225 فأجابته: - لا أعلم سيدي.. * * * مر الوقت قليلاً ، و خرج خالد إلى شوارع المنطقة الغربية .. يسير في هدوء ليلها بعدما نزل ذلك النفق الذي أوشك على انتهائه و خرج منه .. يتمنى أن ينتهي حفره و أن تمر الأيام سريعً ا، و يستكمل جزءًا من ذكائه حتى يخرج من زيكولا، و ظل يسير، و يفكّر هل قرأت أسيل أوراقه.. هل علمت بمدى حبه لها.. حتى فوجئ بالكثير من الجنود يقتربون منه، و يحيطون به، و يمسكونه فسألهم على الفور : - لماذا تمسكون بى؟ !.. إننى لم أفعل شيئً ا.. فأجابه قائدهم في غلظة: - نعم.. إنك لم تفعل شيئً ا.. ثم أكمل: - لقد وضعت زوجة الحاكم ولدها الليلة أيها الفقير.. و سيكون يوم زيكولا بعد سبعة أيام من اليوم .. فصاح خالد: ماذا.. لا.. مازال هناك شهران على وضعها .. فضحك القائد ساخرً ا إلى جنوده : - أرى أنه أفقر من قابلنا.. ثم سأله: - ألا تعلم أن هناك من يولدون بعد سبعة أشهر فقط، ثم أشار إلى جنوده ، و قد استدار بحصانه: - أمسكوا به ، و ضعوه مع غيره من فقراء منطقتنا .. حتى يُعر ضوا على أطباء زيكولا . * * *
عدد الصفحات ٢٢٥226 ) 17 ( كان ما حدث منأمر الجنود صدمة بالنسبة لـ خالد .. و وقعت كلمات قائدهم على سمعه كالصاعقة التي أنسته كل ش يء من حوله.. و حاول أن يتملّص من الجنود الممسكين به و لكنه لم يستطع، و اقتادوه معهم إلى قصر كبير يوجد بالقرب من الطرف الشرق ي للمنطقة الغربية .. ثم أدخلوه إحدى غرف القصر الخالية بالطابق السفلي.. و أوصدوا بابها الحديد ي من خلفه فأصبحت إضاءتها شاحبة يغلبها الظلام.. فجلس بأحد أركانها ، و وضع رأسه بين يديه، و كأن صدمته ش لّت تفكيره .. ثم نهض مجددً ا، و اتجه نحو الباب الحديدي، و صاح: - لابد أنكم مخطئون .. لابد أنكم مخطئون .. لابد أن أغادر.. حتى سكت فجأة حين سمع صوتً ا من خلفه: - تغادر إلى أين؟! التفت خالد فوجد رجلاً يجلس بركنٍ بعيدٍ بالغرفة ، و لم تكن ملامحه قد ظهرت حتى اقترب منه فبدأت ملامحه في الظهور شيئً ا فشيئً ا، و وجده رجلاً يبدو م ن هيئته أنه في الأربعين من عمره.. فسأله: - من أنت؟ فرد الرجل في هدوء : - فقير مثلك..
عدد الصفحات ٢٢٦227 فصمت خالد حتى سأله الرجل : - لماذا لا تجلس؟! فأجابه : - أريد أن أخرج من هنا .. لابد أن أخرج .. فابتسم الرجل : - ليتنا نخرج جميعً ا.. اجلس لا تضيّع وقتك .. طالما جئت هنا لم يعد لك أمل سوى أن يكون هناك من هو أكثر منك فقرً ا.. ثم تابع بعدما صمت برهة : - أو يكون لك حظٌ مع الزيكولا .. فجلس خالد بجواره ثم سأله: - ما اسمك؟ فرد الرجل: أنا جواد .. فأكمل خالد: ألا يوجد غيرنا ؟! فأجاب جواد : - انتظر.. مازال أمامهم يومٌ آخر حتى يأتينا أطباء منطقتنا .. و إلى أن يأتي الأ طباء سيحضرون هنا الكثيرين من الفقراء.. ألم تشاهد تلك الأيام من قبل؟! فأجابه خالد: - لا.. إنني أشاهدها للمرة الأولى .. إنني لست من أهل زيكولا.. فصمت جواد ثم ابتسم، و أكمل: - كان لابد أن تحافظ على مخزونك من ذكائك ليوم مثل هذا.. فسأله خالد ساخرً ا : - و لماذا لم تحافظ أنت على ذكائك؟!! فأخرج جواد زفيرً ا طويلاً ثم نظر إليه:
عدد الصفحات ٢٢٧228 - تستطيع أن تقول إنه القدر.. من كان يران ي منذ أيام لم يكن ليظن لحظة واحدة أن أكون من فقراء زيكولا.. و لكنه الزمان ينقلب رأسً ا على عقب دون مقدمات.. فقاطعه خالد: - تذكّرن ي بنفس ي.. كنت أمتلك كثيرً ا من الذكاء ، و قد فقدته أيضً ا فجأة و لكن لسبب قو ي .. فقدته من أجل عودت ي إلى وطن ي.. أمّا أنت فلماذا فقدت ثروتك؟ فأجابه: - إنها قصة طويلة .. قد تحكيها لمن تعرفهم إن نجوت .. تعلم، عندي ثلاث و أر بعون سنة.. ثم تنهّد ، و أكمل : - مثلي مثل رجال زيكولا.. كنت أعمل من أجل أن أعيش و لا آتي إلى تلك الغرفة يومً ا.. لم أكن غني ا، و لم أكن فقيرً ا أيضً ا.. كنت أعمل يومً ا بيوم ، و أقض ي حاجاتي التي تكفي لعيش ي سعيدً ا دون أن أدّخر شيئً ا زائدً ا عن حاجتي.. و طالما كان هناك الأفقر مني فلم يشغل لي الفقر بالاً .. حتى جاء يوم و أحببت فتاة هنا.. فتاة تسكن بتلك المنطقة، و أصبح حلمى أن أتزوّجها ، ثم صمت فسأله خالد أن يكمل، فأكمل: - كنت جريئً ا للغاية، فذهبت إليها، و أخبرتها أننى أريد أن أتزوّجها .. و لكن أبيها طلب مهرً ا باهظً ا للغاية، فابتسم خالد، و قاطعه مجددً ا بصوتٍ هادئ : - أعلم البقية .. ظللت تعمل من أجل هذا المهر ، حتى أعطيته لأبيها ، فجاء يوم زيكولا.. فأومأ جواد برأسه موافقً ا على ما قاله خالد الذي أكمل قائلاً : - إنها تشبه قصّتى .. كلانا سعى من أجل ذلك المهر.. أنت من أجل حبيبتك.. و أنا من أجل عودت ي إلى وط ني.. فتابع جواد : - إنها تنتظرن ي.. إن خرجت من هنا سنتزوج .. إنها تحبني للغاية، لقد أخبرتن ي أنها تريد أن تنجب أطفالاً يكونو ن من أثرياء زيكولا.. فساله خالد مندهشً ا: هل ستترك أطفالك يعيشون هنا في زيكولا؟!! فأجابه جواد: بالطبع ..
عدد الصفحات ٢٢٨229 فتابع خالد: - كنت أظن بعد وجودك هنا أنك إن نجوت من تلك المحنة ، ستغادر زيكولا بعدها.. فسأله جواد متعجبً ا: إلى أين؟!!.. إن زيكولا وطننا و نحن نحبها. فنظر إليه خالد: إنكم تُقت لون في وطنكم هذا .. فصمت جواد قليلاً ، و طال صمته تلك المرة .. ثم أكمل: - ربما تظن ذلك.. و لكن رغم ما أنا به، فلا أعتقد أنني سأجد أفضل منها وطنً ا لي.. و لأولاد ي.. لقد أعطتنا زيكولا الكثير.. أعطتنا القوة و الفخر بأننا أبناؤها .. فخر يشعر به الغني و الفقير.. ثم ابتسم، و كأنه يتذكّر : - حين يذهب منّا المرء يوم فتح باب زيكولا إلى م دينة أخرى فإنه يتباهى أنه زيكو لي، و الجميع يقدّ م له وافر الاحترام .. لا يستطيع أحد مساس شعرة من رأسه .. ثم أكمل: - أنا فقير اليوم .. و ربما يختارني الأطباء بين الأكثر فقرً ا، و ربما أذبح.. و لكني سأذبح من أجل سعادة حاكمنا بولده، و كم نحب حاكمنا.. لطالما جعلنا حكامنا أقوياء .. فقاطعه خالد مندهشً ا: - لماذا لا أراك قلقً ا أو حزينً ا؟!.. كيف تمتلك هذا البرود؟ فأجابه : - لا أخفي عليك، كنت ممن يعملون بحرص ألا يأتوا هنا يومً ا.. و سأفرح كثيرً ا إن نجوت.. و لكنني أرى من العار أن أحزن إن لم أنجُ .. ثم نهض ، و تحرك خطوات مبتعدً ا عنه فسأله خالد : - ألا تريد أن تعود إلى حبيبتك ؟! فتوقف جواد: - لقد عملت ما في وسع ي، و هي الآن تعلم كم أحبها ، و أعلم أنها ستفخر بي باقي عمرها إن كنت أنا الذبيح.. إنها تعلم أنني لم أكن كسولاً يومً ا.. فتحدّث إليه خالد :
عدد الصفحات ٢٢٩201 - أتمنى أن تعود إليها و تنجبا أطفالاً ينعمون بذلك الحب .. ثم نهض هو الآخر ، و تحرك إلى ركن بعيد بالغرفة ، و أكمل بصوت يشوبه الحزن : - ولكنني لا أريد أن أُذب ح.. أنا لست منكم .. أريد أن أعود إلى بلد ي.. إلى أهل ي.. سأشعر بالفخر حين أعود إليهم.. ثم سكت حين فُتح باب الغرفة ، و زجّ أحد الجنود بشخص شاحب اللون إليهم ثم أوصد الباب من خلفه.. * * * كانت شوارع المنطقة الغربية مزدحمة بالكثير من أهاليها حين علموا بوضع زوجة الحاكم مولودها و حلول يوم زيكولا بعد أيام قليلة.. و يامن يتحرك بينهم يبحث عن خالد بكل مكان بعدما لم يعد إلى المسكن الخاص بأسيل منذ خروجه، و ظل يسأل من يقابله عن خالد.. ذلك الشاب الطويل العريض ذو الشعر الأسود الطويل و اللحية السمراء الناعمة، و لكن لم يجبه أحد.. و بدأ القلق يتسرب إلى قلبه بعدما وجد جنود المنطقة ينتشرون بشوارعها، و يبحثون عن الأكثر فقرً ا بينهم.. حتى تيقّنت شكوكُه حين أخبره فتى صغير بأنه رأى خالدً ا و الجنود يجرّونه نحو قصر الفقراء.. فتسمّرت قدماه دون أن يدر ي ماذا يفعل.. * * * عاد يامن إلى المسكن الخاص بأسيل على الفور .. و سأل خادمة هناك إن كانت أسيل قد عادت، فأجابته بأنها لم تعد بعد.. فزاد توتّره و ضيقه، و لم يشغل باله سوى خالد الذي قد يُذب ح بعد أيام، و مصيره بيد أسيل، و ظل يتحرك جيئة و ذهابً ا لا يستطيع أن يتمالك نفسه.. بعدها أمسك بالورقة التي أسقطتها أسيل، و خرج مسرعً ا خارج المسكن إلى أطراف المنطقة الغربية حتى وصل إلى الطريق الم مهد إلى المنطقة الوسطى، و ظل واقفً ا على جانبه حتى تمر عربة متجهة إلى تلك المنطقة.. يعلم أن الوقت قد تأخّر ، و الليل يكسو زيكولا، و لكنه لم يفقد أمله في ذلك.. حتى مرت أمامه عربة فطلب من صاحبها أن يصطحبه معه فرفض، و كلما مرت عربة
عدد الصفحات ٢٣٠231 إما أن يرفض سائقها أو يخبره بأنه لن يمر بالمنطقة الوسطى حتى جاءت عربة يركبها عجوز يتجاوز عمره الثمانين فأوقفه يامن، و حدّثه : - أريد أن أذهب معك إلى المنطقة الوسطى .. فأجابه العجوز : - إنني لا أصطحب غرباء .. ثم أكمل: - مالكم أيها الشباب، لماذا لا تسيرون؟!!.. إننى كنت في مثل عمركم أجوب ز يكولا على قدمي.. فأجابه يامن: حسنً ا.. سأجوبها على قدم ي.. فأمر العجوز حصانه أن يواصل حركته ، و تمتم بكلمات و كأنه يسب يامنً ا، و تحركت العربة قليلاً ، و يامن ينظر إليه حانقً ا.. حتى ابتعدت العربة عنه فأسرع خلفها، و تشبث بمؤخرتها ، و ظلت رجلاه تهرولان كي تجارى سرعة حصان العربة، و كلما حاول أن يسندها على لوح خشبي بمؤخرة العربة تفلتان .. حتى استطاع أن يتشبث جيدً ا، و ظل متشبثً ا بها بينما يجلس العجوز بمقدمتها، و يضرب حص انه كي يسرع ، و بدأ يغني بصوته الضعيف المتقطع، و كأنه يريد أن يؤنس وحدته ، و يامن يستمع إليه ، و يريد أن يضحك ، و لكنه خش ى أن يعلم بوجوده .. فآثر أن يكتم ضحكاته بداخله .. * * * مر الوقت، و خالد حبيس بغرفة الفقراء، و تزايد عددهم، و بين الحين و الآخر يُفت ح باب الغرفة ليُزج بفقير جديد إليهم ثم يوصد مجددً ا.. و خالد يجلس بركنه صامتً ا، و ينظر إلى جواد الذي كلما حلّ فقير بالغرفة يذهب إليه ليعرف قصته.. ثم يتحدّث إلى نفسه، و يسألها: ماذا يفعل يامن؟، و ماذا تفعل أسيل؟، و هل ستنتهي حياته في زيكولا أم أن هناك أملاً قد يغير ذلك المصير .. * * *
عدد الصفحات ٢٣١202 وصلت عربة العجوز إلى المنطقة الوسطى ، و التي سادها الهدوء و الصمت.. و لم يكن بشوارعها إلا قليل من الجنود و حراس القصور المتواجدين بها و الذين تظهر ملامحهم واضحة مع المصابيح النارية التي تنير شوارع تلك المنطقة .. و ما إن أبطأت العربة حتى قفز يامن ، و ترك العجوز يكمل طريقه دون أن يدر ي بوجوده .. ثم عدّل من ملابسه، و نفض عنها ما أصابها من غبار، و أسرع إلى قصر الحاكم فقابله أحد حراس القصر ، و سأله على الفور : - من أنت؟ فأجابه يامن، و قد علا صوته متحدّثً ا بثقة: - أنا مساعد الطبيبة.. ثم صاح به: - ألم تعلم من أنا ؟!.. من أنت كي تسألني؟! فأجابه الجندي: - أعتذر، لم أكن أعرفك .. فرفع يامن رأسه: - حسنً ا.. هيّ ا أدخلني، و إلا أثرت غضب ي.. و أنت تعلم أنني بعملي هذا قد أجعلك أفقر شخصً ا بزيكولا .. هي ا.. فبدا التوتر على وجه الجند ي: - حسنً ا سيدي.. تفضل إنها بحجرتها ، و لكن لابد و أنها نائمة .. إن الشروق قد قارب.. فصمت يامن ثم أكمل : - إنني لا أستطيع الانتظار .. أخبر إحدى الوصيفات بأن تخبرها أن مساعدها ينتظرها بالأسفل لأمر هام .. فرد الجندي: - حسنً ا.. تفضّل إلى أولى حجرات الطابق السفل ي، و ستأتيك إلى هناك.. * * *
عدد الصفحات ٢٣٢233 كانت أسيل تجلس بحجرتها ، و تقلّب أوراق خالد من جديد ، و يكسو وجهها حزن شديد.. حتى سمعت طرقات على باب حجرتها ثم وجدت إحدى الوصيفات تدلف إليها، و تخبرها بأن مساعدها ينتظرها بالأسفل ، و يريد أن يخبرها بأمر هام ، فنطقت على الفور : - خالد !! ثم تمالكت نفسها، و سألت الوصيفة : - ماذا يريد ؟ فأجابتها : - لا أعلم سيدتى.. إنه ينتظرك بالأسفل .. فصمتت برهة ثم أشارت إلى الوصيفة: حسنً ا .. فغادرت الوصيفة.. و ظلت أسيل كما هي، تفكّر و تسأل نفسها: - ماذا جاء بك إلى هنا يا خالد؟!! أعلمت أن أوراقك جاءت إلي صدفة فتريد أن تخبرنى أنها ليست أوراقك.. أم تريد أن تخبرن ي أنك حقً ا تحب تلك الفتاة، أمّا أنا فلا أمثّ ل لك سوى شخص تحب مساعدته.. ثم نظرت إلى مرآة أمامها ، و قالت : - ربما كانت ليست أوراقه حقً ا .. - ربما أراد أن يختبر مدى حبي و غيرت ي.. ثم عادت و سألت نفسها: - وماذا لو كانت تلك ه ي الحقيقة؟.. ماذا لو كان يحب الفتاة الأخرى ؟.. ماذا تفعلين؟.. ثم نظرت نحو باب غرفتها: حسنً ا.. سأنزل لأرى ماذا تريد يا خالد..
عدد الصفحات ٢٣٣204 ثم بدّلت ملابسها ، و غادرت حجرتها، و هبطت السلم إلى الطابق السفلي، و اتجهت نحو الغرفة التي أخبروها بأن مساعدها ينتظرها بها .. و ما إن دلفت إليها و كادت تتحدث حتى فوجئت بأنه يامن: - يامن؟!! فأجابها: نعم.. أعتذر أنني جئتك في هذا الوقت المتأخر.. فأكملت: حسبتك خالدً ا.. فصمت ثم أكمل: - لقد أمسكوا بخالد من أجل يوم زيكولا.. فردّت: ماذا؟ !! فأكمل واجمً ا : - نعم.. لقد أمسك به الجنود عندما كان يتجول بين شوارع المنطقة الغربية.. فصمتت، ثم أكمل: - إنك تعلمين أنه لا يستحق ذلك.. لابد أن نساعده.. لابد و أن يخرج .. لابد أن يعود إلى بلده يا أسيل.. لقد وعدناه بذلك .. فأجابت أسيل في برود : - ماذا نفعل؟ .. أنت تعلم قوانين زيكولا أكثر مني.. فصاح بها: - نعم أعرفها .. و لكن عليك أن تفعل ي المستحيل كي ينجو من تلك المحنة.. كيف أراك بهذا الهدوء .. و أنت تعلمين كم يحبك؟!! فصاحت به : - يحبني؟!! ثم ابتسمت ساخرة : - تقصد أنه لم يحب في حياته سوى منى.. حبيبة عمره .. أم تريد أن تُكذّب ما كتب ه بين أوراقه..
عدد الصفحات ٢٣٤235 فصمت مفكّرً ا ثم أخرج ورقة من ملابسه: - اقرئ ي هذه الورقة .. إنها أيضً ا كتبها، و لكنها سقطت منك حين جاءك جنود الحاكم.. ثم أعطاها الورقة، و أكمل و هو يتجه نحو باب الغرفة : - لو علمت أن أحدً ا يحبني هذا الحب .. لفعلت المستحيل من أجله .. ثم غادر ، و أمسكت أسيل الورقة ، و قرأت ما بها ، و علمت أنها تكملة لحديثه في الورقة السابقة لها.. و أنه يحبها منذ أن جاء إلى زيكولا.. فلم تستطع أن تتمالك نفسها، و تساقطت دموعها بغزارة ثم أسرعت إلى غرفتها بقصر الحاكم .. تصعد درجات السلم بخُطى سريعة ، و دموعها على وجهها وسط دهشة وصيفات القصر الذي يملؤه الفرحة منذ قدوم المولود الجديد .. ثم دلفت إلى حجرتها ، و وضعت رأسها على سريرها ، و واصلت بكاءها.. * * * أشرقت الشمس، و تبعها نهار بطيء مرّ على خالد كسلحفاة تسير .. و انتشرت الأخبار في كافة أرجاء المدينة بأن فقراء زيكولا من الرجال و النساء قد جُمعوا ب كل مناطقها، و جميعهم ينتظرون الأطباء حتى يقلّصوا عددهم إلى أكثرهم فقرً ا، و من بعدهم تقول الطبيبة أسيل كلمتها بشأن الفقراء الثلاثة الذين يتنافسون أمام الزيكولا.. و يامن لا يستطيع أن يتمالك أعصابه، و ينتظر ماذا سيكون قرار أطباء المنطقة الغربية في اليوم التالي.. و أسيل تنتظر في قصر الحاكم، و تتو سل إلى الوقت ك ي يمر سريعً ا، و الجميع يلاحظون توتّرها و تغي رها المفاجئ منذ قد و م مساعدها إليها.. * * * في اليوم التالي كان خالد و من معه من فقراء حبيسين بغرفتهم.. حتى فُت ح بابها فجأة، و دخل إليهم قائد الجنود و قال: - هي ا.. ستُعر ضون الآن على الأطباء..
عدد الصفحات ٢٣٥206 اصطفّ الجنود صفّين ، بينهما ممر أمام الغرفة ، و بدأ خالد و من معه يمرون بين هذين الصفّين .. حتى وصلوا إلى ردهة واسعة ، و اصطفّوا بها كما أمرهم قائد الجنود، و لاحظ خالد بأن هناك نساء شاحبات سيعرضن معهم على الأطباء .. و علم أنهن قد حُب سن بغرفة أخرى ، و بنظرة منه وجد عدد الفقراء و الفقيرات لا يتجاوز العشرين فردً ا.. ثم نظر إلى جانبه فوجد جوادً ا، فهمس إليه: - كم سيختارون منا؟ فأجابه : - لا أعلم.. سيختارون أقلّنا ثروة .. حتى صاح به أحد الجنود بأن يصمت ثم دخل رجلان ، و علم من يقفون بأنهما الطبيبان حين وجدوا زيّهما الأنيق ، و قمصانهما الراقية ، و نعالهما الفخمة .. ثم أشارا إلي الفقراء بأن يجلسوا، و سأل أحدهما قائد الجنود بأن يأتي بهم واحدً ا تلو الآخر .. * * * بدأ الفقراء يتجهون إلى الطبيبيّن واحدً ا تلو الآخر.. و خالد يراقب من بعيد ما يفعلانه، و ينظر إليهما، و هما يفعلان مثلما كانت تفعل أسيل حين كانت تمسك بثنية من جلده لتخبره كم يمتلك من وحدات ذكاء.. و يراقبهما حين يمسك أحدهما بقلم و يدوّن شيئً ا بأوراقه بعدما ينتهي من فحص أحد الفقراء، و كأنه يدوّن ملاحظاته عن ذلك الفقير.. و قلبه يدق بقوة، و ينظر إلى جلد ذراعيه، و يقارن شحوبه بشحوب من معه ثم ينظر إلى السماء، و يدعو ربه أن ينجّيه من هذه المح نة حتى أمره جندي بأن يتقدم إلى الطبيبيّن، و ما إن تقدم إليهما حتى سأله أحدهما: - هل أنت مريض؟ فأجابه خالد: لا .. ثم أمسك الطبيب بثنية من جلده، و أمسك الآخر بثنية أخرى من جلد ذراعه بين أصبعيه.. ثم نظرا إليه يتأملانه ثم أمراه أن يعود إلى مكانه مجددً ا.. فعاد، و تحرك
عدد الصفحات ٢٣٦237 إليهماجواد الذي قابله مبتسمً ا.. و ظل الطبيبان يواصلان عملهما ، و الوجوم ع لى وجوه الكثيرين من الفقراء و الفقيرات .. حتى نهض الطبيبان مجددً ا، و نظر ا إلى أوراقهما، و ما دوّناه بها من ملاحظات ، ثم تحدّثا إلى قائد الجنود ، و الذى بدوره اتجه إلى خالد و من معه من رجال و نساء و نظر إليهم: - لقد أخبرنا الطبيبان من منكم الأكثر فقرً ا .. - من ينجو اليوم عليه أن يعمل بج دّ كي لا يعود إلى هنا مرة أخرى .. و من اختاره الأطباء سنصطحبه غدً ا إلى المنطقة الوسطى حتى يُعرض على طبيبة الحاكم بعد غد.. و أتمنى أن يجد من هو أفقر منه هناك.. ثم نظر إليهم مجددً ا، و احتبست أنفاس خالد حين أشار إلى جواد : - أنت.. ستأتي معي إلى المنطقة الوسطى .. ثم أشار إلى خالد: - و أنت أيضً ا.. ستأتي إلى المنطقة الوسطى .. أمّا الباقون فعليكم أن تعودوا إلى بيوتكم ، و احتفلوا مع أصدقائكم بمولود الحاكم .. فسقط خالد على ركبتيه : - أنا؟!! فأجابه القائد: - نعم إنكما الأكثر فقرً ا هنا.. هيا انهض.. ما زال أمامك فرصتان كي تنجو.. فنظر جواد إلى خالد، و قد قلّ بروده ، و بدا متوتّرً ا قليلاً : - يبدو أن أحدنا سيكون الذبيح أيها الصديق * * *
عدد الصفحات ٢٣٧208 (18 ) عاد خالد إلى غرفة الفقراء مرة أخرى و معه جواد ، و أُغلق الباب الحديد ي من الخارج .. و ظلّت أنفاسه متسارعة ، و زاد قلقه و توتّره كثيرً ا، و كلما حاول جواد أن يتحدث إليه لا يجبه.. و لا تتوقف رأسه عن التفكير.. لا يرى أمامه سوى ما رآه يوم زيكولا السابق حين ذُبح الفقير و سْط احتفالات أهل زيكولا .. أما أسيل فمازالت في قصر الحاكم تتمنى أن تجد يامنً ا الذي اختفى منذ مجيئه إليها المرة السابقة .. لا تعلم ماذا حدث بالمنطقة الغربية .. تريد أن تعلم هل عاد خالد إلى حريته مجددً ا أم تجده أمامها يوم تختار الثلاثة الأكثر فقرً ا.. تتمنى أن تغادر القصر إلى المنطقة الغربية ، و لكنها لا تستطيع أن تترك زوجة الحاكم في هذا التوقيت .. فلم تجد أمامها سوى أن تنتظر حتى يمر ذلك اليوم و ما يليه، و وقتها سيتضح كل ش يء.. * * * الموسيقى تنتشر في كافة أرجاء زيكولا، و الأخبار تتناقل بين هذا و ذاك.. الجميع يتحدثون عن فقراء زيكولا ، و يتهامسون بأن أطباءها قد اختاروا فقيرين بكل منطقة بها .. و ينتظرون طبيبتهم الأولى حت ى تعط ي كلمتها الأخيرة .. ير يدون أن يفرحوا.. يريدون أن يُهنّئوا حاكمهم بهذا اليوم.. الجميع في أوج سعادتهم طالما ابتعدوا عن منصة الذبح .. يعملون نهارً ا، و يتراقصون ليلاً .. يعلمون أنها أيام و ستمُر و سيعودون مجددً ا إلى حياتهم، و أعمالهم الشاقة.. فأرادوا أن يقتنصوا كل ذ ر ة سعادة في تلك الأيام.. حتى سور زيكولا بدا و كأنه في أيام عُرسه بعدما عُلّقت
عدد الصفحات ٢٣٨239 فوقه رايات عديدة مختلفة الألون ترفرف بقوة، و تتوسطها نيران مشتعلة تعلن عن احتفال أهل مدينته ، و الذين بدأوا يتجهون إلى المنطقة الوسطى أفواجً ا متتالية ليشاهدوا منافسة الزيكولا و معهم ما يكفيهم من طعام حتى ذلك اليوم، و حتى يوم زيكولا حين يتنقلون إلى المنطقة الشرقية حيث أرض الاحتفال و منصة ذبح الفقير.. أما أهالي المنطقة الغربية فقد تجمّعوا أمام القصر الذي حُب س به خالد و جواد حين اصطف أمامه العديد من الجنود إيذانً ا برحيل الفقيرين إلى المنطقة الوسطى حيث قصر الحاكم ، و صاحوا و هللوا حين رأوا خالدً ا و جوادً ا مُكبّلين يدً ا و قدمً ا، و يتقدمهم قائد الجنود إلى عربة تقف أمام القصر .. ثم بدأت العربة في التحرك في طريقها لمغادرة تلك المنطقة.. * * * سارت العربة و شقّت طريقها ، و بداخلها خالد، ينظر عبر نافذتها إلى الصحراء الشاسعة على جانب الطريق، و كلما حاول جواد أن يتحدث إليه لا يرد، و يظل محدّقً ا خارج العربة حتى ابتسم جواد ، و تحدّث في هدوء: - أعلم أنك حزين للغاية، و أعلم أنك تسخط على حاكمنا وولده.. و لكن لا تيأس يا صديق.. ما زال أمامك فرصتان كي تنجو بحياتك .. و خالد يواصل صمته و لا يرد.. حتى تحدّث جواد مجددً ا: - أحدنا سينجو بالطبع.. و قد ينجو كلانا ..ثم صمت، و أكمل: - أريد أن أطلب منك شيئًا ..ثم تابع : - إن نجوت و كنت أنا من سيُذبح، و جاء يوم زيكولا و وقفت بين من يحتفلون بذبحي، و رأيت امرأة تبكي وسط من يفرحون ، فاذهب إليها و أخبرها أنني لم أحب بحياتي مثلما أحببتها.. و سالت بعض دموعه على وجهه فالتفت إليه خالد، و وضع كفه على ركبته، و ابتسم إليه:
عدد الصفحات ٢٣٩241 - ستعود إليها يا جواد .. و ستنجبان أطفالاً تعيش و تفخر بزيكولا .. فابتسم جواد ، و الدموع تلمع على وجهه ، و أكمل: - و أنت؟ .. لا تريد أن توصين ي بش ي؟ فصمت قليلاً ثم نظر عبر النافذة مجددً ا، و عاد لينظر لجواد : - إن وجدت شابً ا في مثل عمر ي يدعى يامنً ا، و يقف حزينً ا فأخبره بأنن ي لم أجد صديقً ا و أخً ا مثله ثم صمت برهةً ، و أكمل: - و إن رأيت طبيبة زيكولا تنظر كثيرً ا إلى السماء ليلاً تبحث عن نجم بها.. فأخبرها أنها أجمل حقً ا من ذلك النجم.. فسأله على الفور : - هل تعرفك طبيبة زيكولا؟ فأجابه خالد :- نعم.. فابتسم، و أكمل: - هل تحبها؟ فردّ خالد: نعم .. فسأله: و هي؟.. تحبك؟ فصمت خالد ثم أجابه: لا أدرd.. فأكمل جواد - إن كانت تحبك فلن تتركك لتكون ذبيح زيكولا.. فصمت خالد مرة أخرى ثم عاد هائمً ا يتأمل الطريق عبر نافذة العربة .. و أكملت العربة سيرها ، و أمر سائقها حصانه بأن يسرع و لسعه بسوطٍ بيده .. حتى وصلت مع اقتراب غروب الشمس إلى المنطقة الوسطى ، و التى ازدحمت شوارعها بالكثير من الناس.. و واصلت العربة تحركها.. حتى توقفت أمام قصر الحاكم .. * * *
عدد الصفحات ٢٤٠