المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية ارض زيكولا عمرو عبد الحميد

غير معروف

صفحة ١٤ من ١٨

209 فابتسم يامن: - الآن أتمنى أن تضع أنثى .. فابتسم خالد ثم زالت ابتسامته: - أردت أن أحدّثك بعيدً ا عن أسيل لأنني لا أريد أن أسبب لها الكثير من التعب.. و أخش ى أن يؤثّر ذلك على عملها كطبيبة زيكولا الأولى .. اليوم سأفقد ذكائ ي.. سأصبح في عداد أغبياء زيكولا و فقرائهم .. لن أستطيع التفكير.. و إن فكّرت ربما ستكون قراراتي غبية.. ثم نظر إليه، وأمسك بذراعيه: - يامن.. من اليوم أنت من ستتخذ أي قرار يخصّن ي.. فسأله يامن مندهشً ا : - أنا؟ !! فأجابه خالد: - نعم.. أخش ى أن يكون تفكير ي بغباء سيسبب الكثير من المتاعب .. و لهذا سأحمّلك مسئوليت ي بعد اليوم .. سأطيعك مهما كان قرارك.. بالطبع ستكون أذكى منّ ي .. فصمت يامن، و فرك شعره : - إنها حقً ا مسئولية كبرى .. فأكمل خالد : - ما عليك سوى أن تجعلن ي أعمل.. حتى أسترجع ذكائي.. فإن فعلت ذلك فلن أنساه طوال عمر ي .. ثم هدأ صوته ، و اقترب منه : - أريد أن أخبرك بش يء آخر..

عدد الصفحات ٢٠٩

201 - يامن.. إنني أحب أسيلاً .. و أخش ى أن أكون غبيً ا فتبتعد عني.. سأطيعك فيما تراه أن أفعله تجاهها أيضً ا فرد يامن : - أرى أنها تحبك أيضً ا، و تحبك كثيرً ا.. فابتسم خالد: أعلم ذلك.. و لهذا فكرت أن آخذها معي إلى أرض ي.. لقد فكرت كثيرً ا في ذلك.. و لكنني ترددت أن أخبرها بحب ي لها.. و قررت أن أخبرها بذلك حين أجد الطريق ممهدً ا لعودت ي إلى بلد ي.. سأتركك وقتها تخبرن ي ماذا أفعل .. فابتسم يامن: - أتمنى لكما السعادة يا صديقي.. فابتسم خالد : - حسنً ا لننهض.. علينا أن نذهب إلى إياد.. و أعتقد أن أسيلاً قد استيقظت.. لا تخبرها بش يء مما قلناه.. فابتسم يامن، و قد نهض: حسنً ا .. * * * استيقظت أسيل فوجدت خالدً ا و يامنً ا في انتظارها، فسألت خالدً ا على الفور : - هل اتخذت قرارك؟ فابتسم خالد: - نعم.. لقد قررت أن أجازف، و أفعل ما أخبرنا به إياد. فصمتت أسيل حتى أكمل: - و سأنتظر حتى يوم زيكولا حيثما كان.. بعد ثمانين يومً ا أو بعد خمسة أشهر.. و سأعمل كي أسترجع جزءًا كبيرً ا من ذكائي حتى عودت ي .. فسألته، و بدا الحزن على وجهها:

عدد الصفحات ٢١٠

211 - ألم تجد حلاً آخر؟ .. فهز خالد رأسه نافيً ا، فسألته مجددً ا : - و لماذا لا تنتظر حتى تعمل أولاً فيزيد مخزونك .. ثم تحفر نفقك قبلها بأيام ، و تحافظ على ذكائك.. كما فعلت حين اشتريت كتابك ؟ فأجابها : - فكرت في ذلك.. و لكنني أصبحت أعلم جيدً ا طبيعة أهل زيكولا، و مدى انتهازهم.. كلما اقتربنا من ذلك اليوم .. سيطلب من يحفرون النفق الكثير من الأجر.. ربما يطلبون ضعف الثلاثمائة وحدة أو ضعفين.. ثم نظر إليها، و ابتسم : - سأكون بخير يا أسيل.. سأكون بخير.. أريدك فقط أن تكوني معي.. فابتسمت أسيل حتى تحدّث يامن : - هي ا.. علينا أن نجد إيادً ا.. و لم يكد يكمل جملته حتى وجدوا إياد يدخل إليهم فابتسم يامن: - كنا في طريقنا إليك .. فضحك إياد: - أعلم ذلك .. و لذا أردت أن أوّفر القليل من الوقت .. ثم نظر إلى خالد : - هل اتخذت قرارك؟ فرد خالد : - نعم.. و سأترك لك المسئولية لمتابعة ذلك النفق، و سأعطيك مقابلاً .. و لكنه ليس كبيرً ا، و ليس الآن .. فابتسم إياد: - لا بأس.. ثم أكمل:

عدد الصفحات ٢١١

202 - كنت أعلم أنك ستقرر ذلك .. ثم تحرّك خطوات إلى الخارج ، و عاد و معه فتى ملابسه بالية ثم أشار إلى خالد، و حدّث الفت ى : - إنه من يريد أن يستأجر بيت سيدك .. فتحدث الفتى: - حسنً ا، و لكن سأكررها.. إلى يوم زيكولا فقط.. بل اليوم السابق له حتى .. يوم يُفتح باب زيكولا .. إن عاد سيدي فلن يترككم لحظة واحدة ببيته .. و ربما يقتلني إن علم أنني من أدخلتكم بيته.. فأومأ خالد إليه برأسه موافقً ا دون أن يتحدث ثم نظر إلى إياد : - و متى يأتي عمالك؟ فهمس إليه إياد : - سيأتون بعد قليل.. لا تخبر الفتى بما سنفعله أسفل بيت سيده.. ربما يضيع كل ش يء إن علم بذلك.. سيأتون بعد أن يرحل.. بعدها نظر خالد إلى الفتى: - حسنً ا.. أستأجر منك البيت حتى يوم فتح باب زيكولا مقابل مائت ي وحدة .. فابتسم الفتى، وأخرج مفتاحً ا حديديً ا كبيرً ا : - وهذا مفتاح بيت سيدي .. و ما إن أخذه خالد حتى شعر بألمٍ شديدٍ برأسه .. فنظرت إليه أسيل في لهفة، واقتربت منه، بعدما أمسك برأسه : - خالد، تماسك.. أرجوك تماسك.. أعلم أن اليوم شاقٌ عليك .. فلم يرّد، وظل ممسكً ا برأسه، وبدأ شحوب جلده يزداد .. حتى سألته: - خالد.. هل أنت بخير؟ فأجابها بصوت منخفض:

عدد الصفحات ٢١٢

213 - نعم.. و لم يترك رأسه حتى مر قليل من الوقت .. وخرج إياد وعاد مجددً ا، وتحدّث إليه : - لقد أتى زعيم العمال الذين سيحفرون النفق.. ولكنه يريد أن يأخذ الثلاثمائة وحدة دفعة واحدة .. هل ستعطيهم أجرهم دفعة واحدة كما طلبوا ؟ فنطقت أسيل على الفور - لا.. لن يدفع لهم ثلاثمائة وحدة الآن .. فأمسك خالد بيدها.. ثم تحدث إلى إياد: - هل يأخذون أجرهم دائمً ا هكذا؟ فرد إ ياد: نعم.. وهذا ما سيجعلهم يكتمون أمر ذلك النفق.. الذي قد يود ي بحياتنا جميعً ا.. فنطق خالد في صوت هادئ : - حسنً ا.. سأعطيهم ما يريدون .. فصرخت إليه أسيل : - خالد.. إن هذا قد يود ي بحياتك.. فابتسم إليها خالد: إنني قو ي .. سأدفع لهم مايريدون ، سواء الآن أو بعد ذلك.. ولا أريد أن يخبروا أحدً ا.. فتحدث إياد: - حسنً ا.. سأدخله إليك الآن ثم أذهب معهم إلى ذلك البيت لأنهم سيبدأون عملهم من اليوم .. و أنت ستواصل عملك .. و ستجد نفقك كاملاً بعد عشرين يومً ا.. و قد أكّدوا لي ذلك.. و بعد أن تغادره - متى تشاء- سأجعلهم يملأون جزءه القريب من البيت بالصخور مجددً ا ثم يعيدون أرضية البيت كما كانت.. و أتمنى ألا يثير ر يبة صاحبه حين يعود إليه ..فحدّثه خالد : - حسنً ا.. أدخ له ..

عدد الصفحات ٢١٣

204 فخرج إياد .. و عاد و معه رجل ضخم شعره مجعد، و شاربه كثيف ، و شفتاه غليظتان، و بيده آلة حفر يدوية سنّها حديد ي مدبب، و تخرج منه عصا خشبية سميكة.. ثم نطق بصوته الغليظ : - إننا نريد ثلاثمائة وحدة الآن .. فتحدث إليه خالد: - لا أريد أن يعلم أحد بذلك أبدً ا.. فردّ الرجل : - حسنً ا، كما تريد .. إننا نعلم كيف نصون السر جيدً ا .. فابتسم خالد: حسنً ا، لك ما تريد .. فابتسم الرجل ، و همّ ليغادر قائلاً : - سنبدأ العمل اليوم .. و سترى كم نحن بارعون .. ثم غادر، و معه إياد الذي أخذ المفتاح الحديدي معه.. أما خالد فأمسك رأسه من جديد، و تزايدت ضربات قلبه ، و تسارعت أنفاسه، و زاد شحوبه للغاية، و شحبت شفتاه، و احمرّت عيناه، و نهض من مكانه، و سار مترنّحً ا بين أرجاء المكان، و نظر إلى يامن و أسيل في ذهول ، و ترنح مجددً ا، و برزت عيناه و أمسك برقبته كأنه يختنق، و أسيل تناديه و قد تساقطت دموعها : - خالد.. عليك أن تصمد.. لم يفعل أحد من قبل مثلما فعلت.. خالد.. ستصمد.. إنك قو ي .. أعلم أنك ستصمد..ستصمد.. ثم أمسكه يا من: خالد.. ستعود إلى بلدك .. ستعود قو ي ا كما كنت .. ستسترجع ثروتك.. و خالد ما زال يتحرك ، و يهذي، و لا يد ري بش يء من حوله، و ينظر إلى ذراعه التي أصبحت صفراء شاحبة ، و إلى كفيه اللتين ارتعشتا قليلاً .. حتى أراد أن يتجه نحو

عدد الصفحات ٢١٤

215 الباب، و ما إن تحرّك خطوات نحوه حتى سقط على الأرض، و ظل جسده ينتفض، و ضمّت أسيل رأسه إلى صدرها، و رجلاه تنتفضان بقوة، حتى هدأتا رويدً ا رويدً ا، و أغمض عينيه.. فنظرت أسيل باكية إلى يامن : - كنت أعلم أن ذلك سيصيبه.. و لكنني لم أعلم أنني لن أستطيع أن أراه هكذا.. و زادت دموعها، و مررت يدها فوق شعره، و أكملت: - إن اليوم سيكون أصعب أيامه في زيكولا.. إن مخزونه الآن لا يزيد عن مائة وحدة.. عليه أن يأخذ قسطً ا كبيرً ا من الراحة اليوم .. فرد يامن: - حسنا.. سأتركه ينام حتى الغد ، و أنا سأذهب كي أرى عملنا الجديد.. لابد و أن نعمل من الغد .. لقد أصبح هدف ي الآن أن يستعيد خالد ذكاءه قبل أن يغادر زيكولا.. و سأتابع مع إياد أيضً ا حفر ذلك النفق .. فقالت أسيل، و مازالت دموعها على خدّيها : - حسنً ا.. عليك أن تحمله إلى سريره الآن .. و أنا سأظل بجواره حتى تعود.. * * * غادر يامن بيت ضيافة الطبيبة بعدما حمل خالد إلى سريره .. و ترك بجواره أسيلاً التي ظلت تنظر إليه، و تحاول أن تتمالك نفسها من البكاء مجددً ا، و تسكب القليل من الماء البارد على يدها ثم تمررها على وجهه و على لحيته الناعمة ثم على شعره الناعم.. و خالد مُغلقة عيناه ، و يهذي بكلمات غير مفهومة ، و أسيل تنظر إليه ، و تتذكر حين اصطدم حصان عربتها به و رأته لأول مرة.. ثم تتذكر حين قرأت كلم اته التي كتبها عنها، و أنها حورية زيكولا، و تمسح مجددً ا وجهه بالماء، و ابتسمت حين تذكّرت حديثه إليها حين رأى نجمً ا لامعً ا فريدً ا، و أخبرها بأنه قد سمّاه أسيلاً .. تشعر بأنها تراه أمامها كما رأته حين وقف أمام عمال المنطقة الشرقية كقائدهم،

عدد الصفحات ٢١٥

206 وجعلهم -بكلمات منه- يتخلّون عن خوفهم ، و يتحدون ضد آخذ ي وحدات الحماية.. و بدأت تتحدث إليه بصوت هادئ: - ستكون على مايرام يا خالد.. ستكون بخير.. ثم نهضت لتحضر المزيد من الماء فوجدته يهذ ي، و يعلو صوته : - جدي.. منى.. منى.. جدي.. فتوقفت قدماها حين سمعته.. ثم أكملت طريقها لتحضر الماء.. حتى عاد يامن، و ظلاّ بجواره ساعات طويلة دون أن يغفو لهما جفن .. حتى مرّ ذلك اليوم ... في صباح اليوم التالي، فتح خالد عينيه فوجد أسيلاً و يامنً ا بجواره فضحك ، فسألهما: - لماذا تجلسان هكذا؟ ! فابستم يامن، و ابتسمت أسيل، و ردّت : - لقد أصابنا القلق فحسب .. فصمت خالد، و لم يتحدث بعدما نظر إلى ذراعه ثم نظر إلى يامن، و حدّثه بصوت هادئ : - هل بدأوا العمل؟ فأجابه: نعم.. لقد بدأوا بالأمس .. فسأله مجددً ا: - و نحن لماذا لانعمل معهم؟ ! فابتسم يامن : - لدينا عملنا.. فصاح به في غضب :

عدد الصفحات ٢١٦

217 - ولماذا نجلس هنا؟ ! فابتسمت أسيل، و نظرت إلى يامن : - نعم.. لماذا تجلسان؟ .. هيا انهضا إلى عملكما؟ فنظر خالد إلى أسيل مندهشً ا : - ألن نساعدك؟ فابتسمت: - كنت أتمنى ذلك.. و لكن مرض ى تلك المنطقة أغلبهم من النساء.. لقد وجد يامن لك عملاً ستوفر منه ست وحدات باليوم .. فركل يامن بقدمه : - حسنً ا.. هي ا بنا إلى العمل.. فضحك يامن: - حسنً ا يا صديقي.. انتظر حتى أغسل وجهي بالماء.. أراك أصبحت متسرعً ا قليلاً .. * * * اتجه خالد مع يامن إلى عملهما الجديد في المنطقة الغربية .. و خالد يسير واجمً ا، و قد بطأت حركته ، و كلما سار بمكان ما، تلفّت حوله كثيرً ا، و ظل يسأل يامنً ا الكثير من الأسئلة و اليى أجابها له يامن من قبل ، و يامن يبتسم و يجيبه مجددً ا.. حتى وصلا إلى عملهما الجديد.. فتحدث إليه يامن : - هنا سنكسر الصخور مثلما كنا نكسرها في المنطقة الشرقية .. أتتذكر؟ فرد خالد : - نعم.. أتذكر.. فأكمل يامن:

عدد الصفحات ٢١٧

208 - أعلم أن كفاءتك ستكون أقل.. و لكن ما عليك سوى أن تقلّدن ي في عملي.. إنه عمل لا يحتاج إلى ذكاء.. و حين ننتهي من عملنا سننال أجرنا .. ثم نذهب إلى إياد لنرى نفقك يا صديقي.. بدأ خالد يعمل مع يامن.. و كانت كفاءته أقل كما أخبره .. و كلما اشتد بعمله زاد تعبه و إنهاكه و أراد أن يستريح.. فيحدّثه يامن بأن يعمل ، و يحمّسه : - هي ا يا خالد.. هي ا.. إنك بحاجة إلى كل وحدة.. فيعمل مجددً ا، و يحاول أن ينافس يامنً ا، و لكنه لا يستطيع .. فيُهد ئ يامن من عمله، و يكسر مثله ببطء.. ثم يوحي إليه بأنه من تفوق في تلك المنافسة.. حتى انتهيا من عملهما، و أخذا أجرهما ، و اتجها إلى ذلك البيت الذي استأجره .. فوجدا إيادً ا هناك بمفرده ، و عمال الحفر قد انصرفوا ، فسأله خالد في غضب: - أين العمال؟ فأجابه إياد : إنهم قد انصرفوا .. لن يستطيعوا أن يعملوا مع هدوء الليل .. إنّ ضجيج النهار يستر خلفه ضجيج الحفر.. فصاح به خالد: - إننا نريد أن نسرع .. فأشار يامن إلى إياد بأن يُهدّ ئ من حديثه.. و أن خالدً ا ليس كطبيعته، ثم أمسك بيده، و تحرّك بهما إلى إحدى غرف الطابق السفل ي بالبيت: - انظرا .. لقد تخلصوا اليوم من أرضية تلك الغرفة ، و معها الطبقة الصخرية الصلبة.. إنها أصعب ما في الأمر .. بعد ذلك أعتقد أن الحفر سيكون سهلاً .. و سينتهى في موعده بعد عشرين يومً ا.. ثم نظر إلى خالد: - اطمئن.. سأجعلهم يعملون ليلاً أيضً ا، و لكن مع اقترابهم من نهاية النفق .. ثم ضحك : - من سيزيل تلك الصخور و الرمال التي سيخرجونها من النفق ، غيرهم ؟ !..

عدد الصفحات ٢١٨

219 فهدأ خالد، و همّ للمغادرة : - افعلوا ما تشاءون .. ثم نظر إلى يامن: - يامن.. أريد أن أعود إلى المسكن .. فابتسم إليه يامن في هدوء: - حسنً ا يا خالد.. سنعود .. ثم نظر إلى إياد: - إياد.. إن مصير خالد مصيرى .. لن أوصيك .. فضحك إياد :- لا أنس ى أننى سأنال أجرً ا لمتابعة هؤلاء العمال .. * * * توالت الأيام يومً ا تلو الآخر ، و خالد يعمل مع يامن، و يترك كل ما يريد أن يأخذ قرارً ا بشأنه إليه، و لا يناقشه بش ئ.. ما يريده فقط أن يعمل ، و ينال أجره .. ثم يتجها إلى إياد و من معه من عُمال ، و تأتى إليهم أسيل حين تنتهى من عملها، و خالد ينظر إلى ما يفعلونه من بعيد .. و لا يتدخل بعملهم مطلقً ا.. و قد تعمّقوا بالأرض مسافة عمودية ، قد تصل إلى مترين ، و وضعوا بها سُلّمً ا خشبيً ا صغيرً ا.. و منها بدأوا يحفرون نفقً ا أفقيً ا.. و اندهشت أسيل حين نزلت تلك الحفرة ، و نظرت إلى النفق الأفقى.. و تعجبت من تلك البراعة التي يحفرون بها.. و كلّما حفروا مسافة معين ة دعّموها بالأخشاب حتى لا ينهار ما فعلوه .. و تنظر إلى خالد ضاحكة: - لقد بدأ العمل بحق يا خالد.. ستحقق أملك قريبً ا.. ثم نظرت إلى إياد، و طلبت أن تتحدث إليه بعيدً ا عن خالد ثم سألته: - هل سيستطيع أن يسير بذلك النفق.. فأجابها إياد : - بالطبع لا.. إن ارتفاع النفق لا يتجاوز مترً ا.. عليه أن يزحف به .. أو يتحرّك على ركبيته .. إنها ليست مسافة كبيرة ..

عدد الصفحات ٢١٩

221 فصمتت أسيل ثم سألته مجددًا : - و ماذا عن تهويته .. أخش ى أن يختنق داخله، فابتسم إياد: - أرى أنك تخشين عليه كثيرً ا.. لا أرى أنها مشكلة على الإطلاق.. إن النفق سيكون مفتوحً ا من الجانبين.. و هذا بالطبع سيمرر الهواء .. فردت أسيل : - أتمنى ذلك.. و استمرت الساعات في مرورها.. و مرت الأيام معها.. و خالد يواصل عمله .. و العمال يحفرون نفقه.. و يسرعون في عملهم دون أن يدر ي أحد بما يحدث تحت الأرض الخالية بين سور زيكولا و البيت القريب منه .. يحفرون نهارً ا، و يتخلصون من صخور الحفر ليلاً .. و يامن يزداد الأمل أمامه ، و كلما نزل النفق، و زحف على ركبتيه أمتارً ا به، و معه شعلة من النار يضحك ، و يتحدث إلى خالد الذي ينتظره عند فتحته.. و يعلو صوته إليه : - انظر يا خالد .. لم يعد سوى مسافة قليلة إلى سور زيكولا .. انظر يا خالد .. ستخرج من زيكولا كما تريد.. و خالد يستمع إليه، و يبتسم، و يتحدث إلى نفسه: "سأخرج يا يامن .. سأخرج .." و تمر الأيام أكثر و أكثر، و أسيل تنهي عملها كل يوم لتذهب إلي ذلك النفق .. فتجد خالدً ا و يامنً ا هناك فتجلس بجوارهما ، و يداعبان خالدً ا و لا يتركانه حتى يعود معهما إلى ذلك المسكن .. دار الطبيب.. بعدما رفض أن يسكن بالطابق العلو ي بالبيت ذاته ..و قد وافقاه فيما أراد. حتى جاء اليوم الثامن عشر من بداية الحفر، و كان خالد يجلس مع يامن بمفردهما ، فنظر إليه: - يامن.. لقد أخبرتك من قبل أنن ي أحب أسيلاً ..

عدد الصفحات ٢٢٠

221 فرد يامن مبتسمً ا: - نعم فأكمل خالد: - لم يعد يتبقى على إتمام النفق و مروره أسفل سور زيكولا سوى القليل.. و أنا أود أن أخبر أسيلاً بأنني أحبها.. و أن أطلب منها أن تأتي معي إلى بلدي.. فابتسم يامن: مازال هناك وقت حتى يوم زيكولا.. فصمت خالد ثم نظر إليه: - أعتقد أنن ي تأخرت كثيرً ا كىيأخبرها بذلك .. أرى أن الوقت قد حان لتعلم كم أحبها.. فسأله يامن: هل تريد أن تخبرها بذلك الآن ؟ فأجابه :- لا أعلم.. ما أعلمه أننى لا امتلك من الذكاء سوى مائتى وحدة أو أكثر بقليلاً .. و أخش ى ألا أكون ذكيً ا في حديثى معها .. فابتسم يامن: - إنها تعلم من أنت يا خالد.. و هي تحبك. فابتسم ابتسامة حزينة : - أريدك فقط أن تخبرني ماذا أفعل.. كنت أظن الأمر سهلاً .. و لكنني لا أجده بتلك السهولة.. أخش ى أن يكون تواجدها معي تعاطفً ا ليس حبً ا.. فصمت يامن قليلاً ثم ضحك وقال : - سأخبرك ماذا تفعل ، ثم سأله: - أين أوراقك التي كنت تكتبها؟ فأشار خالد إلى أغراضه : - إنها هناك بين أغراض ي..

عدد الصفحات ٢٢١

222 فسأله: - كتبت بينها أنك تحب أسيلاً ؟ فأجابه خالد: نعم .. فسأله: و هل قرأتها أسيل ؟ فأجابه: لا.. إنها قرأت الأوراق الأولى فقط.. حين كنت أمدحها.. و لكنها لم تقرأ أنني أحبها منذ دخولي إلى زيكولا. فابتسم يامن: - حسنا سآخذ تلك الأوراق، و سأجعلها تقرأها ، و ستتأكد من حبك لها، و لن تنتظر حتى تذهب إليها.. أراهنك بخمس وحدات من الذكاء.. أنها حين تقرأ تلك الأوراق ستأتي إليك مسرعة و تقو ل أحبك يا خاااااالد.. فابتسم خالد: - حسنً ا لفعل ما تشاء.. أما أنا فأريد أن أذهب إلى إياد و من معه من عمال الآن .. ثم أتجول بين شوارع المنطقة قليلاً .. لا أريد أن أنام الليلة .. أشعر أنها ليلة مختلفة.. لم يعد سوى يومين على انتهاء العشرين يومً ا التي أخبرن ي بها إياد. بعدها خرج .. أما يامن فقد حمل أوراقه، و اتجه بها إلى غرفة أسيل ، و طرق بابها برفق .. ففتحته فابتسم، و أظهر إليها أوراق خالد، و تحدّث : - إنّ خالد قد خرج و لا أعلم أين هو.. و أنا سأخرج الآن .. حين يأتي، أريدك أن تخبريه بأنني قد وجدت أوراقه مبعثرة.. ثم أعطاها لها فابتسمت أسيل: - حسنً ا سأعطيها له حين يعود .. ثم أخذتها، و أغلقت بابها على الفور ، و أسرعت إلى سريرها ، و بعثرت الأوراق أمامها في سعادة.. تريد أن تقرأ ما كتبه خالد عنها .. و زادت من إضاءة غرفتها ، و أمسكتهم ورقة ورقة.. و كلما انتهت من قراءة إحداهن تناولت الأخرى .. و ظلت تقرأ ما كتبه خالد عنها في البداية، و الذي قرأته من قبل و أنها حورية زيكولا.. ثم بدأت تقر أ ما

عدد الصفحات ٢٢٢

223 كتبه خالد عن زيكو ، و عن أهلها ، و عن مناطقها.. حتى قاطع تركيزها الشديد صوت طرقات شديدة ع لى باب غرفتها ، و حين نهضت و فتحت بابها .. فوجئت ببعض الجنود ، و قائدهم يتحدّث : - أيتها الطبيبة .. إننا من حراس الحاكم .. لابد أن تأت ي معنا على الفور .. فسألته في دهشة: - لماذا؟ فأجابها: - لا أعلم سيدتي.. لقد أمرن ي سيدي الحاكم أن آتي بك على الفور .. يبدو أن سيدتي ليست على مايرام .. هدأت أسيل : - حسنً ا.. سآتي معك. ثم أغلقت باب حجرتها مرة أخرى ، و بدّلت ملابسها، و لملمت أوراق خالد سريعً ا لتحملها معها.. و لم تدر أن هناك ورقة قد أسقطتها دون أن تشعر .. خرجت أسيل مسرعة مع حراس الحاكم .. و أرادت أن تخبر خالدً ا أو يامنً ا بأنها ستذهب إلى المنطقة الوسطى فلم تجد أي ا منهما.. فركبت العربة الفخمة التي جاءوها بها ، و بدأت العربة في التحرّك، و هي تنظر عبر نافذتها لعلها تجد خالدً ا، و لكن دون جدوى فحدّثت نفسها : - إن المنطقة الوسطى ليست ببعيدة .. سأذهب إلى هناك، و سأعود على الفور .. ثم طلبت من قائد الحراس الذي كان يجلس أمامها في العربة أن يزيد من إضاءة المصباح الناري كي تتمكن من قراءة باقى أوراق خالد التي أحضرتها معها حتى تصل إلى قصر الحاكم.. و بدأت تقرأ مجددً ا ما كتبه بينما تسير العربة ، و بدا السرور على وجهها.. حتى وصلت إلى آخر ورقة معها، و زادت ضربات قلبها حين وجدت أن خالدً ا

عدد الصفحات ٢٢٣

224 قد كتب بها أنه قابل فتاة أثناء عمله بتكسير الصخور تشبه منى حبيبته ، التي أحبها ست سنوات ، و كادت دموعها تسقط حين انتهت الورقة، و قد كتب : "- ما أعلمه جيدً ا أنني لم أحبّ غير منى طوال عمر ي" و انتهت الأوراق معها، فحاولت أن تتمالك نفسها.. حتى شعر قائد الحراس بذلك بعدما بدا التوتر على وجهها ، و لمعت عيناها بالدموع ، و تسارعت أنفاسها، و كأن صدمة أصابتها فسألها: - أهناك مكروه، سيدتي؟ فأجابته في حزن: لا ش يء.. ثم نظرت عبر النافذة، و لم تحرّ ك ساكنً ا.. في الوقت ذاته عاد يامن إلى المسكن، و وجد فتاة تخرج من حجرة أسيل ،،كانت تقوم بتنظيفها ، فسألها: - أين الطبيبة أسيل؟ فأجابته: - لقد خرجت مع جنود الحاكم .. ثم أخرجت ورقة صفراء، و أكملت: - و قد سقطت منها تلك الورقة يا سيدي. فأمسك يامن بالورقة فوجدها إحدى أوراق خالد، و التي كُتب ببدايتها : "- لم أحب غيرها طوال عمر ي قبل أن آتي إلى زيكولا.. حتى وجدت أسيلاً التي يزداد شعور ي كل يوم بحبها لي.. أما أنا فأشعر تجاهها بحب لم أشعر بمثله من قبل.. " فظهرت خيبة الأمل على وجهه ثم سأل الفتاة : - ألا تعلمين لماذا جاءها جنود الحاكم في ذلك التوقيت المفاجئ ؟

عدد الصفحات ٢٢٤