49 - إنه خالد.. صديقي الجديد.. و تبدو عليه الشهامة، و سيكون صديقك بالطبع.. صافح خالد إياد، و قال مبتسمً ا: - أيوة .. هنكون أصدقاء لغاية ما أرحل قريبً ا.. فضحك إياد بصوت عالٍ : - ترحل ؟! ثم نظر إلى يامن: - صديقك يريد أن يرحل !!.. ثم ضحك مجددً ا فغضب خالد من سخريته .. و نظر إلى يامن : - هو غريب إن ي أرحل و لا إيه؟ * * * كاد يامن يجيبه و لكنه أشار إليه أن يصمت بعدما دقت الطبول كثيرً ا.. و صمت الجميع، و صمتت الموسيقى .. بعدها صعد رجل ضخم إلى منصة عالية و بيده سيف طويل .. فأدرك خالد أن الذبح سيتم.. و أن الفتى كان صادقً ا معه حين أخبره بذلك، ثم صعد رجلان قويان يجرّان رجلاً حليق الرأس يبدو عليه المرض رغم شبابه.. و الصمت يخيم على الجميع.. بعدها دقت الطبول مرة أخرى فنزل أهل المدينة كلهم على ركبهم عدا خالد .. فجذبه يامن حتى نزل هو الآخر على ركبتيه بجواره هو و إياد.. و نظر إلى المنصة حيث سقط الفقير هو الآخر على ركبيته ، و يداه مقيدتان بالخلف.. و بعد لحظات وخز السياف ظهره فشهق برأسه فأطاح برقبته .. و تناثرت دماؤه على المنصة .. فصاح أهل المدينة فرحً ا.. و دقت الموس يقى مرة أخرى .. و بدأوا يرقصون و يمرحون .. و بدأت الألعاب البهلوانية مجددً ا.. أما خالد فسرت في جسده رعشة مما رآه.. و انتفض قلبه بقوة ، و تسارعت أنفاسه.. و هو ينظر إلى ذلك الجسد المنزوع الرأس .. و جسده يرتعد ، إنه لم ير مثل ذلك من قبل.. يتحسس وجهه ، و يسأل نفسه هل يحلم أم أنها حقيقة .. و يسأل نفسه
عدد الصفحات ٤٩01 مجددًا: لماذا ذبحوا هذا الفقير ؟.. إننا في مجتمعنا نساعدهم.. إنهم قوم بلا قلب .. حتى صاح بيامن: - يامن.. إحنا في سنة كام؟ فأجابه:- إننا في نهاية العام التاسع بعد الألفين.. فصاح: - 9002 ..إزااي؟ فابتسم يامن كي يمتص غضبه : - إنه الزمن يا صديق ي.. هل بيدنا أن نغيّ ره؟!.. ثم صاح خالد بإياد في عصبية: - و إيه الغريب إن ي أرحل و أسيب زيكولا؟! فأجابه إياد: - يا صديق.. إن باب زيكولا قد أُغل ق فجر اليوم .. إنه لا يُفت ح إلا قبل يوم زيكولا بيوم واحد .. ثم يغلق مجددً ا حتى يوم زيكولا في العام الذي يليه.. ولا يستطي ع أحد مغادرة زيكولا حتى ذلك اليوم.. و أكمل يامن إلى خالد : - إنه اليوم الذي دخلت فيه إلى زيكولا.. و سأله متعجبً ا: - لماذا تريد أن ترحل و أنت لست فقيرً ا؟ فجنّ جنونه .. و فاض به: - مين اللي قالك إني مش فقير؟!.. لأ، أنا فقير.. أنا ممتلكش أي حاجة.. فاندهش إياد: - كيف هذا؟ !.. ألا تشعر بنفسك؟
عدد الصفحات ٥٠51 فأجابه غاضبًا: - أشعر بإيه؟!.. دي حتى الفلوس اللي كانت معايا، و حمدت ربنا إنها كانت معايا بالصدفة قلتوا عليها ورق و ملهاش أي قيمة. فابتسم يامن: - و لماذا تحتاجها يا صديقي؟ رد خالد: - دي فلوس.. يعني أشتر ي بيها اللي أنا محتاجه.. فسأله يامن: - تقصد العملة؟! خالد: - أيوة .. فصمت يامن ثم تحدّث مجددً ا : - آه.. الآن عرفت لماذا زاد ارتباكك إلى هذا الحد حين وجدت ذلك الفقير يُ ذب ح.. إنك خفت أن تكون فقيرً ا و تذبح مثله.. ثم نظر إليه: - يا صديقي إن عملتنا مختلفة تمامً ا.. إن عملة أرض زيكولا هي وحدات الذكاء.. و من يكون ذكيً ا هو الغني.. أما الفقير فهو الأقل ذكاءً .. هنا نعمل و نأخذ أجرنا ذكاء.. و نبتاع و ندفع من ذكائنا.. و نأكل مقابل وحدات أخرى من الذكاء.. ثم صمت برهة و أكمل: - لا أعلم من أين جئت.. و لكننا وُل د نا فوجدنا أنفسنا هكذا.. علينا أن نحافظ على ذكائنا.. و أنت منذ دخولك إلى أرض زيكولا أصبحت مثلنا.. و عليك أن تحافظ على ذكائك، و أن تنمّيه .. كي لا يأتي يوم زيكولا و قد قل ذكاؤك فيكون هذا مصيرك .. و أشار إلى جثة الذبيح.. فنظر إليه خالد.. و كأنه لا يفهم شيئً ا :
عدد الصفحات ٥١02 - يامن.. أنا كنت بقول عليك عاقل.. رد يامن: - أعلم أنك تظننا بُلهاء .. و لكننا - أهل زيكولا - نختلف عن باقي بقاع الدنيا.. و الكل يعلم هذا .. و يخشون أن يدخلوا إلينا حتى لا تسر ي رعشة زيكولا بجسدهم و يصبحون مثلنا. فتذكر خالد تلك الرعشة .. و ذلك الألم الشديد الذي حل برأسه حين مرّ من باب زيكولا.. و أكمل يامن: - عليك أن تصدقنا.. و أن تحافظ على ذكائك لأن اعتقادك بأننا بلهاء لن يفيدك بش يء.. أنت لن تستطيع أن تغادر زيكولا مهما حدث.. و إن جاء يوم زيكولا و كنت الأقل ذكاءً فسيحدث لك مثلما أخبرتك .. و تابع : - إنه عام.. ستحتاج إلى طعام، و إلى شراب ، و إلى ملبس و مسكن.. و هنا في زيكولا لا يعطى أحد شيئً ا بالمجان.. سوى يوم زيكولا فقط.. اليوم .. يكون يومً ا بلا عمل.. و قد تكون هناك أشياء قليلة للغاية دون مقابل.. - عليك أن تعمل و تأخذ أجرك من الذكاء تعوّ ض ما تفقده لسد احتياجاتك.. صديقي، هنا في زيكولا ثروتك هي ذكاؤك .. فانطبعت الدهشة على وجه خالد، و تسرب إليه قلقه حين شعر أن ذكاءه قد قل بالفعل منذ دخوله تلك المدينة، و أن قدرته على التفكير قد قلّت قليلاً .. و لا يعرف السبب.. و لكن ما يقوله يامن لا يصدقه عاقل حتى تذك ر شيئً ا.. فتحدّث إلى ي امن: - كلامك مش صحيح.. أنا أكلت و شربت و اشتريت هدوم ي من غير مقابل .. فابتسم يامن : - صديقي.. هل لاحظت وجود الأسعار بالوحدات في تلك الأماكن ؟.. فتذكر تلك الوحدات التي سأل نفسه عنها من قبل: - أيوة ..
عدد الصفحات ٥٢53 فأكمل يامن - وحدات الذكاء لا تُدفع باليد.. إنها تنتقل تلقائيً ا بيننا.. و طالما رأيت تلك الوحدات.. أقصد الأسعار ، و تواجدت في تلك الأماكن .. هذا يعني أنك موافق على الشراء و على الأسعار التي رأيتها.. و ينتقل منك ثمن ما أكلته أو اشتريته إلى صاحب هذا المكان دون إرادتك.. الغرباء يسمونها لعنة زيكولا.. فقاطعه خالد هائمً ا: - أنا أكلت كتير.. و الز ي ده كان مكتوب عليه أكبر وحدات.. و صاحبه قال إنه أغلى ز يّ عنده.. و شكرن ي لأنني غني.. رد يامن: - بالفعل يا صديقي.. لقد لاحظت اليوم اختلافك قليلاً عن المرة الأولى التي رأيتك بها.. ثم نظر إلى إياد: - يبدو أن صديقنا قد فقد جزءً ا ليس بالقليل من ثروته.. * * *
عدد الصفحات ٥٣04 (6 ) تساءل خالد في لهفة: - و انت عرفت ازاي؟ فابتسم يامن: - إن وجهك أصبح شاحبً ا بعض الش يء يا صديقي.. و أكمل : - كلما قل ذكاؤك زاد شحوب وجهك و بدا عليك المرض .. هكذا نعرف من هو الغن ي و من هو الفقير.. كلما تكسب ثروة تكون طبيعي ا بل يزداد شبابك .. أما حين تخسر فستجد المرض يتسرب إلى جسدك .. و هكذا حتى يقترب يوم زيكولا فيقوم الجنود بجمع الأكثر مرضً ا بالمدينة.. و يُعرضون هم على الطبيبة أسيل .. و هي من تح دد المريض حقً ا و المريض بالفقر .. ثم تختار الثلاثة الأشد فقرً ا.. فقاطعه خالد: - لا، دي بلد مجانين.. ثم تركهما و جرى مسرعً ا.. و قلبه يدق خوفً ا، يخش ى أن يكو ن ما قالاه واقعيً ا.. و أكمل جريه وسط الزحام -و أهل المدينة يرقصون و يمرحون ، و بلغت الموسيقى ذروتها- يتحرك بصعوبة بينهم ، و يحاول أن يخرج من هذا الزحام.. و يصطدم بالفتيان و الفتيات دون أن يعتذر .. ما يشغل باله أن يخرج إلى باب زيكولا.. و واصل جريه بعيدً ا عن أرض الاحتفال.. و يحدّث نفسه :
عدد الصفحات ٥٤55 - مش معقول يكون ده صحيح.. مش معقول .. و تعدو قدماه مسرعتين .. حتى اقترب من باب زيكولا، و قد ظهر العرق الغزير على جبينه.. فوجده قد أُغلق بالفعل و تواجد أمامه الكثير من الحرّاس.. فاقترب خ الد من أحدهم، كان ضخم الجثة.. و قال: - أنا عايز أخرج .. فضحك الحارس ساخرً ا: - تخرج ؟ !! فصاح خالد: أيوة .. أخرج فضحك الحارس مجددً ا.. ثم نظر إلى حارس آخر، و حدّثه : - إننا نترك احتفالات زيكولا و نقف هنا حتى يأتي السكارى .. و يعبثون معنا.. فصاح خالد: - أنا مش سكران .. أنا هخرج .. و دفع الحارس بيده.. فظهر الغضب على وجهه ثم لكم خالدً ا لكمة قوية أعادته خطوات للخلف و سقط على الأرض و سالت دماؤه من حاجبه الأيس ر.. فنهض على الفور ، و عاد و وقف مرة أخرى أمام الحارس .. و لكنه نظر إلى درعه الذي يحمله و كان لامعً ا كالمرآة .. و أمعن النظر به إلى صورته المنعكسة.. فاتسعت عيناه خوفً ا، و تسارعت أنفاسه و خفق قلبه بقوة حين رأى وجهه شاحبً ا.. حتى قاطع تفكيره صوت الحارس الغليظ: - عد إلى حيث كنت و إلا سيكون السجن مصيرك.. فنظر إليه خالد خائب الأمل ، واضعً ا يده على حاجبه .. يريد أن يوقف دماءه .. و أدرك أن هذا الباب لن يُفتح كما أخبره إياد .. و أن حديث يامن إليه ما هو إلا الحقيقة التي خشيها. * * *
عدد الصفحات ٥٥06 بعدها عاد إلى شوارع المدينة .. يسير هائمً ا، يفكر كيف سيعيش عامً ا في تلك البلد الملعونة .. و يسأل نفسه : عام؟!.. إنه لم يستطع أن يعيش يومً ا واحدً ا.. و عاد بتفكيره ؛ ماذا لو مرّ العام و كان أفقر من بالمدينة؟ .. ماذا لو كان الأغبى؟، و علا صوته و سأل نفسه: - و جدّ ي؟! هيقدر يعيش سنة من غير ي ؟.. أنا كنت بقول يومين أو تلاتة و أرجع له.. - سنة؟ !! هعيش هنا سنة؟! و ظل هائمً ا هكذا حتى أفاق حين صدمه حصانٌ ، كان الحصان الذي يجر العربة الثرية - عربة أسيل - فصاح به سائقها يعنفه.. و توقفت العربة ، و نزلت من ها أسيل على الفور لتطمئن عليه.. و لكنه غادر شاردً ا.. و رغم ندائها إليه كثيرً ا إلا أنه أكمل مسيره دون أن يلتفت.. فعادت إلى عربتها ، و حدّثت نفسها: لو كان شخصً ا آخر.. لطلب تعويضً ا على ذلك.. ثم أمرت السائق أن يتحرك من جديد .. * * * مرت ساعات و خالد مازال يسير بالمدينة .. و لم يتوقف عقله عن التفكير .. حتى وجد نفسه يقترب من بحيرة واسعة .. فأسرع إليها و حين تذوق ماءها وجده عذبً ا.. فشرب منها كثيرً ا.. ثم أسند ظهره على شجرة بجوارها.. و ضحك حين جال بخاطره أن يأتي والد منى إلى تلك المدينة .. و أقسم أنه سيُ ذب ح على الفور .. حتى منى لو جاءت ستُذبح ه ي الأخرى .. يتذكر أصدقاءه و أنهم لا يمتلكون من الذكاء شيئً ا بل سيذبحون كلهم.. ثم ضحك و حدّث نفسه ساخرً ا: - عايز آكل مقابل وحدتين ذكاء.. ثم ضحك مجددً ا حين تذكر أحد أصدقائه.. و كان سمينً ا للغاية و يأكل كثيرً ا.. و أنه لو كان بزيكولا لفقد ثروته كلّها مقابل أن يأكل .. ثم تحدث إلى نفسه: بتضحك يا خالد.. فعلاً مصر ي ابن مصر ي .. نضحك في أشد أوقات الكرب .. ثم سأل نفسه: هتعمل إيه يا خالد؟
عدد الصفحات ٥٦57 فأجاب نفسه.. و كأنه شخص آخر: هعيش ز ي الناس هنا.. انت قدامك حل تاني؟ فردّ كأنه الشخص الأول : - لا.. فابتسم.. و جعل صوته غليظً ا : - يبقى تكيّف مع الوضع .. و أهلاً بك في زيكولا.. بعدها نظر إلى السماء التي خيّم عليها الليل فوجد ألعابً ا نارية غريبة عمّ ا يعرفها تزينها ، فابتسم: - يوم زيكولا.. ثم أكمل بعدما صمت برهةً: - كلها ساعات و ينتهي.. و أشوف زيكولا على طبيعتها.. ثم نظر إلى البحيرة و إلى شاطئها فلم يجد أحدً ا غيره .. فوجدها فرصة أن يستحم .. و ما إن تجرد من ثيابه .. و كاد يكون عاريً ا تمامً ا حتى شعر بحركة غريبة .. و سمع همسً ا و بعض الضحكات فالتفت فوجد فتاتين تنظران إليه .. فارتدى ملابسه على الفور ، ثم أسرع عائدً ا إلى الشجرة مرة أخرى و أسند إليها ظهره من جديد .. و حدّث نفسه مازحً ا: - لا.. أنا بقول أنام أحسن.. * * * مرّ الليل ، و أشرقت الشمس .. و خالد نائم بجوار شجرة شاطئ البحيرة .. حتى انتفض حين سمع صرخات .. و حين نظر بعيدً ا وجد امرأة تصرخ بأن ابنها يغرق في البحيرة .. فأسرع إلى الماء بملابسه .. يريد أن يصل إلى ذلك الفتى ، و الذي كان بعيدً ا بعض الش يء.. و لم يتخيل أن تكون البحيرة عميقة هكذا.. حتى اقترب منه فجذب ه تجاهه، و عاد به مرة أخرى إلى الشاطئ.. - و قد فقد الفتى وعيه، و لم تتوقف أمه عن الصراخ -.. فأرقده على ظهره.. و بدأ يضغط بيده على صدره.. يريد أن ينعش قلبه.. يضغط بعض الضغطات المتتالية ثم يضع فمه على فم الفتى و يملأ صدره
عدد الصفحات ٥٧08 بالهواء .. ثم يعود ليضغط بعض الضغطات مرة أخرى .. و اجتمع الناس من حوله، و بينهم أسيل التي أسرعت إلى الفتى و طلبت من خالد أن يبتعد عنه لكنه لم ينظر إليها و لم يرفع نظره عن الفتى .. و أكمل ضغطه على صدره و إعطاءه من أنفاسه.. حتى شهق الفتى.. و شعر خالد بنبضاته حين وضع أصبعيه على رقبته.. فحمد الله ثم نظر إلى أمه قائلاً : - الحمد لله.. هو بخير.. فنظرت إليه الأم باكية ، و احتضنت ابنها: - شكرً ا لك.. ثم سألته : - كم تريد مقابل هذا ؟ فأجابها: - أنا مش عايز حاجة.. أي حد مكاني كان هيعمل كده.. خدي بالك منه بعد كده.. والناس ينظرون إليه في غرابة .. حتى سألته أسيل: - كيف فعلت هذا؟!.. و لماذا لم تتركن ي أساعدك؟! فرفع خالد رأسه.. و نظر إليها للمرة الأولى بعدما لم يفارق نظره الفتى حين كان ينقذه، و فوجئ بأنها صاحبة الصوت الذي طلب منه أن يتركه .. فشعر بقلبه يخفق سريعً ا حين وجدها قريبة منه إلى هذا الحد .. لا تفصلهما سوى أقل من خطوة.. و حدّث نفسه في سره : إنها جميلة جما لاً لا حدود له ، و نظر إلى شعرها الأسود الطويل ، و عينيها الضيّقتين و رموشهما السمراء الطويلة .. و تذك ر ضحكتها ح ين كانت ترم ي الورد، و تضيق عيناها كلما ضحكت فتزيد جمالها جمالاً ، و لاسيّ ما مع شفتيها الرقيقتين .. حتى نطق هامسً ا: - أسيل!! ففوجئت ه ي الأخرى بأنه من تجاهلها، و مض ى حين اصطدم حصان عربتها به .. فسألته: - كيف فعلت هذا؟
عدد الصفحات ٥٨59 فضحك: - أول مرة أحس إني اتعلمت حاجة مفيدة.. دي دورة إسعافات أولية كنت اتعلمتها في القاهرة .. ثم أسرع ، و أخرج وردة من ملابسه المبتلة.. و التي قد التقطها في اليوم السابق.. و نظر إليها مبتسمً ا: - دي وردتك.. أنا محتفظ بيها.. فتجاهلت حديثه عن الوردة.. و سألته: - لماذا لهجتك غريبة .. ثم أكملت: - و أين القاهرة تلك ؟ فابتسم : - دي قصة غريبة جدً ا.. و أكيد مش هتعرفي القاهرة .. أنا مش من زيكولا.. ثم أر اد أن يتحدث إليها بلهجتها فأكمل: - لست من زيكولا .. و قد دخلت إلى زيكولا أول أمس .. و لم أكن أعرف أن بابها سيُغلق .. فصمتت أسيل كأنها تتذكر شيئً ا ما.. ثم نظرت إليه ، و قالت: - مثلي تمامً ا.. * * *
عدد الصفحات ٥٩61 (7 ) رد خالد في لهفة : - مثلك؟ !! ردّت أسيل : - نعم مثلي.. أنا أيضً ا لم أكن من أهل زيكولا ثم نظرت إلى حاجبه الذي لم يلئم جرحه : - أنا آسفة.. فسألها: - على إيه؟ أجابته: - أرى أن اصطدام حصان عربتي بك قد أصاب حاجبك.. فابتسم: - أيّ حصان؟ - حصاني بالأمس .. فتذكر خالد:
عدد الصفحات ٦٠61 - لا ..لا ..مش الحصان.. أنا المفروض اللي اعتذر ليكي لأني امبارح مكنتش في حالتي الطبيعية بعد ما شفت الفقير اللي دبحتوه .. بس أرجوكي كمّل ي حكايتك، و ازاي انتي مش من زيكولا.. * * * انصرف الناس ، و حملت الأم ولدها و انصرفت .. و جلست أسيل بجوار خالد على شاطئ البحيرة و بدأت تتحدث: - كانت هناك حروب كثيرة منذ سنوات طويلة بين زيكولا و البلاد الأخرى .. و من بينهم بلدي ( بيجانا ).. فكان جيش زيكولا يخرج يوم زيكولا، و لا يعود إلا يوم زيكولا الذي يليه.. حتى جاء يوم منذ أربعة عشر عامً ا.. و استطاعت زيكولا أن تهلك بلدت ي.. و أخذت الكثير منا عبيدً ا لهم.. و قد كنت منهم.. كنت ابنة عشرة أعوام وقتها .. فقاطعها خالد: - عبيد؟! أجابته: - نعم.. كان الرق يتواجد في زيكولا حتى أعوام قليلة.. و لكنه لم يعد متواجدً ا الآن .. وأكملت: دخلنا إلى زيكولا.. و بالطبع كما حدث لك حين دخلت إلى هنا، أصابتنا لعنة زيكولا.. و أصبحنا مثلهم.. تعاملنا بوحدات الذكاء، و الأفقر يُذبح .. و لكني كنت أوفر حظً ا من غير ي .. فقد اشتران ي رجل حكيم كان ذو قلب رحيم.. و كان يدرس الطب و الحكمة.. و أعطاني الكثير من علمه ثم أعطان ي حريتى قبل أن يموت .. و أعطاني ما هو أهم .. أعطاني كتبه عن الطب و الحياة.. فتعلمت منها الكثير ، و أصبحت طبيبة زيكولا.. و عاملتهم بطريقتهم ؛ أداويهم مقابل جزء من ذكائهم .. و هنا يمرضون كثيرً ا، و أنا أجن ي الكثير.. فأصبحت من أثرياء زيكولا ، و أنا ابنة الأ ربعة و العشرين .. فقاطعها خالد مجددً ا:
عدد الصفحات ٦١62 - ومفكرتيش تخرج ي من زيكولا.. و ترجع ي لبلدك فابتسمت و أكملت : - كنت في البداية أنتظر اليوم الذي أعود فيه إلى بلدي.. و لكن بعد أربعة عشر عامً ا أصبحت زيكولا حيات ي.. أحببت الحياة هنا .. قد أذهب أحيانً ا إلى بلد ي القديمة يوم يُفت ح باب زيكولا.. و لكني لا ألبث أن أعود سريعً ا قبل أن يُغل ق الباب مجددً ا .. فسألها: - لأنك غنية؟ أجابت: ربما يكون هذا سببً ا.. و لكن سببي الأكبر هو حبي لقوة زيكولا.. و أردفت : - رغم ما بها من مساوئ تظل هي الأقوى بين البلدان.. لا تستطيع أي بلد أخرى الاقتراب منها .. ستعرف مع وجودك هنا ما الذي يعطيها تلك القوة .. و أعتقد أنك ستحبها مثلما أحببتها.. فصمت خالد قليلاً مفكّرً ا في حديثها.. ثم سألها: - زيكولا.. و بلدك اسمها بيجانا.. إحنا فين من العالم؟ و لكنه لم يلبث أن يسأل سؤاله حتى جاءت فتاة مسرعة إلى أسيل تخبرها بأن هناك مريضً ا في حاجة إليها.. و لابد أن تسرع .. فنظرت إلى خالد : - إنني أريد أن أعرف قصتك أيضً ا.. أين أجدك لاحقً ا؟ فضحك : - هنا.. هنا مسكني.. بجوار شجرة البحيرة .. - حسنً ا، أتمنى أن نكمل حديثنا قريبً ا.. و ابتسمت:
عدد الصفحات ٦٢63 - هنا.. بجوار البحيرة .. و غادرت، و تعجب خالد من حديثها، و حدّث نفسه : - يمكن تكون زيكولا مدينة غريبة.. لكن واضح إنه عالم غريب بالكامل ، زيكولا جزء منه.. فين بيجانا دي هي التانية.. و ازاي بيتعاملوا فيها .. ثم ابتسم: - كدة بقى فيه اللي ظروفه ز ي ظروفي، و مين؟.. دي أسيل.. ممكن أكون من الأغنياء هنا؟.. ممكن أكون زيّها ؟ .. ثم أفاق : - لا.. أنا مش عايز أبقى أغنى الأغنياء.. أنا عايز أمش ي من البلد دي.. و لكن هروح فين؟.. و ازاي هرجع بلد ي مرة تانية حتى لو خرجت من زيكولا؟ - المهم إني أمش ي من زيكولا الأول ، وبعدها أفكّر ازا ي أرجع بلدي، و لكن علشان أمش ي لازم أفضل عايش ثم نهض مجددً ا و قد جفت ملابسه، محدثً ا نفسه: لاز م ألاقي شغل.. * * * اتجه خالد إلى شوارع المدينة و عزم على أن يجد عملاً يساعده أجره على بقائه حي ا في تلك المدينة.. و لكنه ما إن يذهب إلى أحد ليسأله عن عملٍ حتى يرفض طلبه .. فيذهب لآخر فيرفض هو الآخر .. و ظل يبحث و يبحث حتى تعبت قدماه.. و جلس على جانب أحد الشوارع .. ففوجئ بيامن يقترب منه ، و يصافحه: - أين أنت يا صديقي.. فابتسم: - أهلاً يامن.. يامن، أنا عايز اشتغل.. و حاولت ألاق ي شغل بس الكل رفض يشغّ لني.. فسأله: - أين بحثت عن العمل؟ - في المنطقة دي.. المطاعم و محلات البيع ..
عدد الصفحات ٦٣64 - إنك أخطأت في بحثك.. هنا يريدون أن يوفروا مكسبً ا كبيرً ا، و عملك معهم سيفقدهم جزءًا من مكسبهم .. ستعرف كل ش يء عن حياة زيكولا مع مرور الأيام.. ثم تابع : - إن المدينة مليئة بأماكن العمل.. هل تريد أن تعمل معي ؟ فأجابه: - أيوة .. فسأله: - دون أن تعرف ماذا أعمل؟ فاندهش خالد، و سأله: - هو عمل مش كويس ولا إيه؟ فأسرع مجيبً ا: - لا لا .. إنه عمل مشرّف.. إننا نعمل بجد.. عملنا يحتاج إلى الأقوياء مثلك .. قد يكون أجره قليلاً ، و لكنه يكفي لاحتياجاتنا .. - و فين العمل ده؟ فابتسم يامن : - حسنً ا.. تعال معي.. * * * انطلق خالد مع يامن، و سارا إلى أطراف المدينة حيث منطقة جبلية.. حتى فوجئ خالد بعدد هائل من الفتيان و الفتيات يعملون كأسراب النمل.. و اندهش من ذلك الكم الهائل.. و سأل يامن : - كل الناس دي بتشتغل؟
عدد الصفحات ٦٤