المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية ارض زيكولا عمرو عبد الحميد

غير معروف

صفحة ٣ من ١٨

33 - دول في الضياع.. فسأله الرجل الآخر لاهثً ا : - أأنت غريب ؟ فأجابه خالد على الفور : - أيوة أنا غريب .. ثم أكمل: - إحنا فين؟.. و انتوا مين ؟ أجابه أحدهما: - إننا فقراء .. و قد هربنا إلى الصحراء .. ألا يوجد معك طعام؟! أجابه: - لا للأسف.. كان معايا بس ضاع مع الشنطة.. ثم وضع يده في جيبه، و أخرج ورقة من فئة العشرة جنيهات .. و أكمل: - أنا معايا فلوس ممكن تشتروا أكل لو قُ لتوا لي إحنا فين.. و ازاي أرجع بلدي.. فخطف أحدهما ما أخرجه خالد من نقود و وضعها بفمه و أكلها.. فاندهش خالد، و سأله متعجبً ا: - انت جعان للدرجة دي؟ فأجابه الآخر : - يبدو لي أنك كريمٌ ، و لهذا تأكدت أنك غريب عن هنا .. أشعر بأنك غنيّ للغاية... ضحك خالد .. و نظر إلى نفسه ، و ملابسه البالية التي غطّ اها تراب النفق و السرداب ، و حالته التي يُرثى لها .. و سأل نفسه.. أيّ غنى يتحدث عنه هذا الأبله؟ عشرة جنيهات رآها شعر بأنني غني؟.. ثم تجاوب معهما و كأنهما مجنونان.. و سألهما مجددً ا، و قد ضاق صدره:

عدد الصفحات ٣٣

04 - دلوقتى أنا عايز أعرف انتو ا هتعيشوا ازاي في الصحرا دي؟ ! ، و هربانين من إيه؟ و سؤال ي الأهم: إحنا فين أساسً ا؟.. أجابه الذي أكل النقود بعدما حاول أن يفهم ما يقصده : - إننا فقراء ، و ستكون الصحراء أفضل لنا كثيرً ا من أرض زيكولا.. فسأله خالد مندهشً ا : - أرض زيكولا؟!! فسأله الآخر : - ألا تعرف أرض زيكولا؟ ! أجابه خالد: - لا.. فين زيكولا دي؟.. أنا مش شايف إلا صحرا في كل مكان.. فأكمل الرجل : - من يوجد في هذا الزمان و لا يعرف أرض زيكولا؟! ثم أكمل محدّثً ا صديقه: - إنهم الأغنياء، يسخرون منا هكذا دائمً ا.. ثم أشار إلى خالد أن يتحرك عدة أمتار في اتجاه يده: - إنها هناك بالأسفل .. أيها الغني.. ثم تركاه وواصلا جري هما في الصحراء .. و تحرك خالد إلى ما أشار إليه الرجل ، وواصل تحر كه حتى وجد نفسه على حافة هضبة عالية فنظر إلى أسفل فوجد مدينة كبيرة ذات منظر بديع من أعلى .. بها مبانٍ شتى و تتخللها مساحات خضراء كأنها أراضٍ زراعية ، و مسطحات من الماء .. * * *

عدد الصفحات ٣٤

35 ( 4 ) اتسعت عينا خالد من الدهشة، و سأل نفسه: كيف توجد تلك الم دينة بجوار تل ك الصحراء الجرداء ؟ !.. حتى قاطع تفكيره صياح أحد الرجلين إليه مجددً ا : - إياك أن تذهب إلى زيكولا .. إياك.. و واصل جريه مع صاحبه.. فلم يعطه خالد اهتمامً ا.. و ظلّ ينظر إلى تلك المدينة من أعلى.. و سأل نفسه: أين هو من العالم؟ و أين توجد أرض زيكولا تلك؟.. حتى ابتسم حين نظر بعيدً ا إلى أسفل فوجد طر يقً ا طويلاً ممهدً ا إلى تلك المدينة.. به كثير من التعرجات و مرتفعً ا إلى أعلى حيث يمّر بالقرب من تلك الهضبة التي يقف عليها .. فلم يجد أمامه سوى أن يسرع باحثً ا عنه.. يريد أن يذهب إلى المدينة في أسرع وقت بعدما حل به الجوع و العطش بعدها يحاول أن يعرف أين هو.. * * * بعدها سار في الصحراء متجهً ا إلى ذلك الطريق.. و ظن في البداية أنه قريب منه فاكتشف غير ذلك تمامً ا.. فكلما تقد م لم يجد شيئً ا فاعتقد أنه سرابٌ .. حتى تحقق من وجوده حين رأى عربة يجرّها حصان تسير على مقربة منه.. فأسرع في اتجاهها فوجد أمامه ذلك الطريق الذي شاهده من أعلى.. و لكن سائق العربة لم يلحظ وجوده و ابتعد بها عنه فواصل تحر كه في نفس الاتجاه الذي سلكته العربة.. * * *

عدد الصفحات ٣٥

06 مر الوقت و أصبحت الشمس عمودية.. و زادت حرارتها، و حلّ الإرهاق و التعب على خالد.. و بدأت آلام ارتطامه في السرداب تحل عليه مرة أخرى .. و لكنه تابع سير ه رغم علمه بأن هذا الطريق طويل للغاية ، و لابد له من نيْل قسطٍ من الراحة .. يريد أ ن يصل إلى هناك في أسرع وقت .. يشعر أن هناك أملاً ما في انتظاره.. حتى سمع صوتً ا من خلفه.. و حين التف وجد عربة أخرى يجرها حصان فأشار إلى سائقها أن يقف، فأوقف السائق حصانه بالفعل .. فنظر إليه خالد في تعبٍ : - أنا عايز أروح أرض زيكولا.. فسأله السائق: - و كم تدفع؟ فوضع خالد يده في جيبه.. و أخرج بعض النقود الورقية.. و أشار إلى السائق أن يأخذها.. فسأله السائق غاضبً ا: - ورق؟! ثم ألقاها في وجهه.. و تركه و غادر.. و خالد لم يفقه شيئً ا مجددً ا.. و حدّث نفسه بصوت مسموع : - البلد دي كلها مجانين و لا إيه؟! و واصل تحر كه، فجاءت عربة أخرى و حدث معها مثلما حدث مع العربة السابقة تمامً ا.. و تركه سائقها و غادر.. فابتسم خالد ابتسامة بها خيبة أمل كبيرة محدثً ا نفسه: " إنها زيكولا أرض المجانين ".. و سار مسافة أخرى ، و ازداد تعبه.. حتى سمع من جديد صوت عربة فالتفت فوجدها عربة ضخمة يبدو عليها الثراء ، و قد اختلفت عن العربات السابقة من حيث تصميمها و أناقتها.. فرأى أن يوّفر تعب ه.. و لا يشير إليها و يكمل سيره ، و مرّت بجواره فوجد شابً ا في مثل عمره متشبثً ا بمؤخرتها دون أن يراه سائقها .. و حين وجد خالدً ا أشار إليه بيده أن يسرع إلى

عدد الصفحات ٣٦

37 العربة .. فأسرع خالد إلى مؤخرة العربة هو الآخر .. و تشبث بها.. و نظر إلى الشاب مبتسمً ا: "شكرً ا".. فهمس الشاب إليه، ووضع يده على فمه: - اصمت.. كي لا يسمعنا أحد.. * * * سارت العربة في طريقها إلى زيكولا، يصيح سائقها إلى جيادها أن تسرع .. و خالد مازال متشبثً ا بمؤخرتها مع هذا الشاب .. ينظر إليه في دهشة من ملابسه.. و شعر بدهشته هو الآخر منه أيضً ا.. حتى اقتربت العربة من سور ضخم.. فأشار الشاب إلى خالد أن يقفز معه تاركين العربة .. فقفزا ، و ما إن نظر خالد أمامه حتى وجد سورً ا ضخمً ا يصل ارتفاعه إلى ما يقرب من خمسة طوابق، تزينه نقوشٌ غاية في الجمال، به باب ضخم كان مفتوحً ا على مصراعيه تمر منه العربات مجيئً ا و ذهابً ا.. فنظر خالد إلى الشاب قائلاً : - أنا بشكرك جدً ا .. رد الشاب: - لا تشكرن ي يا أخي.. إنني مثلك، كادت تقتلني حرارة الشمس.. فسأله خالد: - أنت من زيكولا؟ - نعم.. و أنت تبدو غريبً ا.. فابتسم خالد: - أيوة .. أنا من البهو فريك .. بلد جنب المنصورة .. فارتسمت الدهشة على وجه الشاب: - ماذا؟!! فأسرع خالد و كأنه يصحح حديثه :

عدد الصفحات ٣٧

08 - أقصد مصر.. أنا من مصر.. فلم تختف دهشة الشاب و سأله: - ماذا تقصد بمصر؟!.. هل هي في الشمال؟ فأجابه مندهشً ا: -انت مش عارف مصر أم الدنيا؟ رد الشاب: - نعم أخي.. لا أعرفها .. فصمت خالد مفكرً ا ثم أجابه و كأنه يريح نفسه من غرابة هؤلاء الناس الذين يقابلهم: - أيوة مصر في الشمال.. ثم سأله: - إحنا فين؟ رد الشاب: - ألا ترى يا أخي.. إننا في زيكولا.. أرض الذكاء.. فلم يتمالك خالد نفسه من الضحك : - أرض الذكاء؟!.. لا فعلاً الذكاء واضح على كل الل ي قابلتهم ثم سأله: - يعني تبع دولة إيه؟ .. قارة إيه؟ رد الشاب متعجلاً : - لا أفهم قصدك.. إنها زيكولا و فقط.. و الآن لابد أن أتركك .. إنني أضعت اليوم وقتً ا من العمل.. و لابد لي أن أقوم بتعويضه .. ثم مدّ يده مودعً ا خالد، فمد يده هو الآخر : - اسمي خالد..

عدد الصفحات ٣٨

39 رد الشاب: - و أنا يامن.. حظا سعيدً ا في أرض زيكولا .. ثم تركه و غادر .. * * * كان خالد مازال واقفً ا أمام باب المدينة الضخم.. حتى تقد م إليه، و ما إن مرّ خلاله حتى شعر برعشة قوية تسرى بجسده، و ألم شديد برأسه كاد يقتله.. حتى سقط على ركبتيه ممسكً ا رأسه بيده من الألم الذي لم يشعر بمثله في حياته.. و استمر ألمه لدقائق حتى بدأ يتلاش ى شيئً ا فشيئً ا و كأنه لم يحدث، ثم تابع مسيره إلى داخل المدينة.. سار خالد بالمدينة و كأنه يسير بمدينة الأحلام.. ينظر إلى وجوه الناس و تعبيراتهم المختلفة.. منهم من ترتسم البسمة على وجهه، و منهم من انطبع الحزن على جبينه.. و إلى زيّهم الذي انقسم إلى أقسام عدة؛ فمنهم من يرتدي جلبابً ا و على رأسه عمامة، و قد كانوا كبار السن.. أما الشباب و الصغار فكانوا يرتدون سراويل واسعة من أعلى و ضيقة من أسفل.. و كأنها ز يّ الصيادين الذي اعتاد أن يراه و لكنها أكثر أناقة.. و من أعلى يرتدون قمصانً ا واسعة منقوشة صُ ن ع ت ببراعة من الجلد أو القماش.. أما النساء فقد وجدهن يرتدين فساتين فضفاضة ذات ألوان بر اقة.. و جميعهن لا يضعن شيئً ا فوق رؤوسهن.. و لاحظ جمال الكثير من النساء في تلك المدينة.. و خش ى أن ينظر إلى إحداهن.. و هو لا يعلم كيف ستكون ردة الفعل في تلك المدينة.. و يعجبه ذلك التنوع في الز ي .. و تلك الأناقة التي بدت على كل فتى و فتاة بالمدينة.. و يسير بشوارعها منبهرً ا بتلك المباني المتلاصقة.. التي بدت عليها المهارة المعمارية.. و كانت تمتلك ارتفاعً ا واحدً ا لا يتجاوز الثلاثة طوابق.. و بُنيت جميعها من الطوب المحروق و الأخشاب.. * * *

عدد الصفحات ٣٩

41 أكمل خالد مسيره حتى وجد مكانً ا يقدّ م طعامً ا فسمع أصوات بطنه تناديه ، و تذكّ ره بالجوع .. فاقترب من ذلك المكان .. و جلس به.. و طلب طعامً ا.. ثم جاءه ر جل بطعام من الخبز و اللحم.. و قال له : - شكرً ا لتشريفك لنا أيها الغن ي. فابتسم خالد : - تاني غني!! ثم أكل و امتلأت بطنه .. و انتظر أن يأت ي الرجل ليأخذ نقوده فلم يأت .. فأكل و مش ى.. و عادت إليه قوته مجددً ا.. و أكمل سيره في المدينة حتى وجد مكانً ا آخر لصناعة الملابس و بيعها.. فنظر خالد إلى نفسه.. و وجد أن يشتر ي لنفسه ز ي ا.. كي لا يكون ز يّه مختلفً ا عن باقي أهل المدينة.. حتى يعرف أين هو .. و دخل ذلك المكان فسأله من به: - لست من زيكولا؟ فاومأ خالد موافقً ا كلامه فأعطاه الرجل ز ي ا مناسبً ا.. بنطالاً واسعً ا.. و قميصً ا منقوشً ا من القطن.. و لم يأخذ منه نقودً ا.. و قال له مثلما قال صاحب المطعم: - شكرً ا لتشريفك لنا أيها الغني.. فابتسم و تذكر كلام من قابلهما بالصحراء .. و أنه غريب لأنه كريم .. و قال لنفسه إنهما مجنونان بالفعل .. فما وجده من أهل المدينة حتى الآن كرم مبالغ فيه . * * * يسير بالمدينة بزيّه الجديد .. و يقلب عينيه هنا وهناك .. و قد لاحظ شيئً ا لم يفهمه.. و هو أن كل مكان للبيع و الشراء يجد مكتوبً ا عليه أرقام و وحدات.. عشر وحدات أو خمس.. أيّ وحدات تلك لا يفهم.. حتى أكمل مسيره و حل الليل.. ففوجئ بأن تلك المدينة رغم ما يبدو عليها من ثراء إلا أنها لم تصلها الكهرباء بعد .. ثم اندهش حين

عدد الصفحات ٤٠

41 أُضيئت المدينة بالنيران .. و انتشر الضياء في كل مكان .. و لا تختلف إضاءتها عن المصابيح التي يعرفها .. تلك هي الأخرى براعة هندسية.. بعدها جلس على جانب أحد الشوارع .. و كاد يغلبه النعاس.. فوجد أهل المدينة يستعدون و كأنهم يحتفلون بش يء ما.. الجميع يلعبون و يمرحون .. و الأطفال يرقصون .. و سأل نفسه هل هناك عيد ما؟ .. يبدو كذلك.. و فرح بذلك فجميع أهل المدينة خارج منازلهم.. و سيؤنس ذلك وحدته دون مسكن .. حتى اقترب منه فتى فسأله لماذا يحتفل الناس هكذا.. فأجابه الفتى فرحً ا: - إن الاحتفال لم يبدأ بعد .. فضحك خالد مداعبً ا الفتى: - أمّال هيبدأ إمتى؟ تعجب الفتى: - لماذا لهجتك غريبة ؟ رد خالد: - أنا من الشمال.. إنني غريب .. رد الفتى: - تقصد كنت غريبً ا.. أما الآن أنت من أهل زيكولا.. فابتسم خالد و وضع يده على رأس الفتى: - عارف إن زيكولا أرض الكرم.. فأكمل الفتى: - اليوم الكل يستعد للاحتفال .. أما الاحتفال الحقيق ي سيكون غدً ا.. إنه أعظم احتفال بالكون .. و الكثيرون من البلاد البعيدة يأتون للهضبة المجاورة.. و يقفون بها لمشاهدة احتفالاتنا..

عدد الصفحات ٤١

42 فتعجب خالد و سأله عن سبب الاحتفال ، فظهر التعجب على وجه الفتى: - إنني كنت أظنك غنيً ا.. أرجوك لا تدعني أشك في قدراتي بمعرفة الأغنياء .. ثم أكمل : - إن احتفالاتنا ستبدأ غدً ا احتفالاً بيوم زيكولا.. اليوم الذي يجعل من زيكولا أشهر مدينة بالتاريخ.. اليوم الذي يسعد به كل أهل زيكولا.. ثم صمت قليلاً .. و أكمل : - ماعدا شخصً ا واحدً ا بالطبع.. فسأله خالد: - مين الشخص ده؟ فضحك الفتى: - يبدو أنك لا تعرف كثيرً ا عن زيكولا.. ثم تنهد.. و نظر إليه: - سيدي، إن يوم زيكولا يُذب ح فيه أفقر شخص يوجد بالمدينة. * * *

عدد الصفحات ٤٢

43 (5 ) شعر خالد بالصدمة حين أخبره الفتى أن يوم زيكولا يُذب ح به أفقر من يوجد بالمدينة.. و حدّث نفسه بأنه أفقر من بها .. و ما معه من نقود لا تفيد بعدما تيقن من مواقفه السابقة أنهم لا يعترفون بها.. و إن كان حديث الفتى صحيحً ا سيكون هو الضحية.. حتى قاطع تفكيره الفتى حين أكمل : - في يوم زيكولا تجرى منافسة بين أفقر ثلاثة أشخاص بالمدينة.. أما غدً ا للأسف فسيذبح الشخص مباشرة دون منافسة بعدما نجح الآخران في الهرب .. آه لو رأيتهما بعيني .. فتذكر خالد من قابلهما بالصحراء .. وقال بصوت عالٍ : - المجانين؟ !! فنظر إليه الفتى فتدارك خالد قوله، و سأله: - تقصد إن الفقير تم اختياره فعلاً ؟ رد الفتى: - نعم.. فتنفس الصعداء، و أخرج زفيرً ا طويلاً ، و شكر ربه في سره ، و أكمل الفتى:

عدد الصفحات ٤٣

44 - المعتاد في زيكولا أن يُحبس الفقراء الثلاثة قبلها بأيام .. ثم تقوم بينهم منافسة الغنى و الفقر.. الزيكولا .. و من يخسر منهم يُذب ح.. و بالطبع طالما هرب الاثنان سيُذبح الشخص الثالث .. ثم أشار إلى بيت مجاور : - إنه من منطقتنا.. فنظر خالد إلى البيت، و تعجب: - ازاي ده بيت فقير؟ بعدها تركه الفتى ، و مض ى ليلعب مع من معه.. * * * جلس خالد مرة أخرى في مكانه.. يفكّر بما يحدث له ، و يتذكر ماذا حدث له منذ أن وجد نفسه بالصحراء .. و زاد إلحاحُ سؤاله الذي تعمد تجاهله دائمً ا.. أين هو؟.. و أين زيكولا تلك التي لم يسمع عنها من قبل.. و عن أهلها المثيرين للدهش ة؟.. بعضهم يبدو عاقلاً .. و الكثيرون لا ينتمون للعقلاء بش يء.. ثم انتفض جسده حين سأل نفسه ماذا لو انتقل به الزمن عبر السرداب إلى الماض ي كما كان يقرأ دائمً ا في الأدب الأجنب ي.. ماذا؟.. هل هذا صحيح؟! (( لا.. لا.. إنه خيال.. إنني لم أسمع عن زيكولا.. و لم أقرأ عنها من قبل )) .. هكذا أجاب نفسه.. ثم علا صوته : - بس ليه لأ؟ - الأحصنة الل ي بتجر العربات .. و لبس الناس هنا.. مش معقول يكون لبس حد في القرن الواحد و العشرين .. الحاجات دي فات عليها قرون. ثم عاد إلى نفسه: ممكن تكون دي بلد معزولة انت مسمعتش عنها .. و ده ز يّهم الوطن ي فعلاً .. فصاح إلى نفسه : بلد إيه.. كل الل ي مشيته في السرداب حوال ي كيلو أو اتن ين بالكتير..

عدد الصفحات ٤٤

45 - أكيد أنا انتقلت في الزمن .. و الدليل إنهم بيتكلموا عرب ي و ميعرفوش مصر .. هو فيه منطقة بتتكلم عرب ي في العالم كله إلا الوطن العرب ي؟!! ثم أمسك رأسه بيديه: أنا حاسس إني مش قادر أفكر.. أنا كنت أذكى من كده.. ثم نظر بعيدً ا: بس.. ده الدليل إني انتقلت للماض ي.. قال ذلك حين وجد جماعة يحملون سيوفً ا و دروعً ا و كأنهم جنود .. و يسيرون في صف واحد .. فوقف على قدميّه .. و اتجه مسرعً ا إلى الفتى الذي كان يمرح مع أصدقائه.. و جذبه من يده : - أنا عايز اسألك سؤال واحد .. إحنا في سنة كام؟ فأجابه الفتى متعجلاً : - يبدو أنك تشرب الكثير من الخمر .. إننا في نهاية ا لعام التاسع بعد الألفين يا سيّد ي.. فعاد خالد بقدمه للخلف.. و دارت به رأسه حتى سقط و كأنه فقد وعيه.. فضحك الفتى و تحدّث إليه : - نعم سيّد ي، أرى أن النوم قد يفيدك، ثم تركه و مض ى.. * * * في صباح اليوم التال ي، فتح خالد عينيه على صوت ضوضاء شديدة.. فوجد نفسه مُلقى على جانب أحد الشوارع فنهض مسرعً ا.. و حاول أن يصلح من هيئته، و أزال الغبار عن ملابسه.. ثم نظر أمامه و فرك شعره حين وجد ذلك الكم الهائل من الناس يسيرون بانتظام في اتجاه معين.. و الجميع يرتدون ملابس تبدو جديدة.. الرجال يمسكون بأيدي النساء.. و الفتيان يمسكون بأيدي الفتيات، و اللاتي بدا عليهن الجمال الشديد.. يسيرون في فرحة كبيرة .. و يضع كل منهم حول رقبته عقدً ا من الورد .. و تظلهم موسيقى لم يسمعها من قبل و لم يسمع في جمالها.. يعزف ها

عدد الصفحات ٤٥

46 مجموعة من الأشخاص أصحاب زيّ مختلف، و يحملون طبولاً و وتريات و آلات نفخ لم ير مثلها، و لكنها تخرج صوتً ا بديعً ا.. و يسيرون وسط ذلك الحشد من الناس.. ثم وجد بعض الشباب يمتطون أحصنتهم.. و خلف كل شاب توجد فتاته تلف يدها اليسرى حول خصره ، و اليمنى تمسك بها الورد و تلوح بها .. فابتسم خالد، و قال: - أنا عرفت ليه الكل مستن ي اليوم ده .. ثم أعجبته تلك الحركات البهلوانية التي كان يقوم بها البعض.. حتى فوجئ بالعربة الثرية - التي كان قد تشب ث بها هو و يامن حينما كان في الصحراء -.. تسير و سط الحشد، و قد خرجت منها فتاة في غاية الجمال، و ما إن خرجت حتى صاح البعض فرحً ا و زاد سرورهم.. و بدأت تُلق ي بالكثير من الورد.. و الكل يتهافت و يتسابق على أخذه.. ثم بدأت تقذف الورد لأعلى و ما إن يسقط حتى يرتطم الشباب بعضهم ببعض.. و تزداد بسمتها الرقيقة .. و خالد يشاهد ذلك في سعادة كبيرة .. و ينظر مجددً ا إلى تلك الفتاة و قد شعر براحة نفس ية كبيرة .. حتى وجد إحدى الفتيات تقترب منه ، و تسأله: - لماذا تقف بمفردك ؟.. يمكننى أن اصطحبك اليوم مجانً ا.. فنظر إليها خالد.. ثم نظر إلى فتاة العربة مرة أخرى : - لا شكرً ا.. ثم نظر بعيدً ا.. فوجد يامن ، فأسرع إليه وسط الزحام و وصل إليه بصعوبة و سأله: - يامن.. انت فاكرن ي؟ فابتسم يامن : - نعم.. أهلاً بك يا صديق.. ثم نظر إلى ز يّه : - مبارك عليك الز ي الجديد.. و سأله :

عدد الصفحات ٤٦

47 - كيف كان يومك الأول بزيكو؟ كانت الأصوات عالية من حولهما فاضطر خالد أن يرفع من صوته : - يوم ي الأول ؟.. مش فاهم لحد دلوقت ي إيه اللي بيحصل لي.. ضحك يامن: - ربما لأننا في أعياد زيكولا.. ما إن تنتهي الأعياد حتى تعود الحياة مرة أخرى إلى الطبيعة.. إنها أيام استثنائية ليست كباقي الأيام.. فابتسم خالد: - ياريت ثم سأله: - أمّال فين المزة بتاعتك ؟ فاندهش يامن: ماذا؟ ! فضحك خالد: - أقصد حبيبتك.. أنا شايف معظم الشباب معاهم بنات.. فابتسم: - آه.. لا، إنني لم أرتبط حتى الآن.. نظر خالد إلى الأمام و سأله: - هو إحنا رايحين فين؟ ثم شعر أنه لم يفهمه فسأله مجددً ا: - إلى أين نحن ذاهبون ؟ فضحك يامن: - إننا ذاهبون إلى أرض الاحتفال حيث سيلتق ي هناك كل أهل زيكولا .. و سيُذ بح شخصٌ ما.. فقال خالد:

عدد الصفحات ٤٧

48 - آه، عرفت .. الفقير.. ثم صمت، و أكملا مسيرهما مع السائرين .. حتى سأله مجددً ا: - يامن.. هي مين دي؟ و أشار إلى الفتاة التي ترم ي بالورد من العربة.. فأجابه: - إنها أسيل.. طبيبة زيكولا.. فهمس إلى نفسه: أسيل.. طبيبة؟ ثم وجدها تقذف بوردة إلى أعلى و تسقط تجاهه.. و تصارع الشباب معه حتى قفز مستغلاً طوله، و أمسكها و نظر إليها مبتسمً ا فابتسمت له ابتسامة جعلته هائمً ا للحظات.. الجميع يسيرون، و خالد يعجبه ذلك الاحتفال .. و الموسيقى الرائعة التي تحلّ ق في كل مكان، و رائحة الورد التي أنعشت صدره حتى تناس ى أسئلته لنفسه عن أرض زيكولا.. و سار بجوار يامن و هو ينظر إلى العربة و إلى أسيل التي تبتسم كلما أمسك أحد بوردة قذفتها.. ثم ينظر نظرة مختلفة تمامً ا مقوسً ا حاجبيّه إلى الفتاة الأخ رى التي رفض أن يسير معها.. و التي لم تُزح نظرها عنه طول الوقت ، و ما إن تصطدم عيناه بها حتى تُخرج له لسانها غضبً ا.. فينظر مجددً ا إلى أسيل، و يستنشق رحيق الوردة التي أمسكها و يبتسم.. و تابع سيره معهم حتى وصلوا إلى أرض واسعة.. و فوجئ بوجود كمّ هائل من الناس قد يتعدى الخمسين ألفً ا.. فاندهش و سأل يامن: - إيه الناس دي كلها؟ ! فرد يامن: - إنهم أهل زيكولا.. جاءوا من مناطقها الكثيرة .. إننا جئنا من منطقة واحدة ، و باقي الناس جاءوا من المناطق الأخرى .. ثم ابتسم فرحً ا حين اقترب منه شاب آخر .. و احتضنه كثيرً ا ثم نظر إلى خالد : - إنه صديق عمر ي إياد.. و أشار إلى خالد محدّثً ا صديقه:

عدد الصفحات ٤٨