241 كانت أسيل تجلس بغرفتها حين أخبرتها وصيفتها بأن فقراء مناطق زيكولا قد بدأوا في القدوم .. فدقّ قلبها بقوة ، و سألتها على الفور : - هل وصل فقيرا المنطقة الغربية ؟ فأجابت الوصيفة : - نعم سيدتى .. فسألتها مجددً ا : - هل رأيت هما ؟ فأجابتها : - لا.. لم أرهما.. إنهما قد وصلا منذ لحظات قليلة، و سيتجها نحو ب هو القصر .. و أكملت : - أستطيع أن أشاهدهما من تلك الشرفة .. ثم أشارت إلى شرفة الغرفة، و أكملت : - و هم يمرون نحو بهو القصر .. فالتفتت أسيل إلى الشرفة : - لا.. عليك أن تغادر ي الآن .. و أخبرين ي حين يكتملون .. فابتسمت الو صيفة ثم غادرت.. أما أسيل فأسرعت إلى الشرفة ، و وقفت أمامها تنتظر أن يمر فقراء مناطق زيكولا.. تنتظر و تتسارع أنفاسها .. تخش ى أن يكون ما تظنه حقيقة.. و تسأل نفسها: أين يامن ؟ .. و لماذا لم يأتها ليخبرها بما حدث لخالد؟ ! و كلّما مرّ أحد بالأسفل نظرت إليه في لهفة، و شعرت بسعادة حينما تتحقق أنه ليس خالد.. حتى انتفض قلبها، و كأنه اُنتز ع منها حين وجدت أحد الجنود يتقدم ، و يأتي خالد من خلفه مطأطئ الرأس ، و يسير ببطءٍ و معه فقير غيره قد كُبّلا سويً ا، و يصيح بهما الجندي: - أسرعا أيها الفقيران ..
عدد الصفحات ٢٤١242 فأمسكت برأسها ، و عادت خطوات إلى الخلف ، و وضعت يدها على فمها من الصدمة.. ثم تحركت نحو الشرفة مجددً ا، و ظلت تنظر إلى خالد و هو يتحرك بصعوبة خلف الجند ي إلى بهو القصر .. فتسارعت أنفاسها، و لمعت عيناها بالدموع ، و تحدّثت إلى نفسها : - ماذا أفعل؟.. ماذا لو كان أكثرهم فقرً ا؟!.. تنظر إلى وريقاته المبعثرة في غرفتها ، و تقرأ كلماته .. أنه لم يحب غيرها ، و تحدّث نفسها: - إن مصيره بيد ي .. و تتحرك جيئة و ذهابً ا بالغرفة ، و تسأل نفسها حين تقف أمام المرآة : - ماذا أفعل؟ ثم نظرت إلى الأوراق مجددً ا، و كأنها تحدّثها : - خالد.. ماذا لو كنت أنت الأفقر بينهم؟ ماذا تريدُن ي أن أقرر ؟ و تعود إلى حركتها جيئة و ذهابً ا، و تمسك برأسها ، و تمرر يدها فوق شعرها ثم تنظر عبر الشرفة ، و ترى الفقراء الآخرين الذين يتجهون نحو بهو القصر.. حتى سمعت طرقات على باب غرفتها ، و دلفت إليها وصيفتها و قالت: - سيدتى لقد اكتمل عدد الفقراء ببهو القصر ، و الجميع في انتظارك.. فزاد انتفاض قلبها ثم حدّثتها : - حسنً ا.. سآتي على الفور .. فأغلقت الوصيفة باب الغرفة ، و جلست أسيل على سريرها ، و وضعت رأسها بين يديها و كأنها لا تدر ي ماذا تقرر .. ثم نهضت مجددً ا، و اتجهت مرة أخرى نحو الشرفة ، و لكنها لم تنظر لأسفل.. بل نظرت إلى السماء التي امتلأت بشفق الغروب، و بدأت تتحدث و الدموع على وجهها :
عدد الصفحات ٢٤٢243 - رأيت خالد كثيرً ا ينظر إلى السماء كلما وقع في محنة، و سمعته يقول .. يار ب ساعدني.. أنا أنظر مثلما كان يفعل الآن .. و أقول مثله .. يارب.. يارب ساعدن ي.. أريدك أن تساعدني.. ثم أغمضت عينيها، و انهمرت دموعها كثيرً ا.. و أكملت : - ساعدني.. لا أريد أن أفقد خالدً ا ثم تابعت: - و لا أريد أن أظلم أحدً ا.. لا أريد أن أظلم أحدً ا.. * * * كان الصمت يسود بهو قصر الحاكم، و كأنه لا يوجد أحد به.. الجميع صامتون ، كل يفكر بمصيره و ينتظر أن تأتي الطبيبة.. عشرة من الفقراء.. سبعة رجال و ثلاث فتيات.. ينتظرون أن يمر الوقت سريعً ا.. أي منهم سينجو، و أي منهم ستختاره الطبيبة لمنافسة الزيكولا، و خالد يقف و ينظر إليهم في صمت.. ثم ينظر إلى أعلى و كأنه يناجي ربه.. حتى كُس ر ذلك الصمت حين دلفت أسيل بفستانها الفضفاض إلى بهو القصر، و معها قائد حرس الحاكم الذي أتاها ليلة وض ع ت زوجة الحاكم، و تحدّث بصوت غليظ : - ستختار سيدتي الآن الثلاثة الأكثر فقرً ا .. فتقدمت أسيل في صمت، و مرت أمامهم، و خالد ينظر إليها، و تعمدت ألا تنظر إليه حتى أنها أرادت أن تلمحه بطرف عينها، و لكنها أبعدت نظرها على الفور .. ثم همست إلى قائد الحرس أن يقدم إليها فقيرً ا تلو الآخر .. * * * بدأت أسيل تفحص كل من يتقدم إليها و تتأمله، و تضع ثنية من جلده بين إصبعيها، ثم تسأله إن كان قد مرض من قبل، و إن أجابها بأنه قد مرض تسأله المزيد من الأسئلة عن ذلك المرض، و تزيد من فحصها لأكثر من مكان بجسده حتى تعلم إن كان قد مرض حقً ا أم أنه يدّع ي ذلك كي ينجو.. حتى تقد م إليها جواد، و بدأت تفحصه، و قد نظرت إلى خالد خلسةً بطرف عينها فابتسم جواد، و تحدّث إليه ا:
عدد الصفحات ٢٤٣244 - إنه يحبك أيضًا.. فنظرت إليه ، و لم تتحدث ثم أمرت أن يأت ي من بعده.. فوجدت خالدً ا يتقدم إليها فدقّ قلبها بقوة ، و لامست وجهه و يدها ترتعش قليلاً .. و خالد ينظر إلى عينيها دون أن ينطق ببنت شفة.. و تحدّث نفسها .. ماذا أفعل يا خالد إن كنت الأفقر.. ماذا أفعل؟، ثم نظرت إلى قائد الحرس أن يأت ي بمن بعد خالد، و الذي فوجئ بعدما استغرق فحص خالد وقتً ا أقل كثيرً ا ممن فُحصوا قبله ، و لكنه طلب من فقير آخر أن يتقدم إلى الطبيبة، و ظلّت أسيل تفحص جميع الفقراء المتواجدين بالبهو حتى انتهت.. ثم عادت لتجلس على أحد الكراس ي الفخمة المتواجدة ، و أمسكت بقلم و بعض الوريقات، و بدأت تدوّ ن بعض كلماتها.. و الجميع ينظرون إليها في صمت.. لا يُسمع فقط سوى صوت الأنفاس المتسارعة من بعضهم .. حتى نهضت و تحركت نحوهم .. ثم تحركت أمامهم جيئة و ذهابً ا و نظرت إلى فتاة : - أنت .. اخرج ي إلى أهلك.. فصرخت الفتاة من الفرحة ثم نظرت أسيل إلى فقير آخر : - و أنت.. عُد إلى أهلك .. فصاح فرحً ا.. و واصلت أسيل تحركها بينهم، و كلما تحرّكت تشير إلى أحدهم بأن يعود إلى أهله.. حتى توقفت مكانها بعدما لم يتبق سوى أربعة فقراء فقط.. بينهم خالد و جواد ، و احتبست الأنفاس، و الجميع ينتظرون من هو الناجي الأخير .. تقف أسيل أمامهم، و خالد ينظر إليها في ترق ب، و جواد ينظر إليه و كأنه يوق ن بأنه من ستختاره ، و يقف بجوارهما فقيران يزداد الوجوم على وجههما .. حتى نظرت إليهم، و أشارت إلى جواد: - أنت عُد إلى أهلك .. ثم نظرت إلى خالد و الفقيرين الآخرين : - أنتم الأكثر فقرً ا بينهم.. الزيكولا ستحدد من منكم ا ذبيح يومنا..
عدد الصفحات ٢٤٤245 فسقط خالد على ركبتيه ، و نظر إلى أسيل ، و كأنه لا يصدق ما سمعته أذناه .. و صاح بصوته : - أسيل .. فغادرت على الفور ، و اتجهت إلى غرفتها ، و ما إن دلفت إليها حتى واصلت بكاءها مجددً ا، و تحدّثت إلى نفسها بصوت عالٍ : - لم أجد أمامي سوى ما فعلته.. لا أستطيع أن أظلم أحدً ا.. لا أستطيع .. ثم أغمضت عينيها، و تحدّثت : - ستنجو من الزيكولا يا خالد .. ستنجيك الزيكولا .. إنك لا تستحق أن تُ ذب ح في مدينتنا.. ستنجو.. ستنجو.. أما خالد فقد أمره قائد الحرس بأن يتبعه هو و من معه إلى قصر مجاور لقصر الحاكم، و سمع جواد الذي مازال يقف بجواره يهمس إليه : - ستذهبون إلى قصر النحّاتين الآن .. فنظر إليه خالد دون أن يرد، ثم تابع جواد : - إن كانت الطبيبة تحبك لأبعدتك عن هذا المصير.. فصاح به قائد الحرس : - هي ا.. أنت.. عليك أن تغادر القصر.. فتحدّث خالد إليه : - عُد إلى حبيبتك يا جواد .. و إن م ت فابحث عن يامن، و أخبره كما قلت لك .. فابتسم جواد ثم تركه و غادر، و تحرك خالد مُكبّ ل اليديّن و القدميّن خلف قائد الحرس الذي طالبه بأن يسرع .. حتى غادروا قصر الحاكم ، و اتجهوا إلى قصر مجاور وسط تجمع كبير من أهالي زيكولا الذين وقفوا أمام القصر لير وا من الذين سيخوضون تلك المنافسة رغم حلول الليل، و ما إن رأوا خالد و الفقيرين الآخريْ ن مكبّلين و يتجهون نحو قصر النحاتين حتى صاحوا، و صاح أحدهم بصوت مميز:
عدد الصفحات ٢٤٥246 -إنه الغريب الذي كان يعمل معنا بتقطيع الصخور .. و صاحت أخرى : - لقد رأيته من قبل يبحث عن مالك لكتاب غريب .. و الجنود يحاولون أن يبعدوا الناس عنهم حتى وصلوا إلى قصر مجاور ، و دلفوا إليه، و علم خالد منذ دخوله إلى ذلك المكان بأنه قلعة النحاتين .. حيث يصنع تمثال من الصلصال لكل فقير منهم.. * * * كان قصر النحاتين ذو و اجهة فخمة، و نقوش خارجية على هيئة تماثيل لأشخاص و حيوانات، تظهر خلف النيران المضيئة التي توهجت بقوة مع ظلام الليل مما أعطته جمالاً خاصً ا.. أما داخله فقد أُنير بمصابيح نارية عديدة، و كأن النهار قد حل به، و لكنه لم يكن يمتلك ذلك الجمال بالخارج ، و لم تكن به سوى بضعة تماثيل قديمة يبدو أنها نُح ت ت لفقراء من قبل .. و كتل طينية بأركان صالاته الكبرى ، و تفوح بأرجائه رائحة الصلصال.. حتى توقفوا جميعً ا حين ناداهم شخص قصير القامة ممتلئ البطن رأسه صلعاء و لحيته طويلة جعل منها ضفيرات صغيرة متعددة : - عليكم أن تمكثوا هنا.. ثم أكمل : - سيتولى كل نحّ ات بعد قليل صناعة تمثال كل منكم.. فمكثوا مكانهم، و بعد لحظات وجدوا ثلاثة رجال تترواح أعمارهم ما بين الشباب و الكهولة، و قد وقف كل منهم أمام فقير من الثلاثة، و نظر خالد إلى من يقف أمامه و كأنه في حلم عميق، و هزّ رأسه لعله يفيق من هذا الحلم حتى ناداه من يقف أمامه، و يمسك بأدوات النحت في يده : - عليك ألا تتحرك أيها الفقير.. أتريد تمثالك مشوّها؟!! ثم ضحك ساخرً ا.. و تابع: - الزم السكون .. إن إمامك أمهر و أسرع نح ات بزيكولا.. سأنتهي من تمثالك في زمن قياس ي..
عدد الصفحات ٢٤٦247 فنظر إليه خالد، و أخرج زفيرً ا قويً ا.. ثم بدأ النحّات عمله ، و جلب كتلة ضخمة من الصلصال، و بدأ يشكل أجزاءها بعدما يلمح بطرف عينه خالد ، و بين الحين و الآخر يقترب منه ليضع يده على رأسه، و كأنه يستخدمها للمقارنة بين قياساته.. ثم يعود مجددً ا إلى تمثاله الذي بدأت ملامحه تظهر شيئً ا فشيئً ا.. * * * النحاتون يعملون بمهارة و سرعة فائقة.. و يقف خالد و من معه دون حراك.. ينتظر كل منهم أن ينتهي من صنع تمثاله عله يغادر هذا المكان، و أسرع الوقت من مرور ه، حتى انتهى النحاتون من عملهم مع شروق الشمس، و قد صنعوا ثلاثة تماثيل من الصلصال يشبهون أصحابهم، و نظر خالد إلى تمثاله الذي كان يقف شامخً ا، و تعتلي وجهه نظرة حزن واضحة، و هزّ رأسه في حزن ثم نظر إلى أحد الفقيرين بجواره، و سأله: - ماذا سنفعل الآن بعد نحت تماثيلنا؟ فرد الفقير بصوت واهن: - لم يعد لنا سوى أن نخوض منافسة الزيكولا.. فسأله خالد : - هل سنخوضها الآن؟ فرد قائد الحرس : - لماذا تتعجل أيها الفقير؟! - إن الوقت مازال باكرً ا.. ستكون المنافسة بعد ساعات من الآن.. حين تكون الشمس عمودية.. أي منتصف النهار.. ثم أكمل: - مع شروق شمس اليوم فُتح باب زيكولا، و هناك الكثيرون ممن كانوا بخارجها، و اشتاقوا إلى احتفالاتنا مرة أخرى ، و سيستغرق مجيئهم إلى هنا العديد من الساعات .. فتمتم خالد :
عدد الصفحات ٢٤٧248 - فُتح باب زيكو ؟!! ثم تجاهل ذلك الأمر ، و سأل قائد الحرس : - ماذا سنفعل في تلك المنافسة؟ .. لقد أخبرن ي أصدقائي عنها من قبل.. و لكنني لا أتذكّرها جيدً ا.. فأجابه : - أيها الفقير ستحدد الزيكولا مصيرك .. كي لا تقول إن الطبيبة هي من اختارت لك الموت.. ما عليك سوى أن تختار ثلاثة أماكن من تمثالك هذا ، و تحميهم بدروع صغيرة ، و ستُطلق سهام الزيكولا نحو تمثالك .. و إن أصابتك سهام أكثر من غيرك كنت أنت ذبيح يومنا.. فصمت خالد، و نظر إلى أعلى: - يارب ساعدني.. * * * مر الوقت، و اقتربت الشمس من تعامدها ظهرً ا على الأرض، و اجتمعت الألوف من أهالي زيكولا بساحة كبيرة بالمنطقة الوسطى ، و اصطفوا أمام منصّة خشبية عالية، و أخذوا يرقصون ، و يغنون ، و ينشدون الأهازيج ، و حمل الكثيرون منهم أطفالهم فوق أكتافهم حتى أشار أحدهم إلى طفله: - انظر.. إنها الزيكولا.. وأشار إلى المنصة حين قام مجموعة من الجنود بإزاحة قطعة قماشية كبيرة .. كانت تخفي أسفلها عمود ين خشبيّين سميكين و متوازيين، و يصل طول كل منهما إلى ثلاثة أمتار، و بينهما قرص خشب ي دائر ي يصل قُ طره إلى ما يقارب مترً ا واحدً ا، و تبرز منه ثلاثة أسهم طويلة، و تظهر من خلفه تروس حديدية تتباين أحجامها، و يزداد لمعانها تحت آشعة الشمس ، و بجوار تلك الآلة يقف رجل ضخم حليق الرأس ، لا يرتد ي سوى سروالٍ واسعٍ ، و تبرز عضلاته القوية ، و ذراعه الضخم الذي يمسك بذراع حديدي امتد من أحد العمودين الخشبيّين للزيكولا ، و يمسك ذراعه
عدد الصفحات ٢٤٨249 الآخر بذراع خشبي أقل طولاً ، و يتصل مباشرة بشريط يخرج من القرص الخشب ي.. حتى صاح الجميع حين دقّت الطبول ، و ظهر الحاكم بشرفة قصره .. تجاوره زوجته و على ذراعيها رضيعها، و تجاورهما أسيل، و التي وقفت واجمة و القلق ينبعث من عينيها.. ثم جلسوا جميعً ا ينتظرون بدء المنافسة.. * * * الجميع ينتظرون.. الجميع يتراقصون ، و أسيل تنتظر أن ترى خالدً ا.. يدق قلبها بقوة.. تنظر إلى السماء مجددً ا، و تتحرك شفتاها متمتمة بهمسات غير مسموعة.. حتى وجدت الجنود يحملون التماثيل الثلاثة، و يصعدون بها إلى المنصّة الخشبية، و يسير من خلفهم خالد و من معه فتسارعت أنفاسها، و هللت الألوف المتواجدة حين وجدوهم يصعدون المنصة.. بعدها التفت قائد الحرس إلى شرفة قصر الحاكم، و انحنى إليه فأشار إليه بأن تبدأ المنافسة، فالتفت إلى خالد و الفقيرين معه.. ثم أشار إلى أحد الفقيرين: - ستبدأ أنت.. أين ستضع دروعك الثلاثة؟ فنظر إليه الفقير في صمت.. ثم تقدم بعدما فُكّت قيوده ، و نظر إلى الزيكولا ثم التفت إلى تمثاله، و نطق: - سأحمي ذراع تمثالي الأيمن من أعلى، و فخذ تمثالي الأيسر، و أسفل بطنه.. فصاح قائد الحرس بأحد جنوده: - ضع دروعه كما أراد.. فوضع الجندي دروعً ا حديدة صغيرة تلائم الأماكن التي أرادها الفقير.. ثم حمل التمثال و معه جندي آخر إلى أمام الزيكولا.. لا تفصلهما إلا أمتار قليلة.. صمتت الأهازيج، و صمت من يتواجدون ، و كأن أنفاسهم قد حُ بست ثم نطق قائد الحرس إلى الفقي : - سينطلق كل سهم من سهامك الثلاثة حين تشير إلى حارس الزيكولا..
عدد الصفحات ٢٤٩201 فرد الفقير بصوت واهن: حسنً ا.. ثم أشار القائد إلى الرجل الضخم الذي يمسك بذراع الزيكولا الحديدي بأن يحرك أحد ذراعيها .. فابتسم الرجل مبرزً ا أسنانه الصفراء الكبيرة .. و جذب الذراع الحديدي نحوه فبدأت التروس الحديدية تتحرك ببطء ، و تسرع من حركتها شيئً ا فشيئً ا، و تحرّك معها القرص الخشبي و ما عليه من سهام، ثم زادت سرعته كثيرً ا، و أصبح يدور دون أن تظهر سهامه .. يدور حول نفسه ثم يتنقل بين العمودين الخشبيّين في حركة عشوائية خاطفة ، لا يستطيع أحد توقّعها ، و خالد ينظر إليه، و قلبه يدق بقوة ، و يحدّ ث نفسه : - مستحيل أن أحدد اتجاه السهام.. حتى أشار الفقير الأول إلى حارس الزيكولا فجذب الرجل الذراع الخشبي القصير على الفور .. فانطلق السهم الأول نحو تمثاله فأصاب عنق التمثال .. فصاح الحضور ثم أكمل القرص دورانه، و بعد لحظات أشار الفقير مجددً ا إلى الحارس فانطلق السهم الثاني فاخترق ذراعه الأيسر، فصاح الناس مجددً ا، و ظهر التوتر على وجه الفقير، و نظر إلى الزيكولا كثيرً ا، و إلى قرصها الذي يدور .. ثم أشار إلى الحارس من جديد فانطلق سهمه الأخير فاصطدم بدرعه الحديدي فوق أسفل بطن تمثاله.. فزاد صياح أهال ي زيكولا، و دُقت الطبول ، و ابتسم الفقير قليلاً بعدما لم يصب تمثاله سوى سهمين.. ثم أشار قائد الحراس إلى الفقير الآخر : - هي ا تقدم لتحمي تمثالك.. فتقدم هو الآخر ، و فعل مثلما فعل الفقير الأول ، و كلّما أشار إلى حارس الزيكولا صاح الناس .. حتى انتهى من سهامه الثلاث ة، و لم يصب تمثاله إلا سهم واحد اخترق بطنه السفلى ، و رقص فرحً ا مع دقات الطبول بعدما أيقن أنه قد نجا بذلك.. ثم أشار قائد الحرس إلى خالد :
عدد الصفحات ٢٥٠251 - هيا، لم يعد سواك .. إما أن تنجو بألا يصيب تمثالك سهام أو يصيبه سهم واحد .. أو يصيبك سهمان فتُعاد المنافسة بينك و بينه.. و أشار إلى الفقير الاول .. أما غير ذلك فستكون ذبيح غد.. فتقدم خالد نحو تمثاله، و وقف أمامه دون أن يفعل شيئً ا.. فصاح به القائد : - أسرع .. فنظر خالد إلى قرص الزيكولا ، و الذي زُر ع ت به السهام من جديد.. ثم نظر عاليً ا إلى شرفة قصر الحاكم حيث تجلس أسيل .. بعدها نظر إلى تمثاله ، و أغمض عينيه، و تمتم بآيات قرآنية ثم فتحهما ، و نظر إلى القائد: - أريد أن أضع دروع ي كي تحمي صدر تمثال ي، و عضد ذراعه الأيسر .. ثم صمت مجددً ا، و نظر إلى الزيكولا ثم التفت إلى تمثاله و أكمل: - و أريد أن أحمي رأس تمثالي.. فأشار القائد إلى جنوده بأن ينقلوا تمثاله أمام الزيكولا ، و أن يضعوا دروعه مثلما أراد.. ثم أمر حارس الزيكولا بأن يبدأ دوران قرصها.. فبدأت التروس تتحرك من جديد، و خالد يراقب القرص الذي يدور مسرعً ا و يتحرك بين العمودين الخشبيّين .. حتى سمى الله ثم أشار إليه فانطلق السهم الأول فصاح الجميع حين أصاب فخذ تمثاله الأيمن .. فدقّ قلبه بقوة ، و دقّ قلب أسيل ، و انتفض و كأنها تسمع دقّاته ، و القرص يواصل دورانه ، و خالد لا يعلم ماذا يصنع .. لا يرى تلك السهام بالقرص ، و أيهما سينطلق .. ثم أشار إلى الحارس مجددً ا فانطلق السهم الثاني فأصاب فخذه الأيمن مرة أخرى .. فأمسك برأسه ، و حدّث نفسه ، و كأن أنفاسه تقطعت: - تمالك يا خالد.. تمالك.. - عليك أن تفكر قليلاً .. لم يعد سوى سهم واحد.. إما أن تُعاد المنافسة .. و إما إن تكون ذبيح غد.. و أسيل تحدّث نفسها :
عدد الصفحات ٢٥١202 - تمالك يا خالد.. تمالك.. ثم نظر إلى القرص مجددً ا، و الجميع أنفاسهم محتبسة.. ينتظرون إشارته الأخير ة، و حارس الزيكولا يبتسم، و يتأهّب ك ي يجذب ذراعها، و مازالت عينا خالد تتحرك مسرعة بين قرص الزيكولا و بين تمثاله الواقف أمامه ، و أسيل تتمتم و تتحرك شفتاها في توتر، و تلمع عيناها بالدموع .. حتى إنها لم تستطع أن تواصل جلوس ها، و نهضت لتقف مكانها، و أغمضت عينيها بعدما وجدته يشير إلى حارس الزيكولا بأن يطلق سهمه الأخير .. * * *
عدد الصفحات ٢٥٢253 (19 ) أشار خالد إلى حارس الزيكولا بأن يطلق سهمه الأخير .. و احتبست أنفاسه حين بدأت يد الحارس تجذب ذراع الزيكولا، حتى انطلق السهم الثالث فأصاب فخذ تمثاله الأيمن مرة أخرى .. فصاحت الألوف المتواجدة بأنه ذبيح زيكولا ، و دقت الطبول من جديد و قد اختلفت دقاتها عما قبل المنافسة، و خالد ينظر إلى تمثاله في ذهول و احمر وجهه و زاد العرق على جبينه، ثم نظر إلى من يرقصون و يحتفلون و كأنه لا يصدق نفسه.. تتسارع أنفاسه ، و يدق قلبه بقوة ، و يضع يده حول رقبته يتحسسها و كأنها في كابوس يود أن ينته ي منه، أما أسيل فغادرت شرفة الحاكم على الفور بعدما لم يستطع خالد النجاة من الزيكولا ، و قد أثار مغادرتها فجأةً دهشة الحاكم و زوجته، و أسرعت إلى حجرتها تحدّث نفسها: لو وضعت دروعك لتحمي فخذ تمثالك الأيمن لنجوت.. ماذا أفعل؟.. سيُذبح غدً ا.. و دموعها على و جهها، و تسرع و عقلها لا يتوقف عن التفكير ، و تتحدث الى نفسها مجددً ا بصوت مسموع : أنا من سبّب كل هذا .. أنا من أخبرته عن مكان رأس المثلث..
عدد الصفحات ٢٥٣204 أنا من تركته يدفع من وحداته الكثير دفعة واحدة دون أن أوقفه.. كان لي الحق أن أعترض على ذلك .. - أنا من دفعت به إلى الزيكولا .. ثم دلفت إلى حجرتها ، و ما زالت تصيح إلى نفسها: - ماذا أفعل؟ .. ماذا أفعل؟ .. سيذبح من أحبه غدً ا.. ثم وضعت رأسها بين يديها، و صمتت و كأن أصابها الهدوء.. * * * أصبح الطريق الممهد بين المنطقة الوسطى و المنطقة الشرقية مزدحمً ا بالكثير من العربات و الأحصنة و المشاة من أهالي زيكولا بعدما بدأ الكثيرون منهم ينتقلون إلى المنطقة الشرقية حيث أرض الاحتفال ، و بينهم عربة بها خالد مُكب ل اليدين و القدمين و أمامه قائد حرس الحاكم، و الذي نظر إلى خالد وقال : - ستبيت الليلة ببيت فقراء المنطقة الشرقية .. فلم يرد خالد، و ظل صامتً ا فأكمل القائد : - عليك أن تسعد بما أنت به.. ستموت فداءً لمولود الحاكم.. - ترى كم ستجلب السعادة لكل هؤلاء الأشخاص .. و أشار إلى خارج العربة ، و صمت ثم أكمل بعد لحظات: - أترى ذلك الزحام؟ .. إنه ليس الزحام الأكبر.. إن الكثيرين لم يحضروا الزيكولا اليوم.. هناك من خرجوا بعد فتح باب زيكولا.. و لكن مع شروق شمس غد سيُغلق بابها، و سترى كم من أهل زيكولا سيحتفلون معك بيوم عيدنا.. فصاح به خالد غاضبً ا : - أريدك أن تصمت.. أريدك أن تصمت..
عدد الصفحات ٢٥٤255 فضهر الغضب على وجه قائد الحرس ، و تقوّس حاجباه ثم صمت ، و تابع خالد نظره عبر نافذة العربة .. * * * مرّ الوقت ، ووصلت العربة إلى المنطقة الشرقية مع غروب الشمس، و مرت أمام البحيرة التي طالما مكث خالد على شاطئها ثم أسرعت بأحد شوارع تلك المنطقة و توقفت أمام بيت يتواجد أمامه الكثير من الجنود فنظر القائد إلى خالد في غلظة: - هي ا.. لقد وصلنا بيت الفقير.. * * * مازالت أسيل بحجرتها بقصر الحاكم.. تجلس على أرضية الحجرة مسندة ظهرها إلى الحائط، و تنظر إلى أوراق خالد أمامها حتى نهضت، و أحضرت ورقة جديدة، و أمسكت بقلمها، و أزادت من إضاءة المصباح النار ي ، و كتبت: - سيموت من أحبه غدً ا.. - و أنا من سيحتفل .. ثم توقفت يدها عن الكتابة، و نظرت إلى ما كتبته فمزقت الورقة ثم نهضت لتتحرك جيئة و ذهابً ا، و التوتر يكسو وجهها حتى نظرت خارج شرفتها فوجدت الظلام قد حل ، و بدأت الألعاب النارية تض يء سماء زيكولا، ثم سمعت صوت وصيفتها يأتيها من الخارج : - سيدتي.. سيدي الحاكم يسألك إن كنت تودين الذهاب ضمن موكبه غدً ا إلى المنطقة الشرقية.. فلم تجبها ثم حملت أوراق خالد و أوراقً ا أخرى معها، و همت لمغادرة الحجرة.. * * *
عدد الصفحات ٢٥٥206 زُجّ بخالد بإحدى غرف بيت الفقير بالمنطقة الشرقية ، و ظل قابعً ا بها وسط ظلامها.. ينام على جنبه، لا يستطيع أن يفكر في ش يء.. يستمع إلى صوت الألعاب النارية بالخارج ، و إلى احتفالات الأهال ي، و لكنه لا يرى أمامه سوى الذبيح الذي أطاح السياف برأسه .. لا يعلم هل يريد أن يمر الوقت سريعً ا كي تنتهي تلك اللحظات التي يعيشها.. أم يمر ببطء لعل تلك اللحظات تحمل أملاً جديدً ا.. حتى فُتح باب الغرفة ، و دلف إليه أحد الجنود، و معه رجل آخر قصير القامة، و تحدث إليه الجندي: - أيها الفقير.. انهض .. - ستُحلق رأسك الآن .. فرد مندهشً ا: ماذا؟ !! فأكمل الجندي: لابد و أن يكون ذبيح زيكولا حليق الرأس .. فصمت خالد.. ثم أشار الجندي إلى من معه بأن يستعد لبدء عمله فاقترب من خالد، و الذي بدا عليه اليأس و الاستسلام ، و لم يتحرك .. ثم وضع على رأسه مادة خضراء لزجة أخرجها من وعاء زجاج ي بحقيبته، و بدأ يدلّكها بين شعر خالد الطويل ، و يضع المزيد منها ، و يزيد من تشب ع الشعر بها، ثم وضع القليل منها على لحيته، و دلّكها ه ي الأخرى ، ثم أخرج آلة حادة تشبه السكين الصغير و لكنها أقل سُمكً ا، و بدأ يحلق شعره و الذي بدا عليه الاستسلام كصاحبه ، و تساقطت خُص له بجواره متلاصقة ، و خالد يجلس صامتً ا.. ينظر إلى الجند ي أمامه، و كلما سأله الحلاّق عن ش يء لم يجبه.. حتى انتهى من رأسه، ثم أسرع فقصّ لحيته ، و ابتسم إلى خالد : - لقد انتهينا أيها الفقير ثم أخرج مرآةً لامعة من حقيبته : - انظر إلى نفسك ..
عدد الصفحات ٢٥٦