257 ووضعها أمامه بمكان تتخلّله الإضاءة عبر باب الغرفة ، فلمح خالد نفسه و قد أُزيل شعر رأسه و لحيته بالكامل فهز رأسه في حزن ، ثم تحرّك بجسمه إلى ركن بالغرفة، و نام على جانبه واضعً ا ساعديه أسفل رأسه.. * * * مرّت ساعات قليلة، و اقترب فجر يوم زيكولا، و سيطرت الدهشة على قصر الحاكم بعدما اختفت الطبيبة فجأة، و لا أحد يعلم أين ذهبت.. إن غادرت فلماذا تركت أغراضها بحجرتها؟ !.. لا يعلمون أنها قد وصلت إلى المنطقة الشرقية، و اتجهت إلى بيت الفقير حتى أوقفها أحد الجنود فابتسمت إليه : - أنا طبيبة زيكولا، و أريد أن أرى الفقير الآن .. فصمت الجندى ثم أجابها : - حسنً ا سيدتي.. و لكن عليك المغادرة سريعً ا.. ثم فتح باب الغرفة، و دلفت إليها فوجدت خالدً ا نائمً ا فاتحً ا عينيه بأحد أركانها، و قد حُلق رأسه.. فحاولت أن تتمالك نفسها و تمنع سقوط دموعها.. ثم جلست أمامه بركن آخر بالغرفة دون أن تتحدث، و مرت دقائق و هي تنظر إليه، و كلما أرادت أن تتحدث تصمت مجددً ا، و خالد ينظر إليها صامتً ا.. حتى نطقت : - كيف حالك يا خالد؟ فلم يرد فصمتت مجددً ا ثم أكملت بصوت هادئ: - كنت أحذّرك دومً ا حين كنت تفقد ذكاءك.. - أنقذت الفتى، و لم تأخذ مقابلاً .. - أنقذت الطفل من المرض، و لم تقبل أن تأخذ شيئً ا مقابل الخير.. ثم علا صوتها، و اختلط صوتها بالدموع :
عدد الصفحات ٢٥٧208 - أخبرتك أننا في زيكولا.. لابد أن تأخذ مقابلاً لكل ش يء.. ثم صمتت، و رشفت دموعها، و اكملت: - أرى أنك غاضبً ا مني.. لكنني أعلم أنك تحب الخير.. أريدك فقط أن تسأل نفسك.. هل كنت ستظلم أحدً ا آخر إن كنت مكاني.. ثم نظرت إليه ، و علا صوتها مجددً ا: - لماذا لا تجيب؟!! ثم نهضت، و تحركت نحوه ، و اقتربت منه ، و أكملت: - أعلم أنك تحبني يا خالد، و لكن عليك أن تضاعف حبك الكثير من المرّات كي تعلم كم أحبك .. فنهض خالد من نومته ، و جلس مكانه ثم تابعت أسيل: - خالد.. لن أتركك تموت هنا .. فرد خالد في ضعف، و قد أسند رأسه إلى الحائط : - ماذا ستفعلين؟ .. هل ستعطيني من ذكائك؟!! - وإن كنت ستعطيننى.. فمقابل ماذا؟!.. لا أمتلك شيئً ا أُعطيه لك مقابلاً .. ثم ضحك ساخرً ا، و نظر إلى سقف الغرفة : - أعلم جيدً ا أنه في تلك المدينة لابد أن يكون هناك مقابلاً لانتقال الذكاء .. ثم تحدّث في هدوء: - اذهبي، و احتفلي غدً ا مع من يحتفلون .. إنهم ينتظرون و رْد ك غدً ا.. إنهم ينتظر ون ابتساماتك إليهم .. فصمتت أسيل حتى دلف الجندي إلى الغرفة ، و نظر إليها:
عدد الصفحات ٢٥٨259 - سيدتى.. عليك أن ترحل ي الآن .. فنظرت أسيل إلى خالد ثم بدأت تخطو خارجة من الغرفة.. و ما إن وصلت بابها، و كاد الجندي أن يغلقه حتى أسرعت عائدة إلى خالد ، و نظرت إليه ، و وضعت رأسه بين كفيها : - خالد.. أريدك أن تقبّلن ي.. فنظر إليها خالد : - ماذا؟!! فأكملت: أريدك أن تقبّلن ي فحسب.. وتساقطت دموعها : - أريدك أن تقبّلن ي يا خالد.. إن كنت تحبني حقً ا فقبّلن ي .. فصمت خالد فابتسمت و الدموع تملأ عينيها : - حسنً ا.. سأقبّلك أنا .. ثم بدأت تقبّله ، و الجندي ينظر إلى ما تفعله أسيل في دهشة، و يبتسم و كأنه يتمنّى لو كان هو الفقير بعدما طالت قُبلتها و كأنها لا تأبه بش يء مما حولها.. حتى انتهت ثم نظرت إلى خالد مرة أخرى و مسحت دموعها، و غادرت على الفور .. * * * أشرقت الشمس، و أُغلق باب زيكولا، و تعالت مع غلقه دقات الطبول حتى فُتح باب غرفة خالد، و تقدم إليه قائد الحرس: - هيا.. ستبدأ الاحتفالات بعد قليل.. ثم أمر جنوده بأن يحضروه، و أركبوه عربة يغطّيها قماش أسود اللون يستطيع أن يرى الناس من خلال فتحة صغيرة به دون أن يراه م ن خارج العربة.. و تحركت
عدد الصفحات ٢٥٩261 العربة ، و خالد ينظر إلى الكم الهائل من الناس الذين يسيرون بانتظام، و يرتدون ملابس تبدو جديدة.. الرجال يمسكون بأيدي النساء.. و الفتيان يمسكون بأيدي الفتيات.. و يسيرون في فرحة شديدة .. يضع كل منهم حول رقبته عقدً ا من الورد، و تظلهم الموسيقى التي يعزفها مجموعة من الأشخاص أصحاب ز ي مختلف.. ثم نظر حزينً ا إلى الشباب الذين يمتطون أحصنتهم و خلف كل شاب فتاته تلف يدها اليسرى حول خصره و اليمنى تمسك بها ورد و تلوح بها .. ينظر إلى الحركات البهلوانية و يزيد حزنه بأنهم يحتفلون بذبحه.. يتحدث إلى نفسه بأنه قد احتفل معهم منذ شهور بذبح فقير غيره.. إنهم لا يشعرون بما يشعر به الآن.. تسير العربة وسط الزحام ، و قلب خالد يدق بقوة حين يجد الصبيان يشيرون إلى عربته ذات القماش الأسود ، و يصيحون : - انظروا.. إنها عربة الذبيح .. و الذين صاحوا مجددً ا حين أشاروا إلى عربة فخمة تسير بالموكب : - إنها عربة الطبيبة .. هيّ ا لنلتقط الورد.. و خالد ينظر إليهم في أس ى، و يتذكر حين التقط وردة أسيل و ابتسمت إليه، حتى أصابته الدهشة بعدما ظهرت فتاة أخرى غير أسيل، و بدأت تلقي بالورد وسط تعجّب من يسيرون ، و أكمل الموكب مسيره .. حتى وصل الجميع إلى ساحة الاحتفال .. * * * ألوف من أهالي زيكولا متواجدون .. الجميع يقفون أمام منصة الذبح ينتظرون وصول الحاكم ك ي يبدأوا الاحتفال .. و خالد يمكث بعربته ، يعلم أنها لحظات و سينتهي كل ش يء.. الجميع يتراقصون .. الفتيان يداعبون الفتيات، و الفتيات ترقصن و تهتز أجسادهن مع الموسيقى، و تبدو عليهن السعادة الشديدة، و الزحام بكافة أرجاء ساحة الاحتفال، و بينهم يامن الذي يتحرّك بصعوبة، و يريد أن يصل
عدد الصفحات ٢٦٠261 إلى الصفوف الأمامية القريبة من المنصة ، و قد بدا عليه التعب الشديد، و ربما كان الوحيد بين من يحتفلون الذي لا يرتد ي ملابس تليق بهذا الاحتفال .. بل كانت ملابسه بالية تلائم وجهه الذي يكسوه الحزن .. حتى سألته فتاة: - لماذا لا ترقص ؟! فلم يجبها، و أكمل سيره وسط الزحام .. حتى دقت الطبول ، و علا معها صوت النفير بعدما وصل الحاكم و زوجته و مساعدو ه، و اتخذوا أماكنهم بسرادق فخم مرتفع أمام منصة الذبح ثم صعد رجل ضخم إلى المنصة الخشبية و بيده سيف طويل ، و نظر إلى الحاكم و انحنى له .. بعدها دقت الطبول كثيرً ا، و صمتت الموسيقى ، و صعد جنديّان أقوياء يجرّان خالد حليق الرأس ، مكبّل اليدين و القدمين.. فدقت الطبول مرة أخرى ، و نزل أهل المدينة جميعهم على ركبهم بعدما أُسقط خالد على ركبتيه ، و الناس ينظرون إليه ، و بينهم يامن الذي آثر أن يغمض عينيه ثم نظر السياف مجددً ا إلى الحاكم فأشار إليه بأن يتابع عمله، و كاد يوخز ظهر خالد كي يشهق برأسه .. حتى صاح فتى بين من يقفون : - إنه غني.. إنه غني.. فنظر إليه خالد فوجده ذلك الفتى الذي أنقذه من الغرق من قبل.. ثم صاح رجل آخر: - نعم.. إنه ليس فقيرً ا .. ففتح يامن عينيه.. ثم نظر إلى خالد فوجده ليس شاحبً ا.. فصاح هو الآخر : - نعم.. إنه ليس فقيرً ا.. و خالد ينظر إلى ذراعيه في دهشة، و قد زال شحوبهما ، ثم وجد الفتى يسرع إلى المنصة و يجثو على ركبتيه بجواره، و يتحدث إلى الحاكم و من معه، و قد علا صوته :
عدد الصفحات ٢٦١262 - انظروا إليه.. إنه ليس فقيرً ا.. و أنا أيضً ا لست فقيرً ا.. إن كنتم تريدون أن تذبحوا من ليسوا فقراء احتفالاً بمولودكم .. فاذبحون ي معه.. ثم فوجئ خالد بأم الصب ي الذي أنقذه من ضربة الشمس تسرع مع طفلها إلى المنصة، و تجثو على ركبتيها ، و صاحت: - لقد أنقذ هذا الشاب ولد ي، و لن أتركه يموت ظلمً ا.. حسنً ا، أنا وولد ي لسنا فقراء أيضً ا.. فاذبحونا معه .. ثم صاحت فتاة بين من يقفون بالأسفل، كانت فتاة الليل بالمنطقة الشمالية: - أقسم إنه ليس فقير.. أنا أعرف هذا الشخص جيدً ا.. انظروا إلى جلده.. كيف يكون هذا جلد فقير.. وصاح يامن مجددً ا : - منذ متى يُذبح الأغنياء هنا ؟ ! ثم فوجئ بجميع من كانوا يعملون معه بتكسير الصخور يصيحون جميعً ا : - إنه ليس فقيرً ا.. إنه ليس فقيرً ا.. وسادت الضوضاء ساحة الاحتفال ، وصعد الكثيرون إلى المنصة، وسقطوا على ركبهم بجوار خالد ، وجميعهم يقولون إن كان سيُذب ح فإنهم يريدون أن يذبحوا أيضً ا طالما تواجد الظلم بذلك اليوم .. حتى نظر السياف إلى الحاكم، و كأنه لا يدر ي ماذا يفعل بعدما امتلأت المنصة بالكثير من عمال زيكولا.. فنهض الحاكم، و سأل أحد مساعديه: - أين طبيبة زيكولا؟ فأجابته إحدى الوصيفات : - ليست لها أثر منذ الأم س سيدي..
عدد الصفحات ٢٦٢263 فصاح إلى مساعده - أريد طبيب تلك المنطقة على الفور .. فتقدم أحد الأشخاص، و انحنى إليه ثم تحدث: - أنا طبيب المنطقة الشرقية بعد الطبيبة أسيل . فنظر إليه الحاكم : أريدك أن تخبرني كم يمتلك هذا الشاب من ذكاء.. فانحنى إليه الطبيب مجددً ا : - حسنً ا سيدي.. ثم اتجه الطبيب إلى المنصة ، و اقترب من خالد ، و خيّم الصمت على الجميع .. يترقبون ذلك الطبيب ، و قلب يامن ينتفض بقوة و احتبست أنفاسه .. و هو يراه يضع يده على جلد خالد، و يمسك بثنياته و أطال نظرته إليه .. ثم عاد إلى الحاكم: - سيدي، إنه ليس فقيرً ا.. إنه يمتلك الكثير من وحدات الذكاء تجعله أكثر ثروة من الكثير من أهالى زيكولا.. فسأله الحاكم: و كيف لم ينجُ من الزيكولا ؟ فابتسم الطبيب: نعلم جميعً ا أن الزيكولا تمثل القدر سيد ي.. و قد لا ينجو منها أكثرنا ثروة.. فصمت الحاكم ثم نظر إلى الطبيب مجددً ا : - و لماذا اختارته الطبيبة، و هو يمتلك تلك الوحدات من الذكاء .. أتريد أن يكون الاحتفال بولد ي بأن أظلم أحدً ا؟! ثم تابع: إنها بما فعلته خائنة لزيكولا .. و نظر إلى أحد مساعديه :
عدد الصفحات ٢٦٣264 - لم تعد تلك الفتاة طبيبة زيكولا بعداليوم .. بل لم يعد لها مكان بزيكولا .. لا يوجد بيننا مكان لخائنة.. ثم نظر إلى خالد الذي كان يترقب الحاكم دون أن يسمع حديثه بينه و بين مساعديه و طبيبه : - لقد عفونا عنك يابني.. إننا لا نظلم أحدً ا.. ليست زيكولا أرضً ا للظلم.. سيكون مولود ي أكثر سعادة و فخرً ا باحتفالك معنا.. ثم أمر قائد الحرس بأن يطلق سراحه .. فصاح الجميع مهللين، و أسرع يامن إلى المنصة، و احتضن خالد، و دموعه تتساقط : - لقد نجوت يا صديقي.. لقد فعلتها.. كنت أعلم أنك ستنجو .. ثم اقترب خالد من ذلك الفتى الذي صعد إلى المنصة فابتسم الفتى، و احتضنه: - مبارك لك أيها القو ي .. فابتسم خالد، و عيناه تلمع بالدموع : - لقد أنقذت حياتي.. فابتسم الفتى: - أنت من أنقذت حياتي أولاً .. ثم بدأت الاحتفالات من جديد ، و تعالت الموسيقى و التي بدت و كأنها أكثر بهجة.. و بدأت الفتيات ترقصن من جديد .. و الكثير من أهل زيكولا يتجهون إلى خالد ليصافحوه ، و خالد يسير بينهم ، و تتقلب عيناه بكل مكان .. يتحرك بين الز حام بصعوبة.. يبحث عن شخص واحد لا يريد سوى أن يجده.. إنها أسيل.. يتحرك في كافة الاتجاهات يتمنى أن يجدها .. و يسأل كل من يقابله .. هل رأيت الطبيبة ؟.. و الموسيقى تتزايد ، و خالد يبحث بين الفتيات، و كلّما وجد فتاة تشبهها يقتر ب منها.. حتى يعتذر حين لا يجدها هي.. حتى أصابه اليأس، و غادر ساحة الاحتفال ، و جلس
عدد الصفحات ٢٦٤265 على جانب أحد الشوارع وحيدً ا بعدما فقد يامنً ا وسط الزحام ، و ظل يفكر بما حدث له، و كأنه لا يعي شيئً ا مما عاشه، و ينظر إلى ذراعيه، و يسأل نفسه: كيف حدث ذلك؟.. و أين أسيل؟.. و لماذا لم تحتفل مع أهل زيكولا كعادتها؟.. حتى اقتربت منه طفلة صغيرة : - سيدي.. عليك أن تذهب إلى البحيرة الآن .. فابتسم خالد إليها : - لماذا؟ فابتسمت الطفلة و قالت : - لا أعلم، لقد أخبرتنى الطبيبة بالأمس .. بأن أخبر من ينجو من الذبح بأن يذهب إلى البحيرة .. * * *
عدد الصفحات ٢٦٥266 (21 ) اتسعت حدقتا عيني خالد بعدما سمع هذه الكلمات: "الطبيبة؟!.. أسيل.." ثم أسرع ع دْوً ا إلى البحيرة .. يدق قلبه بقوة .. لا تنطق شفتاه سوى بكلمة واحدة: أسيل.. و ينطلق بين من يحتفلون ، و يرتطم بهم ثم ينحن ي لهم ليقدم اعتذار ه.. ثم ينطلق مجددً ا، و قد ارتسمت البسمة على وجهه.. حتى وصل إلى شاطئ البحيرة ، و ظل يبحث عنها بكل مكان به، و صاح بصوته : أسيل.. أسيل.. و لكنه لم يجدها، و ظل يصيح بصوته يناديها ، و لكن دون جدوى حتى اقترب من شجرته التي طالما جلس بجوارها ، و بدا على وجهه الحزن ، فلمح ورقة قد عُلّ قت بتلك الشجرة ، و تتحرك مع الرياح ، فالتقطها على الفور فوجدها تبدو كرسالة تركتها أسيل.. و قد كتبت بها : ( لا أعلم كيف أبدأ حديثي.. و لكنني أتمنى أن تقرأ كلمات ي تلك يا خالد.. ر بما لا أكون ماهرة في الكتابة مثلك.. و لكنني أريد فقط أن أُعبّر عما يدور بذهن ي.. أريدك أن تعلم كم كنت أحبك.. لقد أحببتك منذ رأيتك تنقذ الفتى من الغرق .. و أنت من جعلني أشعر بالأنانية بعدما لم أردك أن تغادر و تترك زيكولا .. كنت أظهر لك مساعدتي، و لكنني لم أتمن لحظة واحدة أن تغادر ..
عدد الصفحات ٢٦٦267 خالد، لم أستطع أن أراك ذبيح زيكولا، و أظل أنا أحتفل بذلك اليوم.. أريدك بعد أن نجوت أن تخبر غيرك بأنك تمتلك أغلى كتاب بتاريخ زيكولا.. كما أنك تمتلك أيضً ا أغلى قُبلة بتاريخها .. أتتذكر حين أخبرتن ي أنك لا تمتلك شيئً ا تنال مقابله وحدات ذكاء؟.. إنك لا ترى ما تمتلكه يا خالد.. لقد رأيت ذلك.. و كانت تكفيني تلك القُبلة ك ي أدفع لك أغلى ثمنً ا مقابلاً لها.. كي تنجو من ذلك اليوم ، و تعود إلى حبيبتك؛ ذكي ا كما كنت.. أريدك فقط أن تعود إليها و تعيشا سعيدين.. أنا أعلم أنها لن تجد مثلك، و أعلم أيضً ا أنك لن تستطيع العيش هنا، و أعلم جيدً ا أنني لن أستطيع العيش بعالمك.. عُد إليها، و أتمنى أن تتذكرن ي بين الحين و الآخر .. ربما تجد ذلك النجم بالسماء .. فإن وجدته ف اعلم أنن ي أراه أيضً ا و أتمنى لك السعادة وقتها .. أعتقد أنني لن أترك السماء ليلة دون أن أتأمّلها بحثً ا عنه.. لقد أخبرتك أنن ي إن تركت زيكولا سأتركها لسبب قو ي للغاية.. و لا أعتقد أ نني سأجد سببً ا أقوى من إبقائك على قيد الحياة، و أريدك أن تخبر يامنً ا أنني أعلم جيدً ا أن من يحب سيفعل كل ش يء من أجل من يحبه.. سأذهب إلى بلدي بيجانا، و سأعمل هناك طبيبة أيضً ا.. أعلم أنهم في حاجة إلي ، و سأخبرهم دومً ا عن ذلك الشاب الذي أتى إلى زيكولا، و عمل الكثير من الخير دون أن يتقاض ى عنه مقابلاً .. في النهاية، اسمح لي يا خالد .. لقد احتفظت بأوراقك التي طالما جعلتن ي أشعر بسعادة لم أذقها من قبل.. و أتمنى أن تكون قد شعرت بكلماتي، و أعلم أنني لست ماهرة بالكتابة .. و لكن عل ي أن أرحل الآن قبل أن تشرق الشمس ، و يُغلق باب زيكولا). فهمس خالد إلى نفسه : "باب زيكولا.." ثم أسرع يعدو تجاه باب زيكولا.. يجر ي و لا يشعر بش يء من حوله.. يجر ي و لا تدور برأسه سوى كلمات أسيل.. يجر ي مسرعً ا كأنه لم يجر من قبل .. يتمنى أن تنقله
عدد الصفحات ٢٦٧268 الرياح إلى ذلك الباب .. من يراه يندهش ، و يرتطم بهذا و ذاك.. و يواصل ع دْو ه ، و يسقط و ينهض ليعدو مرة أخرى .. يستمع إلى أنفاسه المتسارعة ، و يكمل عدو ه و سقطت منه الورقة فتركها.. و أكمل طريقه .. حتى وصل إلى باب زيكولا فوجده مغلقً ا، و أمامه حارس ضخم الجثة فصاح به: - أريد أن أخرج.. فابتسم الحارس: - ألا ترى ؟ !!.. لقد أُغلق الباب مع شروق شمس اليوم .. فصاح خالد مجددً ا : - لابد أن أخرج .. فظهر الغضب على وجه الحارس حتى صاح خالد مرة أخرى ، و حاول أن يزيح الحارس بذراعه فدفعه الحارس بدرعه فعاد خطوات إلى الخلف، و سقط ثم نهض مجددً ا، و عاد إلى الحارس: - أريد أن أخرج.. فضربه الحارس ضربة قوية بدرعه أسقطته على ظهره، و جعلت الدماء تنزف من وجهه فاقترب منه يامن ، و أمسك بكتفيه: - هي ا يا خالد.. لابد أن نرحل عن هنا .. فنهض خالد، و نظر إلى الباب الضخم.. و انتفخت عروق رقبته، و صاح بصوته كأنه يود أن يهز جدران تلك المنطقة: - أسيييييل.. أسيييييل.. فجذبه يامن : - هي ا يا خالد.. هي ا.. لابد أن نرحل عن هنا .. ثم أعطاه ورقة أسيل التي سقطت منه، وقال :
عدد الصفحات ٢٦٨269 - لا تستطيع أسيل العودة إلى هنا مجددًا .. - كانت تعلم أنها ستصبح في نظر تلك المدينة خائنة.. ففضّلت أن تتركها ب كافة ما تمتلكه.. فصاح به خالد: - إنها ليست خائنة .. فابتسم يامن: - أعلم ذلك يا صديقي.. لقد قرأت تلك الورقة ثم نظر إليه: - لقد ضحّت بكل ش يء من أجل حياتك يا خالد.. - أنت تعلم ما كتبته إليك.. ما تمنته لك أن تعود إلى حبيبتك في عالمك.. و أن تعيش حياتك سعيدً ا.. هذا سيكفل لها السعادة.. - خالد، عليك أن تفعل ما يجعلها سعيدة الآن .. فنطق خالد حزينً ا: - كان لابد أن تعرف أن حبيبت ي تلك قد تزوجت.. فصمت يامن ثم قال: - لن تستطيع أسيل العودة إلى هنا.. و لن تستطيع أنت اللحاق بها.. عليك أن تعود إلى بلدك.. لقد فعلنا الكثير كي تتحقق أمنيتك بعودتك إلى بلدك .. فجلس خالد، و أمسك برأسه .. و حدّث نفسه بصوت مسموع : - لم أكن لأرض ى أن تفعل ذلك.. فصاح به يامن: -و لكنها فعلته، و لم يعد هناك وقت لما تفعله الآن .. هي ا انهض.. ثم جذبه:
عدد الصفحات ٢٦٩201 - أعلم أنك صديقي، و لكن أيها الصديق لا أريدك أن تظل هنا ببلدي.. عليك أن تعود إلى بلدك.. فضحك خالد ساخرً ا: - بلدي؟! كيف؟.. لابد و أن صاحب البيت بالمنطقة الغربية قد عاد إليه ، و انتهى كل ش يء.. فصمت يامن ثم أكمل مبتسمً ا: - أو ربما لم يعد بعد.. ثم أكمل : - سيعود إلى بيته بعد غد .. فنظر إليه خالد متعجبً ا: - كيف و قد أخبرنا الفتى بأنه سيعود إلى بيته مع يوم زيكولا؟ ! فابتسم يامن : - أعتقد أن مائتي وحدة ذكاء كافية لتجعله يترك بيته ليلتين .. فسأله خالد في دهشة : - مائتا وحدة؟! فابتسم يامن: نعم .. فسأله خالد مجددً ا: أعطيته مائتي وحدة؟! فأجابه يامن: نعم.. فنظر إليه خالد: كيف تدفع تلك الوحدات؟ فأجابه يامن، و لا زالت الابتسامة على وجهه:
عدد الصفحات ٢٧٠271 - ليست أسيل فقط من تقدم المساعدة.. حين جعلتنا نتخلص من آخذى وحدات الحماية كى نأكل دجاجً ا، و نوفر وحدتين كل يوم .. لم أكن آكل الدجاج.. ثم زادت ابتسامته: - لم أخبرك من قبل أنن ي لا أحب الدجاج .. و سامحني لأنني لم أحضر منافسة الزيكولا بالأمس .. كان لابد، و أن أمكث هنا أمام ذلك الباب، و أنتظر النهار بأكمله مع الخادم كي أجد صاحب البيت، و أقدّ م له عرض ي قبل أن نفقده و يضيع كل ش يء.. فسأله خالد : - و ما مقابل تلك الوحدات يا يامن؟ فنظر إليه يامن: - لا تكفي تلك الوحدات مقابلاً لتلك الشهور التي كنت بها صديقً ا وفيً ا لي.. فابتسم خالد ثم احتضنه، فهمس يامن إلى أذنه: - هي ا، عليك أن ترحل الآن .. الطريق إلى المنطقة الغربية طويل .. هناك ينتظر ك إياد.. ستعطيه ذلك الحصان حين تصل إليه.. ثم أشار إلى حصان أسود قد عقله بالقرب منهما و تبدو عليه القوة .. فسأله خالد، و كأنه لا يصدق مفاجآته: - و من أين لك بهذا الحصان أيضً ا؟ فابتسم يامن: - لا تقلق، لقد استأجرته ك ي آتي به إلى هنا.. كان لابد أن أسرع .. و لكنني تذكرت أن الحصان لابد و أن يعود إلى صاحبه بالمنطقة الغربية ، و أنا إن ذهبت إلى هناك كي أعيده.. فكيف أعود هنا مجددً ا؟! ثم أكمل ضاحكً ا:
عدد الصفحات ٢٧١202 - أنا جئت به.. و أنت ستعود به .. فابتسم خالد : - أكيد مش هلاقى صاحب زيك يا يامن.. فابتسم يامن : - ها أنت قد عدت إلى لهجتك الجميلة يا صديقى .. - هيّ ا لا تضيع وقتك ، و تذكّرن ي دائمً ا، و أنا سأظل هنا لأحك ي للصغار أن صديقي صاحب أغلى كتاب و أغلى قُبلة بتاريخ زيكولا .. القُبلة التي أنقذت حياته يو م زيكولا.. ثم أتى بالحصان إلى خالد، فامتطاه خالد و نظر إليه: - يامن.. تعلم أن هناك شابً ا قد يكون أخى بالمنطقة الشمالية.. إن قابلته يومً ا، و كان في حاجة إلى مساعدة فلا تتأخر عنه.. فابتسم يامن: - حسنً ا.. ثم ضرب مؤخرة الحصان بيده ، و صاح : - هي ا إلى طريقك .. سيعطيك إياد كتابك حين يجدك.. أما أنا سأذهب لأحتفل مع أهل زيكولا.. أشعر أنني في حاجة كي أرقص مع إحدى الفتيات.. كفاني تلك الجرعة من الحزن الأوقات السابقة.. * * * بدأ خالد يتحرك بحصانه، و ينظر إلى يامن الذي يقف مبتسمً ا و يلوح له بيده، و الحصان يتحرك ببطء، و خالد ينظر إلى بيوت المنطقة الشرقية و قصورها التي عاش بينها لشهور .. حتى اختفى يامن عن أنظاره، و تحرك نحو البحيرة فابتسم ثم اقترب منها، و ترجّل و نزل ليشرب من مائها.. ثم امتطى حصانه مجددً ا، و أمره أن
عدد الصفحات ٢٧٢