17 - فيه دكتور اتقدم لبابا عشان يتجوزني.. و طبعً ا أنا كنت متأكدة إن بابا هيرفض .. بس فوجئت إنه وافق .. فصاح بها: - إيه.. وافق؟!! - آه.. وافق و مصرّ إني اتجوزه.. و تساقطت بعض دموعها بينما شرد خالد - و أنا؟ - حاولت اتكلم معاه بخصوص حب ي ليك.. فضربن ي على وش ي.. و قال إ نه عارف مصلحتي أكتر منّ ي.. و إن مستقبلي مضمون مع الدكتور .. و إني هتعب معاك.. * * * كانت منى تتحدث، و اختلط حديثها بدموعها.. و خالد ينصت لها لا يصدق ما تسمعه أذناه.. ماذا يريد هذا الأب المجنون؟ كان يخبره بأنه يريد لا بنته شخصً ا فريدً ا من نوعه.. و لكن يبدو أنه كان يريد أي شخص إلا خالد حسني.. أنا.. هل يضيع حب تلك السنوات بين عشية و ضحاها؟!.. إنه لم يحب في حياته مثلما أحبها.. و لماذا لم تعترض هي على قرار أبيها؟ !.. هل استسلمت خوفً ا من عنوستها؟.. كلها أسئلة دارت في ذهنه بينما كانت تتحدث، حتى طلبت منه الرحيل كي لا تتأخر عودتها إلى منزلها.. و كأنها تهرب من لقائه.. فابتسم ساخرً ا مشيرً ا لها بيده أن ترحل دون أن ينطق.. و كانت المرة الأولى التي يتركها ترحل بمفردها.. و جلس بمكانه ينظر إليها و هي تغادر، و كأنها المرة الأخيرة التي يراها بها، و يخنقه هذا الضيق الذي يشعر به.. تلك هي المرة الأولى التي يشعر معها بالهزيمة.. إحساس لم يجتحه من قبل.. لم ينتبه في أي مرة تقدم إليها لخطبتها و رُف ض بها.. كان يعلم أن هناك ما يدعى الأ مل حتى لو تقدم إليها مائة مرة حتى يقبل أبوها.. يتذكر تحم له لنظرات الناس إليه، و سخريتهم منه حين كان يخبرهم بأنه سيتزوجها ذات يوم، و ستبقى قصة حب يخلدها التاريخ.. كان يظن نفسه أحمق حين طلب
عدد الصفحات ١٧08 منها ذات مرة أن يتزوجها دون معرفة أبيها فرفضت، و دام خصامهما لمدة طويلة حتى اعتذر منها مجددً ا.. و لكنه أكثر حماقة الآن .. إنها ستوافق على ذلك الطبيب كما وافق أبوها .. ربما أرادت أن تقابلني تلك المرة ك ي ترض ي ضميرها فقط لا غير.. هكذا حدّث نفسه .. حب سنوات يذوب كقطعة جليد في ثوانٍ قليلة.. حتى قطع شروده صوت رنين هاتفه.. و حين قام بالرد ، وجد صاحب العمل الذي يعمل لديه يوبخه لتغي به؛ فلم يتمالك أعصابه، و أخبره أنه لن يعمل لديه مجددً ا.. و أغلق الخط على الفور .. * * * بعدها عاد إلى بلدته.. يمش ي في شوارعها مطأطئ الرأس.. يشعر بطعم الهزيمة في حلقه.. لا يريد أن يتحدث إلى أحد.. حتى وصل إلى بيته، و دخل غرفته ثم نظر إلى حوائطها المغطاة بتلك الأوراق التي كان يعلّقها دائمً ا.. أوراق طلبه للزواج من منى ورفضه في الثماني مرات، ووقف أمام كل ورقة على حدة ينظر إليها و هو يسخر من نفسه.. و يضحك بصوت عالٍ كأنه أصابه الجنون ثم قام بتمزيقها جميعً ا، و جلس على أرضية الغرفة واضعً ا رأسه بين يديه.. سابحً ا في ذكرياته مجددً ا، حتى انتفض ذاهبً ا إلى حجرة جده.. فوجده قد أنهى صلاته.. فسأله: - انت قلت لي إن فيه حد عنده كلام كتير عن السرداب.. فرد جده في هدوء: - انت خلاص قررت؟ - أيوة.. أنا عايز أنزل السرداب .. - عشان منى؟! تمالك خالد نفسه: - منى خلاص راحت من إيدي.. و خلاص سيبت شغلي.. و لازم أنزل ..
عدد الصفحات ١٨19 ثم أكمل: - لازم ألاقي حاجة واحدة في حياتي أقدر أحكيها لولاد ي من بعدي.. عايز أحس مرة واحدة إن ي بطل قدام نفس ي.. إحساس ي بفشلي بيقتلني.. فسأله جده : - مش خايف إنك مترجعش ز ي أبوك و أمك؟ فأجابه: - صدقني.. الحاجة الوحيدة اللي كنت خايف عليها.. إني أسيبك لوحدك ، لكن طالما انت بتشجعني، مفيش مكان لأ ي خوف في قلبي.. فابتسم جده: - و العفاريت.. و الأشباح و إنه مسكون ؟ - معتقدش إني هلاقي عفريت أصعب من بن ي آدم.. أنا خلاص قررت إني هنزل .. و كان عندك حق لما قلت لي إن منى مش هي السبب.. بالعكس بعد ما منى راحت من إيدي بلحظات، زاد حبى للنزول أكتر من الأول .. يمكن ألاق ي في السرداب الذكرى الل ي تخليني أقدر أنس ى إهانة ست سنوات لنفس ي.. ثم سأل جده: - مين الراجل ده .. و فين ألاقيه.. فابتسم جده: - اطمن.. هو سمع كل كلامنا.. و يمكن اتأكد إنك عاوز تنزل السرداب فعلاً .. * * * نظر خالد إلى جده مندهشً ا و كأنه لا يفهم شيئًا حين دخل عليهما رجل عجوز يقترب في سنه من جده.. و على الفور تحدّث جده ، و أشار إلى العجوز : - أعرّفك بمجنون السرداب.. أكيد تعرفه.. نظر إليه خالد :
عدد الصفحات ١٩21 - أيوة طبعًا.. الحاج مصطفى أصلان !! فأكمل جده : - مصطفى كان أول واحد فكر إنه ينزل السرداب من خمسين سنة .. و كنا مسمينه مجنون السرداب .. و كان دايمً ا يقول إن عنده معلو مات محدش يعرفها عن السردا ب، و مستني اليوم اللي يقرر فيه حد ينزله.. بعد ما أبوك و أمك مرجعوش .. ثم تركهما ك ي يكملا حديثهما بمفردهما .. * * * نظر خالد إلى هذا العجوز .. و تعجب مما قاله جده؛ فإنه يعرفه منذ سنوات عديدة.. و لم يعلم أنه مجنون السرداب الذي طالما سمع جده يتحدث عنه و هو صغير.. حتى قطع صمته العجوز : - جدك حكى لي أد إيه انت عاوز تنزل سرداب فوريك.. و أنا اتأكدت دلوقت.. - أيوة.. بس أنا أول مرة أسمع إن السرداب اسمه سرداب فوريك.. تابع العجوز حديثه : - هو ده الإ سم الحقيقي للسرداب.. و لو بحثت عن الإسم ده في أي مكان استحالة تلاقي أي معلومة عنه.. ثم تنهد و أكمل: - الناس بتفكرنا أنا و جدك في عداد المجانين لو اتكلمنا عن السرداب.. و مش مصدقين إننا من خمسين سنة نزلناه فعلاً .. بس دي عندهم حق فيها.. فسأله خالد: - عندهم حق.. يعني إيه؟
عدد الصفحات ٢٠21 فأجابه العجوز- أيوة .. عندهم حق، يمكن دي معلومة أنا الوحيد الل ي أعرفها .. إن من خمسين سنة لما نزلنا احنا الأربعة.. منزلناش سرداب فوريك.. و يمكن عشان كده طلبت من جدك إنه يسيبنا لوحدنا .. لأني مش عايز أحطم نقطة فخره بنفسه.. - أو مال النفق اللي نزلتوه ده كان إيه؟ - النفق ده مجرد طريق لسرداب فوريك.. و الدليل على كلامي إن النفق على عمق مش كبير.. و له مسافة معينة، و الدليل الأكبر إن لمبات الجاز انطفت بعد دقايق من نزولنا.. - أه.. العفاريت .. فضحك الرجل : - لا، تقصد التهوية .. النفق غير السرداب .. الأكسجين في النفق قليل .. و تقريبً ا ممكن ميكونش موجود لو باب النزول اتقفل .. و وقتها لما لمبات الجاز انطفت أنا قلت عفريت .. و الكل خاف و جر ي .. بس بعد كده اكتشفت إنه كان خيال حد فينا.. و من جوايا كانت سعادت ي ملهاش وصف.. لأني حسيت إني حطيت رجلي على أول طريق السرداب .. و فضلت حاطط أمل لنفس ي إني هوصل للسرداب في يوم .. بس السنين فاتت، و المرض حاصرن ي، و فضلت مستني اليوم الل ي ينزل فيه حد غير ي السرداب .. و يحقق حلمي.. ثم أخرج كتابً ا قديمً ا من معه.. و أكمل: - الكتاب ده من نسخة واحدة .. اللي كتبه شخص نزل السرداب قبل كده.. لقيته بالصدفة في كتب والد ي لما كنت شاب.. لكن للأسف عامل الزمن كان أثّر عليه قبل ما ألاقيه.. فكان السليم منه تقريبً ا عشر ورقات بتتكلم عن سرداب فوريك.. ثم أعطى الكتاب لخالد.. و أشار إليه أن يقرأ سطور الكتاب بصوت عالٍ .. * * *
عدد الصفحات ٢١22 أخذ خالد الكتاب ليقرأ وريقاته.. بينما جلس العجوز ليستمع إليه، و يحتس ي كوب الشاي الذي برد بالفعل .. و بدأ خالد في قراءة سطوره المكتوبة بخط اليد.. و التي تحدّثت عن فوريك ، أحد الأثرياء الذين تواجدوا في العصر المملوك ي.. و كان يمتلك تلك المنطقة التي توجد بها بلده، البهو فريك - التي كانت تسمى وقتها .. بهو فوريك.. و ما يحيطها من بلدان، و قد أمر أن يتم حفر ذلك السرداب على عمق كبير ك ي يكون ملاذً ا له و لأهل مدينته إن تعرضت بلاده لأ ي غزو .. و استغرق حفره و تشييده أكثر من خمسة عشر عامً ا.. و خُزنت به ثروات كثيرة من ذلك الزمن .. ثم تحدّث من قام بكتابته عن رحلته للسرداب .. و عن ذلك النفق الذي لا تو جد به تهوية .. و لابد من تجاوزه في أسرع وقت إلى السلم الحقيق ي للسرداب .. و الذي يمتد لأكثر من ثلاثين مترً ا تحت الأرض.. و منذ تلك اللحظة فلن توجد أدنى مشكلة بالتهوية .. فقد صُمم هذا السرداب بكل براعة .. لا يُعرف كيف تمت تهويته بتلك الطريقة .. أما تعجب خالد فقد زاد حين قرأ أن السرداب لايكون مظلمً ا ليلاً يو م يكتمل البدر في السماء رغم وجوده تحت الأرض.. إنهم مهندسو الماض ي.. يا لها من براعة .. حتى انتهت العشر ورقات حين كتب صاحبه : "كنت أظن أن الكنز الحقيقي هو الثروات التي خُزّ نت به.. و لكنني اكتشفت ما هو أثمن من ذلك كثيرً ا، و أعظم من كنوز فوريك.. إنني اكتشفت... حتى انتهت العشر ورقات دون أن تكتمل الجملة.. * * * نظر خالد إلى العجوز في لهفة: - اكتشف إيه؟ فأخبره العجوز أنه لا يعلم.. و أنه وجد الكتاب على تلك الحالة.. و ظل سؤال ماذا اكتشف صاحب هذا الكتاب يشغله طوال خمسين عامً ا.. ثم نظر إلى خالد: - لو كنت عاوز تكتشف اللي اكتشفه.. لازم تكون في السرداب الليلة دي..
عدد الصفحات ٢٢23 - الليلة دي؟!! - أيوة .. الليلة دي القمر بدر.. و ده التوقيت الل ي بيكون فيه السرداب منوّر حس ب كلام الكتاب.. فصمت خالد قليلاً .. ثم نظر إليه: - و أنا مستعد أنزل .. مستعد لفرصة حيات ي.. * * * كانت الساعة تقترب من السادسة حين تركه العجوز و غادر.. و ترك معه هذا الكتاب الذي تصفحه لأكثر من مرة.. و مع كل مرة تزداد رغبته في نزول السرداب.. يدفعه ذلك الفضول إلى معرفة ما اكتشفه كاتبه.. يشعر أنه يمتلك سرً ا من أسرار الزمان.. و يسأل نفسه: هل اكتشف كنوزً ا لا حصر لها؟.. هل توجد آثار بالأسفل، و أكون أنا مكتشف القرن الحادي و العشرين؟ .. و ظل هائمً ا في أحلام اليقظة.. * * * اقتربت الشمس من المغيب فصعد أعلى بيته.. و نظر إلى بلدته.. ينظر إلى أراضيها الزراعية.. و إلى الأشجار العالية، و الطيور التي تزينها.. ينظر إلى البيوت المجاورة و كأنه يراها لآخر مرة.. يستنشق نسيم بلده العطر، و يتحدث إليها.. ربما يكون آخر نهار لي هنا.. أتمنى ألا يكون .. ثم عاد إلى حجرته ليتم استعداده لرحلته.. * * * مر الوقت، و دخل الليل، و زُيّ نت السماء بالبدر.. و ها هو ينتظر حتى يسكن الهدوء البلدة.. و هو يعلم أنه لن ينتظر كثيرً ا.. فعادةً يدب الهدوء بلدته بحلول العاشرة مساءً على الأكثر .. لا يتأخر بها سوى صديقه دكتور ماجد منير، و الذي يغلق صيدليته في وقت قد يتجاوز الثانية عشر ة.. إنه لا يريد أن يراه أحد و هو متجه إلى
عدد الصفحات ٢٣24 ذلك البيت المهجور في أطراف البلدة .. حتى دقت الساعة الواحدة صباحً ا.. و استعد للرحيل ، و نظر إلى جده مبتسمً ا مودعً ا له: - إن شاء الله هرجع .. فابتسم جده : - أكيد هترجع إن شاء الله.. ثم طلب منه أن ينتظر لحظة .. و أخرج الصندوق الخشبي.. ثم فتحه و أخرج منه (ألبوم) الصور القديم.. فسأله خالد: - إيه ده؟!! فقام جده بتقليب بعض صفحاته ووقف على تلك الصورة التي توقف أمامها من قبل، و تحدّث إليه : - عارف مين دول ؟ فنظر إليها خالد و مازالت الدهشة تتملكه.. فأكمل جده: - دي صورة أبوك و أمك.. كانت آخر صورة لهم قبل ما يسيبوني.. ثم دمعت عيناه فدمعت عينا خالد هو الآخر .. و ظل متأملاً بها: - أول مرة أشوف صورتهم.. فأكمل جده: - كنت مستن ي اليوم ده .. و فضلت معذب نفس ي عشان اليوم ده .. ثم أعطاه الصورة، و مسح بيده دموعه، و احتضنه.. فهمس خالد في أذنه: - هرجع لك يا عبده .. هرجع .. ثم غادر.. * * *
عدد الصفحات ٢٤25 كان الهدوء يسود البلدة .. و لم يكن يسير بشوارعها أحد سوى خالد و الذى كان يحمل حقيبة كتفه ، و ما بها من طعام يكفيه لعدة أيام، و مصباح للإنارة، و الكتاب الذي أعطاه له العجوز ، و بعض الأوراق و الأقلام؛ اعتقادً ا منه أن هناك ما قد يحتاج لتدوينه .. و قد وجد عدم حاجته لـ (كاميرا ) تصوير ؛ فوجود هاتفه الخلو ي يغنيه عنها .. كان يسير مسرعً ا إلى أطراف البلدة حيث ذلك البيت المهجور .. و ما إن اقترب من ه و من سوره العالي حتى عزم على تجاوز ذلك السور .. * * * أما جده فكان يجلس وحيدً ا يقرأ في كتاب الله، و يدعو ربه أن يعود به سالمً ا.. حتى سمع طرقات على باب بيته.. و قد ظن أن خالدً ا عاد من جديد.. و ما إن قام ليفتح الباب حتى وجد منى في وجهه.. و قد اندهش حين وجدها أمامه في ذلك الوقت المتأخر من الليل.. حتى سألته : - فين خالد..؟!! و مش بيرد على تليفونه ليه؟! رد جده: - ليه؟ ! أجابت منى في فرحة: - خلاص يا جدو.. قدرت أقنع بابا إننا نتجوز أنا وخالد.. و مش قادرة استنى للصبح عشان أقوله.. خايفة يكون لسه زعلان من الصبح.. فابتسم العجوز ثم صمت.. * * * تجاوز خالد سور البيت المهجور .. و أنار مصباحه حين وصل إلى مكان الصخرة الذي وصفه له جده بالتفصيل.. و التي كان يصعب أن يصل إليها دون وصف جده
عدد الصفحات ٢٥26 له.. ثم حاول إزاحتها فلم يستطع في البداية رغم قوته البدنية.. فحاول مرة أخرى دون أن يستطيع.. فصاح بنفسه أنه لن يستسلم.. و عاد للمحاولة مرة ثم مرة ثم مرة .. و قد انساب العرق من جبينه، و لكن دون جدوى .. حتى وجد لوحً ا قديمً ا من الخشب ففكر أن يكون وسيلة لإزاحة الصخرة.. و بدأ يحاول من جديد ، و يصرخ مجددً ا لن أستسلم.. و يدفع بقوة ، و يضغط أسنانه ببعضها.. و يدفع اللوح الخشب ي.. و يصيح، و يدفع.. حتى تحركت الصخرة بعض الش يء تبعها سقوطه على الأرض.. ما إن تحركت الصخرة تلك الحركة الضئيلة .. حتى سهل تحريكها بعد ذلك .. و دفعها رويدً ا رويدً ا.. بعيدً ا عن باب حديدي كان يرقد أسفلها .. حتى سقط على ركبتيه .. و ازدادت ضربات قلبه، و تسارعت أنفاسه.. و قال مبتسمً ا لنفسه: - إجمد يا بطل.. إحنا لسه في البداية.. * * * بعدها نظر إلى الباب الحديدي الذي احتل مربعً ا من الأرضية.. و سمى الله.. و قام بفتحه، فلم يكن موصدً ا بأي نوعٍ من الأقفال سوى الصخرة.. و ما إن فتحه حتى أحدث صريرً ا دل على غلقه لمدة طويلة.. ثم وج ه ضوء مصباحه بداخله فوجد سلمً ا عموديً ا إلى الأسفل.. فتحدث إلى نفسه مشجعً ا لها: - بسم الله نبدأ طريقنا للسرداب.. * * * بعدها بلحظات بدأ نزول ذلك السلم.. و ما إن نزل حتى أُغلق الباب مجددً ا.. و كأنه حُب س .. فعلم أن اللوح الخشبي الذي كان يدعم فتح الباب قد كُس ر .. فلم يهتم بذلك.. ما شغل باله هو تجاوز النفق في أسرع وقت .. و تابع نزوله دون أن ينظر لأسفل.. يخطو درجة وراء الأخرى .. حتى وجد نفسه داخل نفق مظلم.. لا يوجد به ضوء سوى ضوء مصباحه.. فتحرك بضع خطوات يتحسس طريقه.. يمسك
عدد الصفحات ٢٦27 المصباح بيده اليمنى، و يزيح شباك العنكبوت الكثيفة بيده اليسرى .. حتى سار لعدة أمتار فبدأ يشعر بسرعة ضربات قلبه .. يحاول أن يرى نهاية ذلك النفق.. و لكن دون جدوى بعدما حالت شباك العنكبوت دون ذلك.. * * * تقدم خالد في الظلام أكثر و أكثر.. يبحث عن سلم السرداب الذي أخبره به العجوز .. و أسرع في تحركه بعدما شعر بضيق صدره الذي ازداد حين قل الهواء بصورة شديدة.. و بدأ يضع يده على رقبته من الاختناق.. و يتحرك، و لا يجد ذلك الطريق إلى السرداب.. يجر ي كالمجنون و قد خرّت قواه.. يتحسس حوائط النفق بيده.. يبحث عن أي فجوة بها.. و لكن دون جدوى .. يسأل نفسه لاهثً ا: أين أنت أيها الطريق؟ .. يعلم أنه لن يستطيع حتى العودة إلى سلم النفق.. سيموت مختنقً ا قبل أن يعود.. يسرع في طريقه إلى الأمام.. يبحث في كل مكان.. على الجانبين و أعلى و أسفل.. و لكنه لم يجد شيئً ا.. حتى سقط على الأرض.. و سقط بجانبه مصباحه، و صرخ بصوت واهن : - لا يوجد سرداب.. لا يوجد.. ثم صمت.. و أمال رأسه جانبً ا.. وكاد يغمض عينيّه مستسلمً ا.. قبل أن ينظر بعيدً ا إلى بقعةٍ أضاءها مصباحه الملقى بجواره .. فابتسم ابتسامة شابها إعياء شديد، و تحدّث : - سرداب فوريك.. ثم أغمض عينيه للحظات حتى فتحهما مرة أخرى .. و نظر مجددً ا إلى ألواح خشبية متراصة ظهرت في بقعة الضوء، و كأنها بابٌ صغيرٌ يوجد بأحد جانبي النفق.. * * *
عدد الصفحات ٢٧28 (3 ) كان الباب الخشبي يبعد عن خالد عدة أقدام.. و مازال خالد مُلقى على ظهره من شدة الإعياء حتى انتفض مجددً ا، و تحرك بجسده تجاه هذا الباب ، يزحف كأنه إحدى الزواحف.. لا يقوى أن يقف على قدميه، و ينازع اختناقه كمن ينازع الغرق .. يتحرك بجسده ، و يدفع بقدميه، و يستعين بذراعيه.. واضعً ا مصباحه بين فكيّه .. يقاوم أكثر و أكثر.. و يحدّث نفسه أنه الأمل ، إنه سرداب فوريك .. حيث الهواء .. حيث الحياة، يهذي بكلمات يقوّ ي بها نفسه.. و يقترب أكثر و أكثر من الباب.. و يدفع بقدمه في قوة .. حتى توقف جسده مرة أخرى بعدما خرّت قواه، و لم يكن يتبقى سوى أقدام قليلة نحو الباب.. تنظر عيناه إلى الباب .. و يحاول أن يمد ذراعه إليه لكنها لا تلمسه و كأنها استسلمت.. حتى صرخ صرخة قوية ، و كأنه يجمع ما تبقى لديه من قوة ، و قذف بجسده تجاه الباب كصخرة اندفعت نحو باب خشب ي أذابه الزمن فانكسرت ألواحه .. و اندفع بد اخله ليجد جسده يهوى على سلم خشب ي مغمضً ا عينيه يتدحرج كما تتدحرج الكرة حين تسقط على درجات سلم.. و لم يستطع السيطرة على جسده على الإطلاق.. يرتطم بين الحين و الآخ ر.. و يزداد سقوطه أكثر و أكثر.. ثم هدأ ارتطامه قليلاً حتى توقف.. و قد فتح عينيّه ليجد نفسه في مكان مختلف تمامًا .. * * *
عدد الصفحات ٢٨29 فتح خالد عينيه.. فوجد نفسه مُلقى على إحدى درجات السلم العريضة .. و قد انتعش صدره بالهواء كأنه ارتوى ببئر ماء بعد ظمأ شديد.. و زاد سروره حين و جد نفسه يرى كل ش يء دون الاستعانة بمصباحه و قد زال ظلام النفق.. حتى وقف على قدميه، و صرخ : - أنا في سرداب فوريك.. أنا في سرداب فوريك.. بعدها نظر إلى أسفل حيث لم ينته السلم بعد.. وأسرع إلى أسفل يخطو درجاته في أمل.. لا تعوقه آلام ارتطامه حين سقط.. يريد أن يكتشف كل ش يء في وقت قليل قبل أن يختف ي البدر.. و يتحدث إلى نفسه أن كل ما ذكره الكتاب حتى الآن قد وجده.. الهواء موجود بالفعل ، و إضاءة البدر تنير له طريقه ، و كأنها جُمعت لتزدا د قوة إضا ءتها داخل السرداب .. يالها من براعة هندسية .. و لكن ظل سؤاله إلى نفسه؛ ماذا اكتشف صاحب الكتاب ؟!.. حتى انتهى السلم .. و وصل إلى نهايته ، فوجد نفسه في السرداب .. * * * وجد خالد نفسه أمام نفق كبير أكبر كثيرً ا من النفق الذي مر به سابقً ا.. فارتفاعه يقترب من العشرة أمتار.. و اتساعه يبلغ مثل ارتفاعه.. حتى سار به، و ينظر إلى جدرانه الضخمة في دهشة كأنه في مزارٍ سياحيّ .. و أخرج قلمه و أوراقه.. و أخذ يكتب بعض السطور عمّ ا يراه.. و يتقدم أكثر و أكثر، و يسأل نفسه؛ كيف يو جد هذا السرداب الضخم أسفل بلده و لا يعلم عنه سوى صاحب الكتاب المجهول و بعض الأشخاص الذين لن يصدقهم أحد؟!!.. إنه قد يكون أعظم اكتشاف بالعصر الحديث.. و قد يجعل من بلده مزارً ا سياحي ا.. يبدو أن الكاتب قصد باكتشافه، السرداب نفسه.. و يسير منبهرً ا و يتقدم.. و يضحك بهستيرية ، لقد انتهى الألم.. لعله يجد أحد الكنوز الآن.. يبحث في كل جوانب السرداب.. لا يريد أن يترك شبرً ا واحدً ا يفوته.. حتى ارتطمت قدماه بش يء ما.. و ما إن نظر إليه حتى انتفض قلبه حين وجده هيكلاً عظميً ا لأحد
عدد الصفحات ٢٩01 الأشخاص.. و قد كانت المرة الأولى التي يرى فيها مثل هذا الهيكل ، لكنها لم تكن الأخيرة .. فكلما تقدم وجد أكثر و أكثر.. حتى بدأ الخوف يتسرب إلى قلبه .. و كأن تلك الهياكل تتحدث إليه بأنها مصير كل من دخل هذا السرداب .. و دار بخلده أن يكون أحدها لأبيه أو أمه.. و تمنى أن تكون الحقيقة غير ذلك.. * * * بعدها شعر أن الإضاءة تقلّ شيئً ا فشيئً ا من خلفه.. فنظر إلى ساعة يده فوجدها قاربت الخامسة فجرً ا.. و علم أن البدر قد بدأ في زواله.. و لا يعلم ماذا سيحدث بعد ذلك.. ما ذكره الكتاب أن السرداب يظل مضاءً وقت وجود البدر.. و لم يذكر شيئً ا آخر، حتى مر قليلٌ من الوقت.. و تلاشت معه إضاءة السرداب تدريجيً ا.. فلم يعط اهتمامً ا لذلك.. و تقد م أكثر و أكثر.. حتى وجد صورةً نُق ش ت على أحد جدار ي السرداب لشخصٍ تبدو على ملامح ه الثراء.. فتحدث إليه مبتسمً ا: - أكيد انت فوريك.. أحب أعرّ فك بنفس ي.. أنا خالد حسني، مكتشف سردابك العظيم.. و اللي بسببك هيعيش أحلى أيام حياته.. ثم أخرج هاتفه ليلتقط له صورة.. و ما إن التقطها حتى شعر بهزة عنيفة تحت قدميّه كادت تسقطه، فالتفت جانبً ا ليجد جدران السرداب تنهار بعيدً ا في طريقها إليه و يقترب منه الانهيار بشدة، فعاد بظهره للخلف بضع خطوات.. بعدها لم يجد أمامه سوى أن يلتف بجسده و يجر ي للأمام.. * * * يجر ي خالد سريعً ا و انهيار الجدران يسرع خلفه كأنه فريسة يلاحقها أسد مفترس.. لا يصدق عينيّه.. يشعر بأنه في حلم ما، و يسرع .. و تسمع أذناه صوت ارتطام صخور الجدران الضخمة.. لو أصابته صخرة واحدة لقتلته.. حتى سقطت حقيبة كتفه و ما بها فلم يعبأ بذلك.. وواصل عدوه.. تساعده قدماه الطويلتان و خطواته الواسعة.. و يجر ي إلى حيث لا يعرف.. يجر ي إلى المجهول .. و يصرخ بداخل نفسه..
عدد الصفحات ٣٠31 كيف يعود إلى بلده مجددً ا؟ !.. إنه الهلاك .. إن السرداب ينهار .. ماذا حدث بالأعلى؟! حتى وجد نفسه أمام طريقين انقسم إليهما السرداب .. فاندفع إلى أحدهما، دون رغبته حين انهار الطريق الآخر قبل أن يصل إليه.. و كأن الانهيار يتحكم في مساره.. ثم فوجئ بنفسه يجر ي إلى مرتفع يتجه للأعلى .. و يلا حقه الانهيار أسرع و أسرع يريد أن يبتلعه .. يحاول أن يقاوم صعوبة الصعود.. و يتقدم و يخطو بقدميّه سريعً ا.. حتى وجد نو رً ا شديدً ا على مرمى بصره كأنه نور النهار الذي يعرفه جيدً ا فأسرع إليه و مازال الظلام و الانهيار يلاحقاه حتى اقترب من الفتحة و قفز منها لتنهار من أسفله، و تغلق و كأن الأرض قذفته خارجها.. * * * وجد خالد نفسه مُلقى على الأرض.. و رأسه منغمسة في رمالٍ .. فرفع رأسه، و أز ال الرمال عن وجهه و عن عينيه.. و نظر إلى السماء و ضحك.. و شكر الله بعدما ظن أنه عاد مرة أخرى إلى أعلى.. و أنه قد نجا من انهيار هذا السرداب الملعون .. حتى نظر إلى السماء مجددً ا.. و لاحظ زرقتها و صفاءها إلى درجة لم يرها من قبل، و نظر حوله فوجد رمالاً بكل مكان و على مرمى بصره.. فنهض و دار بجسده ليرى ما حوله.. فلم يجد سوى صحراء واسعة تظلها سماء صافية فضرب رأسه بيده، و همس إلى نفسه: - فوق يا خالد.. انت بتحلم و لا إيه.. انت فين؟ !.. و إيه اللي جاب الصحرا دي هنا.. ثم نظر حوله مجددً ا، و سأل نفسه غير مصدقً ا ما يراه: أين هو؟.. و سار بضع خطوات في كل اتجاه لكن دون جدوى .. إنها صحراء لا يوجد بها أحد فجلس مكانه في دهشة.. و نظر إلى فتحة السرداب التي خرج منها فوجدها و كأنها لم تكن.. فضحك ساخرً ا.. و تحدّث خائب الأمل :
عدد الصفحات ٣١02 - واضح إن السرداب كان معمول عشان نعمّر الصحرا .. و الكنز و فوريك ده كان مقلب.. و يا ترى أنا في الصحرا الشرقية .. و لاّ الغربية .. و لاّ في سينا؟!!.. و لا أكون عبرت الحدود .. و رحت ليبيا.. أو السعودية .. ثم صرخ و كأن الجنون أصابه: - أنا فين؟!!!.. * * * مرت ساعات على جلوسه.. يجلس و لا يعلم أين يذهب.. و خلع قميصه، و وضعه فوق رأسه كي يقيه حرارة الشمس.. و اندهش حين نظر إلى ساعة يده فوجد عقاربها توقفت عن الحركة.. و لم يفكر بهذا الأمر كثيرً ا حيث فوجئ برجليّن يجريان بعيدً ا عنه.. فنهض و أسرع إليهما .. و بدأ الأمل يدّق قلبه حتى اقترب منهما فلاحظ زيّهما الغريب و شدة إعيائهما، و كأنهما مريضان بمرض مزمن شديد فأوقفهما.. و سألهما: - لو سمحتوا، أنا محتاج مساعدتكم.. فتركاه.. و واصلا جريهما، فأسرع خلفهما ليوقفهما مجددً ا: - انتو ا بتجروا ليه؟ !.. فنظر إليه أحدهما: - ألا ترى ما نحن به؟ ! تعجب خالد من لهجتهما الغريبة.. و ابتسم ساخرً ا مقلدً ا له: - أجل أرى يا سيدي.. ثم سأله: - إحنا في السعودية، صح؟ ! نظر إليه الرجل متعجبً ا: - ماذا تعني السعودية؟ !! ابتسم خالد.. و زفر زفيرً ا طويلاً .. و تحدّث إلى نفسه :
عدد الصفحات ٣٢