المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية ارض زيكولا عمرو عبد الحميد

غير معروف

صفحة ١٢ من ١٨

177 فصمت يامن، و عاد بظهره إلى الخلف راقدً ا أمام البحيرة .. و خالد ما زال يفكّر ، و يتحدّث إلى نفسه .. و أسيل تترقّبه في صمت، حتى نظر إليها: - أسيل.. ساعديني.. فابتسمت أسيل : - حسنً ا يا خالد.. إنني أفكر الآن مثلك .. ثم أكملت : - لا توجد رؤوس ، و أنت كسرت الصخور بالفعل.. هل قرأت الكتاب جيّدً ا؟ فرد خالد : - أعتقد.. فصمتت مجددً ا.. و بدأ الوقت يمر .. و خالد لايكف عن الحركة .. و أسيل تضع رأسها بين يديها ، و تفرك شعرها الناعم و كأنها تفكّر .. و يامن نائمً ا على ظهر ه، واضعا إحدى قدميه فوق ركبة رجله الأخرى .. حتى غربت الشمس ، و لم يصلوا إلى ش يء.. حتى نطق خالد في يأس : - أرى أنني أصبحت غبيً ا بالفعل.. فتحدثت أسيل مبتسمة : - سنجد الحل يا خالد.. سنجده.. و يامن يستمع إليهما - و مازال راقدً ا -، و ينظر إلى النجوم التي تملأ السماء.. حتى تحدّث إلى خالد : - أنا أعتذر حقً ا يا خالد.. إنني أريد أن أساعدك، و لكنني لا أستطيع ذلك.. كانت أمي تخبرنى دائمً ا أن إيادً ا صديق عمر ي أكثر منى ذكاءً .. و لكن أين نجد إيادً ا الآ ن.. إنه في المنطقة الغربية يكسر الصخور مثلنا.. فالتفت إليه خالد، و سأله في لهفة:

عدد الصفحات ١٧٧

008 - يكسر الصخور؟ !! فرد يامن مندهشً ا من لهفة خالد: نعم.. فسألهما خالد: هو فيه منطقة صخرية غير المنطقة الشرقية ؟ فأجابت أسيل: - نعم.. المنطقة الغربية أيضً ا منطقة صخرية .. نعم، إنك لم تذهب إليها.. فصمت خالد كأنه يفكر.. و لمعت عيناه، و تحرك تجاههما مسرعً ا.. و وضع بعض الأخشاب في النار التي أشعلها يامن من قبل كي تزداد إنارتها.. ثم تحدث: - لما كنت في سرداب فوريك.. انقسم السرداب إلى طريقين .. أنا أخدت طريق منه م.. و السرداب أبعدن ي عن طريق تان ي.. طريق المخرج .. بعدها جلس على الأرض أمام يامن الذي نهض و جلس، و أسيل التي تابعته في ترقّب .. ثم أمسك بقطعة خشب صغيرة ، و بدأ يرسم على الرمال أمامهما .. و رسم خطً ا طويلاً ، و تحدّث : - إن كان ده طريق السرداب الرئيس ي.. ثم رسم خطً ا مُتفرعً ا منه، و يسير تجاه يامن و أسيل.. و أكمل حديثه: - و أنا أخدت الطريق ده لحد ما جيت في الصحرا خارج زيكولا.. ثم رسم خطً ا آخر متفرعً ا من الخط الرئيس ي أيضً ا.. و لكنه معاكسٌ للفرع الذي رسمه من قبل، و أكمل: - و الطريق ده اللي السرداب أبعدن ي عنه.. طريق المخرج على حسب كلام الكتاب .. ثم وقف على قدميه ، و تحرك خطوتين للخلف ، و ابتسم: - الآ ن تأكدت أن زيكولا أخذت من ذكائي الكثير.. ازاي مفكّرتش في ده.. ثم أشار إليهما بأن ينظرا إلى الفرع الذي رسمه تجاههما، و نطق:

عدد الصفحات ١٧٨

179 - هو ده الطريق إلى شرق زيكو.. أكيد هو.. ثم أشار إلى الخط المتفرع المعاكس له و هدأ صوته ، و ابتسم: - و هو ده الطريق إلى غرب زيكولا.. و أكمل : - المنطقة الوحيدة التي لم أزرها في زيكولا.. المنطقة الغربية .. ثم نظر إلى السماء حيث النجوم التي برزت.. ثم نظر إلى يامن و أسيل: - لم يقصد بالشمس أنني مض يء يا يامن.. - إنه قصد بالشمس.. حركتها .. - من الشرق إلى الغرب.. إنه أسهل مما تخيلت.. إنه سهل للغاية، و لكن لشخص لم يفقد ذكاءه.. شخص عايز يفكر.. فضحك يامن، و ابتسمت أسيل.. ثم توقفت عن ابتسامتها ، و تحدّثت : - و لكن يبقى الرأس .. فابتسم خالد: سأجدها .. فقاطعه يامن: - و ما الذي يؤكّد لك أنها حقً ا المنطقة الغربية ؟ فأجابه خالد بلهجته بعدما تنوّعت لهجته مابين لهجته الأصلية و لهجة زيكولا : - لست متأكدً ا.. و لكن لم يعد وقتً ا سوى للمجازفة.. إن خشيت المجازفة سأظل مثل أبي.. هنا طوال عمر ي .. و تابع : - سأذهب إلى هناك.. و أعتقد أنني سأجد تلك الرأس بسهولة .. لابد و أن يكون بقية اللغز أسهل مما نتخيل.. فضحكت أسيل : - يبدو أن الذكاء في بلدكم يختلف عن الذكاء هنا.. و أكملت:

عدد الصفحات ١٧٩

081 - لو فقد أحد مثلك، خُ مس ذكائه لما نطق.. فابتسم خالد: أتمنى أن تكون شكوكي سليمة.. و أن يكون صاحب الكتاب قصد يخليه سهل كده.. فضحك يامن، و أمسك بلجام الحصان الذي كان يقف بجوارهم: - حسنً ا يا ذكي.. و لكن المنطقة الغربية أبعد من المنطقة الشمالية .. هل ستستأجر حصانً ا يكلّفك المزيد من ذكائك ؟! فصمت خالد مفكرً ا.. حتى نطقت أسيل: - لا.. إنه استأجر حصانً ا إلى المنطقة الشمالية لأنني لم أكن أذهب إلى هناك.. أما المنطقة الغربية فسأذهب إليها بعد عدة أيام.. هل تنتظر، و تأتي معي؟ فابتسم خالد، و رد على الفور : - أيوة .. هنتظر.. فابتسمت أسيل : - حسنً ا.. عليك أن تعمل حتى نذهب إلى هناك.. عليك أن تحاول إعادة أجزاء و لو قليلة من ثروتك.. فابتسم خالد ثم نظرت أسيل إلى يامن : - و أنت؟ .. لا تريد أن تساعد صديقك هناك؟ .. فنظر إليها يامن مندهشً ا حتى أكملت: - إنني أريد مساعدً ا آخر مع خالد .. و لكنني لن أدفع لك أكثر من أربع وحدات باليوم ، و ملابس جديدة لك.. فصمت يامن ثم ضحك: - مساعد طبيبة؟!!.. حسنً ا ل م لا؟! ثم تمتم إلى نفسه: - مساعد طبيبة صباحً ا.. و باحث عن رأس مجهولة مع صديق بعد الظهيرة .. لا أظن أن هناك ما يمنع ذلك..

عدد الصفحات ١٨٠

181 بعدها تحدّثت أسيل إلى خالد : - الآن سأغادر يا خالد .. و سأقابلكما هنا صباحً ا بعد ستة أيام حتى نتّجه سويً ا إلى هناك، ثم نظرت إلى يامن : - و أنت، سيأتيك أحد بالملابس الجديدة قبلها بيوم .. ثم غادرت، فضحك خالد و نظر إلى يامن: - ستكون مساعدً ا لمساعد الطبيبة. فرد يامن ضاحكً ا : - أظن أنها تريدن ي أن أكون سائقً ا لعربتها .. ثم أمسك بلجام الحصان، و همّ ليغادر : - الآن عل ي أن أتركك .. إنني لم أضع شيئً ا في حلقي منذ الصباح.. هل ستأكل أنت الآخر ؟ فرد خالد: - لا.. أنا سأنام.. ربما آكل غدً ا.. ثم تابع: - إن طعامي الآن يأخذ من ذكائي.. و أنا أحتاج كل وحدة حتى أجد ذلك الرأس و ذلك المخرج .. فابتسم يامن: - حسنً ا، أراك غدً ا في العمل.. و سأخبر العمال بأنني أمسكت أثمن كتب زيكولا بيدي.. كتاب ينقذ فقيرين من ذبح يوم زيكولا.. ثم ضحك، و غادر هو الآخر .. و ظل خالد بمفرده بجوار شجرته على شاطئ البحيرة .. * * *

عدد الصفحات ١٨١

082 مرت الأيام يومً ا تلو الآخر ، و خالد يعمل مع يامن .. و يقرأ الكتاب أكثر من مرة باليوم ، و يقارن بين ما ذكره الكتاب عن أهل زيكولا و بين ما كتبه هو في أوراقه.. و يحاول أن يسأل الكثيرين ممن ذهبوا إلى المنطقة الغربية من قبل ، لعل أحدهم يدرك سر ذلك الرأس.. يعلم أن ذهابه إلى هناك مجازفة و قد لا تكون ما يقصده صاحب الكتاب.. و لكنه لم يجد حلاً آخر .. حتى جاء اليوم السادس ، و كان في انتظار أسيل و عربتها عند البحيرة .. حتى وجد يامنً ا يقترب من بعيد ، و قد ارتدى زي ا جديدً ا، جلبابً ا أزرق قصيرً ا و مزركشً ا، و يظهر من تحته بنطال فضفاض.. و يسير متباهيً ا بزيّه ، و ينفض كل لحظة عن أكمامه.. فضحك خالد حين رآه، ثم سأله يامن على الفور : - ألستُ وسيمً ا في هذا الز ي ؟ فضحك خالد : - إن ملابسك أجدد كثيرً ا من ملابس ي.. فضحك يامن : - إنني أعمل بمقابل.. أما أنت فتعمل مقابل ذهابك إلى مناطق زيكولا.. بعدها وصلت عربة أسيل ، و ما إن رأى يامن السائق حتى همس إلى خالد: - يبدوا أنن ي لن أعمل سائقً ا.. سأعمل مساعدً ا حقً ا. فضحك خالد حتى ظهرت أسيل من نافذة العربة ، و نادت بصوتها في ابتسامة: - هي ا.. فحمل خالد جميع أغراضه ، و كانت لفافة من القماش بها أوراقه و كتابه، و بعض كسرات الخبز القديم .. و ركب مع يامن العربة بمواجهة أسيل، و التي أمرت السا ئق أن يتحرك نحو المنطقة الغربية .. * * *

عدد الصفحات ١٨٢

183 انطلقت العربة ، و بداخلها خالد و يامن و أسيل.. و يامن ينظر عبر النافذة مسرورً ا حتى أثار دهشة أسيل.. و يريد أن يخرج عبر النافذة ك ي يراه من يعمل معهم بزيّه الجديد.. أما خالد فظل صامتً ا، و نظر عبر النافذة الأخرى .. و أسيل تترقّبه في صمت حتى نطقت: - هل وجدت شيئً ا آخر لذلك اللغز؟ فأجابها: - لا.. كل أملي أن يكون ظننا صحيحً ا.. و يكون فعلاً هناك المخرج .. فصمتت ثم ابتسمت، و قالت: - تريد أن تغادر زيكولا في أسرع وقت .. لن تنتظر يوم زيكولا حتى.. ثم سألته: - ماذا ذكر الكتاب عن تاريخ زيكولا؟ فرد مبتسمً ا، و فضّل أن يجيبها بلهجتها : - إن صاحب الكتاب لم يعرف هو الآخر سر زيكولا.. يبدو أنه لا أحد يعلم سر تلك الأرض.. و لكنه ذكر كيف تحدثتم العربية .. فسألته أسيل: كيف؟! فقلّب خالد صفحات الكتاب على عجل ، و أشار إلى صفحةٍ به : - يقول الكتاب أن هناك من جاءوا من بلد ي إلى هنا من قبل، عبر سرداب فوريك منذ قرون.. و هم من عل موا أهل زيكولا اللغة العربية.. أما بعض المناطق المجاو رة فقد علّمها م ن جاء من بلد ي و لم يدخل زيكولا.. فضحك يامن، و قاطعه: - حسنً ا.. إننا ندين لكم بالكثير .. فابتسم خالد، و أكمل :

عدد الصفحات ١٨٣

084 - ويقول أيضً ا.. إنهم ممن سكنوا المنطقة الشما لية.. فصمت يامن ثم أكمل ضاحكً ا: - لا ندين كثيرً ا .. و سألته أسيل: - هل ذكر أين زيكولا من أرضك؟ فأجابها : - لا، لم يذكر ذلك.. الش ئ الذي أعلمه أنا و صاحب الكتاب.. أن الطريق بين أرض ى و أرضكم هو سرداب فوريك.. و أكمل بعدما قلّب بعضً ا من صفحات الكتاب : - هو الآخر لم يستطع أن يجد تفسيرً ا لوجودكم ، و وجود تلك الصحراء، و الأراض ى، و آبار المياه التي توجد بها، و تلك السماء، و تلك الشمس.. فقال إن زيكولا أرض أخرى لا أحد يعلم أين هى.. سوى أنها نهاية سرداب فوريك.. يبدو أنها ستظل سرً ا أبدي ا لا يعلمه أحد .. * * * بعدها أكمل الثلاثة حديثهم عن الكتاب.. و بدأ خالد يقرأ لهما بعضً ا من صفحاته، و اندهشا كثيرً ا حين قرأ لهما عن سرداب فوريك، و تصميمه البديع، و كيف يكون مضاءً ليلة البدر فقط، و كيف تمت تهويته، و حين يجدهما لايصدقان ما يسمعانه يخبرهما بأنه قد رأى ذلك بالفعل حين مرّ منه .. و مرّ الوقت ، و الثلاثة يكملون حديثهم.. و يتنقلون من حديثهم عن الكتاب و ما به إلى هلال، ذلك الجشع الذي أخذ مائة وحدة إضافية، و ضحكا كثيرً ا حين أخبرهما خالد بأنه قد ثمل، و لا يتذكر شيئً ا عما تحدّث به إلى الناس في تلك اللحظات هناك.. ثم بدأوا يتحدثون عن تلك المنطقة التي يتجهون إليها، و نظر خالد إلى يامن، و قال :

عدد الصفحات ١٨٤

185 - انت قلت لي قبل كده إن المنطقة الغربية بها سوق كبيرة.. بيتم فيها بيع وشراء جميع منتجات زيكولا الزراعية أو الصناعية.. فأجابه يامن: - نعم.. تلك المنطقة يقصدها الكثيرون رغم بعدها عن منطقتنا. وقاطعته أسيل: - ولكنها أكثر قربًا إلى منطقة الحاكم التي نمر أمامها الآن.. فنظر خالد عبر النافذة، فوجد قصور المنطقة الوسطى، وأكمل يامن: - وقريبة أيضًا من المنطقة الجنوبية.. منطقة الزراعة، وعُرفت دائمًا أنها أرض الشراء والبيع في زيكولا.. وأن الأسعار بها أرخص كثيرًا من مثيلاتها في المناطق الأخرى.. فيلجأ إليها الكثيرون من أهالي زيكولا.. فتحدّ ثت أسيل: - إنها منطقة تجار زيكولا.. وهم يعيشون بها رغم أنها منطقة يصعب العيش بها.. ثم أكمل يامن: - ومنذ سنوات قريبة أصبحت المنطقة المنافسة لمنطقتنا في صناعة الطوب من الصخور.. بعدما بدأوا يستغلون طبيعتها الصخرية في صناعة الطوب مثلنا، وبها الكثير من العمال الأقوياء، منهم إياد صديق ي.. فصمت خالد.. ثم ضحك ساخرًا: - كان في الأول هدفي إني ألاقي الكتاب، ولقيت الكتاب.. دلوقت ي هدفي إني ألاقي رأس مجهولة.. ثم عاد بظهره إلى مسند المقعد الذي يجلس عليه، وأكمل ساخرًا من نفسه في حزن: - خايف ألاقي الرأس، يكون عليّ إني ألاقي حاجة تانية غيرها.. فابتسمتْ أسيل:

عدد الصفحات ١٨٥

086 - وإن كان.. ستجد كل ما تريد.. أنت القو يّ .. أنت الذكيّ .. أنت تختلف عن غيرك يا خالد.. أنت من وجدت كتابك، وأنت من وجدت حلّ لغزه.. وأنت من ستخرج نفسك من هنا.. فابتسم يامن، وظل يترقب خالد وأسيل حتى ساد الصمت داخل العربة.. * * * غربت الشمس، وحلّ الظلام بالسماء.. وعاد يامن بظهره إلى الخلف، وأغمض عينيه، و كأنّ النعاس قد غلبه.. أما أسيل فلم تفارق عيناها السماء.. حتى صاحت بخالد: - انظر هناك.. ثم أشارت إلى السماء: - إنه أسيل.. فنظر خالد إلى السماء، ونظر إلى ذلك النجم اللامع ثم نظر إليها: - أنا بتفاءل به، وبتفاءل بوجهك يا أسيل.. فاحمرّ وجهها خجلاً كعادتها.. وابتسمت، وظلت تنظر إلى النجم بالسماء، وخالد ينظر إليها، ويبتسم حين يجدها تُحرّك رأسها وعينيها مع ذلك النجم مع مرور العربة.. لا تريد أن يغيب عنها لحظة واحدة.. ثم يضحك حين ينظر إلى يامن فيجده قد انزلق بجسده بين المقعدين، وقد تعمّ ق في نومه.. حتى نظر عبر النافذة بعيدًا فوجد نيرانًا بعيدة، فعلم أنهم قد اقتربوا من تلك المنطقة التي يقصدونها.. * * *

عدد الصفحات ١٨٦

187 وصلت العربة إلى أطراف المنطقة الغربية فأيقظ خالد يامن على الفور، ففتح عينيه في ابتسام ة حين وجد نفسه منزلقًا داخل العربة.. ثم نهض، وعدّل من جلوسه وملابسه، ثم تحدّثت أسيل: - سنتجه الآن إلى مكان لنبيت به حتى الصباح.. هنا يوجد مكان خاص لطبيبة الحاكم.. أنا.. ولمساعد يّ .. أنتما.. فابتسم يامن: - رائع.. خشيت أن أنام على جانبي أحد الشوارع مثلما يفعل صديقنا دائمًا.. فابتسم خالد، ثم أكملت أسيل: - سنبدأ عملنا في الصباح، وبعد الظهيرة لن أحتاج مساعدتكما.. فاذهبا لتبحثا عن مخرج ذلك السرداب.. بعدها توقّفت العربة أمام أحد البيوت، ونزل الثلاثة.. تتقدمهم أسيل، ويليها خالد.. ثم يامن، والذ ي حمل جميع الحقائب، ومن بينهم أغراض خالد، واتجهوا إلى داخل ذلك البيت حيث كان أحد الأشخاص في استقبالهم.. * * * في صباح اليوم التالي، نهض خالد مسرعًا، وأيقظ يامن.. ثم اتجها مع أسيل إلى عملها.. ومعهم ذلك الرجل الذي استقبلهم الليلة الماضية.. وأخذوا يتنقلون من بيت إلى بيت، وأسيل تفحص كل المرض ى.. وإن احتاج أحدهم لضمادة تترك خالد ليضمده.. ويامن لا يفعل شيئًا سوى أن يحمل الحقائب، ويتباهى بملابسه الجديدة، وكلما مرّ ت فتاة بجواره يضع الحقائب أرضًا ثم ينفض عن أكمامه حتى تمرّ فيحمل الحقائب مجددًا.. وخالد يراه ويضحك.. أما أسيل فكانت تستشيط غضبًا، ولكنها تعود لتضحك حين تجد خالد يضحك لذلك.. وظلوا يتنقلون بين شوارع تلك المنطقة.. وخالد ينظر إلى بيوتها، والتي بدا على الكثير منها الثراء.. ولكنها ليست في ثراء قصور المنطقة الوسطى.. يعلم أنها

عدد الصفحات ١٨٧

088 بيوت تجار زيكولا، ولا بد أنهم أثرياء.. تتكون أغلبها من طاب قين، وتمتاز ب براعة معمارية من الخارج.. وجدران صخرية سميكة، ونقوش مميزة على واجهتها ونوافذها، وليست عتيقة مثل مبان ي المنطقة الشرقية.. حتى مرّت الساعات، فأخبرتهما أسيل بأنها ستكمل مداواة النساء، أما هما فعليهما أن ينصرفا ويبحثا عن هدفهما.. * * * انصرف خالد ويامن على الفور، وتخلّص يامن من ملابسه الجديدة، وارتدى زيّه القديم الذي أحضره معه.. وسارا معًا في شوارع المنطقة الغربية.. يبحثان عن أيّ ش يء.. يبحثان عن ذلك الرأس الذي لا يعلمون ماهيته.. حتى وصلا إلى منطقة شاسعة، وبها الكثير من أهل زيكولا.. رجالاً ونساءً.. فأخبر يامن خالد بأنها سوق زيكولا الكبير، حتى اقتربا.. فوجد خالد بهذا السوق الكثير من المحاصيل الزراعية، والفواكه والخضروات التي يعرفها، وبعضها لا يعرفه ولم يره من قبل ويتزاحم الناس حوله، وتلك المنتجات التي صنعها أهل زيكولا.. ملابس جديدة، جلابيب، وقمصان، وف ساتين.. متراصّة.. رسمت من ألوانها لوحات رائعة.. والبائعون ينادون بأسعارهم من الوحدات، والصخب يعمّ المكان، وخالد ويامن يتحركان بصعوبة بين هذا الزحام، حتى سأله خالد، وقد أعلى صوته كى يسمعه: - كيف يشتر ي هؤلاء الناس؟! ألا يخافون على ثرواتهم؟ فأجابه يامن، وأعلى صوته هو الآخر: - إن الأسعار هنا ليست باهظة كالمناطق الأخرى، كما أخبرتك.. هنا يشترون تلك المنتجات، ويأخذونها ليبيعونها في المناطق الأخرى بأسعار أكثر غلاءً للأثرياء.. فيحققون المزيد من الثروة.. ثم أكمل: - وهناك سلع كالسلع الزراعية، لا نستطيع أن نستغني عنها.. وهم يعرفون جيدً ا كيف يربحون من تجارتها..

عدد الصفحات ١٨٨

189 ثم واصلا سيرهما بين الزحام، وعيْ ن خالد تتنقل هنا وهناك.. تبحث عن ذلك الرأس.. ويسأل من يقابلهما عن رأس تمثال أو تمثال شهير بتلك المنطقة.. أو أيّ رأس يعرفونه.. ولكن الجميع أنكروا وجود تماثيل أو أيّ رأس بتلك المنطقة.. حتى أصابهما التعب، وجلسا بجوار أحد البيوت، وشربا من الماء الذي أحضره يامن معه.. حتى تحدث يامن مُحمّسً ا خالد: - سنجدها.. أشعر أننا سنجدها يا خالد.. حتى قطع حديثه إليه حين صاح بصوته بعيدًا إلى أحد الأشخاص: - إيااااد.. ثم جرى نحوه، واحتضنه كثيرًا ثم تحدّث إليه قليلاً، وأتى به إلى خالد: - إنه خالد الذي قابلته معي يوم زيكولا.. هل تتذكره؟! فابتسم إياد: - الغريب؟!! نعم، إنن ي أتذكّره.. هل أصبحتما أصدقاء؟ فضحك يامن: نعم.. فسأله إياد مجددًا: - وماذا جاء بكما إلى هنا ؟!! هل تريدان أن تشتريا شيئًا ما ؟ ثم نظ ر إلى يامن: - ولماذا لم تخبرْ ني بمجيئك سابقًا.. أخش ى دائمًا مفاجآتك.. فضحك يامن قبل أن يسأله خالد: - إياد.. تلك المنطقة صخرية؟ فأجابه: نعم.. إنها أكثر المناطق وعورة في زيكولا.. إن الأرض هنا صلبة للغاية.. ولا تصلح للزراعة.. فقاطعه خالد، وسأله:

عدد الصفحات ١٨٩

001 - هل توجد تماثيل في تلك المنطقة.. أبحث عن رأس.. لا أدرى أيّ رأس.. فصمت إياد مفكّرًا: - لا.. تلك المنطقة أسكن بها منذ زمن.. ولا توجد بها أي رؤوس.. لا بد أنكما أخطاتما المكان.. فصمت خالد، وبدا عليه التوتر: - ولكن الكتاب بيقول أنحت في الصخر.. وإني أكون كالشمس.. وأقرب تفسير للغز هي المنطقة الغربية.. فنظر يامن إلى إياد: - أرجوك يا إياد.. أعلم أنك ذكيّ .. فكّر معنا.. تذكّر أن خالد صديق ي، وأريده أن يصل إلى مراده.. فابتسم إياد، وشرب من ماء يامن، وأكمل إلى خالد: - أنا أوّد ذلك.. ولكنن ي لا أفهم شيئً ا مما قلته من حديثك عن الكتاب.. صدقني لا يوجد لديك دليل مما سمعته الآن.. سوى النحت في الصخر.. نعم، تلك المنطقة أرضها الصخرية شهيرة هنا.. حتى يُقال إن طبيعة تلك الأرض الصخرية ه ي من تحكمت في بناء سور زيكولا.. ولم يكد يكمل حديثه، حتى فوجئ الثلاثة بأسيل تأتي إليهم، وتلهث، وكأ نها أتت ع دْوًا، ووضعت يدها على صدرها.. تريد أن تلتقط أنفاسها، ونظرت إلى خالد والعرق على وجهها، وقالت: - خالد.. لقد وجدت ذلك الرأس ال ذي تبحث عنه.. * * *

عدد الصفحات ١٩٠

191 (15 ) دقّ قلب خالد، وانتفض بقوة، وكل من يامن وإياد هكذا، وسألها خالد على الفور: - فين؟! فجذبته من يده: - هيّا.. ثم انطلقت، ويدها تمسك بيده، وتبعهما يامن وإياد، وأسرعوا بين الزحام، واصطدموا بالكثير من الناس.. وكلما سبّهم أحد ابتسموا له وأكملوا عدوهم، وخالد يسأل أسيل عن الرأس ولكنها تبتسم وتطلب منه أن ينتظر قليلاً.. ثم يواصلون تحركهم بين الزحام، وما زالت يداهما متشابكتين.. لا ينفصلان سوى كي يمر أحد الأشخاص بينهما، وما يلبث أن يمر حتى تتشابك اليدان مرة أخرى.. ويامن وإياد يسرعان خلفهما، ويزيحان بأيديهما من يقابلهما.. لا يريدان أن يفقد بصرهما خالد أو أسيل.. حتى خرجوا من السوق إلى أحد الشوار ع الأقل زحامًا، وأسرعوا إلى نهايته.. تقودهم أسيل وما زالت صامته لا تريد أن تتحدث.. وخالد يتبعها، وقلبه يدق وأنفاسه تتسارع.. حتى وصلوا إلى الطرف الغربى للمنطقة الغربية، ولم تكن هناك سوى بيوت قليلة أغلبها ليست بفخامة مثيلاتها من البيوت الأخرى بتلك المنطقة وق د ظه ر سور زيكولا، وارتفاعه الذي يصل إلى خمسة طوابق فتوقّفت أسيل وحاولت أن تلتقط أنفاسها.. ثم أشارت أمامها، وقالت:

عدد الصفحات ١٩١

002 - انظر هناك.. فنظر خالد أمامه، ونظر معه يامن وإياد.. يبحثون عن رأس بذلك المكان فلم يجدوا شيئًا حتى سألها خالد : - فين؟! فابتسمت أسيل، وما زالت أنفاسها سريعة : - إنه ليس رأس تمثال كما خُيّل إليك وإلينا..إنه رأس آخر تمامًا.. فاندهش ونظر مجددًا، ولكنه لم يفهم ما تقصده حتى نطقت : - خالد.. انظر إلى سور زيكولا ذاته.. فنظر الثلاثة إلى سور زيكولا الذي كان يبعد عنهم قرابة المائة مترًا.. فسألها خالد: - أتقصدين ما أفكر به؟ فابتسمت : - نعم.. ثم أكملت : - انظر إلى سور زيكولا في تلك المنطقة، و انظر إلى مساره، وكيف تم تصميمه.. ثم تابعت، وخالد ينظر إلى السور يتأمّله : - لم أنمْ بالأمس، وقرأت كتابك، وبدأت أفكّ ر بكل كلمة به، وحاولت أن أستخدم ذكائي كي أجد هذا الرأس.. ولكنن ي لم أصل إلى ش يء.. حتى شاء القدر أن أداو ي عجوزًا مريضة بعدما غادرتما اليوم.. وأخبرتن ي صدفة أن طبيعة تلك المنطقة الصخرية تحكمت في بناء سور زيكولا، كما أخبرها القدامى.. وهنا بدأت أفكر من جديد.. فقاطعها إياد: - نعم.. إنني كنت سأخبرك بأنّ أرض المنطقة الغربية على هيئة مثلث يحيط بها سور زيكولا، لولا أن قاطعتنا الطبيبة.. فأكملت أسيل:

عدد الصفحات ١٩٢