المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تعدد الزوجات شريعة دائمة وسنة باقية

الشيخ علي ونيس

صفحة ٣ من ٣

وهكذا فإنه ليس من العدالة في شيء أن يباح للمرأة أن تعدد أزواجها؛ بحجة مساواتها بالرجل ، وليس عدلا كذلك أن يرم الرجل من صلاحيته في أن يعدد زوجاته ؛ بدعوى مساواته بالمرأة في حق الزواج، وسنرى في الصفحات القليلة لهذا البحث، أن الله قد أعطى الرجل صلاحية تعد د الزوجات لخير المرأة ، ومن أجل إسعادها، وزيادة فرص الزواج أمامها. 2- يكون الزواج بأكثر من امرأة سبب ا في إثارة الخصام والنزاع بين أفراد الأسرة الواحدة، الأمر الذي يؤد ح ي إلى تفك ك الأسرة ، وتشرد الأطفال، وبمعنى آخر يكون التعد د سبب ا للعداوة بين زوجات الرجل الواحد، وتنتقل العداوة بالتالي إلى أولادهن. فنقول للرد على هذا: إن هذا النزاع يرجع إلى الغيرة الطبيعي ة، التي لا يمكن أن تتخلص منها النفوس البشرية ، فالغيرة موجودة في كل مكان، و تظهر الغيرة بين النساء في ظل ح نظام تعد د الزوجات ، والغيرة والحزن اللذان تحس بهما المرأة حين يتزوج زوجها بأخرى شيء عاطفي، والعاطفة لا يصح أن تقدم في أي أمر من الأمور على الشرع (15)، والضرر الذي يلحق بالمرأة نتيجة للتعد د أخف بكثير من الأضرار التي تلحق بها في حالة بقائها بدون زوج. ويلاحظ أن الغيرة بين الزوجا ت لم تَنع الرسول ، ولم تَنع أصحابه - من الأخذ بنظام تعدد الزوجات ، فالعداوة تحدث كثير ا بين الزوجة الواحدة وبين أقرباء زوجها ، هذا بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني في نفوس بعض الزوجات ؛ بحيث لا يستطعن كبح جماح الغيرة، ومن ثم يعمدن إلى العمل على إلحاق الضرر بضرائرهن، وتعكير صفو الأسرة (13). كما يلاح ظ أن النزاع بين الزوجات وبين الزوج إنما يدث في الغالب من أجل الحصو ل على مطلب من مطالب الحياة الأسرية ؛ من مأكل، وملبس، ومسكن، وما شابه ذلك، وقد يكون الن ح زاع حول مكانة كل ح زوج ة من زوجها ، ومكانة ولد لدى والده، ولهذه المنازعات شبيه في حالة وحدة الزوجة ، ففيه نجد الزوجة تتناز ع مع زوجها في بعض الأحيان؛ مح ن أجل مكانتها عنده بالنسبة لأمه أو أخته، وقد تختلف معه خلاف ا حاد ا يؤد ح ي إلى الطلاق؛ لأنه لم يوفر لها بعض ما تحتاج إليه من ملابس أو أثاث أو حلي. (15) «الزواج والطلاق في الإسلام» ص43. (13) «حقوق المرأة في الإسلام » ص13.

عدد الصفحات ٣٤

ونرى أن علاج هذه المشكلات الأسرية يعتمد في الدرجة الأولى على شخصي ة الرجل ، وعلى قدرته في إدارة شئون منزله، فإذا كان الرجل عادلا حازم ا، فإن النزاع لا يجد طريق ا إلى منزله ، أما إذا كان ضعيف الشخصية فإن النزاع سيدب - بلا شك - بين أفرا د أسرته، وسواء أكان لديه زوجة واحدة أم عدة زوجات. وقد تتأل ف الأسرة من زوج واحد وزوجة واحدة فقط وأولاد ، ولكن أمور هذه الأسرة ليست على ما يرام ؛ وذلك لوجود تناف ر بين الزوجين ، أو لأن العلاقة الزوجية بينهما لم تقم على أساس سليم، أو يكون النزاع لسوء خلقهما مع ا، أو سوء خلق واحد منهما. 3- إن في تعد د الزوجات ظلم ا للمرأة ، وهضم ا لحقوقها، وإهدار ا لكرامتها ، ووسيلة لتسل ط الرجل عليها؛ من أجل إشباع شهواته. نقول للر د على هذه الش ب هة: وهذا كلام غير صحيح ألبتة، فتعد د الزوجات رحمة للنساء، وذلك لأن عدد الرجال الصالحين للزواج أقل بكثير مح ن عدد النساء الصالحات للزواج؛ كما مر بنا في ثنايا هذا البحث، ووجود المرأة كزوجة ثانية، أو ثالثة، أو حتى رابعة في أسرة ، خير لها من أن تكون بدون زواج. ويقول أحد المفك ح رين الغربيين المنصفين عن هذا الموضوع : "إن نظام الزواج بامرأة واحدة فقط وتطبيقه تطبيق ا صارم ا، قائم على أساس افتراض أن عدد أعضاء الجنسين متساو ، وما دامتح الحالة ليست كذلك، فإن في بقائه قسوة بالغة لأولئك اللاتي تضطرهن الظروف إلى البقاء عانسات"(17). كذلك نرى أن في التعد د صيانة للمرأة ، بجح ع لح ها زوجة فاضلة، بدلا من أن تكون عشيقة، ويجب أن يعلم النساء أن اكتفاء الرجل بزوجة واحدة لا يق ح ق آمال الكثيرات من النساء اللواتي لهن الحق في أن يكن زوجات وأمهات وربات بيوت، وعدم أخ ذ الرجال بنظام التعد د يؤدي إلى بقاء الكثيرات من النساء بلا زواج، ولا أولاد ، ولا أسر، وهذا يمث ح ل خطر ا كبير ا على المرأة نفسها، وعلى المجتمع الذي تعيش فيه(11). وليس في إباحة الإسلام لتعد د الزوجات ظلم للمرأة ، ولا هضم لحح ق وقح ها، فقد أعطاها الإسلام الحق في أن تشترط في عقد الزواج ألا يتزوج زوجها عليها، ويكون لها حسب هذا الشرط الخيار في أن تطالب (17) «الفكر اسلامي والتطور» ص232. (11) «حقوق المرأة في الإسلام » ص17 وما بعدها

عدد الصفحات ٣٥

بفسخ عقد الزواج إذا تزوج زوجها عليها؛ لأن الزوج قد أخل بشرط من شروطه، أو ترضى بالأمر الواقع وتقبل بمشاركة غيرها لها في بيت الزوجية. ولو فات الزوجة أن تشترط هذا الشرط في عقد الزواج، فإن الشريعة الإسلامية تعطيها الحق في طلب الطلاق إذا ق ص ر زو جها في حق من حقوقها(11). وإذا كان التعد د يلحق بعض الضرر بالمرأة التي يتزوج عليها زوجها ، فإن منفعته مؤكدة للزوجة الجديدة؛ لأنها لم تقبل بالزواج من رجل متزوج في الأصل إلا لأنها ترى في قبولها فائدة لها، وأن الضرر الذي ينالها كزوجة ثانية أقل بكثير من الأضرار التي ستتعرض لها إذا بقيت بدون زواج، والضرر الكثير يدفع - كما هو معروف شرع ا - بالضرر القليل. ونقول: إن الإهمال لا ينجم عن التعد د وحده ؛ بل إن له أسبابا كثيرة؛ منها: عدم مبالاة الأب بتربية أولاده أو انحرافه عن جادة الصواب بشرب الخمر، أو تعاطي المخدرات ، أو لعب القمار، أو مصاحبة رفقاء السوء وغير ذلك، وقد يكون الإهمال نتيجة لاختلاف وقع بين الزوجين حول أمر من الأمور المتعلقة بشئون الأسرة. كما أن فق د الأطفال لمن يعولهم ويتعهدهم بالرعاية والتوجيه ي ع د سبب ا من الأسباب التي تحول دون تربيتهم تربية سليمة. 4- يؤدي تعدد الزوجات إلى إهمال تربية الن ش ء وتشردهم. نقول للرد على هذه الش ب هة: فيقول الشيخ محمود شلتوت: إنه ليس لتعد د الزوجات مح ن حالات التشرد أكثر من (3 %)، وهي نسبة ضئيلة جد ا، لا يصح أن ي ذ ك ر بإزائها أن للتشرد أثر ا في تعدد الزوجات ، وأن تتخذ تلك العلاقة أساس ا للتفكير في وضع حد للتعدد مع ما للتعدد من فوائد اجتماعية كثيرة، واعتمد الشيخ شلتوت في كلامه هذا على إحصائية أجراها مكتب الخدمة الاجتماعية في القاهرة لبحث حالات التشر د. 5- يكون تعدد الزوجات سبب ا رئيس ا في كثرة النسل، وكثرة النسل يؤدي إلى انتشار الفقر والبطالة في البلاد. (11) «تنظيم الإسلام للمجتمع» ص73.

عدد الصفحات ٣٦

نقول للرد على هذه الش ب هة: بطبيعة الحال منطق غير سليم ومرفوض ؛ فكث رة النسل مع حسن التربية من أعظم عوامل قوة الأمة وازدهار حياتها، وأوضح الأمثلة على ذلك اليابان والصين، والبطالة والفقر موجودان - كما نعلم - في بعض البلاد العربية والإفريقية واستراليا، مع أن أرضها واسعة، ومواردها كثيرة، ولو أحسن أهلها استغلالها لزال الفقر، واختفت البطالة، واستوعبت تلك البلاد أضعاف من يعيشون فيها. ونرى أن الإكثار من النسل في البلاد الإسلامية مطلب شرعي وهام، فهو يساعد الأمة على زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري، وبه يستغني المسلمون عن العمالة الأجنبي ة، المخالفة لهم في المعتقد والعادات والتقاليد. وأخير ا، فإن كثرة النسل في المجتمعات الإسلامية ليست سبب ا في الفقر، فإن رزقهم على الله تعالى، وهو الرزاق ذو القوة المتين، والعكس هو الصحيح، فإن كثرة الأولاد توس ح ع في الرزق ولا تضيقه؛ قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز : {و لا ت ق ت ل وا أ و لا د ك م خ ش ي ة إحم لا ق (10) نح ن ن ر ز ق ه م و إحيا ك م إحن ق ت ل ه م ك ان خحط ئ ا ك بحير ا } [ :31]. 3- الظروف الاقتصادية في العصر الحديث لا تسمح للرجل بأن ي عدد زوجاته ؛ لأن هذا التعدد يفرض عليه أعباء مالية، فهو سيطال ب بالإنفاق على عدد من الزوجات والأولاد في الوقت الذي ازدادت فيه مطالب كل فرد ، وقل ت الموارد المالية. ونقول رد ا على ذلك: إن قضية تعد د الزوجات قضية اجتماعية ودينية، وليست قضية اقتصادي ة، و إن المشكلات الاقتصادية التي تتعرض لها الأسرة عند تعد د الزوجات أهون بكثير من المشكلات الاجتماعية، التي تتعرض لها الأسرة عندما يكون بها عانس أو مطلقة أو أرملة، والأرزاق بيد الله ، والإنسان لا يضمن رزقه في ظل نظام الزوجة الواحدة، حتى يشكو منه في ظل تعدد الزوجات ، وقد يكون للرجل الواحد زوجة واحدة؛ ولكنها مسرفة، وأكثر خطورة اقتصادية من أربع زوجات صالحات مدبرات لدى رجل آخر، وفي العصر الحديث بعض البلاد الإسلامية يزيد دخل الفرد كلما زاد عدد زوجاته ؛ لأن أبواب العمل أصبحت مفتوحة أمام النساء، وكل امرأة تعمل تحصل على راتب شهري ، وهذا يتيح للزوجة والزوج فرصة طيبة للادخار والاستثمار، ورفع مستوى المعيشة، وتحقيق الرفاهية لكل أفراد الأسرة ، وحديث عبد الله بن مسعود الذي رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خلق (10) إملاق: فقر«مختار الصحاح» مادة (ملق) ص332.

عدد الصفحات ٣٧

الإنسان، ب ين أن الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة تكتب على الإنسان عند نفخ الروح ، وهو في بطن أمه بعد مضي 120 يوما(11)، ولا يخرج أي إنسان للحياة إلا ورزقه مقد ر من الله، فيجب التوكل عليه - سبحانه. 7 - أن القرآن م ن ع تعدد الزوجات: زعم بعض من ليس له علم بالشريعة الإسلامية، أن القرآن منع تعدد الزوجات في الآيتين السابقتين؛ بحجة أن الآية الأولى تبيح التعد د، شريطة العدل بين الزوجات ، وتقرر الآية الثانية - كما يزعمون - أن العدل بين الزوجات مستحيل، وعلى هذا الاعتبار، فإن التعد د مشروط بأم ر يستحيل القيام به، وبالتالي فهو ممنوع. ونرى هنا أن هذه الدعوى باطلة كل الب طلان؛ للأسباب التالية: 1- أن العد ل المشروط في الآية الأولى: {ف انكحح وا م ا ط اب ل ك م مح ن الن حس اءح } [: 3] هو غير العدل الذي حكم باستحالته في الآية الثانية {و ل ن ت س ت طحيع وا أ ن ت ع دحل وا ب ين الن حس اءح و ل و ح ر ص ت م } [: 121]، فالعدل في الآية الأولى هو العدل في الأمور المادية المحسوسة، والذي يستطيع الإنسان أن يقوم به، هو العدل في المسكن والملبس والطعام والشراب والمبيت والمعام لة، أم ا العدل المستحيل الذي لا يستطيعه الرجل ، فهو العدل المعنوي في المحبة، والم ي ل القلبي. 2- ليس معقولا أن يبيح الله تعد د الزوجات ، ثم يعلقه بشرط مستحيل، لا يقدر الإنسان على فح ع له، ولو أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يمنع التعد د، ل م ن ع ه مباشرة وبلفظ واحد، وفي آية واحدة؛ لأن الله قادر على ذلك وعالمح بأحوال عباده. 3-نص الله  في كتابه الكريم على تحريم الج م ع بين الأختين؛ فقال : {و أ ن تج م ع وا ب ين الأ خ ت ين ح إحلا م ا ق د س ل ف } [ :23]؛ كما نهى الرسول  عن أن تنكح المرأة على عمتها، أو العمة على ابنة أخيها، أو المرأة على خالتها، أو الخالة على بنت أختها(12)، فما هو معنى تحريم الج م ع بين الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها إذا كان التعدد - أصلا - محرم ا؟ 4- ثبت من الحديث النبوي الشريف أن العرب الذين دخلوا في الإسلام كان لدى بعضهم أكثر من أربع زوجات ، وكان لدى قيس بن ثابت عندما أسلم ثان زوجات (13)، وكان لدى غيلان بن سلمة (11) انظر الحديث بتمامه وشرحه الذي رواه البخاري ومسلم «جامع العلوم والحكم» ص44-55. (12) «سنن الترمذي» ج2 ص217. (13) «سنن ابن ماجه»ص321.

عدد الصفحات ٣٨

الثقفي عشر زوجات (14)، وكان عند نوفل بن معاوية خمس زوجات (15)، فأمرهم النبي  بأن يقتصر كل واحد منهم على أربع زوجات فقط، ويفارق الأخريات ، وهذا دليل قوي على إباحة الإسلام للتعد د. 5- عدد الرسول  زوجاته ، وكان في عصمته عندما توفي ح تسع زوجات ، وظل المسلمون يقومون بالتعدد خلال 1400 سنة؛ لفهمهم التام واعتقادهم الراسخ بإباحة الإسلام للتعد د، ويرى الدكتور مصطفى السباعي أن القائلين بهذه الدعوى الباطلة عبارة عن فريقين ؛ الأول منهما: حسن النية، رأى هجوم الغربيين ، ومن يجري في فلكح هم على نظام تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية، فظن أنه يستطيع بهذا القول أن يخلص الإسلام مما يتهمونه به. أما الفريق الثاني: فيرى السباعي أنه فريق سيئ النية، وهدفه هو أن يخدع المسلمين بهذا القول الباطل ويشككهم في فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته و م ن جاء بعدهم من المسلمين خلال أربعة عشر قرنا ؛ بحج ة أنهم جميع ا لم يفهموا الآيات الكريمة التي ورد فيها ذكر التعد د(13). ويرى الشيخ محمود شلتوت أن الآية الثانية(17) تتعاون مع الآية الأولى(11) على تقرير مبدأ التعد د، الأمر الذي يزيل التحر ج منه، وفي ضوء هذا المبدأ ع د د النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجاته ، وعدد الأصحاب والتابعون زوجاتهم ، ودرج المسلمون بجميع طبقاتهم وفي جميع عصورهم يعددون الزوجات ، ويرون أن التعد د مع العدل بين النساء حسنة من حسنات الرجال إلى النساء بصفة خاصة، وإلى المجتمع بصفة عامة(11)، ويصف الشيخ محمود شلتوت القائلين بأن التعد د غير مشروع ؛ لارتباطه بشر ط يستحيل القيام به بأنهم يعبثون بآيات الله، ويرفونها عن مواضعها(100). (14) «سنن الترمذي» ج3 ص435، و«سنن ابن ماجه» ج1 ص331. (15) «سبل السلام» ص224، و«المغ» ج3 ص540. (13) «المرأة بين الفقه والقانون » ص101. (17) هيل ن ت س ت طح يع وا أ ن ت ع دح ل وا ب ين الن ح س اءح و ل و ح ر ص ت م } (11) هيان كح ح وا م ا ط اب ل ك م مح ن الن ح س اءح م ث نى و ث لا ث و ر با ع (11) «الإسلام عقيدة وشريعة » ص113. (100) المرجع نفسه ص 112.

عدد الصفحات ٣٩

كذلك و ض ح تح السنة النبوية الشريفة أفضلية الزواج بأكثر من واحدة؛ فقد جاء في «صحيح البخاري »(101)، أن سعيد بن جبير قال: "وقال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ فقلت: لا، قال: فتزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء ". ويذكر ابن حجر(102) أن معنى هذا الحديث، هو أن خير أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - هو من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل، وورد في حديث نبوي آخر ما معناه: إن بعض الصحابة أرادوا أن يضاعفوا جهودهم في العبادة، وينقطعوا لها، ويتركوا شهوات الدنيا، فقال واحد منهم: "أما أنا فلا آكل اللحم"، وقال الثاني: "أما أنا فأصلي ولا أنام"، وقال الثالث: "أما أنا فأصوم ولا أفطر"، وقال الرابع : "أما أنا فلا أتزوج النساء"، فلما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك خطب في الناس، وقال: «إنه بلغني كذا وكذا ، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ح »(103). ويب ابن قدامة في معرض حديثه عن النكاح: أن الإسلام يث على تعدد الزوجات ، وأن التعدد ليس مجرد إباحة، ولكنه مندوب إليه، فيقول: "ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلا بالأفضل"(104). ويلاحظ كذلك أن الإسلام أباح للمسلم بأن يعاشر ما ملكت يمينه من الإماء، دون التقي د بعدد معين، كما قال تعالى: {ف ان كحح وا م ا ط اب ل ك م محن الن حس اءح م ث نى و ث لا ث و ر با ع ف إحن خحف ت م أ لا ت ع دحل وا ف و اححد ة أ و م ا م ل ك ت أ يم ان ك م } [ :3]. ولكن الشريعة الإسلامية لا تسمي هذه المعاشرة زواج ا، وإنما يطلق عليها: تسريا ؛ والحكمة من التسر ح ي هي أنه يترتب على التسري بعض الالتزامات والحقوق، ومنها أن ولد الأم ة "ملك اليمين"، الذي أنجبته من سيدها يعتبر ابن ا شرعي ا لذلك السيد، ويولد حر ا، والأ م ة نفسها تصبح تبع ا لذلك أم ولد، وهذا العمل قصد منه - بلا شك - تيسير عتق ملك اليمين(105). (101) كتاب النكاح ج5 ص1151 . (102) «فتح الباري بشرح صحيح البخاري » ج1 ص114. (103) «صحيح مسلم» ج1 ص114. (104) «المغ» ج3 ص447. (105) «النظم الإسلامية نشأتها وتطورها » ص471.

عدد الصفحات ٤٠

وقد قامت عدة حركات - مناوئة للعقيدة الإسلامية - تطالب بمح ن ع التعدد وتقييده، وكان من أبرزها تلك الحركة التي قامت في الديار المصرية سنة 1335 ه ، 1145 م، ونادى القائمون بها بمن ع تعد د الزوجات ، أو على الأقل وضع شروط جديدة له غير الشروط التي حددتها الشريعة الإسلامية؛ من أجل الحد من الإقبال على التعد د، ومؤدى الشروط الجديدة هو: عدم إباحة تعدد الزوجات ، إلا بوجود مبرر قوي يخضع تقديره للقضاء، وعلى م ن يرغب أن يعدد أن يقدم دليلا على أن زواجه بامرأة أخرى له مبرر قوي، فإذا اقتنع القاضي بما أبداه الرجل من أسباب تدعوه للزواج على زوجته ، أ ذح ن له القاضي عند ذلك بالزواج، وإذا لم يقتنع القاضي رفض طلب الرجل . وقد ح د د بعض هؤلاء الد عاة نوع المبرر المقبول الذي يسمح القضاء بموجبه تعدد الزوجات ، ويتمثل في حالتين فقط لا ثالث لهما، وهما مرض الز وجة مرض ا مزمن ا لا شفاء منه، وعقم الزوجة الثابت بمرور أكثر من ثلاث سنوات عليه، وفي غير هاتين الحالتين يرم القانون على الرجل الزواج على امرأته. ويرى أصحاب هذه الدعوى أن الزواج بواحدة هو الأصل في الإسلام، وأن التعدد هو الاستثناء، ولا يعمل بالاستثناء إلا عند الضرورة (103). ونقول نحن هنا: إن هذا الكلام غير صحيح، فالآيتان الكريمتان اللتان جاء فيهما تشريع التعدد، وهما الآية(3)، والآية (121) من سورة النساء، لم يظهر فيهما ما يفيد أن الزواج بواحدة هو الأصل، وأن التعدد هو الاستثناء والعكس - في نظرنا - هو الصحيح، فقد بدأت الآية الكريمة(3)، بالتعدد وهو الأصل، ثم ذكرتح الزواج بواحدة، وهو الاستثناء، والأصل دائم ا يقدم على الاستثناء. كذلك لم تشترط آيتا التعدد أن تكون الزوجة مريضة ، أو عقيم ا؛ لكي يتسنى للرجل الزواج عليها، هذا بالإضافة إلى أن الرسول  طل ب من أصحابه بعد نزول آيتي التعدد أن يفارقوا ما زاد على الأربع زوجات ، ولم يقل لهم آنذاك أن بقاء أكثر من زوجة لدى الرجل مشروط بكون زوجته مريضة مرض ا مستعصي ا، أو بكونها عقيم ا، وكان الوقت آنذاك وقت تشريع. ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن تقييد تعد د الزوجات بح د عة دينية ضال ة، لم تقع في عص ر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في عص ر الصحابة، ولا في عص ر التابعين(107). (103) «تعدد الزوجات » ص271-213. (107) «تنظيم الإسلام للمجتمع» ص77-71.

عدد الصفحات ٤١

وإذا كان نظام تعدد الزوجات يفرض على الزوجة الأولى لظرف من الظروف زوجة أخرى ، فإنه لا يرمها من أن تكون سيدة منزلها، والمتص ر ح فة في شئونه، فالإسلام يجعل لكل امرأة متزوجة الحق في أن تكون لها دار مستقلة، ولا يجعل لإحدى الزوجات سيطرة على الزوجات الأخريات. ويرى بعض الفقهاء أن للمرأة الحق في أن تشترط وقت زواجها ألا يتزوج عليها، فإذا تم الزواج، ولم يلتزمح الزوج فيما بعد بهذا الشرط ، كان للمرأة الحق في ط ل ب الطلاق، كما يظهر في النص الفقهي: "وإن تزوجها وشرط لها ألا يتزوج عليها، فلها فراقه إذا تزوج عليها"(101)، وإذا فات الزوجة أن تشترط هذا الشرط في عقد الزواج، فإن لها الحق في ط ل ب الطلاق، إذا ق ص ر زوجها في حق من حقوقها، أو أ لح ق بها أذى، ولا نختلف هنا على أن اشتراك امرأة مع امرأة أخرى أو أكثر في زوج واحد لا يريها ولا يمنحها السعادة التي تنشدها في حياتها؛ ولكن الضرر الذي يلحق بالمرأة عند اشتراكها مع غيرها في زوج واحد أقل كثير ا من الضرر الذي يلحق بها إذا بقيت بدون زواج. ونرى هنا أن الغيرة عند بعض النساء تكون قوية جد ا، لدرجة أنها ت سيطر على كل ح تصر فاتها، وتكون أشد ما تكون عند اقتران زوجها بامرأة أخرى ، والغيرة أمر عاطفي بحت، يظهر منها ثلاثة مشاعر مختلفة؛ هي: حب المرأة لزوجها ، وأنانيتها المفرطة في الاستئثار به دون غيرها من النساء، ثم خوف المرأة على مستقبلها، والعاطفة لا تقدم إطلاق ا على الشرع في أي أمر من الأمور، وكما أن تعدد الزوجات يبعث الألم والغيرة في نفس الزوجة الأولى، فإنه يبعث الأمل في نفس الزوجة الجديدة، ويتيح لها أن تحيا حياة زوجية آمنة، زد على ذلك أنه ليس كل النساء هن المتزوجات فقط، فالتشريع جاء لكل النساء المتزوجات وغير المتزوجات ، فإذا وفق بعضهن في الحصول على أزواج فما ذنب الأخريات - وهن بلا شك كثيرات - أن يبقين بدون زواج، وقد جعل لهن الإسلام الحق كل الحق في الزواج والعيش في بيت وأسرة تَام ا مثل المتزوجات؟ ويرى العقاد - ونحن معه - أن تحريم التعد د يكره المرأة على حالة واحدة لا تَلك سواها، وهي البقاء بدون زوج ، لا عائل لها، وقد تكون عاجزة عن إعالة نفسها(101)، وعلى وجه العموم فإن أخذ بعض الرجال والنساء بنظام تعدد الزوجات يعد برهانا واضح ا وقويا على أنهم اختاروا طريق الاستقامة بدلا من طريق الغواية والضلال؛ لأن التعد د يرسم سبيلا للمحافظة على الأخلاق، ويوثق الروابط (101) «المغ» ج3 ص541. (101) «المرأة في القرآن » ص107-101.

عدد الصفحات ٤٢

الاجتماعية، ويفظ للبيت المسلم أمنه واستقراره ، وهو الطريق السليم المشروع لإشباع الرغبات دون الترد ح ي في مهاوي الشهوات.

عدد الصفحات ٤٣

الفهرس بسم الله الرحمن الرحيم ................................................................... 3 ح ك م تعد د الزوجات : ................................................................... 3 ليس الأصل و ج وب التعد د بالإجماع : ..................................................... 5 تنبيه مفيد: ي ثاب م ن ترك التعد د حفاظ ا على ش ع ور زوجته : ................................. 5 مشروعية تعد د الزوجات في الإسلام: ..................................................... 5 التعدد عند الأمم السابقة ................................................................ 1 التعد د في حياة الأنبياء قبل بعثة النبي الأمين - صلى الله عليه وسلم: ....................... 10 شروط تعد د الزوجات في الإسلام: ..................................................... 20 ش ب ه ة تعد د أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم: .......................................... 21 موقف أعداء الإسلام من تعد د الزوجات : ............................................... 32

عدد الصفحات ٤٤