛ لأنه أيضاً مما يحس ِ نه ترجيع الصوت، حتى يستحلي سامعه سماعه، وال كذب أيضا قد يدخل فيه؛ لتحسين صاحبه إياه، حتى يظن صاحبه أنه حق، فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور"(3). 4- {[سورةلقمان: (6)]: 1- فتح القدير،للشوكاني، 0/047)، دار الوفاء للطباعة والنشر، مصر– المنصورة، الطبعة الثالثة، 1026ه 2- ليدبروا آياته،2/277 ) 3- تفسير ابن جرير الطبري، 12/310)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1024ه
عدد الصفحات ٣٠30 "عَنِ اب نِ عَب َّاسٍ، قَالَ: " هُوَ ال غِنَاءُ وَالِاس تِمَاعُ لَهُ "(1)، "وقيل: شراء المغنيات، وقيل: الشرك قال ابن كثير: وَاخ تَارَ اب نُ جَرِيرٍ أ ن َّهُ كُل كَلَامٍ يَصُد عَن آيَاتِ الل َّهِ وَات ِبَاعِ سَبِيلِهِ "(2). 5- {[52]): "أ خ رَجَ اب نُ أ بِي حَاتِمٍ، وَأ بُو الش َّي خِ عَن عِك رِمَةَ فِي قَو لِهِ ال وَلَدِ "(3). 6- { إِن كُنتُم صَادِقِينَ [31]): "عن ابن عباس:"وعلم آدم الأسماء كلها"، قال: حتى الفسوة والفُسي َّة"(4). 7- {[37]): "عَن عِك رِمَةَ : {: { [سورةالنجم: (30)]"(5). 0- {[30]): "قال مقاتل: حق القرابة: الصلة "(6). وحق القرابة أكثر من ذلك 9- {[9]) : "عَن قَتَادَة فِي قَو لِهِ : إِن َّ هَذَا القرآن يدل كم عل ى دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب والخطايا، و أما دواؤكم فالاستغ فار"(7). وغالب كلام السلف من الصحابة والتابعين في تفسير الآيات العامة هو من هذا الباب، فيذكرون مثالا لتوضيح الآية يشمله اللفظ بعمومه، أو يذكرون الأدنى منه ليفهم الأعلى، أو يذكرون نماذج واقعية من حياتهم ليفهم السامع أنه مقصود بالآية، أو يذكرون صورة لظنهم 1- تفسير ابن جرير، 24/127.) 2- تفسير ابن كثير، 6/331.) 3- تفسير فتح القدير، للشوكاني، 2/741) 0- تفسير ابن جرير، 1/020.) 1- تفسير ابن جرير، 22/103) 6- البسيط للواحدي12/62) 7- تفسير ابن أبي حا7/2312) ، تحقيق أسعد الطيب
عدد الصفحات ٣١31 استبعاد السامع دخولها، ومن لم يفهم مقاصد السلف وطريقتهم في ذلك قد يظن قصر المعنى على ما ذكروه، فيحجر واسعا، ويتهم من جاء بأمثلة ونماذج أخرى بمخالفة السلف، وقد أبعد النجعة.
عدد الصفحات ٣٢