129 فابتسم خالد.. و أخذ منه الورقة، و وضعها بين أغراضه: - أشكرك يا يامن .. بجد أشكرك يا صديق ي.. بعدها أمر خالد حصانه أن يتحرك .. و بدأ يتحرك ببطء حتى أسرع رويدً ا رويدً ا في طريقه إلى بيت أسيل .. و كاد يصل بيتها حتى رأى عربتها تسير مبتعدة عنه، فأسرع بحصانه إلى العربة .. و سار بجوارها ثم ضحك حين وجدها تجلس بالعربة شاردة الذهن، و لا تراه .. فظل يسير بجوارها دون أن يتحدث حتى نظرت إلى جانبها عبر النافذة ففوجئت به على حصانه، فضحكت و حدّثته : - منذ متى تسير بجوارنا؟! ضحك خالد: - من بدر ي .. يا ترى بتفكر ي في إيه؟ ابتسمت: لا ش يء.. إنني أشرد مع نفس ي كثيرً ا.. ثم نظرت إلى حصانه : - هل اشتريت حصانً ا؟! فرد خالد: لا.. أنا أجّرته .. و ز ي ما وعدتك إن ي أشوفك قبل ما أروح هناك ، أنا قدامك أهو.. ابتسمت أسيل ثم سألته: - هل ستذهب إلى المنطقة الشمالية الآن ؟ فرد خالد: أيوة .. فصمتت أسيل ثم سألته في هدوء: - خالد.. هل ستعود إلى هنا إن وجدت كتابك أو أب اك.. فنظر خالد أمامه ثم صمت لبعض الوقت .. و ابتسم: - أكيد لازم أرجع.. ثم أكمل مداعبته لها:
عدد الصفحات ١٢٩001 - ده يامن هيقتلني لو مرجعتش عشان الحصان .. ضحكت أسيل، و ضحك خالد.. و واصلا تحركهما في طرقات زيكولا.. و خالد على حصانه يسير بجوار العربة ، و أسيل تجلس بنافذتها كمن تجلس أمام نافذة غرفتها .. حتى وصلا إلى أطراف المنطقة الشرقية .. فقالت أسيل بعدما أشارت إلى طريق ممهد : - هذا الطريق يقودك إلى المنطقة الشمالية .. فابتسم خالد ثم نظر إليها: - أتمنى إني ألاقي الكتاب و أرجع لهنا في أسرع وقت . ثم أمر حصانه أن ينطلق نحو ذلك الطريق .. و أسيل تنظر إليه بينما تسير عربته ا في طريق آخر .. و تبتسم حين تجد شعر خالد الطويل يتطاير مع الهواء ، و جسده القوى يمتطى ذلك الحصان ببراعة.. و كأنه وُل د فارسً ا.. حتى اختفى عن أنظارها فأغمضت عينيها ، و تمنت أن يحقق ما يريده .. أما خالد فواصل طريقه نحو المنطقة الشمالية.. يريد أن يصل إلى هناك في وقتٍ قليلٍ .. يحفز حصانه أن يسرع.. ثم يخرج تلك الورقة التي أعطاها له يامن، و ينظر إليها، و إلى خطوطها و يوا صل سيره مجددً ا.. و كل ما يحل به التعب ينال القليل من الراحة فيوقف حصانه ، و يترجل ، و يشرب القليل من الما ء ثم يكمل طريقه نحو تلك المنطقة . * * * بدأت الشمس في المغيب، و حل الليل.. حتى وصل خالد إلى أطراف المنطقة الشمالية فترجل.. و سار على قدميه، و حصانه يسير بجواره.. و اندهش حين رأى بيوت تلك المنطقة و تنو عها ما بين ما هو فخم للغاية، و ما هو متواضع و يبدو عليه الفقر.. و أكمل مسيره بين شوارع تلك المنطقة .. و زادت دهشته من الصمت الذي يسودها حتى زالت تلك الدهشة سريعً ا حين توغل بشوارعها.. فوجد الكثير من الناس يلهون و يمرحون و يتراقصون مع أنغام الموسيقى التي غطت ضواحي تلك
عدد الصفحات ١٣٠131 المنطقة.. و تذكر كلمات يامن عن فتياتها حين رأى زيّهن الذي يختلف عن ز يّ باقي فتيات المناطق الأخرى فكان أكثر عراءً و إغراءً .. و واصل سيره حتى وجد مكانً ا يجتمع به الكثير من الناس.. فاقترب منهم فوجد نزالاً بين اثنين من الأقوياء ، و سمع أحد الأشخاص بجواره يقول لآخر : لقد راهنت بخمس عشرة وحدة على هذا الرجل ، و أشار إلى أحدهما فاندهش خالد ، و أكمل سيره .. حتى بدأ يسأل أحد الفتيان عن الرجل الذي يبحث عنه فلم يجبه.. و سأل غيره فلم يجبه هو الآخر .. و سأل الكثيرين من الناس فلم يجبه أحد .. و ظل يسير بين هؤلاء الناس الذين تنبعث من أفواههم رائحة نتنة، و يترنحون فأدرك أنها رائحة خمر.. و بين ضحكات فتيات الليل المدلّلة التي تملأ كافة الأركان .. حتى جلس بجانب الطريق ، و بجواره حصانه ففوجئ بشخص ضخم يأتيه.. و يطلب منه عشر وحدات من الذكاء مقابل أن يحميه هو وحصانه.. و إلا سيأخذ ذلك الحصان منه.. فصمت خالد قليلاً ثم وافق و حدّثه : - سأعطيك ما تريد ، و وحدتين إضافيتين مقابل أن أترك الحصان عندك حتى أعود لآخذه غدً ا. فوافق الرجل .. و أعطاه خالد الحصان ك ي يكون أكثر حرية .. و واصل جلوسه و مراقبته لأهل تلك المنطقة من بعيد.. حتى مر الليل دون أن يغفو له جفن.. * * * في صباح اليوم التالي، ظل خالد منتظرً ا أن يرى أحدً ا يسأله، فلم يجد ما أراده.. و كأن المدينة أصبحت مدينة الموتى.. الشوارع خالية ، يسودها صمت رهيب .. فنهض و بدأ يتحرك، و يتجول بشوارعها عله يجد أحدً ا.. و لكن دون جدوى ، فأكمل مسيره حتى جلس بمكان آخر، و أخرج قلمه و أوراقه، و بدأ يكتب: - المنطقة الشمالية.. أرض كسالى زيكولا. ثم كتب تحتها:
عدد الصفحات ١٣١002 - إنها المنطقة الرابعة التي أزورها في زيكولا.. بعد يوم ي الأول هنا .. تأكدت أ نهم يختلفون عن باقي أهل زيكولا.. هم لا يعملون كما أخبرني يامن، و حياتهم بالمساء كما رأيت بالأمس. الكثير منهم ورثوا فلا يعملون ، و يمرحون و يشربون و يتراهنون .. أما الفقراء م نهم.. الفتى يجد ثروته في قوته فيستخدمها لتحقيق ثروته من الذكاء .. و الفتاة تجد ثروتها في أنوثتها و جمالها فتستخدم ما تمتلكه في تحقيق ثروة دون عناء. ثم صمت مفكّرً ا.. و توقف قليلاً عن الكتابة.. ثم أكمل مجددً ا: - أرى أن الكثيرين من تلك المنطقة سيكونون ضحايا الذبح قريبً ا.. فالقو ي سيضعف ذات يوم ، و الجمال غير باقٍ .. ثم ضحك، و توقف عن الكتابة ، و حد ث نفسه: - بقيت فيلسوف يا خالد .. زيكولا غيرّت فيك كتير .. ثم أنهى كتابته بأن كتب مجددً ا: - إنها أضعف مناطق زيكولا.. ثم وضع قلمه ، و أوراقه مرة أخرى بين أغراضه .. و بدأ يتحرك بين شوارع تلك المنطقة من جديد.. و ضاق به صدره حين وجد نفسه وحيدً ا بتلك الشوارع ، و علم أنه لابد و أن ينتظر حتى المساء.. * * * غربت الشمس.. و بدأ الظلام يملأ السماء، و أُشع ل ت النيران لتض يء المدينة، و بدأ الناس يخرجون إلى الشوارع.. و بدأت الموسيقى من جديد، و خرجت الفتيات إلى الخارج .. كل فتاة تحاول أن تجذب رجلاً إليها.. حتى امتلأت الشوارع بالأشخاص في تلك المنطقة التي تواجد بها خالد.. فبدأ يسأل هذا و ذاك عن ذلك الرجل الطويل العريض صاحب الكتاب، و اقترب ليسأل كبار السن.. ربما عرفوه حين كان هنا
عدد الصفحات ١٣٢133 منذ عشرين عامً ا، و لكن لا فائدة .. و بدأ اليأس يدق قلبه ، و كأنه لن يجد هذا الرجل أبدً ا، و سار و الحزن على وجهه.. حتى سمع صوت من خلفه يناديه: - أنت... فالتفت خالد ليجد فتاة يشعر أنه قد رآها من قبل.. حتى تذكر أنها الفتاة التي قابلها يوم زيكولا .. و طلبت منه أن يرافقها و رفض.. و لكنها اليوم أكثر عراءً .. فاندهش حين وجدها: - انتي!! ضحكت الفتاة: - نعم.. أتذكرن ي؟! خالد: نعم.. فضحكت الفتاة: حسنً ا.. عليك أن تأتي معي.. فسألها في دهشة: آجي معاكي فين؟! فجذبته من يده ثم دخلا إلى مكانٍ مجاور إضاءته خافتة .. و به الكثير من الناس.. كل رجل يجلس مع فتاة، فبدأ الشك يتسرّب إلى قلبه و سألها: - انتي عايزة م نّي إيه؟! ردّ ت الفتاة: أنا؟ !!.. ثم صمتت و أكملت: - إنك الرجل الوحيد الذي رفض أن يصطحبني من قبل.. و لهذا أجدد عرض ي لك.. ثم أكملت: - إنني هنا أفعل ما يحلو للرجال مقابل الكثير من الوحدات .. و لكنني لا أريد منك شيئً ا.. سأصطحبك الليلة دون مقابل.. فنهض غاضبً ا:
عدد الصفحات ١٣٣004 - وأنا مش موافق .. أنا مش ز ي اللي بيجولك هنا .. ثم تحرك ليغادر فجذبته ليجلس.. و سألته: - هل تعجبك فتاة أخرى ؟ فرد منفعلاً : - لا.. ثم سألها: - انتي عايشة حياتك كده ازاي؟! فضحكت الفتاة ساخرة : - حياتي.. ما بها؟!! أكمل خالد: ازاي تبيعي نفسك لأ ي حد؟ ضحكت الفتاة مجددً ا.. ثم تناولت كوبً ا به خمر: - و كيف أعيش في زيكولا أيها الوسيم .. كيف أحصل على الذكاء.. الثروة.. فأخرج نفسً ا طويلاً ، و حدّث نفسه متبرمً ا: - الذكاء .. ثم أكمل: - اعملي ز ي بنات زيكولا اللي بيعملوا بشرف في المناطق الأخرى .. انتي مفكرتيش لما جمالك يروح هتقدر ي تحصلي على ذكائك ازاي؟.. ضحكت الفتاة.. و بدا عليها تأثير الخمر، و ثقل لسانها: - و قتها سأكون حققت مخزونً ا كبيرً ا من الثروة .. أما بنات زيكولا فيعملن .. ثم تابعت: - و أنا أيضً ا أعمل .. و كلانا يحصل على أجره .. هي ا انتهز الفرصة قبل أن يضيع جمالي.. إن الكثيرين في الخارج يتمنون أن يجلسوا مكانك الآن أيها الوسيم..
عدد الصفحات ١٣٤135 فظهرالغضب على خالد.. و كأنه فقد أمله في حديثه معها، و صاح بها غاضبً ا: - مثلك عار على زيكولا.. ثم نهض، و تحرك بضع خطوات مبتعدً ا عنها.. فصرخت غاضبة : - عار!!.. إنني أفضل حالاً من آخر أعرفه ، قتل أباه كي يرثه .. ثم هدأ صوتها .. و وضعت رأسها على المنضدة التي أمامها م ن تأثير الخمر ، و غمغمت بصوت سمعه خالد: - وفي النهاية لم يرث سوى كتاب لعين.. احتفظ به أبوه أكثر من عشرين عامً ا.. ثم أغمضت عينيها.. * * *
عدد الصفحات ١٣٥006 (12 ) توقّفت قدما خالد عن الحركة ، و اتسعت حدقتا عينيه، و زادت ضربات قلبه حين سمع كلماتها.. و عاد إليها مسرعً ا.. و سألها في لهفة: -انتي قلتي إيه؟ ! فوجدها قد وضعت رأسها على الطاولة.. و غابت عن الوع ي.. فسألها مجددً ا و صاح بها لكنها لم تجبه، فحاول أن يجعلها تفتح عينيها و أن تكرر ما قالته مرة أخرى ، و ضرب بيده على الطاولة حتى تفيق ، و لكن دون جدوى ، حتى أمسك برأسها و أعادها إلى الخلف ثم جلس أمامها ففتحت عينيها ببطء.. و نظرت إليه في ذهول ، فسألها: - انتي قلتي إيه في آخر كلامك؟ فابتسمت و نظرت إليه ثم سألته : - من أنت؟! فنهض و سأل نادلاً أين يجد غرفة خالية ، فأشار النادل إلى باب إحدى الغرف فأسرع و حمل الفتاة على كتفه و التي ضحكت برعونة حين قام بحملها .. و سار بها تجاه تلك الغرفة وسط نظرات الفتيات الأخرى اللاتي تهامسن حين وجدنه يحم لها و كأن الغيرة أصابتهن .. حتى وصل إلى باب الغرفة فدفعه بقدمه و دلف بها إ لى الداخل - و ما زالت تضحك - ثم طرحها على أرضية الغرفة.. و أكمل سيره للداخل
عدد الصفحات ١٣٦137 ووجد إناءً كبيرً ا به ماء فحمله، و عاد به إليها و سكبه بالكامل فوق رأسها فصرخت من برودة الماء فسألها: - افتكرت ي أنا مين؟ فنظرت إليه دون أن تجيب، فأسرع و حمل إناءً آخر و سكبه فوق رأسها، فصرخ ت: - تذكّرتك .. أرجوك.. لا حاجة لمزيد من الماء . فسألها على الفور : - مين اللي قتل أبوه عشان يرثه .. وفي الآخر ورث كتاب؟ صمتت الفتاة، و كأنها تتذكر ثم سألته: - هل حدّثتك عن ذلك ؟ رد خالد متلهفً ا: أيوة .. فنظرت إليه الفتاة : - حسنً ا.. ماذا تريد منه ؟ فأجابها: أنا عاوز أوصل له بأ ي طريقة .. لازم أوصل له .. لازم ألاق ي الكتاب و صاحبه.. انتي تعرفيه ؟ فنهضت و تحركت خطوات بملابسها المبللة و شعرها المبلل و جلست على أحد الكراس ي، و نظرت إليه : - نعم أعرفه .. و قد أدلك عليه الآن إن أعطيتن ي عشرين وحدة من ذكائك .. فأسرع تجاهها و قال : - و أنا موافق .. فضحكت الفتاة: - حسنً ا.. سأصطحبك إلى هناك.. و لكن انتظر حتى أبدّل ملابس ي.. * * *
عدد الصفحات ١٣٧008 اتجه خالد مع الفتاة، و التي بدّلت ملابسها إلى أحد الشوارع البعيدة .. و أخبرته بأن بيت صاحب الكتاب في نهاية ذلك الشارع .. و خالد يسير و عقله لا يتوقف عن التفكير، و يفكّر بما قالته ا لفتاة بأن هذا الشاب قتل أباه ك ي يرثه .. و يخش ى أن يكون ما يفكّ ر به حقيقةً تصدمه بعد لحظات .. حتى وصلا إلى أمام بيت متواضع ، فسألها خالد: - هو جوّة ؟! فردت الفتاة : نعم.. فاندهش و سألها: - و ليه هو مش بالخارج ز ي باقي أهل المنطقة الشمالية؟! فأجابته: - إنه هكذا.. بعد أن قتل أباه و فوجئ بعدم امتلاكه لش يء.. أصابه اليأس، فهو يجلس ببيته كثيرً ا.. و تزداد حالته سوءًا ، و كأنه ينتظر أن يُذب ح يوم زيكولا. ثم طرقت الباب ، و بعد لحظات قام شاب في العشرين من عمره بفتحه .. فأشارت إليه الفتاة: - ها هو صاحب الكتاب.. أما أنا فعلي أن أعود إلى عملي.. و غمزت إلى خالد بطرف عينها، و أكملت: - هناك من ينتظرونني.. فنظر إليها خالد و قال: شكرً ا على كل حال.. * * *
عدد الصفحات ١٣٨139 غادرت الفتاة.. و نظر خالد إلى هذا الشاب الذي يقف أمامه ، و ظل يتأمّله حتى سأله الشاب: - من أنت؟! فزادت دهشة خالد حين وجد صوت هذا الشاب يشبه صوته .. فسأله الشاب مجددً ا، و ظهر الغضب على وجهه: - من أنت؟ فرد خالد: أنا أطلب منك المساعدة .. فسأله الشاب: مساعدة؟! فأجابه: - أيوة .. أنا عرفت إنك ورثت عن والدك كتابً ا احتفظ به لمدة عشرين سنة .. فأخرج الشاب نفسً ا عميقً ا: نعم.. فابتسم خالد: هل تأذن لي بالدخول و نتحدث قليلاً .. ثم تابع حين شعر برفض الشاب: - و سأعطيك خمس وحدات ذكاء مقابل هذا الحديث. فقال الشاب: - حسنً ا، و لكن لا تضيع وقت ي.. عليك أن ترحل سريعً ا، أنا لا أحب الغرباء .. دخل خالد معه إلى الداخل .. و لاحظ مدى الفقر الذي يعيشه، و تلك الحياة البائسة، و التي ظهرت على ملابسه و على أرضية بيته حيث زجاجات الخمر الفارغة، و ظل يترقبه و يتأمله حتى سأله: - انت قتلت والدك فعلاً ؟ فرد الشاب غاضبً ا:
عدد الصفحات ١٣٩041 - وما دخلك؟! قال خالد: أرجوك، أجبني.. فنهض الشاب، و تحرك خطوات مبتعدً ا عنه.. و حمل زجاجة خمرٍ في يده.. ثم نظر إليه: - نعم قتلته.. إنه لم يجلب لي سوى الفقر.. و تابع: - أعتقد أن أمي ماتت قديمً ا بسبب جنونه .. فسأله خالد على الفور: أمك.. ماتت؟!! فأجابه: - منذ زمن قديم.. إنني لا اتذّكرها حتى .. ليتها عاشت و مات هو.. فسأله خالد: ليه بتكرهه كل الكره ده ؟! فرد الشاب بعدما شرب القليل من الخمر : - إنني أكرهه لأنه كان مجنونً ا.. هل يعقل أن ينفق أحد مخزونه من الذكاء مقابل كتاب لعين.. ثم ينفق ما تبقى له من ذكاء في التفكير في هذا الكتاب.. يكفيه حظ ا أنه وجد من أفقر منه بزيكولا .. و إلا ذُبح قبل أن أقتله بسنوات .. فسأله خالد: - ما اسمك؟ أجابه: - اسمي هلال.. إنه من سمّان ي بهذا الاسم .. فسأله خالد على الفور : - و اسم والدك إيه؟
عدد الصفحات ١٤٠141 فأجابه ساخطًا: - كان يدعي حسني.. فدق قلب خالد بقوة .. و احمر وجهه، و كأن الحقيقة التي كان ينتظرها قد لفحته .. و نطق : - حسني عبد القو ي ؟! فاندهش الشاب: - نعم.. هل تعرفه ؟! فصمت خالد.. و تساقطت بعض دموعه.. و انحنى بظهره للأمام ، و وضع رأسه بين يديه، و أكمل بصوت هادئ: - كان أبوك غريبً ا عن هنا.. و جاء إلى زيكولا من سبع وعشرين سنة .. هو و أمك.. و كان يحدّثك عن مصر .. و عن سرداب فوريك.. فزادت دهشة هلال ، و نظر إلى خالد، و الذي أكمل: - و لكنه مقدرش يحميك من طباع زيكولا.. و أصبح همك مثلهم.. الثروة.. ثم نهض، و اقترب منه ، و خطف زجاجة الخمر من يديه، و وضعها بعيدً ا.. ثم سأله: - هل لاحظت الشبه القليل بين ي و بينك؟.. هل لاحظت أن صوت ي يشبه صوت ك؟ ثم تابع: - أنت هلال حسني.. و أنا اسمي خالد حسني.. ثم عاد خطوات إلى الخلف ، و أخذ نفسً ا عميقً ا و أخرجه ببطء ثم أكمل بعدما نظر إليه: - أنا أخوك ، و أنت قتلت والدنا .. لأنك ابن زيكولا.. فصاح هلال به:
عدد الصفحات ١٤١042 - يبدو أنك مجنون أنت الآخر، ثم دفعه: - هيّ ا أخرج من هنا .. فصاح خالد غاضبً ا، و مازالت الدموع على وجهه: أنا فعلاً أخوك .. فدفعه هلال مجددً ا: - اخرج أيها المجنون .. هل أنا بحاجة إلى مزيد من الجنون كي تأتيني أنت الآخر ؟!! فنظر إليه خالد، و كأنه يراه و هو يقتل أباه ثم مسح دموعه و سأله: - أين الكتاب؟ فأجابه هلال غاضبً ا: - و ماذا تريد من الكتاب ؟! فرد خالد: أنا بحاجة للكتاب لأني عايز أرجع بلدي.. و ممكن تيجي معايا.. فضحك هلال ساخرً ا: - أرى أنك تشبه أبي في جنونه .. انتظر.. ثم نظر إليه و عقد حاجبيه، و سار إلى إحدى الغرف ثم عاد مجددً ا إلى خالد، و معه كتاب قديم أوراقه سميكة و قديمة.. فأسرع إليه خالد ، و خطفه منه حين لمح عنوانه .. سرداب فوريك.. و بدأ يقلّب صفحاته المصفرة في لهفة و دق قلبه بقوة ، حتى وصل إلى صفحة في منتصف الكتاب مكتوب بها بخط يدوى كبير.. الطريق إلى سرداب فوريك.. و كاد يقرأ ما بها حتى اختطفه هلال منه ، و قال ساخرً ا: - هل تريد هذا الكتاب ؟! رد خالد في لهفة: - أيوة .. فضحك، و حدّث نفسه:
عدد الصفحات ١٤٢143 - لقد أصبحللكتاب فائدة، ثم نظر إلى خالد: - حسنً ا.. عليك أن تشتريه .. صمت خالد قليلاً ثم سأله: - و كم تريد ؟ فابتسم، و تحرك خطوات جيئة و ذهابً ا، و تحدّث : - أرى أنك في حاجة ضرورية إلى الكتاب.. فنطق خالد: نعم.. فأكمل هلال: - حسنً ا.. إن كنت تريده ، فعليك أن تعطيني ربعمائة وحدة من ذكائك.. فصاح خالد على الفور : ربعميت وحدة؟!! فرد هلال في هدوء، و تناول زجاجته مرة أخرى : - نعم.. أيها الغني.. ربعمائة وحدة.. فقال خالد: صدقني، أنا أخوك .. فضحك هلال ساخرً ا: - ليتني أتأكد أنك أخي أيها المجنون .. أقسم لك إنني لو تأكدت من ذلك لقتلتك كي أرثك.. فصمت خالد، و زاد ضيقه ثم سأله: - هل ترك أبوك شيئً ا آخر؟ فأجابه: إنه لم يترك سوى هذا الكتاب.. هل ما زلت تريد شراءه، و ضحك ساخرً ا، و أكمل:
عدد الصفحات ١٤٣044 - هيا.. إنها ربعمائة وحدة فقط.. فصمت خالد مرة أخرى .. و كأنه يفكر، و طال صمته حتى نظر إلى هلال: - أعطني مهلة شهرين .. و هرجع اشتريه مقابل الربعميت وحدة. فسأله هلال متعجبً ا: - ألا تمتلكهم الآن ؟! فتحرك خالد خطوات ، ثم نظر إليه: - أمتلكهم.. و لكني أحافظ على مخزوني من الذكاء.. و هقدر أوفّر من عمل ي ثمن الكتاب.. و هرجع لك بعد شهرين من اليوم .. أرجوك حافظ على الكتاب.. فجلس هلال، و عاد بظهره للخلف : - حسنً ا.. سأنتظرك حتى تعود ، و لكن إن تأخرت يومً ا واحدً ا عن الشهرين .. سأمز ق عن كل يوم تأخرته عشر ورقات، حتى لو وصل بي الأمر أن أمزقه بالكامل .. إنه لا يهمني بش يء.. هي ا لا تضيع وقتك .. عد إلى حيث جئت.. فأوما خالد برأسه ثم تركه ، و غادر، و أخرج زفيرً ا طويلاً ، و حدّث نفسه : - إنه أخي.. و قاتل أبي.. * * * غادر خالد بيت هلال ، صاحب الكتاب .. و سار بين الناس و بين موسيقاهم و صرخاتهم التي لا تتوقف.. و عقله يشتعل بالتفكير.. تتضارب برأسه الكثير من الأفكار، و يتخبط قلبه ما بين شعور و آخر.. يسأل نفسه هل يسعد لأنه وجد كتابه، أم يحزن حين علم بقتل أبيه و موت أمه، حتى لو لم يرهما من قبل.. و هذا الشاب المتهور الذي قد يكون أخاه، و مدى جشعه.. و المقابل الكبير الذي طلبه كي يعطيه كتابه.. و كيف سيوفّر ربعمائة وحدة في شهرين.. و إن عاد ليأخذ كتابه هل يأخذه
عدد الصفحات ١٤٤