7- نظرة المرأة إلى الرجل : قد يكون الرجل من أهل الصلاح والورع أو صاحب شخصية جذابة، وذا مكانة اجتماعية مرموقة ، فترى كثير من النساء أنه مما يشرفهن الارتباط بمثله، والقدوة المثلى للمسلمين هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي وهبت بعض النساء أنفسهن له، وقد كان معروف ا عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - أنه خير م ن تزوج ، وخير م ن ط ل ق. 8- امتداد فترة الإنجاب عند الرجل: من المعروف أن الرجل يكون مستعد ا لوظيفة الن س ل من البلوغ إلى نهاية العمر الطبيعي، وهو في المتوسط ثانون سنة، قد تزيد قليلا أو تنقص، وأن فترة الإخصاب عند المرأة تقف عند سن اليأس، وتكون هذه السن عند بعضهن في الأربعين ، وعند البعض الآخر في الخامسة والأربعين، والغالبية في الخمسين من العمر، ويكون الفارق هنا قرابة ثلاثين سنة بين فترتي الإخصاب عند الرجل والمرأة ، ومن الطبيعي أن يستفاد من هذا الفرق في الإخصاب لعمران الأرض بالتكاثر والتناسل، وكثرة النسل مطلب شرعي ، وفيها تحقيق لمباهاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأمته؛ كما جاء في الحديث النبوي الشريف التالي: ((الن ح كاح من س نتي، فم ن لم يعمل بسنتي فليس مني ح ، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم))(33). كما أن المرأة إذا حملت يكون حملها شاغلا لها عنح الأمور الحياتي ة الأخرى حتى نهاية مدة الحمل، وهي تسعة شهور، هذا بالإضافة إلى أن استعداد المرأة للح م ل في فترة الرضاعة يكون ضعيف ا جد ا، ومدة الحمل والرضاعة في الغالب عامان ونصف العام؛ كما قال - تعالى -: {و حم ل ه و فحص ال ه ث لا ث ون ش ه ر ا} [ :15]، ويكون الرجل في خلال هذه الثلاثين شهر ا على أهبة الاستعداد للقيام بوظيفته الطبيعية، إن لم يكن يومي ا فثلاث أو أربع في الأسبوع ، وذلك حسب المزاج وسلامة البنية وحسن الغذاء(34)، واقتصار الرجل على زوجة واحدة في هذه الفترة التي ليست بقصيرة يكون عائق ا له عن أداء وظيفته الطبيعية لإعفاف نفسه أولا ، وللإنجاب وهو الأهم ثاني ا. 33 «سنن ابن ماجه» ج1 ص512،و«نيل الأوطار» ج3 ص223. 34 «حقوق النساء في الإسلام» ص51-52.
عدد الصفحات ١٨9 - نظام تعد د الزوجات يعالج بعض المشكلات الإنسانية التي يتعرض لها البشر غالب ا؛ ومنها: أ- امرأة توفي زوجها وعندها أطفال، وتحتاج إلى م ن يعولها ويعفها، ففي هذه الحالة يث الإسلام الرج ل على الزواج منها، قال رسول الله في ذلك: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا))، وأشار بالسبابة والوسطى وفرق بينهما35. ب- إن المرأة قد تولد وليس لديها من الجمال ما يروج للتزو ج بها، وهي بطبيعة الحال ليس لها دخل في طبيعة خلقتها، فهل يجوز لنا أن نحرمها من متعة الحياة الزوجية وإنجاب الأطفال؟! والجو اب: أنه لا يجوز لنا ذلك، والإسلام يشحذ همم المؤمنين ويشجعهم على الزواج بأمثال هذه المرأة ، وإدخال الفرحة والسرور إلى قلبها. ج- امرأة بقيت لظروف معي نة بدون زوج ، حتى وصلت إلى سن يسميه الناس: سن اليأس، وهي راغبة في الزواج، فالأفضل لها طبع ا أن ت ت ز و ج ر جلا ولو كان متزوج ا بأخرى ، فيملأ عليها حياتها، ويؤنس وحدتها ؛ بدلا من أن تظل بقية حياتها بدون زوج لها يؤنسها. د- قد ي ت و فّ أحد إخوان الرجل ، أو أحد أقاربه ، ويترك زوجته وأولاده ، فيخشى عليهم الرجل من الضياع والتشر د، فيتزوج عند ذلك بدافع إنساني محض بأرم لة أخيه أو قريبه ؛ ليرعاها ويرعى أولادها ، ويميهم من العوز والضياع (33). ه - قد يكون للرجل المتزوج قريبة ، لا يأويها أحد غيره، ويكون لديها أولاد لا يمكن أن يؤمن لهم الزوج الغريب الرعاية الكافية، فإذا تزوجها قريبها المتزوج أصلا ، وأصبحت في عصمته، فقد كفل لها بذلك ولأولادها الأيتام العطف والحنان والرعاية والحماية من شرور الحياة(37). 35 «صحيح البخاري » ج1 ص431،«سنن الترمذي» ج2 ص321. 33 «المرأة المسلمة » ص133. 37 «المرأة في القرآن » ص101.
عدد الصفحات ١٩شروط تعد د الزوجات في الإسلام: شرع الله - سبحانه وتعالى - تعدد الزوجات ، و أ با ح ه لعباده، وحددتح الشريعة الإسلامية له شروط ا لا يجوز الأخذ به دونها، وهي: (أ) العدد. (ب) النفقة. (ج) الع د ل بين الزوجات. (أ) العدد: كان نظام تعد د الزوجات معروف ا ومباح ا قبل ظهور الإسلام، وكانت الديانة اليهودية والديانات الوضعي ة؛ مثل: الوثنية، والمجوسية، والبوذية، ت بيح التعد د بغير تحديد للعدد، ولم يرد في الديانة المسيحية نص صريح يمنع أت ب اع هذه الديانة من التزو ج بامرأتين أو أكثر(31). وكان نظام تعد د الزوجات معروف ا لدى القبائل العربية في الجاهلية، ولم تكن له آنذاك ضوابط معينة ولا حدود معروفة، وقد تضمن الحديث النبوي الشريف - كما ذكرنا سابق ا - عد ة شواهد على وجود التعد د لدى العرب قبل الإسلام على هذا النحو غير المحدد، ومنها: 1- روي عن قيس بن ثابت، أنه قال: أسلمت وعندي ثان نسوة، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((اختر منهن أربع ا))(31). 2- وروي أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وتحته عشر نسوة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اختر منهن أربع ا، وفارق سائرهن ))(40). 3- وروي عن نوفل بن معاوية، أنه قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((فارق واحدة، وأمسك أربع ا))(41)، ولما ظهر الإسلام هذب التعد د، ووضع له الأسس والشروط المناسبة وقيده بالعدد، وجعله قاصر ا على أربع زوجات فقط، وشد د فيه على العدل 31 «المرأة بين الفقه والقانون » ص74،«تعدد الزوجات » ص1. 31 «سنن ابن ماجه» ج1 ص321. 40 «سنن الترمذي» ج3 ص435،«سنن ابن ماجه» ج1 ص331. 41 «سبل السلام» ج3 ص224،«المغ» ج3 ص540.
عدد الصفحات ٢٠ب الزوجات في الأمور المادية التي يستطيع الإنسان القيام بها، واش ت ر ط فيه قدرة الرجل على الإنفاق على زوجاته وأولاده ، وظهر هذا بوضوح في الآية الكريمة: {ف انكحح وا م ا ط اب ل ك م مح ن الن حس اء م ث نى و ث لا ث و ر با ع ف إحن خحف ت م أ لا ت ع دحل وا ف و اححد ة أ و م ا م ل ك ت أ يم ان ك م ذ لحك أ د ن أ لا ت ع ول وا} [: 3]. ويلاحظ أن التعد د في الإسلام ليس مشروط ا - كما يقال - بكون الزوجة الأولى مريضة أو لا تنجب، وإنما هو مباح من الأصل، وللمسلم أن يتزوج اثنتين أو ثلاثا أو أربع ا، ما دام يرى في نفسه القدرة على الإنفاق على زوجاته والعدل بينهن42. وها هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين - رضي الله عنه - يعرض ابنته حفصة على أبي بكر الصديق ، وهو يعرف أن لدى الصديق أكثر من زوجة ، ولم يكن مريضات ولا عقيمات، وعرض عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ابنته حفصة كذلك على عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وهو زوج لإحدى بنات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يجد - رضي الله عنه - في ذلك غضاضة، ولا ضرر ا على ابنته. وهناك ثلاث وجهات نظر حول الحد الأقصى لتعد د الزوجا ت، تخالف ما أجمع عليه المسلمون، وهو أنه لا يجوز الزواج بأكثر من أربع ، وهي: أولا : زعم فريق أن الآية الكريمة: {ف انكحح وا م ا ط اب ل ك م مح ن الن حس اء م ث نى و ث لا ث و ر با ع }، تفيد إباحة الجمع إلى تسع زوجات ؛ مستدلين على زعمهم بأن الكلمات: مثنى، وثلاث، ورباع ، الواردة في الآية الكريمة ألفاظ مفردة معدول بها عن أعداد مفردة ، وأن الواو الموجودة بين هذه الكلمات للجمع، فيكون معنى (مثنى، وثلاث، ورباع) : اثنين وثلاثة وأربع ة ومجموعها تسع (2 + 3 +4 = 1.) ثانيا: ويقول فريق آخر أن الآية الكريمة: {ف انكحح وا م ا ط اب ل ك م مح ن الن حس اءح م ث نى و ث لا ث و ر با ع } تفيد إباحة الجمع إلى ثاني عشرة زوجة ، ويرون أن الكلمات: (مثنى، وثلاث، ورباع) ألفاظ مفردة معدول بها عن ألفاظ مكررة ، وأن الواو الموجودة بين هذه الكلمات للجمع، وتفسير الآية الكريمة عندهم هو: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربع ة أربع ة، فيكون المجموع حسب فهمهم ثاني عشرة ، (2+2+3+3+4+4=11.) ثالثا: وادعى فريق ثالث أن الآية الكريمة: {ف انكحح وا م ا ط اب ل ك م مح ن الن حس اءح م ث نى و ث لا ث و ر با ع }، تبيح تعدد الزوجات بدون حصر للأسباب التالية: (42) « الإسلام عقيدة وشريعة » ص117.
عدد الصفحات ٢١1- أن صيغة: {ما ط اب ل ك م } تفيد العموم، وأن (مثنى، وثلاث، ورباع) كلمات معدول بها عن أعداد مكررة إلى غير نهاية، ذ كح ر ت بعد صيغة العموم السابقة الذ ح كر على سبيل المثال لا الحصر والتحديد، وأنها بهذا الوضع تفيد رفع الحرج عن المسلم في تزو ج من شاء من الزوجات إلى غير حد. 2- أن الزواج كمح لك اليمين؛ كلاهما غير م ق ي د بح ع دد. 3- أن الأخبار الواردة عنح النبي في تقييد تعد د الزوجات بأربع ، إنما هي أخبار آحاد، وخبر الآحاد لا ينسخ به القرآن الذي فهموا منه أنه ي بيح تعد د الزوجات بدون حد. ونقول لهؤلاء : إن المراد هو أحد هذه الأعداد، فمثنى يراد بها اثنتين، وكلمة ثلاث يراد بها ثلاثة، وكلمة رباع ي راد بها أربعة ، وأن الواو الموجودة بين هذه الكلمات هي للتخيير، وليست للجمع، فقد أجمعت الأمة الإسلامية على أنه لا يجوز الزواج بأكثر من أربع نسوة، ولم ينقل عن أحد في حياة الرسول و بعده إلى يومنا هذا، أنه جمع بين أكثر من أربع زوجات ، و إن ف ه م هؤلاء للآية الكريمة: {ف انكحح وا م ا ط اب ل ك م مح ن الن حس اءح م ث نى و ث لا ث و ر با ع } فه م خاطح ئ، بني على أساس خاطئ، ولو كان تعد د الزوجات يبا ح في الإسلام إلى تسع أو إلى ثاني عشرة ، أو إلى ما لا نهاية، لصرح القرآن بهذا، ولم يدع للمسلمين مجالا للشك والحيرة، كما أن تزو ج الرسول بأكثر من أربع زوجات يعتبر من خصوصياته، التي لا يجوز الاقتداء به فيها(43). وقد يسأل بعض من الناس عن حكمة تحديد الإسلام للحد الأقصى لعدد الزوجات بأربع فقط لا أقل ولا أكثر، وهنا نقول: إن التحديد العددي لكثير من الأمور شيء يعلمه الله وحده ، فبالنسبة للأمور الشرعية ، لا نعلم لماذا كان عدد الصلوات المفروضة في اليوم والليلة خمس صلوات فقط؟ ولماذا لم تكن أربع ا أو ست ا؟ ولا نعلم شيئ ا عن تحديد عدد ركعات صلاة الظهر بأربع ، وصلاة المغرب بثلاث ركعات فقط، بينما صلاة الفجر ركعتان. وهكذا الأمر بالنسبة لعدد الأعضاء في جسم الإنسان؛ فالإنسان له عينان ويدان ورجلان ، فما الحكمة في الاقتصار على عينين فقط، أو يدين فقط؟ ولماذا تشتمل اليد الواحدة والرجل الواحدة على خمس أصابع فقط؟ وليست أربع ا أو ست ا أو أكثر أو أقل؟ عح ل م هذه الأمور عند الله - تعالى - ولم تخل كتابات بعض المفكرين مح ن محاولات لتبرير ج ع ل الحد الأقصى لتعد د الزوجات أربع زوجات فقط، (43) انظر هذه القضية في كتاب : «تعدد الزوجات »؛ لعبد التواب هيكل ص22-54.
عدد الصفحات ٢٢فذكر بعضهم أنه ربما كان التحديد متفق ا مع عدد فصول السنة، وقد يكون التحديد منسجم ا مع نسبة عدد الرجال إلى نسبة عدد النساء، وهذه النسبة في الغالب (1: 4)؛ بحيث لو اقتصر التعد د على زوجتين فقط، لظل هناك عدد من النساء بدون أزواج، ولو زاد العدد على أربع زوجات ، لأدى ذلك إلى بقاء بعض الرجال بدون زواج، ومن ثم كان الحد الأقصى المعقول - بناء على هذا الاعتبار - هو أربع زوجات فقط. ويرى آخرون أن هذا التحديد قد يستهدف كل أنواع النساء في الغالب، وبالتالي ي ت م ك ن الرجل من أن تكون لديه الزوجة الطويلة، والزوجة القصيرة، والزوجة النحيفة، والزوجة البدينة، هذا بالنسبة للقوام، أما بالنسبة للون، فيكون له إذا أراد الزوجة ذات الدين، وذات الجمال، وذات المال، وذات الحسب والنسب، وهي الخصال الأربع التي تغري الواحدة منها الرجل بالتزو ج بالمرأة ، فالبعض يفضل المرأة المتدينة، والبعض الآخر يفضل المرأة الجميلة، أو ذات المال، أو ذات الح س ب. وقد يت فق هذا التحديد مع الدورة الشهرية للمرأة ، وعادة يستمر حيض المرأة أسبوع ا كل شهر، وبطبيعة الحال يترك الرجل زوجته في فترة الحيض، حتى إذا مضت أربعة أسابيع - إذا كان متزوج ا أربع زوجات - عاد إلى الزوجة الأولى، فيجدها طاهرة (44). وعلى الع م وم فإن هذه كلها تفسيرات اجتهادي ة قابلة للخطأ والصواب، والأخ ذ والرد ، والله أعلم بمراده. (ب) الن ف قة: وتشمل النفقة الطعام، والشراب ، والكسوة، والمسكن، والأثاث اللازم له، ويجب أن تكون لدى الرجل الذي يقدم على الزواج بادئ ذي بدء الق درة المالية على الإنفاق على المرأة ، التي سيتزوج بها، وإذا لم يكن لديه من أسباب الرزق ما يمكنه من الإنفاق عليها، فلا يجوز له شرع ا الإقدام على الزواج، ويظهر هذا واضح ا جلي ا في الحديث النبوي الشريف التالي: قال : ((يا معشر الشباب، منح استطاع منكم (44) لمعلومات أكثر انظر«كتاب حادي الأرواح» على هامش«إعلام الموقع»،ج 2 ص204، وكذلك كتاب «المرأة في القرآن »؛ للعقاد ص15، وكتاب «تعدد الزوجات » ص117-111.
عدد الصفحات ٢٣الباءة(45) فليتزوج ، فإنه أغض للبصر، وأحصن للف ر ج، وم ن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وح جاء))(43). وهكذا الأمر بالنسبة للرجل الذي لا يستطيع أن ينفق على أكثر من زوجة واحدة، فإنه لا يل له شرعا أن يتزو ج بأخرى ، فالن ف ق ة على الزوجة أو الزوجات واجبة بالإجماع (47). ويظهر هذا الو ج وب من ثنايا خطبة حجة الوداع (41)؛ حيث قال مخاطبا المسلمين: ((وات ق وا الله في النساء، فإنكم أخذتَوهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعل ن ذلك فاضربوهن ض ر با غير مبرح (41)، ولهن عليكن رح ز قهن وكسوتهن بالمعروف))(50)؛ كما يتبين وجوب النفقة على الزوجة في الحديث النبوي الشريف : ((ألا وحقهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف))(51)، وجاء في حديث آخر أن الرسول سئح ل عن حق ح الزوجة على زوجها ، فقال مخاطب ا السائل: ((وتطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت))(52). و خلاف بين الفقهاء في أنه يجب على الرجل القيام بكل ما يلزم زوجته أو زوجاته ؛ من طعام مناسب، ولبس، ومسكن مناسب، وما يتبع ذلك من احتياجات. 3- العدل بين الزوجات: قال - تعالى -: {ف انكحح وا م ا ط اب ل ك م م ح ن الن حس اء م ث نى و ث لا ث و ر با ع ف إحن خحف ت م أ لا ت ع دحل وا ف و اححد ة أ و م ا م ل ك ت أ يم ان ك م } [ النساء: 3 ] والمراد بالعدل في هذه الآية الكريمة، هو العدل الذي يستطيعه الإنسان ويقدر على تحقيقه، وهو التسوية بين الزوجات ، في المأكل، والمشرب ، والملبس، والمسكن، والمبيت، والمعام لة بما يليق بكل واحدة (45) الباءة: القدرة على تكاليف الزواج (43) «صحيح مسلم» ج1 ص172،«فتح الباري » ج1 ص112. (47) «المغ» ج7 ص534. (41) «سيرة الن»؛ لابن هشام، ج 4 ص273. (41) ضر غير مبرح أ ي ضربا غير شديد مؤلم. (50) «سيرة الن» ج4 ص273. (51) «المقنع» ج3 ص307. (52) «سنن أبي داود» ج1 ص334.
عدد الصفحات ٢٤منهن، أم ا العدل في الأمور التي لا يستطيعها الإنسان، ولا يقدر عليها مثل المحبة والميل القلبي، فالزوج ليس مطالب ا به؛ لأن هذا الأمر لا يندرج تحت الاختيار، وهو خارج عن إرادة الإنسان، والإنسان - بلا شك - لا يكلف إلا بما يقدر عليه(53)، كما يظهر في قوله – تعالى -: {لا ي ك ل حف اللّ ن ف س ا إح و س ع ه ا} [ :213]، والعدل والمحبة والميل القلبي هو الذي قال عنه الله - سبحانه وتعالى -: {و ل ن ت س ت طحيع وا أ ن ت ع دحل وا ب ين الن حساءح و ل و ح ر ص ت م } [ :121]. وياول بعض الناس أن يتخذ مح ن هذه الآية الكريمة دليلا على تحريم التعد د، وهذا غير صحيح، فشريعة الله لا يمكن أن تبيح الأمر في آية، وتحر ح مه في آية أخرى ، فالعدل المطلوب في الآية الأولى هو العدل في المعام لة، والنفقة، والمعاشرة ، وسائر الأوضاع الظاهرة ؛ بحيث لا تتميز إحدى الزوجات بشيء دون الأخريات ؛ سواء في الملبس، أو المسكن، أو الطعام، أو المبيت، أما العدل في المحبة والعاطفة والمشاعر، وهو الم ش ار إليه في الآية الثانية، فهذا شيء لا يملكه الإنسان، فالقلوب ليست ملك ا لأصحابها، وإنما هي بين أصبعين من أصابع الرحمن ، ي ق ل ب ها كيف يشاء(54)، وكان رسول الله وهو أكثر الناس معرفة بدينه وبمشاعره وأحاسيسه القلبية، وأشد الناس حرص ا على تحقيق العدل بين زوجاته ، كان يقول: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تَلك ولا أملك))(55)، وذلك بعد أن عدل بين زوجاته في كل شيء، ما عدا العاطفة، فإن قلبه كان يميل أكثر إلى أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وفي حالة حب ح الزوج لإحدى زوجاته ؛ لجمالها، أو لخلقها، وتعلقه بها أكثر من زوجاته الأخريات ، فإن الله قد نهاه وح ذ ر ه مح ن أن يميل نهائي ا، أو يشتط في الميل إلى التي تعلق بها قلبه، الأمر الذي يؤد ح ي إلى ت ر ك الزوجة الأخرى ، أو الزوجات الأخريات معلقات، فلا هن متزوجات لعدم حصولهن على حقوقهن كزوجات ، ولا هن مطلقات فيستطعن الزواج؛ وذلك لأنهن مرتبطات بعلاقة زوجي ة، ويظهر هذا النهي عنح الاشتطاط في الميل في قوله تعالى: {و ل ن ت س ت طحيع وا أ ن ت ع دحل وا ب ين الن حس اءح و ل و ح ر ص ت م ف لا تَ حيل وا ك ل ال م ي لح ف ت ذ ر وه ا ك ال م ع ل ق ةح و إحن ت ص لحح وا و ت ت ق وا ف إحن اللّ ك ان غ ف ور ا ر ححيم ا } (53) «في ظلال القرآن » ج1 ص512، «الزواج والطلاق» ص40. (54) «في ظلال القرآن » ج1 ص512. (55) «سنن أبي داود»، ج1 ص333،«سنن الترمذي»، ج3 ص304،«فتح الباري »، ج1 ص313.
عدد الصفحات ٢٥[ :121]، وقال عبدالله بن عباس : إن العدل المشار إليه في هذه الآية، هو العدل في الحب والجماع (53). وإذا أقدم المسلم على التعد د، وهو على يقين بعدم قدرته على العدل بين زوجاته في الأشياء المادية، وهي المعاملة، والمأكل، والمشرب ، والملبس، والمسكن، والمبيت، فهو آثم عند الله ، وكان من الواجب عليه ألا يتزوج بأكثر من واحدة. وقد أكد رسول الله ، وش د د على م و ض وع العدل بين الز و جات، ووضح عقاب الزوج الذي يقصر في حق من حقوق زوجاته ؛ فقال: ((إذا كان عند الرجل امرأتان ، فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه ساقط))(57). وإذا ثبت تقصير الزوج في حق زوجة من زوجاته ، فإن لها الحق شرع ا في الشكوى إلى الحاكم، وهناك يطلب الحاكم من الزوج إمساك زوجته بالمعروف أو تسريها بإحسان؛ كما قال تعالى: {ف إحم س اك بمح ع ر وف أ و ت س رحيح بإححح س ان }[ البقرة : 221.] و آية ثانية: {ف أ م سحك وه ن بمح ع ر وف أ و س ر حح وه ن بمح ع ر وف و لا تَ سحك وه ن ضحر ار ا لحت ع ت د وا و م ن ي ف ع ل ذ لحك ف ق د ظ ل م ن ف س ه } [ :231]. أما المبيت (51) فهو أن يخصص الزوج لكل زوجة من زوجاته ليلة أو أكثر؛ يبيت فيها معها في بيتها إذا كان لها بيت مستقل، أو في الحجرة الخاصة بها، ويتساوى في ذلك الصحيحة والمريضة والحائض والنفساء؛ لأن القصد من المبيت هو الأنس الذي يصل للزوجة ؛ لأن الرجل يستمتع بزوجته دون حدوث الوطء، فيستمتع كل منهما بالآخر، بالنظر والملامسة والتقبيل، وما إلى ذلك(51). و يلزم الزوج أن يجامع زوجته في ليلتها، ولا يجب عليه أو يساوي بين الزوجات في الجماع ، وله أن يجامع بعضهن دون البعض الآخر، ولكن يستحب له أن يسوي بينهن في ذلك(30). (53) «فتح الباري » ج1 ص313. (57) «سنن الترمذي» ج2 ص304، و«سنن أ داود» ج1 ص333. وتعني عبارة ((وشقه ساقط ؛ أي: أن نصفه مائل. (51) يلاحظ أن المبيت لدى الزوجة لا يعني بالضرورة حصول الجماع فيه بين الزوج ؛ لأن هذا الأمر خارج عن إرادة الإنسان، وعائد إلى القلب، وعليه فإن الجماع ليس شرط ا من شروط العدل بين الزوجات. (51) «صحيح مسلم»، ج10 ص43. (30) المصدر نفسه ص43-47.
عدد الصفحات ٢٦والسنة في المبيت أن يكون لكل زوجة ليلة واحدة مع يومها(31)، ويجوز أن يجعل القسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثا ثلاثا ، ولا يجوز الز ح يادة على ثلاث ليال إلا برض ا زوجاته (32). وإذا سافر الزوج سفر ا يتاج معه إلى م رافقة إحدى زوجاته ، فإن له الحق في اختيار م ن يريد أن ترافقه منهن، وإذا رفضت زوجاته الأخريات ذلك، وتنازعن فيمن تسافر معه، فعند ذلك لا بد للزوج أن يلجأ إلى الاقتراع ، وم ن وقعت عليها القرعة خرجت معه. وكان رسول الله يختار رفيقته في السفر من زوجاته بالقرعة ؛ كما جاء في حيث أم عائشة - رضي الله عنها - وهو: أن النبي كان إذا أراد سفر ا أقرع بين نسائه، وأيتهن خرج سهمها خرج بها معه"(33). وإذا تزو ج الزوج بامرأة أخرى ، فإن كانت ثيب ا أقام معها ثلاثة أيام، وإن كانت بكر ا أقام معها سبعة أيام، ولا يق للزوجات الأخريات المطالبة بقضاء مثل هذه المدة عندهن(34). وأخا نقول: إن العدل بين الزوجات لا يعني مطلق التسوية بين الزوجتين أو الزوجات ؛ بل العدل هنا هو إعطاء كل زوجة ما هي في حاجة إليه فح علا إلى درجة الكفاية اللائقة بمثلها في الطعام والشراب والمسكن والملبس والمسكن، يقول ابن حجر: "فإذا وفّ لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها، لم يضره ما زاد على ذلك من ميل قلب أو تبرع بتحفة"(35). هذه هي الشروط الثلاثة التي وضعت ها الشر يعة الإسلامية لإباحة تعدد الزوجات ، وأرى هنا اجتهاد ا - إذا جاز لي ذلك - أن أضيف إلى هذه الشروط تحريم الجمع بين المحارم ، فقد ورد في الكتاب والسنة نصوص تحرم تحريم ا قطعي ا أن يجمع الرجل المسلم في عح ص م تح ه بين الأختين، وقال الله في ذلك: {ح ر حم ت ع ل ي ك م أ م ه ات ك م و ب ن ات ك م و أ خ و ات ك م و ع م ات ك م } [ :23]، وتستمر الآية في تعديد الم ح ر مات من النساء، حتى قوله تعالى: {و أ ن تج م ع وا ب ين الأ خ ت ين ح إحلا م ا ق د س ل ف إحن اللّ ك ان غ ف ور ا ر ححيم ا } [ :23]، وجاء في الحديث النبوي الشريف ، عن أبي خراش الرعيني ، عن الديلمي قال: (31) «جامع الأصول» ج11 ص515. (32) «صحيح مسلم»، ج10 ص43-47. (33) «سنن أبي داود» ج1 ص334،«جامع الأصول» ج11 ص515. (34) «صحيح مسلم»، ج10 ص44-45، والكلام للإمام النووي. (35) «فتح الباري » ج1 ص313.
عدد الصفحات ٢٧قدمت على رسول الله وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية، فقال: ((إذا رجعت فطلق إحداهما))(33). وتحر الجمع بين الأختين هو مح ن أجل الحفاظ على صلات المود ة والرحمة بين أفراد الأسرة المسلمة، والمعروف أن كل زوجة تعمل باستمرار على أن يكون خير زوجها لها، وتكره أن يعطي زوجها لوالده أو لوالدته، أو لواحد من إخوانه، أو أخواته شيئ ا من ماله، وهكذا الأم ر بالنسبة لح م ن لديه أكثر مح ن زوجة ، فإن الزوجة تكره أن يعطي لضرتها مثل ما يعطيها، ولهذا الاحتمال ح ر م الله على الرجل أن يجمع في عح ص م تح ه بين أختين؛ حتى لا تسعى الواحدة منهما إلى حح ر مان أختها من خير زوجها، فيكون ذلك سبب ا في قطع صلات الرحمة والمودة والق ر ابة بينهما، أو على الأقل تفتر بينهما هذه العلاقات بسبب الغيرة والنزاع حول الزوج ، ويذكر ابن حجر(37) أن الج م ع بين الأختين حرام بالإجماع ؛ سواء كانتا شقيقتين، أو من أب، أو من أم، ويستوي في ذلك الن س ب والرضاع. وإذا كان الج م ع بين الأ خ ت ين ح حرام ا، فإن الجمع بين الأم وابنتها يكون من باب أولى حرام ا، وذلك لأن القرابة بين الأم وابنتها واجبة الأصل، والجمع بينهما كزوجتين لرجل واحد يؤد ح ي إلى قط ع أواصر القرابة والمود ة، ويتسبب في إيقاع العداوة بينهما(31). كذلك يرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها ، وبين العمة وبنت أخيها، وبين الخالة وبنت أخيها، وقد ثبت هذا التحريم بأحاديث ر وح ي ت عن رسول الله ؛ منها: 1- قال جابر : ((أن النبي نه ى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها))(31). 2- عن أبي هريرة : ((أن رسول الله نهى أن تنكح المرأة على عمتها، أو العمة على ابنة أخيها، أو المرأة على خالتها، أو الخالة على بنت أخيها))(70). وجاء في بعض الر وايات تحريم الج م ع بين العمتين أو الخالتين؛ سواء كانتح العمتان أو الخالتان أختين أو غير أختين(71). (33) «سنن ابن ماجه» ج1 ص327. وورد الحديث بألفاظ مختلفة «سنن الترمذي» ج2 ص211. (37) «فتح الباري »، ج1 ص130. (31) «صحيح البخاري » ج5 ص1135. (31) «صحيح البخاري » ج5 ص1135، وقد ورد الحديث بألفاظ مختلفة قل يلا في كتاب «سنن الترمذي » ج2 ص217. (70) «سنن الترمذي» ج2 ص217،«سنن أبي داود» ج1 ص322.
عدد الصفحات ٢٨وعلى الع م وم فإنه يرم على الرجل أن يجمع في عصمته بين امرأتين بينهما رحم محرمة ؛ لما قد يؤد ح ي هذا الجمع من إيقاع العداوة بينهما، وقطع صلة الأرحام. ش ب ه ة تعد د أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم: قلما ي ت ع ر ض خصوم الإسلام لموضع تعد د الزوجات فيه، دون أن يتناولوا موضوع تعد د أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتخذوا منه مادة انتقاد، وغمز لنبي الإسلام، وإظهاره لأتباعهم بصو رة لا تناسب ش ر ف النبوة ومقامها. وقد ناق ش كثير مح ن علماء المسلمين هذا الموضوع، وردوا على هؤلاء بردود وجيهة ؛ أذكر منها في إيجاز: أنه كان مح ن وراء ذلك الأغراض التشريعية والإنسانية والتعليمية، وغير ذلك مما يتعلق بمصلحة الدعوة، وتبليغ الرسالة، توخ ى في بعضها - عليه الصلاة والسلام - توثيق الرابطة بين الإسلام وبعض القبائل، واستطاع عن طريق ذلك أن يصل إلى قلوب زعماء الشرك ، وأن ي صاهرهم فيصهر ما في قلوبهم من حق د على الإسلام، كما حدث عندما تزوج بجويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق، التي كان من آثاره إسلام جميع قبيلتها، وكزواجه - صلى الله عليه وسلم - مح ن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان وصفية بنت حيي بن أخطب، وتوخى في بعضها الآخر تكريم أرامل الشهداء الذين ماتوا في الحبشة، أو استشهدوا من أجل الدعوة في سبيل الله، وتركوا أرامل لا يقدرون على تحمل أثقال الحياة وأعبائها الجمة؛ مثل: هند أم سلمة المخزومية، و زينب بنت خزيمة، وسودة بنت زمعة. وكان في بعضها الآخر زواج ا تشريعي ا؛ كزواجه - صلى الله عليه وسلم - من زينب بنت جحش، لهدم نظام التبني ح عند العرب، والذي كان ي ر ح م على الرجل أن يتزوج امرأة ابنة المت ب نى ؛ ولذلك كان وق ع ذلك الزواج شديد ا على نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه سوف يطيل عليه الألسنة، ويفتح أفواه المنافقين بالقيل والقال، ولمثل هذه الأمور التي كانت تجول في نفس النبي - عليه الصلاة والسلام - نزل القرآن الكريم يعاتبه: { الن اس و اللّ أ ح ق أ ن تخ ش اه ف ل م ا ق ض ى ز ي د محن ه ا و ط را ز و ج ن اك ه ا لحك ي لا ي ك ون ع ل ى ال م ؤ محنحين ح ر ج فيح أ ز و اجح أ د عحي ائحهحم(72)، وفي الخح طاب بزوجناكها بيان أن التزويج من الله، وليس للنبي أي دخل فيه، ومنها توثيق أواصر التراب ط بينه وبين صاحبيه الجليلين أبي بكر وعمر، (71) «سنن أبي داود» ج1 ص323،«المغ» ج3 ص573. (72) سورة الأحزاب : 37.
عدد الصفحات ٢٩وتكريمهما بشرف المصاهرة به - عليه الصلاة والسلام - لجح هادهما الصادق، وإخلاصهما العميق في سبيل الدعوة، وذلك ظاهح ر في زواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر - رضي الله عنهم. وأمر آخر يصح أن يزاد ، وهو أن الدعوة كانت بحاجة إلى م ن يبلغ أحكامها الشرعية الخاصة بالنساء وهي كثيرة، وإذا كن ا في موضوع الشهادة العادية في الديون والأقضية مثلا تقبل شهادة امرأتين مع رجل ، إذا لم يوجد رجلان، فما بالنا بالأحكام الأخرى المتنوعة التي تتعلق بالنساء خاصة وما أكثرها، إن زوجة واحدة لا تستطيع القيام بهذا العب ء وحدها، فالأمر أكبر بكثير من ذلك؛ إذ إنه لا يقتصر على أمور الطهارة والحيض فقط، كما قد يتصور البعض، وإنما كل ما يتعلق بأحكام الزوجي ة، وآداب البيت، وشئون المرأة عبادة ومعاملة وأخلاق ا، خاص ة تلك الأمور التي كان - صلى الله عليه وسلم - يستحي أن يصارح بها النساء، أو يستحين أنفسهن مح ن أن يسألنه فيها من أحكام الجنابة والطهارة وغيرها، من أمثلة ذلك ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن امرأة من الأنصار سألتح النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، تم قال: ((خذي فرصة ممسكة فتطهري بها))، قالت : "كيف أتطهر بها؟" قال: "سبحان الله! تطهري بها"، قالت عائشة - وكأنها تخفي ذلك -: "تتبعي بها أثر الدم"(73)، ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - استحيا أو استتر بثوب كما في رواية الترمذي؛ أي منعه الحياء بأن يصر ح ح لها بوضع القطنة المطيبة بالمسك في المكان الذي كان يخرج منه الدم، إتَام ا للطهارة، فأخذته ا السيدة عائشة وأفهمتها المراد، هكذا كانت أمهات المؤمنين خير مبلغ لح مح ث ل هذه الأمور النسائية في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما كن فيها وفي غيرها من رواية الحديث، والاستفتاء خير مرجع بعد وفاته - عليه الصلاة والسلام - يقول السيد رشيد رضا: "كان الرجال يرجعون بعده - عليه الصلاة والسلام - إلى أمهات المؤمنين في كثير مح ن أحكام الدين، ولا سيما الزوجية، فم ن كان له قرابة منهن، كان يسألها دون غيرها، فكان أكثر الرواة عن عائشة أختها أم كلثوم، وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث، وابن أخيها القاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر، وحفصة وأسماء بنتا أخيها عبد الرحمن، وعبد الله وعروة ابنا عبد الله بن الزبير من أختها أسماء، وروى عنها غيرهم من أقاربها ومن الصحابة والتابعين. وهم كثيرون جد ا. (73) رواه البخاري ومسلم وابن داود وابن ماجه ، كتاب الحيض.
عدد الصفحات ٣٠كذلك كان أكثر الر واة عن حفصة أخوها عبد الله بن عمر، وابنه حمزة وزوجه صفية بنت عبيد، وأم بشر الأنصارية ... إلخ. وأكثر الرواة عن ميمونة بنت الحارث أبناء أخوتها، ولا سيما أعلمهم، وأشهرهم عبد الله بن عباس، وأشهر الرواة عن رملة بنت أبي سفيان ابنتها حبيبة، وأخواها معاوية وعتبة و ابنا أخيها وأختها. وهكذا نرى كل واحدة من أمهات المؤمنين قد روى عنها من علم الدين كثير من أولي قرباها، ومن النساء والرجال الآخرين، ولعل أكثر ما سمعه النساء منهن لم يصل إلى الذين دونوا أحاديثهن. إن أمهات المؤمنين التسع اللائي توفي ح عنهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كن كلهن معلمات ومفتيات لنساء أمته، ولرجالها فيما لم يعلمه غيرهن من أحكام شرعية وآداب زوجية، وحكم نبوية"(74). أجل لقد ساهمت أمهات المؤمنين - رضوان الله عليهن - مساهمة ف ع الة في ن ق ل السنة النبوية - وهي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله - بأمانة وضبط إلى الأمة الإسلامية، وناهيك بهؤلاء النسوة اللاتي ما خفيت عنهن صغيرة ولا كبيرة من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكن جميع ا في إذن عام بأن يخبرن الناس ما دار في ظلام الليل قولا سمعنه، أو فعلا رأينه من صاحب الرسالة - عليه الصلاة والسلام - ولقد ذكر رواة السنة أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - روين عنه - عليه الصلاة والسلام - أكثر من ثلاثة آلاف حديث، كان للسيدة عائشة فيه النصيب الأكبر، فقد روت ألفين ومائتين وعشر أحاديث(75)، ثم تلت ها السيدة أم سلمة حيث روت حوالي ثلاثائة وثانية وسبعين(73)، وتتابع الباقي يروين ما بين خمسة وستين مثل أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان(77)، وستين (74) «حقوق النساء في الإسلام» 17،11. (75) اتفق الشيخان منها على مائة حديث وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين، انظر مقدمة ابن الصلاح تحقيق د/ بنت الشاطئ، ص711،711. (73) «مقدمة ابن الصلاح» ص733 تحقيق د/ بنت الشاطئ. (77) «مقدمة ابن الصلاح» ص710.
عدد الصفحات ٣١كحفصة بنت عمر(71)، وستة وأربعين كميمونة بنت الحارث (71)، وأحد عشر كزينب بنت جحش(10)، وغير ذلك - رضي الله عنهن جميع ا. موقف أعداء الإسلام من تعد د الزوجات: إن نظام تعد د الزوجات نظام إلهي مح ك م، لا يأتيه الباطل مح ن بين يديه، ولا مح ن خلفه؛ لأن كل ما يأتينا من الله - سبحانه وتعالى - عن طريق القرآن الكريم، أو السنة النبوية المشرفة ، فهو حق لا باطح ل فيه، وإذا كانت هناك مساوئ لتعد د الزوجات كما يذكر بعض م ن كتب عن هذا النظام من أعداء الأمة الإسلامية، فإن تلك المساوئ ناتجح ة عن ق ص ورنا وسوء تطبيقنا للنظام، وإن ما يدث في بعض حالات تعد د الزوجات مح ن خلافات وظ لم، سببها تهاو ن الزوج وعدم عدالته، وسوء معاملته لبعض زوجاته ، هذا بالإضافة إلى ض ع ف الوازع الديني لدى بعض الزوجات ، الأمر الذي يدفعها إلى إثارة المشاكل مع زوجها وزوجاته الأ خ ر يات. وفيما يلي بعض الش ب ه التي يثيرها أعداء الإسلام نحو نظام تعدد الزوجات ، وسنذكرها ونقوم بالرد عليها - إن شاء الله - رد ا م قنع ا، وهي - ولله الحمد - ش ب ه، وليست حقائق كما سنرى ، وهذه الشبه هي: 1- إباحة الد ين الإسلامي للرجل أن يعد د زوجاته، وتحريم ذلك على المرأة: فنقول للرد على هذا: إن المساو اة بين الرجل والمرأة في نظام الزواج لا ينبغي أن تكون مساواة مطلقة؛ لاختلاف طبيعة كل من الرجل والمرأة ، والمساواة بين مختلفين تعني ظ ل م أحدهما، فالمرأة خلق الله تعالى لها رحم ا واحدة، وهي تحمل في وقت واحد ومرة واحدة في السنة، ويكون لها تبع ا لذلك مولود واحد من رجل واحد، أما الرجل فغير ذلك، فمن الممكن أن يكون له عدة أولاد مح ن عدة زوجات ، ينتسبون إليه، ويتحمل مسئولية تربيتهم والإنفاق عليهم، وتعليمهم و علاجهم وكل ما يتعلق بهم وبأمهاتهم من أمور، أما المرأة فعندما تتزوج بثلاثة أو أربعة رجال ، فمن من هؤلاء الرجال يتحمل مسئولية الحياة الزوجية؟ أيتحملها الزوج الأول؟ أم الزوج الثاني؟ أم يتحملها الأزواج الثلاثة أم الأربعة؟ ثم لمن ينتسب (71) المرجع السابق ص 711. (71) المرجع السابق ص 104. (10) المرجع السابق 715.
عدد الصفحات ٣٢أولاد هذه المرأة متعددة الأزواج؟ أينتسبون لواحد من الأزواج؟ أم ينتسبون لهم جميع ا؟ أم تختار الزوجة أحد أزواجها فتلحق أولادها به؟(11). و الحقيقة أن سنة الله في خلقه جعلت نظام الزوج الواحد والزوجة الواحدة يصلح لكل من الرجل والمرأة ، وجعلت نظام تعد د الأزواج لا يصلح للمرأة، بينما جعلت نظام تعدد الزوجات مناسب ا جد ا للرجل؛ فالمرأة - كما هو معروف - لها رحم واحد، فلو تزوجت بأكثر من رجل لأتى الجنين من دماء متفر ح قة، فيتعذر عند ذلك تحديد الشخص المسئول عنه اجتماعي ا، واقتصاديا ، وقانوني ا، بينما صلحت طبيعة الرجل لأن يكون له عدة ز وجات، فيأتي الجنين من نطفة واحدة، وبالتالي يكون والد هذا الجنين معروف ا ومسئولا عنه مسئولية كاملة في جميع الأحوال. وتقوم المسئولية الاجتماعية في نظام تعد د الزوجات على أساس رابطة الدم، وهي رابطة طبيعية متينة، بينما يفتقر نظام تعد د الأزواج إلى أساس طبيعي تبني عليه الروابط الاجتماعية؛ لأن الإنسان بغير اقتصار المرأة على زوج واحد لا يستطيع أن يعرف الأصل الطبيعي له ولأولاده (12). كما أن تعدد الأزواج يمنع المرأة من أداء واجبات الزوجة بصورة متساوية وعادلة بين أزواجها؛ سواء أكان ذلك في الواجبات المنزلية ، أو في العلاقات الجنسية، وبخاصة وأنها تحيض لمدة خمسة أو سبعة أيام في كل شهر، وإذا حملت تَكث تسعة أشهر في معاناة جسدية، تحول دون القيام بواجباتها نحو الرجال الذين تزوجوها ، وعند ذلك سيلجأ الأزواج - بلا شك - إلى الخليلات من بنات الهوى، أو يطلقونها فتعيش حياة قلقة غير مستقرة (13). وختاما، فإن المجتمع لا يستفيد شيئ ا مح ن نظام تعد د الأزواج للمرأة ، بعكس نظام تعد د الزوجات للرجل ، الذي يتيح فرص الزواج أمام كثيرات من العانسات والمطلقات والأرامل ، هذا إلى جانب أنه لو أبيح للمرأة أن تتزوج ثلاثة أو أربعة رجال ، لزاد عدد العانسات زيادة كبيرة، وأصبح النساء في وضع اجتماعي لا يسدن عليه(14). (11) «الجنس الناعم في ظل الإسلام» ص73-74. (12 ) «تعدد الزوجات » ص13-13. (13) «المسلمون والإسلام» ص14. (14) «تعدد الزوجات » ص13-13.
عدد الصفحات ٣٣