المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية ارض زيكولا عمرو عبد الحميد

غير معروف

صفحة ٨ من ١٨

113 سارت أسيل و معها خالد يحمل حقيبتها في أحد شوارع تلك المنطقة .. ثم دخلا أحد البيوت.. و كان كباقي البيوت؛ مكونً ا من طابق واحد لا أكثر .. و هناك استقبلتهما سيدة تقترب من الخمسين من عمرها ثم صحبتهما إلى حجرة بالبيت حيث كان يرقد زوجها، و ساقه اليسرى مضمدة.. فنظرت أسيل إلى خالد : - خالد.. أريدك أن تساعدني بأن أبدّل له تلك الضمادة دون أن أحرّك الجبيرة أو أسبب له ألمً ا.. فأومأ برأسه ثم قام برفع قدم هذا الرجل و ثبتّها على ذراعيه ، و بدأت أسيل تفك الضمادة القديمة .. و خالد ينظر إلى ما تفعله حتى أخرجت ضمادة جديدة من حقيبتها.. ثم أخرجت مادة عشبية خضراء اللون و لزجة .. و وضعت القليل منها على ساق هذا الرجل ثم بدأت تلف الضمادة حول جبيرة ساقه.. و سألها الرجل - متى أعود إلى عمل ي؟ فأجابته: - إن عظام ساقك لم تلتئم بعد.. إنها مازالت تؤلمك، أليس كذلك؟ رد الرجل: بلى.. و لكن يجب أن أعمل.. لم أعمل منذ شهر.. و أشعر أن ثروتي تقل.. علي أن أعوّض ذلك .. أسيل و قد ابتسمت: عليك أن تصمد حتى تلتئم عظامك ثم تعوّض ما فاتك من عملٍ في أيامك القادمة و نظرت إلى خالد : - هل رأيت يا خالد كيف ألُفّ تلك الضمادة ؟ خالد: أيوة .. دي سهلة.. أسيل: حسنً ا.. عليك أن تكملها حتى أعود إليك.. هناك فتاة مريضة سأطمئن على حالتها و أعود .. خالد و قد تحدث مثلها: حسنً ا..

عدد الصفحات ١١٣

004 بعدها طلب خالد من الرجل أن يثبّت قدميه في وضعهما.. ثم بدأ يكمل لف الضمادة حول ساقه كما كانت تفعل أسيل فرأته أسيل يفعلها ببراعة فتركته ، و غادرت كما أخبرته.. و ظل خالد مع الرجل المصاب يلف الضمادة حتى انتهى .. ثم سأل الرجل : - انت عايش مع زوجتك فقط؟ رد الرجل: نعم.. خالد: و أولادك فين ؟! رد الرجل في حزن : - إنهم كبار الآن .. لقد تركون ي بعدما قسّمت عليهم أرض ي.. خالد في دهشة: قسّمت عليهم أرضك ؟ الرجل: نعم.. فقد أجبرون ي على ذلك .. و تعدّوا عل ي أكثر من مرة .. و أقسموا أن يقتلون ي إن لم أعط هم تلك الأرض.. ثم تابع: - إنهم مثلنا يخشون الفقر.. و بعدما أخذوا ما أرادوا تركوني.. فهمس خالد إلى نفسه: - لا رحمة في زيكولا.. حتى فوجئ بامرأة تدخل فجأة .. و تصرخ سائلة : - أين الطبيبة أسيل.. أين الطبيبة أسيل .. رد خالد : - إنها ستأتي بعد قليل.. لماذا تريدينها ؟! أجابت المرأة و هي تبكي: إن ابني قد مرض فجأة .. و يبدو أن مرضه شديد ، و أخش ى أن يموت قبل أن تأتي الطبيبة..

عدد الصفحات ١١٤

115 فنطق الرجل ، و أشار إلى خالد: - إنه مساعدها.. و يبدو أنه ماهر مثلها.. فنظر إليه خالد و قد رفع حاجبيه : - لا.. أنا مش ماهر.. أنا مش طبيب.. فجذبته السيدة: - أرجوك.. سأعطيك كل ما تريد .. أريد أن يعيش ولدي.. و ظلت تجذبه و تتوسّل إليه.. و خالد يحاول أن يقنعها بأنه لا يعرف عن الطب شيئً ا.. و لكنها لم تصدقه فلم يجد إلا أن يذهب معها كي تهدأ.. ثم طلب من الر جل أن يخبر أسيلاً - حين تعود - عن مكانه.. * * * ذهب خالد مع تلك المرأة، و التي كانت تجر ي حافية القدمين.. و تجرّ خالد و تصرخ: - لقد كان صحيحً ا.. إنه لم يمرض من قبل.. حتى وصلا إلى بيتها، و الذي كان بسيطً ا، و يوجد بمنتصفه حوضٌ كبيرٌ مل يءٌ بالماء.. ثم دخلا إلى حجرة صغيرة كان يرقد بها الطفل فاقدً ا وعيه على سرير صغير.. و خالد لا يعلم ماذا يفعل.. و يحاول أن يقول إنه مازال مساعدً ا جديدً ا لأسيل، و لكنها لا تدع له فرصة أن يقول شيئً ا.. و تصرخ : إن ابني سيموت.. إنه لم يكمل العشرة أعوام.. و خالد يقف حائرً ا.. و ينظر إلى الطفل دون أن يتحرك.. و المرأة تصرخ : - إنه يعمل بج د.. لا يمر يوم إلا و يعمل رغم سنه الصغيرة.. لا تهمه حرارة الشمس.. كل ما يهمه هو عمله.. حتى نظر خالد فجأة إلى الطفل حين سمع صرخات أمه.. و تذك ر أن شمس هذا اليوم كانت شديدة.. و اقترب من الطفل فوجد جلده جاف للغاية.. و حين لامس

عدد الصفحات ١١٥

006 جبينه وجده ساخنً ا بشدة، و وجد الطفل يهذ ي بكلمات غير مفهومة .. فقام بحمله، و اتجه به إلى ذلك الحوض الذي يوجد بمنتصف البيت .. و وضعه به بملابسه، و اندهشت أم الطفل مما فعله خالد.. و لكنها تركته يمض ي فيما يعمله حتى سألها: - فيه مياه أبرد من مياه الحوض ؟! فردت: لا.. و لكنني قد اشتر ي ماءً باردً ا من جيران ي.. ثم خرجت مسرعة فأكمل خالد عمله، و أخرج الطفل من الماء ثم وضعه مرة أخرى به.. حتى عادت أمه، و معها من تحمل أوعية بها ماء بارد، و سكبته بالحوض .. ثم أمرها أن تقوم بفتح نوافذ البيت : - أريد أن يدخل الهواء البارد إلى هنا.. فأسرعت الأم إلى النوافذ تفتحها بعدها أخرج الطفل من الماء و جرّده من ملابسه.. و وضعه على أرضيّة باردة ، وتركه لفترة ولا يعلم ماذا يفعل غير ذلك.. وهل م ا فعله صحيح أم لا.. * * * مرّ بعض الوقت ، و خالد ينتظر أن تأتى أسيل.. و لكنها تأخرت، و ظل هو بجوار الطفل و الذى مازال فاقدً ا لوعيه، و أمه مازالت تصرخ.. و يحاول أن يهدأ من روعها، و لكنه فشل في ذلك.. حتى أتت أسيل، و وجدت خالد يجلس على ركبيته بجوار الطفل الذي يرقد عاريً ا على أرضية الحجرة.. فسألته في لهفة: - ماذا فعلت؟ .. لماذا تضعه على الأرض هكذا؟ !.. و ماذا بلّل هذا الفتى؟ !! فأجابها : - كان سخن جدً ا.. و شكّيت إنه تعرض لضربة شمس .. فبدأت أسيل تفحص الطفل.. و الأم مازالت تبكى بجوارها.. حتى فوجئت بالطفل يفتح عينيه، و يبحث عن أمه قبل أن تقوم أسيل بعمل أي ش ئ، فوضعت أسيل

عدد الصفحات ١١٦

117 يدها على جبينه.. ثم سألت خالد.. هل كانت حرارته مرتفعة عن ذلك؟ .. فوضع خالد يده فوجد حرارته قد انخفضت و لم يعد ساخنً ا كما كان.. فابتسم فرحً ا : - أيوة .. كان سخن عن كدة كتير.. فابتسمت أسيل ثم نظرت إلى أمه : - إنه بخير الآن .. ثم أخرجت زجاجة من حقيبتها.. و أعطتها لأمه و أمرتها بأن تعطيه منها كل يوم حتى يصبح صحيحً ا.. فشكرتها على ذلك ثم اتجهت إلى خالد و شكرته .. و أخبرته بأنه طبيب بارع فضحك خالد : - أنا مش طبيب.. صدقينى.. فسألته : - كم تريد ؟ رد خالد: لأ.. أنا مش عايز حاجة.. ثم نظر إلى أسيل : - أعطى أجر الطبيبة فقط.. فقالت أسيل: - لا، أنا لن آخذ شيئً ا سوى ثمن الدواء.. أما غير ذلك فهو لك .. لست أنا من أنقذه.. فابتسم خالد: - و أنا مش عايز أي مقابل.. كفاية إنّك اشتريتى الميه الباردة .. فشكرته السيدة مجددً ا.. ثم تأملته لبعض الوقت، و ظلت صامتة حتى اندهش خالد.. و غادر بعدها مع أسيل، و التي سألته:

عدد الصفحات ١١٧

008 - خالد.. هل أنت طبيب؟! ضحك خالد: لا.. و الله.. فسألته: كيف؟!.. في المرة الأولى أنقذت الفتى من الغرق و قلت إنها دورة إسعافات.. و اليوم ربطت الضمادة ببراعة .. ثم أنقذت طفلاً آخر، لم أكن أستطيع فعل ما فعلته.. رد خالد: - هي الصدفة فقط لا غير.. أنا كنت صغيّر و كنت بلعب مع أصحابي.. و فجأة ولد أغمى عليه مننا، و كان سخن ز ي الطفل ده.. و وقتها شفت الطبيب و هو بيعمل شبه اللي أنا عملته كد ه، و قال إنها ضربة شمس .. فلما لقيت النهارد ه الطفل، و أمه قالت بالصدفة إنه بيعمل في الشمس.. افتكرت نفس المشهد القديم في بالي.. و لما اتأخّرت ي قررت إني أ غامر لحد ما تيج ي.. و قلت لنفس ي أكيد مش هخسر حاجة بالعكس يمكن الدقائق دي تفرق في حياته.. و الحقيقة مكنتش عارف النتيجة.. لكن التوفيق كان معايا و الولد فاق فعلاً .. صمتت أسيل ثم قالت مبتسمة: - يعجبني ذكاؤك يا خالد .. اليوم أثبت أنك خير مساعد لي.. و لكن لماذا لم تأخذ أجرك هنا أيضً ا من السيدة، و أنت تستحق ذلك.. ابتسم خالد: ده عمل خير.. و كان لازم أعمله، مش كل حاجة لازم آخد مقابل لها.. هي زيكولا مفيش فيها حد يعمل خير أبدً ا.. ضحكت أسيل و أكملت : - كان يجب أن تأخذه.. فإنك قد استخدمت ذكاءك، و الذكاء ثروتك، و حين تفكّر بذكاء بالطبع يأخذ من تلك الثروة.. فابتسم خالد :

عدد الصفحات ١١٨

119 - أنا عرفت ليه مفيش حد بيفكّر في زيكولا.. و لكن أنا مش محتاج مقابل لإ نقاذ إنسان.. فقالت أسيل مبتسمة: حسنً ا، يمكنك أن تذهب الآن لتبحث في تلك المنطقة عن كتابك.. و أنا سأزور بعض المرض ى من السيدات ثم أنتظرك في العربة حتى تع ود.. * * * بدأ خالد بحثه في تلك المنطقة.. و اندهش حين تذك ر حديث يامن عن ك ب ر زيكولا .. فمناطقها ليست كبيرة كما صو رها له.. و لكنها تحتاج فقط إلى وسيلة تنقله من منطقة إلى أخرى .. كانت المنطقة الجنوبية تمتاز بكثرة الأراض ي الزراعية.. و التي مر عليها خالد، و رأى المساحات الشاسعة المزروعة بالقمح، و محاصيل أخرى .. و اندهش كيف تكون تلك الزراعات بالأراض ي الصحراوية؟.. و لكنه تذكّر شيئً ا هامً ا لم يغفله و هو عمل أهل زيكولا الذي يجعلهم يزيلون جبلاً إن أرادوا حتى لا يذبحوا.. و بدأ يسأل الناس عن ذلك الكتاب، و عن الشخص الذي يشبهه و لكنه يكبره سنً ا.. و لكنه كما توقّع.. كلما سأل أحدً ا لم يجبه، و لم يعرف عن أي كتاب يتحدث.. و سخر منه البعض حين سمعوه يسألهم عن ذلك الكتاب.. و لكنه لم يستسلم لليأس، و واصل سؤاله لكل من يقابله.. و سأل من يعملون بالأراض ي عن الكتاب و عن صاحبه، و لكنهم لم يعرفوا أيضً ا.. حتى جلس أسفل شجرة، و أخرج أوراقه و قلمه من أغراضه.. و كتب في أعلى الصفحة : - المنطقة الجنوبية.. ثم كتب أسفلها: يبدو أن المنطقة الجنوبية هي الأخرى لا يوجد بها ذلك الكتاب أو صاحبه.. و لا يعلم أحد من أهلها عن سرداب فوريك.. أما ما أدهشني في تلك المنطقة هو اهتمامها الممي ز بالزراعة.. و عدم اهتمامها بغيرها..

عدد الصفحات ١١٩

021 هنا كباق ي مناطق زيكولا التي رأيتها.. الكل يعمل بجد ، و لا يضيعون وقتهم .. فصنعوا من الصحراء تربة خصبة .. و هذا ما جعلني أعرف لماذا لا تحتاج زيكولا أن يُفتح سورها .. إنها تعتمد على أبناء زيكولا في كل ش يء.. و لا تعتمد على البلا د الأخرى في ش يء.. هنا المنطقة الجنوبية تنتج المحاصيل الزراعية التي تكفي ز يكولا .. و المنطقة الشرقية التي أقطن بها تمتاز بالصناعة ، و خاصة الصناعات التي تحتاجها زيكولا مثل صناعة الطوب للمباني، و صناعة الملابس، و صناعات أخرى .. و المنطقة الغربية كما أخبرن ي يامن توجد بها سوق كبيرة يمكنك أن تشتر ي أي ش يء من صناعة و إنتاج أبناء زيكولا.. إنهم يحققون اكتفاءً ذاتيً ا في كل ش يء بسبب عملهم، و خوفهم من الفقر.. و هذا ما جعلهم يشعرون بأن زيكولا أقوى البلدان الموجوة في هذا العالم .. و أعتقد أنني أوافقهم على ذلك .. فقوّتهم تعن ي عدم اعتمادهم على أحد .. حتى توّقف عن الكتابة حين وجد السيدة التي أنقذ طفلها تقترب منه .. فاندهش من ذلك، حتى اقتربت و سألته: - هل تبحث عن رجل طويل و عريض مثلك ، و لهجته غريبة مثلك أيضً ا، و لكنه أكبر سنً ا؟! فأجابها خالد في لهفة: - نعم.. انتي تعرفيه ؟ أكملت السيدة : - لقد ذكرتن ي اليوم بيومٍ مر منذ أعوام طويلة .. كنت وقتها في السابعة عشرة م ن عمر ي ، و كنت أعمل بالمنطقة الشمالية .. حتى قابلت رجلاً يشبهك، و لهجته م ثل لهجتك، و زوجته كانت تختلف عن نساء زيكولا.. و قد م إلي معروفً ا مثلما فعلت اليوم .. و أقنعني بأن أعود للعمل هنا . فسألها خالد في لهفة:

عدد الصفحات ١٢٠

121 - يعنيهو في المنطقة الشمالية؟ ردت: لا أدرى أين هو الآن .. لكنه كان هناك منذ عشرين عامً ا.. أتمنى أن تجده هناك.. ثم ابتسمت و أكملت: - حين انتهيت من إنقاذ ولدي تذكّرته حين رأيتك .. و بعدما غادرت أخبرني رجل بأنك تبحث عن رجل غريب به تلك الصفات.. و لكنك سألت الكثير و لم تسالني أنا.. فقال خالد: - أنا من خوفي على ابنك نسيت أسألك، ثم سألها: - انتي متأكدة من كلامك عن الرجل ده ؟ أجابته: أجل.. إنني أتذكّره جيدً ا .. فأكمل خالد: كان معاه كتاب بيتكلم عن سرداب فوريك؟ ردت: لا أدر ي .. فقد قلت لك عمّ ا أعرفه .. و لكن نصيحت ي لك لا تضيع وقتك بالبحث هنا .. هنا الجميع يعملون بالزراعة و لا يحبون الكتب أو القراءة .. و أنا أعرف جميع سكان تلك المنطقة .. و لا يوجد بينهم من يمتلك صفات الرجل الذي تقصده.. أتمنى أن يكون هو من أخبرتك عنه.. فابتسم خالد: - شكرً ا ليكي.. أنا مش عارف أشكرك ازاي.. ابتسمت: لست أنا من يستحق الشكر.. إن لم تفعل ما فعلته مع طفلي في الصباح أعتقد أنني لم أكن لأترك ابن ي مريضً ا، و أبحث عنك حتى أجدك لأخبرك بهذا ..

عدد الصفحات ١٢١

022 فابتسم خالد ثم استأذن منها، و غادر مسرعً ا إلى عربة أسيل .. يجر ي فرحً ا، ير يد أن يُبلغ أسيل بذلك الخبر ، و ذلك الأمل الذي سطع من جديد .. حتى وصل إلى العربة فلم يجد أسيلاً بها.. * * * ظل خالد في انتظار أسيل.. و يشعر قلبه بقرب خروجه من زيكولا، و يتذكر كلام تلك السيدة و يبتسم، و يحدّث نفسه بتلك الصدفة ، و أن تكون من تخبره بذلك سيدة أنقذ طفلها من الموت.. ثم فكر في ذلك الرجل الذي يشبهه، و زوجته كما قالت السيدة، و أنها تختلف عن نساء زيكولا.. هل هي أمه؟ .. هل تتحقق أحلامه و يجدهما في زيكولا؟ يشعر بأن حديث تلك السيدة يؤكد ظنونه.. ثم يعود ليسأل نفسه.. هل يجدهما هناك بعد عشرين عامً ا، أم يكون الحظ عاثرً ا تلك المرة هي الأخرى .. حتى وجد أسيلاً تقترب من بعيد، و تحمل حقيبتها فأسرع إليها .. و أخذ منها الحقيبة، و سار بجوارها تجاه العربة.. ثم نطق سعيدً ا: - أسيل.. أنا لقيت أمل جديد.. ثم أخبرها بما أخبرته به أم الطفل.. و اختتم حديثه حين ركبا العربة، و سألها: - إحنا هنروح المنطقة الشمالية إمتى؟ فصمتت أسيل قليلاً ثم نظرت إليه، و قالت: - أنا لا أذهب إلى المنطقة الشمالية.. * * *

عدد الصفحات ١٢٢

123 (11 ) اندهش خالد و سأل أسيلاً على الفور : - لا تذهبي؟ !!.. ليه؟!! صمتت أسيل مجددً ا.. ثم نظرت عبر نافذة العربة التي بدأت في التحرك ، و كأنها تتذكر شيئً ا ثم نظرت إلى خالد ، و تحدّثت بصوتٍ هادئ : - لقد أعطيت وعدً ا من قبل بألا أذهب هناك.. - وعد؟!! ردت أسيل: نعم.. تذكر أنني أخبرتك بأن ي دخلت إلى زيكولا بين الأسرى و العبيد حتى اشتران ي رجل حكيم علمني الطب.. فأومأ خالد برأسه موافقً ا دون أن يتحدث.. ثم أكملت: - كان هذا الرجل يعاملن ي كابنته، و يخش ى علي من كل ش يء.. حتى أخبرته ذات ي وم أنني سأذهب إلى المنطقة الشمالية ك ي أداو ي أحد المرض ى حين طلب منّ ي أحد الأشخاص ذلك.. ففوجئت به يرفض بقوة ، و طلب مني أن أعده بألا أذهب هناك طيلة حياتي.. فوعدته بذلك .. فسألها خالد: - و إيه السبب؟!

عدد الصفحات ١٢٣

024 فاجابت حين سألته عن ذلك لم يقل لي سوى أنها أرض كسالى زيكولا.. و لم يخبرن ي شيئً ا آخر حتى موته.. و أنا مازلت أحافظ على وعدي.. و أنا على يقين أنه محق في ذلك.. ثم تابعت بعد صمت: - لم أجد في حياتي من يحبني قدره .. صمت خالد مندهشً ا، و بدا الحزن على وجهه.. و آثر أن يكمل صمته، و كأنه يفكر ماذا سيفعل.. حتى ابتسم، و نظر إلى أسيل و التي لم تفارق عيناها نجوم السماء: - و أنا مش هكون سبب إنك تخلفي وعدك.. أنا بشكرك على مساعدتك لي الفترة اللي فاتت.. و أكيد مش هطلب منك أكتر من كده.. فردت أسيل في ابتسامة هادئة: - هل ستذهب إلى هناك؟ فابتسم: - أكيد.. لازم أذهب.. فابتسمت أسيل مجددً ا: حسنً ا.. أتمنى أن تجد كتابك هناك.. و لكن إن لم تجده فعليك أن تعود إل ي .. أقصد إلى العمل مع ي على الفور .. أين أجد مساعدً ا في مهارتك؟! فضحك خالد: - لمّا أرجع مصر هشتغل دكتور .. ضحكت أسيل ، و واصل خالد مداعبته لها .. و أكملا حديثهما عن أرض زيكولا ، و عن الطفل الذي أنقذه من ضربة الشمس ، و الرجل المصاب الذي ضربه أبناؤه ، و أخذوا أرضه.. حتى وصلت العربة إلى البحيرة فنزل خالد، و ودّع أسيل التي سألته: - متى ستذهب إلى المنطقة الشمالية؟ فصمت مفكّرا : مش عارف.. هحاول يكون في وقت قريب ..

عدد الصفحات ١٢٤

125 فابتسمت: - عليك أن تخبرن ي قبل أن تذهب.. و إن كتبت شيئً ا آخر عن أسيل.. النجم.. لا بد لي أن أقرأه .. ثم أمرت سائق العربة أن يتحرك فضحك خالد ثم اتجه إلى الشجرة التي يجلس بجوارها دائمً ا.. * * * ظل خالد كعادته يفكر.. يفكر فيما أخبرته به أم الطفل و ذلك الرجل الذي يشبهه، و يتذكر الصورة التي أعطاها له جده يوم نزوله السرداب و ضاعت مع أغراضه هناك.. صورة أبيه و أمه.. تداعبه أحلام اليقظة بأن يعود مرة أخرى إلى بلده و معه أبوه و أمه بعد سنوات كثيرة.. و يبتسم حين يتخيل فرحة جده بذلك، و التي قد تقتله.. ثم يعود ليتذكر حديث أسيل.. و ذلك الوعد الذي أعطته بألاّ تذهب إلى المنطقة الشمالية.. و قولها بأنها أرض الكسالى .. و يسأل نفسه متعجبً ا.. كيف يعيش الكسالى بزيكولا؟!!.. حتى غلبه النعاس بعدما حل به إرهاق ذلك النهار.. * * * مرّ الليل سريعً ا.. و أشرقت الشمس، و نهض خالد من نومه، و قرر أن يذهب كعادته إلى عمله مع يامن.. يريد أن يعلم الكثير عن المنطقة الشمالية.. حتى وصل إلى هناك، و زاد ضيقه حين وجد من يأخذون منه وحدتي كل يوم، فأعطاهم ذلك.. ثم أكمل سيره حتى وجد يامنً ا الذي سأله على الفور : - هل وجدت كتابك؟ فرد خالد : - للأسف لسه.. بس فيه أمل إني ألاقيه.. فيه امرأة قالت لي إنها قابلت رجل له نفس صفات صاحب الكتاب من عشرين سنة.. يامن في دهشة: عشرون سنة ؟ !!.. و تريد أن تجده!!

عدد الصفحات ١٢٥

026 - هو صعب.. بس لازم أتمسك بأي خيط يدلني على الكتاب.. عشان كده لازم أر وح المنطقة الشمالية.. فاندهش يامن مجددً ا: - المنطقة الشمالية؟!! خالد: أيوة .. ثم سأله: - انت وعدت حد انت كمان إنك متروحش هناك؟! فضحك يامن: - لا.. لقد ذهبت إلى هناك مرة من قبل .. أتمنى إن ذهبت إلى هناك أن تعود سريعً ا.. فزادت الحيرة على وجه خالد : - إيه اللي هناك؟! فجلس يامن ثم جلس خالد بجواره.. حتى تحدث يامن: - أهل زيكولا يعلمون أن تلك المنطقة تختلف كثيرً ا عن باقي مناطق زيكولا.. فسأله خالد، و كأنه لا يفهم شيئً ا: ازاي؟! أكمل يامن : سأخبرك .. أرض زيكولا ه ي أرض العمل .. الجميع هنا يعملون و يكسبون أجورهم مقابل عملهم .. أما تلك المنطقة فإنها تجمع كسالى زيكولا .. و لهذا ستجد صعوبة حين تذهب إلى هناك .. عليك أن تسأل كل شخص لأن الكثيرين منهم لا يعرفون بعضهم.. ثم أخذ نفسً ا.. و أخرج زفيرً ا، و أكمل: - إنهم لا يعملون مثلنا.. إنهم يكسبون أجورهم بأعمال أخرى .. ثم صمت و أكمل: - ستجد أهلها فئتين P الفئة الأولى من الأثرياء الكسالى الذين ورثوا الكثير من الذكاء.. الكثير من الثروة التي تجعلهم يعيشون أثرياء ، و ينفقون ببذخ حتى

عدد الصفحات ١٢٦

127 يموتون.. و فئة أخرى فقراء ، يخشون الذبح و لا يريدون أن يعملوا عملاً شاقً ا.. فوجدوا طرقً ا أخرى يجنون بها ثروتهم.. - هل ترى هؤلاء؟ .. و أشار إلى من يأخذون تلك الوحدات مقابل حمايتهم .. فرد خالد: أيوة .. فأكمل يامن : - إنهم من المنطقة الشمالية التي تريد أن تذهب إليها .. هم يعيشون هناك هكذا.. فضّلوا أن يستغلوا قوتهم في كسب ثروتهم، فانتشروا في باقي أراض ي زيكولا.. أما النساء هناك فآثرن استغلال جمالهن.. ثم صمت، و نظر إلى خالد و أكمل : - أنت تعلم كيف تجن ي امرأة ثروة من جمالها دون تعب .. و خاصة و أن هناك الكثيرين من الأثرياء الكسالى .. إنها أرض الرزيلة يا صديقي.. * * * صمت خالد حين سمع ما قاله يامن، و ابتسم حين تذكر وعد أسيل و أنها على حق في ذلك ثم زادت ضربات قلبه حين تذك ر أن صاحب الكتاب.. أباه.. قد يكون بتلك المنطقة.. حتى قاطع يامن تفكيره: - إنها بعيدة عن هنا كثيرً ا.. فكيف ستذهب إلى هناك.. أم الطبيبة ستساعدك.. ردّ خالد: - لا.. أسيل ساعدتني بما فيه الكفاية.. قولي يا يامن، منين أقدر أستأجر حصان قو ي لمدة تلا ت أيام.. فأجاب يامن: - ثلاثة أيام قد تكلفك قرابة الخمسين وحدة..

عدد الصفحات ١٢٧

028 فأكمل خالد: - مش مهم .. أنا هقدر أعوّضهم بعد كد ه.. أنا قررت إن ي هروح بكرة المنطقة الشمالية.. عاوز أستغل كل يوم هنا في زيكولا.. فابتسم يامن: - حسنً ا، دعني أوفّر لك حصانً ا قوي ا.. و سأرشدك نحو الطريق إلى المنطقة الشمالية، و أتمنى أن تجد كتابك هناك.. ثم حمل فأسه، و قال لخالد: - هي ا، علينا أن نعمل اليوم كثيرً ا بعدما أضعنا الكثير من الوقت في الحديث.. * * * في صباح اليوم التالي، اتجه يامن إلى شاطئ البحيرة، و معه الحصان القو ي الذي وعد خالد به.. حتى وجده هناك فابتسم خالد حين رآه و معه ذلك الحصان، و شكره كثيرً ا على ذلك ثم حمل أمتعته، و احتضن يامنً ا، و ضحك: - هشوفك قريب .. فابتسم يامن : - أرجو أن تعيد الحصان صحيحً ا.. إنني أتحمل مسئوليته حتى تعود .. لو علم صاحبه أنك ستذهب إلى المنطقة الشمالية لما أعطاني حمارً ا.. فضحك خالد ثم امتطى ظهر الحصان.. و كاد يأمره أن يتحرك حتى صاح يامن : - انتظر.. ثم أخرج ورقة بيضاء رُسمت عليها بعض الخطوط السوداء، و تحدّث إلى خالد : - تلك خطوط بدائية رسمتها للطريق نحو المنطقة الشمالية .. ثم أشار إلى خط أسود طويل يخرج من مربع قد رسمه: - هذا المربع هو منطقتنا .. و هذا الخط هو الطريق الذي تسلكه حين تخرج من هنا حتى تصل إلى تلك المنطقة..

عدد الصفحات ١٢٨