145 ويترك أخاه، أم يأخذه معه.. حتى أمسك رأسه، و كأنه لم يعد يستطيع التفكير.. و حدّث نفسه بصوت هامس : - هدفي دلوقت ي إني آخد الكتاب.. ثم سار إلى المكان الذي جلس به حين أتى إلى المنطقة الشمالية.. فوجد من أعطاه حصانه، فاتجه إليه ك ي يسترده ؛ فلم يعطه الحصان إلا بعد ما أعطاه وحدتين آخر يين.. ثم أخذ حصانه .. و اتجه إلى مكان آخر ، و آثر أن يظل به حتى تشرق الشمس فيعود إلى المنطقة الشرقية حيث أسيل و يامن و عمله معه. * * * في صباح اليوم التالي، أعدّ خالد أغراضه ، و امتطى حصانه ثم بدأ يتحرك بين الشوارع الخالية إلى أطراف المنطقة الشمالية ، حتى وصل إلى بداية طريقه نحو المنطقة الشرقية فالتفت بحصانه نحو تلك المنطقة، و كأنه يودعها حتى يعود إليها مجددً ا بعد ستّين يومً ا.. ثم التفت مجددً ا تجاه الطريق، و أمر حصانه أن ينطلق. مر الوقت، و خالد في طريقه إلى المنطقة الشرقية.. لا يشغل تفكيره سوى ذلك الكتاب، و ماذا سيكون في تلك الصفحة المكتوب بها الطريق إلى سرداب فوريك.. يشعر بأن أمل خروجه قد ازداد.. لا يحتاج إلا تلك الوحدات التي طلبها هلال كي يأخذ كتابه.. أمله.. حتى وصل إلى المنطقة الشرقية بعد غروب الشمس فاتجه إلى البحيرة، ففوجئ بنار مشتعلة في مكانه بجوار الشجرة.. و وجد يامن ينتظره ، فترجّل ، و احتضنه حتى سأله يامن على الفور : - هل وجدت كتابك؟ فابتسم خالد: - نعم.. فسأله في لهفة:- و أين هو؟
عدد الصفحات ١٤٥046 فكاد يجيبه.. و لكنه فوجئ بصوت أسيل يأتي من خلفه: - خشيت ألا تعود .. فالتفت إليها خالد فوجدها تمسح دموعها ثم اقتربت منه ، و احتضنته و ابتسمت: - جئت إلى هنا و تمنيت أن أراك.. فابتسم يامن حين وجد أسيلاً تحتضن خالد، و تنحنح، فابتسمت أسيل في خجل ثم جلست بجوار خالد ،كأنها لا تريد أن تفارقه.. و بدأ خالد يرو ي لهما ما حدث له بالمنطقة الشمالية لكنه لم يتحدث عن فتاة الليل ، و ما حدث معها حين وجد أسيلاً تسأله عن كل ش يء حدث هناك و عن فتيات تلك المنطقة، فأخبرهما بأن أحدً ا آخر قد دلّه على هذا الشاب .. هلال.. حتى أنهى حديثه فسألته أسيل : - هل هو أخوك حقً ا؟! فأجاب خالد: كل الدلائل تقول إنه أخي.. أبوه صاحب الكتاب و اسمه حسني عبد القو ي .. و حكى له عن مصر.. فتحدّث يامن : - ربما يكون شخصً ا آخر من بلدك.. مصر، و له نفس الاسم ، و لكنه قد لا يكون أباك.. فقال خالد: لكن الولد شبه ي إلى حد ما.. و صوت ي يشبه صوت ي.. لكن طباعه طباع زيكولا .. فابتسم يامن : - تقصد طباع المنطقة الشمالية.. ثم سأله: - و كيف ستوفر ربعمائة وحدة من الذكاء في شهرين إن كنت توفّر من العمل باليوم بعد غذائك و حمايتك وحدة واحدة أو وحدتين على الأكثر .. فصمت خالد حتى نطقت أسيل:
عدد الصفحات ١٤٦147 - ربما تعمل معي، و أعطيك أربع وحدات باليوم .. فابتسم يامن، و تحدّث : - إنّ عملنا يحتاج إلى النهار بأكمله ، و إلى راحة بالليل كي يعود إلينا نشاطنا الذي نواصل به عملنا .. فصمتت أسيل، و ظل خالد صامتً ا حتى نطق: - أنا اقدر آكل كل يوم خبز .. فضحك يامن: حسنً ا.. أصبح لديك أربع وحدات باليوم .. تأخذ سبع وحدات ، و تدفع وحدتين للحماية، و وحدة للخبز. ثم أكمل : - هكذا لن تكمل الأ ربعمائة وحدة بعد ستين يومً ا.. فصمت خالد مرة أخرى .. ثم أكمل : - أنا ممكن أوفّر ست وحدات في اليوم .. وفي نهاية الشهرين هيكون عندي 760 وحدة.. وقته ا هضيف أربعين وحدة فقط من مخزوني.. و أقدر أشتر ي الكتاب .. فقاطعته أسيل تحذره : - مخزونك من الذكاء يا خالد.. أرى أنك بدأت تستنزف منه الكثير. فنظر إليها خالد مبتسمً ا، و أكمل: - أكيد هعمل بعد الشهرين لحد ما يج ي يوم زيكولا، و أقدر أعوّض كل مخزون ي.. فضحك يامن، و الذى صمت حتى انتهى خالد و أسيل من حديثهما ثم قال: - إنك قو ي بالحساب يا صديق ي.. و لكن كيف س توفّر ست وحدات باليوم أيها الذكي.. فابتسم خالد ثم نظر إليه، و سأله :
عدد الصفحات ١٤٧048 - أين عمال زيكولا الآن؟ فأجابه: الكثير منهم يأكلون أو يمرحون أمام بيوتهم. فنهض خالد ثم نظر إلى أسيل، و طلب منها أن تعود إلى بيتها فرفضت ، و نظرت إليه متعجبة: - ماذا ستفعل؟.. سآتي معك .. فابتسم خالد ثم سار و معه يامن و أسيل، و اللذان لا يعرفان نيّته .. و اتجهوا إل ى شوارع المدينة حتى دخلوا إلى أحد المطاعم الذي يقدم الخبز و الدجاج.. ووجد به خالد الكثير من العمال ممن يعملون معه في تقطيع الصخور .. ثم اتجه إلى صاحب المطعم، و سأله : - كم سعر الدجاج هنا؟ فرد الرجل: الدجاج مقابل خمس وحدات .. فسأله مجددً ا: - و كم عامل يأكل من دجاجك؟ فضحك الرجل ساخرً ا، ثم أشار إلى من يأكلون : - انظر إليهم.. إنهم لا يأكلون سوى الخبز.. ربما أبيع دجاجة حين يأتيني غني مثلك إلى هنا.. فابتسم خالد ثم صمت، و أكمل حديثه: - ما رأيك أن تبيع كل يومين كل ما تمتلكه من دجاج؟ فنظر الرجل و يامن و أسيل إلى خالد في دهشة، و كأنهم لا يفهمون ما يقصده.. حتى أكمل و سأل الرجل : - هل تريد ذلك ؟
عدد الصفحات ١٤٨149 فأجابه الرجل بالطبع.. فابتسم خالد: حسنً ا.. أريدك أن تجعل سعر وجبة الدجاج أربع وحدات، و ليس خمس. فظهر الغضب على وجه الرجل .. و سأل خالد: - هل تمزح ؟ ! فأجابه خالد، و مازالت ابتسامته على وجهه: - لا.. اجعل السعر أربع وحدات، و سأضمن لك مكسبً ا لم تحلم به يومً ا. فصمت الرجل ، و كأنه يفكّر ، و ما زال الصمت على وجه يامن و أسيل حتى رد الرجل : - حسنً ا.. سأجعله أربع وحدات.. و لكن ماذا ستفعل؟ ثم نظرت أسيل إلى خالد : - خالد، لا أفهم شيئً ا حتى الآن .. فابتسم خالد: انتظر ي .. ثم اتجه إلى صالة المطعم حيث يأكل العمال، و وقف بمنتصفها ثم سألهم بصوت عالٍ : - من يأكل خبزً ا؟ فابتسم الجميع، و رفعوا أيديهم بالخبز فصمت ثم سألهم: - و من يريد أن يأكل دجاجً ا كل يومين ؟ فاندهش من يأكلون ، و واصلوا أكلهم، و لم يُع روا حديثه اهتمامً ا بعدما ظنوا أنه يمزح حتى أكمل : - دون أن يدفع شيئً ا مما يدخره كل يوم .. فسأله أحد ممن يأكلون :
عدد الصفحات ١٤٩001 - هل جننت أيها الغريب ؟! فأجابه خالد: لم أجن.. و لكنني أريدكم أن تفعلوا مثلي.. سآكل دجاجً ا كل يومي ن.. ثم أكمل: - أنا أكسر الصخور ، و أمتلك من القوة ما يكفين ي لأتغلب على مخاوفي، ثم تابع: - إنني أدفع وحدتين للحماية كل يوم لمجموعة من الكسالى ، و تأكل من تعبي.. - إنني لن أعطي أحدً ا من تعبي عُشر وحدة من اليوم ، حتى لو قتلوني.. أفضّ ل أن أُذبح يوم زيكولا .. و لا أعطي أحدً ا شيئً ا مقابل خوفي.. فتوقّف من يسمعونه عن مضغ الطعام ، و أسيل تترقّب رد فعلهم ، و تنظر إلى خالد في إعجاب حتى همس إليها يامن: - إنه بارع في استخدام لهجتنا، لقد ترك لهجته ك ي يحدّثهم .. فأشارت أسيل إليه أن يصمت ك ي تستمع إلى خالد .. حتى تحرك خالد بعض الخطوات بين طاولات الطعام و أكمل : - إنني وحدي لن أستطيع إيقافهم.. و لكننا معً ا سنستطيع ذلك .. سنجعلهم يعملون مثلنا ، و إلا يذبحون يوم زيكولا .. لن يأكلون حقّنا بعد اليوم .. ثم وق ف بجوار طاولة يجلس حولها ثلاثة أشخاص فنظر إليهم ، و أكمل: - لا أعلم كيف يخيفونكم ، و عددهم ضئيل للغاية .. أعلم أنهم أشرار ، و أنكم طيبون ، و متسامحون ، و لكن إن اجتمعتم فسيكتب عنكم التاريخ ذات يوم أنكم اجتمعتم كي تزيلوا الظلم عنكم .. ثم سار خطوات أخرى ، و هدأ صوته : - في عالمي، هناك من يشبهونكم .. و ما زالوا ينتظرون يومً ا ليجتمعوا .. و ما زال التاريخ يسجّل ذُلهّم .. و علا صوته مجددً ا:
عدد الصفحات ١٥٠151 - اليوم يطلبون منكم وحدتين .. غدً ا سيطلبون ثلاث .. بعده سيطلبون أربع .. خمس.. من يدر ي ؟ ربما يجعلونكم تعملون لديهم.. بعدها تحرك إلى أحد أركان صالة الطعام ، ثم التفت إليهم: - أعلم أنكم تتعاملون بوحدات الذكاء.. و أن الذكاء عملتكم.. و لكن حان الوقت لتستخدموه مرة واحدة بحياتكم .. استخدموه ك ي تعيشوا .. استخدموه ك ي تفخروا بأنفسكم. فصاح يامن: - أنا لن أدفع كي يحميني أحد.. أستطيع أن أحمي نفس ي.. وصاحت أسيل: - و أنا كذلك.. من يريد أن يأخذ من ي شيئً ا فليقتلني أولاً .. و صاح فتى آخر: - و أنا لن أدفع.. و تبعه رجل غيره : - و أنا أفضّل أن آكل الدجاج كل يومين .. لن أدفع.. و صاح عجوز يجلس بعيدً ا: - و أنا لن أدفع.. لقد دفعت الكثير.. لن أدفع حتى أموت.. و نهض فتى قو ي ، و رفع فأسه: - و أنا سأكسّر عظامهم .. إنها ليست أقوى من الصخور التي أكسّرها .. حتى صاح الجميع: نحن لن ندفع .. لن ندفع.. لن نأكل خبزً ا مجددً ا.. سنأكل ما يحلو لنا.. فابتسم خالد، و احمر وجهه ثم اتجه إلى يامن، و احتضنه ثم احتضنته
عدد الصفحات ١٥١002 أسيل و أغمضت عينيها ، و حدّثت نفسها : "كم أحبك يا خالد "، ثم فتحتهما ، و همست في أذنه: - سيُكتب هذا اليوم في تاريخ زيكولا. فهمس إليها خالد مبتسمً ا: - إنني أنظر إلى وجهك فأجد الأمل يا أسيل .. فابتسمت أسيل، و احمر وجهها.. ثم نظر خالد إلى يامن: - هي ا يا يامن.. عليك أن تعيد الحصان إلى صاحبه.. و أن تستريح ك ي نعمل غدً ا معً ا.. ثم نظر إلى العمال الذين يتراقصون فرحً ا، و تابع مبتسمً ا: - سأبدأ من الغد توفير ثمن كتاب ي. * * *
عدد الصفحات ١٥٢153 (13 ) هكذا استطاع خالد أن يحرّك عقول عمال زيكو، و أن يقنعهم بألا يدفعوا تلك الوحدات مقابل حمايتهم مجددً ا.. حتى صاحوا فرحين بأنهم لن يدفعوا ، و تراقصوا فرحً ا بذلك، و زادت سعادة أسيل و يامن بما فعله . * * * في اليوم التالي اتجه خالد مبكرً ا إلى عمله فوجد عشرة ممن يأخذون وحدات الحماية يقفون بطريقه كعادتهم، و اقتربوا منه كي يأخذوا ما يريدون فابتسم وواصل سيره حتى أوقفه أحدهم بعنف، و صاح به: - هي ا.. ادفع وحدتيك .. فابتسم مجددً ا، و واصل سيره فأوقفه الرجل مرة أخرى ، و طالبه بالوحدتين من جديد.. فرد في برود: - أنا لن أدفع.. فظهر الغضب على وجوههم وضحك أحدهم ساخرً ا : - لن تدفع؟!! فأجابه: نعم.. فقال الرجل غاضبً ا:
عدد الصفحات ١٥٣004 - أتعلم ماذا سيحدث لك؟ فرد خالد مبتسمً ا: - لا .. فزاد الغضب على وجوههم جميعً ا.. و همّوا أن يضربوه حتى فوجئوا به يشير تجاه غبار كثيف بالجو.. و ضحك: - انظروا.. فنظروا إلى ذلك الغبار بالأعلى ثم نظروا إلى أسفله فوجدوا المئات من العمال، و بأيديهم فؤوسهم و آلاتهم اليدوية .. يقودهم يامن ، و يقتربون عدوً ا تجاههم.. حتى قال خالد: - عليكم أن تهربوا و إلا ستدفعون الكثير اليوم .. فصرخ زعيمهم إلى أحدهم: - اذهب لتجلب الآخرين .. و لم يكمل حديثه حتى اقترب العمال ، و ألقى أحدهم بفأسه إلى خالد فابتسم و لوّح بها، ثم تحدث بصوت عالٍ إلى العمال : - إنهم لا يصدقون أننا لن ندفع لهم من اليوم.. ثم أكمل بعدما لمعت فأسه : - علينا أن نثبت لهم ذلك .. ثم ضرب بفأسه أحدهم ، و ما إن فعل ذلك حتى صاح العمال ثم انهالوا على بقيتهم بالضرب ، و كأنهم كانوا ينتظرون ذلك اليوم.. حتى من ذهب ليجلب بقيتهم توارى بعيدً ا و هرب مع الآخرين حين وجدوا زملاءهم يُضربون كمن وقع عليهم جبلاً من الفؤوس و الع ص ي.. حتى هدأ العمال مرة أخرى ، و سالت الدماء على وجوه آخذ ي الوحدات.. فسألهم خالد:
عدد الصفحات ١٥٤155 - أمازلتم تريدون الوحدات؟ فلم ينطقوا .. فنظر إلى بعض العمال: -إنهم مازالوا يريدون .. فواصلوا ضربهم مجددً ا.. حتى صرخوا : - إننا لا نريد شيئً ا.. إننا لا نريد .. فصاح يامن غاضبً ا: - حسنً ا.. عليكم أن تتركوا تلك المنطقة إن لم تعملوا .. إن رأيناكم هنا مجددً ا فلن نكتفي بما حدث اليوم .. فصرخ أحدهم : - حسنً ا.. حسنً ا.. ثم نهضوا مسرعين يهربون بعيدً ا، فصاح العمال فرحين ، و بدأوا يتراقصون ، و يغنون : - سنأكل الدجاج.. سنأكل الدجاج.. نحن أقوياء .. ثم احتضن يامن خالدً ا، و همس إليه: - ربما يأتون ببقيتهم غدً ا.. فضحك خالد : - معتقدش.. هما خلاص عرفوا إن انتوا اتحدتوا .. و المرة الجاية ممكن تقتلوهم .. شفت اليوم الوحيد اللي استخدمتوا فيه الذكاء .. و حمل فأسه، و جذبه من يده: - هي ا يا صديقي، لدينا الكثير من العمل.. فضحك يامن: - أصبحت تتحدث مثلنا..
عدد الصفحات ١٥٥006 فضحك خالد، و استعاد لهجته مرة أخرى : - خلاص أنا بقيت من أبناء زيكولا.. ثم عاد إلى لهجة زيكولا: - هي ا، سأنافسك اليوم في العمل.. و سأعمل ضعف ما تعمل. فضحك يامن: - أرى أنك تحلم.. فرد خالد ضاحكً ا: - أحلم ؟!! سترى .. ثم أسرع إلى مكان العمل جريً ا، فتبعه يامن مسرعً ا: انتظر.. * * * بدأ خالد يعمل بقوة.. لا يشغل تفكيره ش يء سوى أن يوّفر ثمن كتابه.. يمر اليوم تلو الآخر، يعلم أن عمله شاق للغاية، و لكنه يدرك أنه العمل الأكثر ربحً ا في زيكولا.. يحاول أن يحفّز نفسه بأن ينافس يامن كل يوم في تكسير تلك الصخور .. و يضحك حين يجد فتاة أو أخرى تنظر إلى جسده القو ي اللامع تحت أشعة الشمس.. فيكمل عمله، و يترك يامنً ا ليداعب تلك الفتيات.. حتى ينتهي من عمله فيذهب إلى ذلك المطعم كي يتناول غذاءه.. و يبتسم حين يجد الكثير من العمال يأكلون الدجاج بينما أصبح هو الو حيد الذي يأكل خبزً ا.. ثم يعود إلى البحيرة فيلقي بجسده في مائها ثم يستلقى على شاطئها.. و يخرج أوراقه و أقلامه ليسجّل ما حصل عليه من وحدات، و ما تبقى له على ثمن الكتاب، و ما تبقى له من أيام.. حتى تأتي أسيل فتجلس بجواره لبعض الوقت ثم تعود إلى بيتها بينما يظل هو ساهرً ا حتى يغلبه النعاس.. فينام حتى صباح اليوم الذي يليه. حتى جاء يوم و انتهى من عمله.. ففوجئ بفتاة تقترب من بعيد و دق قلبه صاخبً ا حين وجدها تشبه "منى" - الفتاة التي أحبها لسنوات طويلة قبل أن يأتي إلى زيكولا-
عدد الصفحات ١٥٦157 حتى مرّت بجانبه فوجدها تختلف عنها قليلاً.. و اندهشت حين وجدته ينظر إليها في ذهول ، حتى يامن أصابته الدهشة هو الآخر .. فسأله مداعبً ا له: - هل تعجبك؟!.. إن كنت تريد أن تتزوجها ، أخبرن ي فقط .. فضحك خالد: - لا.. شكرً ا.. بعدها غادر ، و لم يتجه إلى المطعم تلك الليلة كعادته بل ذهب إلى شاطئ البحيرة ، و عقله منشغل بتلك الفتاة التي تشبه منى.. و كأنه تذكر سنوات مضت ، و حدّث نفسه : - منى؟! ثم أكمل: - يا ترى اتجوزتي الدكتور و لا لا؟! ثم جلس على شاطئ البحيرة أمام نار أوقدها ، و أخرج ورقة من أغراضه.. نصفها العلو ي مليء بكتاباته.. و بدأ يكتب بنصفها السفلي: - لم تعد سوى أيام قليلة على إتمامي الشهرين ، و أذهب كي آخذ كتابي.. و لكنني قد قابلت اليوم فتاة تشبه منى التي أحببتها ست سنوات .. و كانت أمنية حيات ي أن أتزوجها ذات يوم.. لولا أبوها المجنون .. ثم صمت مفكرً ا قليلاً ثم أكمل كتابته: لا أعلم ما سر أن أجد تلك الفتاة اليوم .. هل لأتذكر منى بعدما لم أفكّر بها منذ دخولى زيكولا.. حين انشغل عقلي بالبحث عن كتابي.. لا أعلم.. ثم توقّف ، و نظر بعيدً ا إلى البحيرة ، و أخذ نفسً ا عميقً ا و أخرجه ببطء .. ثم نظر إلى الورقة و التي امتلأت بالكتابة عدا جزءً ا صغير بأسفلها، فكتب به: - ما أعلمه جيدً ا أنني لم أحب غير منى طوال عمر ي. و انتهت الورقة التي يكتب بها، فأخرج ورقة أخرى و نظر إلى الورقة السابقة حيث انتهى ثم أكمل:
عدد الصفحات ١٥٧008 - لم أحب غيرها طوال عمر ي قبل أن آتي إلى زيكولا.. حتى وجدت أسيلاً التي يزداد شعور ي كل يوم بحبها ل ي.. أما أنا فأشعر تجاها بـ... حتى شعر بأقدام تقترب من خلفه .. فوجد أسيلاً تقترب ، فضحك ثم أخفى أوراقه بين أغراضه .. و اقتربت منه ، و سألته: - ماذا تفعل؟ فابتسم: - و لا حاجة.. فصمتت ثم أكملت: - كنت أتوقّع أن أجدك تتناول طعامك بالمطعم.. و ذهبت إلى هناك فلم أجدك.. يبدو أنك توّفر طعامك .. فقال ضاحكً ا: لا.. أنا مش بخيل للدرجة دي.. أنا فض لت إني آجي للبحيرة .. فابتسمت أسيل: - إن البخل ليس عيبً ا هنا في زيكولا كما تعلم .. لقد بدأ أهال ي زيكولا يدخرون ثرواتهم بالفعل بعدما شعروا باقتراب يوم زيكولا إن كان مولود الحاكم ذكرً ا.. ربما يكون بعد ثلاثة أشهر أو أكثر بأيام قليلة.. من يدر ي ؟! ثم أكملت مبتسمة: لولا تلك الوحدات التي وفّ رها الكثيرون من آخذ ي وحدات الحماية لما أكلوا دجاجً ا حتى انتهاء ذلك اليوم .. و ضحكت و أردفت: - أتوقع أن يكون فقير هذا العام لديه أكثر من مائتي وحدة.. فضحك خالد : - و أنا نفس ي أسيب زيكولا قبل ما أشوف الفقير بيُذبح .. ثم سألها: و انتي مش عايزة تسيبي زيكولا؟
عدد الصفحات ١٥٨159 فأجابته: - إن ترك ي لزيكولا قد يكون أصعب قرار بحياتي.. لا أعتقد أنني سأتخذ هذا القرار حتى يكون لدي مبرر قو ي للغاية.. ثم نهضت: - هيّ ا عليك أن تنام.. أما أنا فسأعود إلى بيتي لدي أيضً ا الكثير من العمل باكرً ا.. فابتسم خالد، و كأنه يقلدها: - مبرر قو ي للغاية؟!! فضحكت أسيل: - للغاية.. * * * غادرت أسيل، و مرّ الليل ، و أتى ما بعده من نهار.. و خالد يواصل عمله، و يتمنى أن تمر الأيام المتبقية سريعً ا.. و توالت الأيام يومً ا بعد يوم.. و خالد يو فّ ر ما يستطيع توفيره من وحدات.. و لا يترك يومً ا دون أن يعمل.. لا ينفق من أجره شيئً ا سوى وحدة واحدة حين يأكل الخبز.. حتى إنه كان يوفرها بعض الأيام.. و قد يمّر يومان دون أن يضع لقمة بحلقه.. حتى جاء اليوم الأخير من الشهرين و كان بعمله مع يامن، و الذي حدّثه مبتسمً ا: - لقد انتهت المهلة اليوم.. فحمد خالد ربه ثم قال: - أخيرً ا.. كنت مستني اليوم ده بفارغ الصب ر. فسأله يامن: - كم جمعت من الأربعمائة وحدة؟ فصمت خالد مفكّرً ا، و كأنه يحسب ما جمعه بدقة:
عدد الصفحات ١٥٩061 - أعتقد إني جمعت حوال ي 750 وحدة.. و هضيف لهم خمسين وحدة من مخزوني.. فقاطعه يامن: - تقصد مائة وحدة. فرد خالد مندهشً ا: مائة؟ ! أكمل يامن :- نعم.. هل نسيت أنك ستستأجر الحصان مرة أخرى . فضرب رأسه بيده.. و كأن ذلك الحصان لم يكن بحسبانه.. حتى صمت و أكمل: - أنا كنت هشتر ي حصان أوفر لي.. ثم تابع: - مش هتفرق خمسين من مية.. المهم إني آخد الكتاب.. فضحك يامن: - حسنً ا.. سأوّفر لك الحصان مجددً ا.. و سأنتظرك حتى تعود .. إنني أريد أن أرى أغلى كتاب بزيكولا .. أعتقد أنها ستكون لحظة تاريخية لي.. فضحك خالد : - و أتمنى إنها تكون تاريخية لي أنا كمان. * * * في صباح اليوم التالي، امتطى خالد الحصان الذي أحضره يامن.. و كان نفس الحصان القو ي الذي استأجره المرة السابقة حين ذهب إلى المنطقة الشمالية.. و انطلق نحو تلك المنطقة.. تعلو وجهه ابتسامة أمل لم يشعر بها من قبل.. يأمر حصانه أن يسرع .. هيّ ا.. إلى الأمل.. إلى خروجي من زيكولا.. يشقّ الطريق بقوة .. و يتطاير قميصه مع الهواء لتظهر عضلات جسده القوية، و ذراعه القو ي الذي يمسك بلجام حصانه بإحكام.. ينطلق بحصانه، و يخش ى أن يتأخر عن موعده فيمزق هلال المجنون صفحة واحدة من كتابه.. و يأمره بأن يزيد من سرعته.. و يمرّ الوقت، و تتحرك الشمس.. و يواصل طريقه دون أن يستريح.
عدد الصفحات ١٦٠