169 .(((﴾ فذكر الخوف للمجاملة) قوله: ﴿ 3 ) مع أن إبراهيم عليه السلام قد أقبل على والده بمناصحات وملاحظات، إلا أنه 4 قوبِل من والده بفظاظة الكفر، وغلظة العناد، فناداه والده باسمه: (يا إبراهيم)، ولم يقابِل يا أبتِ بـ: (يا بُنيّ)، وقدّم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿ ﴾؛ لأنه كان أهمّ عنده؛ أي ما ينبغي أن يرغب عنها أحد ﴾ إما بالشتم باللسان، وإما الرمي بالحجارة، أو المعنى اتركني قبل ﴿ ﴾ والمعنى ، ومع ذلك كله قال له إبراهيم: ﴿( ((أن أثخنك بالضرب ، فقد قابل جفوته (3(في قول الجمهور: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى . (4(بالإحسان رعاية لحق الأبوة ومقابلة للسيئة بالحسنة، (((﴾ قال البيضاوي: ﴿ أي لا أصيبك بمكروه، ولا أقول لك بعد ما يؤذيك، ولكن سأستغفر لك ربي لعله يوفقك للتوبة والإيمان، فإن حقيقة الاستغفار للكافر استدعاء التوفيق لما . (٦(يوجب مغفرته تَلَطُّف نوح عليه السلام في دعوة ابنه للإيمان في اللحظات الأخيرة ثانياً: الفاصلة بين الناجين والمُغرَقين، المؤمنين والكافرين، قال تعالى: ﴿ (.7/( المرجع السابق، ((( (.((/3 انظر: الزمخشري، الكشاف ((( (.9/4 ابن عطية، المحرر الوجيز (3( .(((4/3)، وابن كثير، تفسير القرآن العظيم79/( العز بن عبد السلام في تفسيره (4( .((79/( وذكر بعضهم أنه سلام إكرام وبر قابل به جفوة والده. انظر: تفسير العز بن عبد السلام ((( )، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، هـ9( البيضاوي، أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي (ت (٦( (.9/4دار الفكر، بيروت،
عدد الصفحات ١٧170 .]4([﴾ يُلاحَظ في هذا النداء من نوح عليه السلام لابنه أنه حريص على إيمانه، فناداه بنداء ، بقوله: (يا بُنَيّ). (((يظهر المطلب الرابع: تخصيص الأقربين بالإنذار، وبالدعوة إلى سبيل الله تعالى: يجد المتدبر لآيات كتاب الله تعالى أن القرآن الكريم قد خصص الأقربين بالدعوة والإنذار، ومن ذلك: . ]((4[﴾ قوله تعالى: ﴿ أولاً: فالإنذار في الآية هو لعشيرة النبي ﷺ مؤمنهم وكافرهم، روى مسلم من حديث ﴾أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿ دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا، فعمّ وخص فقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف: أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطّلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي .(((نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً غير أنّ لكم رحماً سأبُلُّها بِبَلالها) قال القرطبي . (3(وإرشاده ونصيحته لقوله: إن لكم رحماً سأبُلُّها بِبَلالها )، والشوكاني، 0/4)، وأبا السعود، تفسير أبي السعود8(/(7 انظر: الرازي، التفسير الكبير ((( (.499/(فتح القدير ( 04﴾ برقم مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: في قوله تعالى: ﴿ ((( )، وأخرجه البخاري بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، البخاري، صحيح البخاري، 9(/(( .((0((/3( (0(كتاب الوصايا، باب: هل يدخل النساء والولد في الأقارب برقم (.44/(3 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (3(
عدد الصفحات ١٨171 وذكر الشوكاني أن في الآية دليلاً على أن الاهتمام بشأن الأقربين أولى، . (((وهدايتهم إلى الحقّ أقدم من رواية (4( وابن مردويه(3( ما وقع عند الطبراني(((وقد نقل عدد من المفسرين ﴾ جمع رسول الله أبي أمامة رضي الله عنه قال: (لما نزلت ﴿ ﷺ بني هاشم فأجلسهم على الباب، وجمع نساءه وأهله، فأجلسهم في البيت، ثم اطَّلع عليهم فقال: يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من النار، واسعَوْا في فَكاك رقابكم وافتكُّوا أنفسكم من الله فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، ثم أقبل على أهل بيته فقال: يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا أم سلمة، ويا فاطمة بنت محمد، ويا أم الزبير - عمّة رسول الله ﷺ -: اشتروا أنفسكم من النار، واسعوا في فكاك رقابكم، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً ولا أغني، فبكت عائشة...). وهذا الحديث مردود رواية ودراية، أما الرواية فإن الطبراني وابن مردويه قد أخرجاه من طريق علي بن يزيد بن أبي هلال الأَلْهاني عن القاسم أبي عبد الرحمن عن ، (((أبي أمامة، وعلي بن يزيد هذا ضعيف. قال البخاري، والعقيلي (.0/4 انظر: الشوكاني، فتح القدير ((( )، والسيوطي، الدر 7/٦)، وأبو السعود، تفسير أبي السعود ( 34(/3 الزمخشري، الكشاف ((( (.3(7/٦المنثور ( )، المعجم الكبير، مكتبة الزهراء، الموصل، ط هـ 0 الطبراني، أبو القاسم، سليمان بن أحمد (ت (3( .((((/8( (7890)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي برقمهـ404( ((( )، تخريج الأحاديث والآثار،هـ(٦ عزاه إليه في تفسيره الزيلعي، جمال الدين عبد الله بن يوسف (ت: (4( .(477/()، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعدهـ4(4( ((دار ابن خزيمة، الرياض ط )، التاريخ الكبير، دار الفكر، تحقيق: السيد هاشم الندوي، هـ٦(( البخاري، محمد بن إسماعيل (ت: ((( )، الضعفاء هـ 3(()، والعقيلي، أبو جعفر محمد بن عمر بن موسى (ت30(/٦)، (470برقم ( 9)، تحقيق: عبد المعطي قلعجي برقمهـ404( ((الكبير، دار المكتبة العلمية، بيروت ط (.4/3(
عدد الصفحات ١٩172 ، وقال ابن حبان(((وقال ابن حجر عنه في تقريب التهذيب في إسناده خبر عبيد الله يعني زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن . (((ذلك إلا مما عملته أيديهم وأما كون الحديث مردوداً دراية فإنه من المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام ما تزوج بعائشة، وحفصة، وأم سلمة إلا بعد الهجرة، ثم إن الروايات الصحيحة في صحيحي البخاري ومسلم قد صرحتا أن نزول الآية كان بمكة، وأن هذا كان في بداية الدعوة، وأنه عليه الصلاة والسلام صَعِدَ الصَّفا عندما نزلت عليه الآية، ولا أعلم وجود صفا في المدينة. الآيات التي فيها دعوة الأهل لعبادة الله وتقواه: ومن ذلك: قوله تعالى: ثانياً: . و﴿](3([﴾﴿ . ]٦[﴾ * وقال تعالى: ﴿ .](( - (4[﴾ « ولأنهم أوْلى مِن سائر الناس... ألا ترى أنهم أحقّ بالتصدّق عليهم؟ فالإحسان . (3(الديني أولى )، تقريب التهذيب، بعناية عادل مرشد، مؤسسة هـ 8(( ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني (ت ((( (.34() (ص48(7) برقمهـ٦( ((الرسالة، بيروت ط ( )، الكشف الحثيث عمن هـ84( الطرابلسي، أبو الوفاء، برهان الدين، إبراهيم بن محمد الحلبي (ت ((( )، تحقيق: صبحي السامرائي هـ407( ((رمي بوضع الحديث، مكتبة النهضة العربية، بيروت ط (.9() (ص3(برقم (.88/٦)، ونقله أبو حيان في البحر المحيط (((/3 الزمخشري، الكشاف (3(
عدد الصفحات ٢٠173 المطلب الخامس: صلة الرحم الكافرة في الحديث والأثر نصت بعض الأحاديث والآثار على صلة الرحم وإن كانت كافرة بصورة صريحة وواضحة، ومن ذلك: حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (قَدِمَتْ أمي وهي أولاً: فاستفتيت النبي (((مشركة - في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي ﷺ - مع . (3(، قال: نعم صِلِي أمّك (((ﷺ فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة قال الخطابي عند حديث أسماء كما توصل المسلمة، ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان . (4(الولد مُسلماً في البخاري كتاب الأدب، باب صلة الولد المشرك (أبيها) وهو تصحيف كما ذكر ابن حجر، ((( والمثبت أضبط، وابنها هو الحارث بن مدرك بن عبيد بن عمرو بن مخزوم. قال ابن حجر أر له ذكراً في الصحابة، فكأنه مات مشركاً )، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، تحقيق: محب الدين هـ8(((ت (.80/8الخطيب راغبة في الإسلام، وقيل راغبة في صلتي، وفي رواية: راغمة والمعنى كارهة للإسلام، والمعنى ((( الأول بَعيد لأنها لو جاءت راغبة في الإسلام لم تحتج أسماء أن تستأذن في صلتها لشيوع التآلف على الإسلام من فعل النبي ﷺ وأمره، فلا يحتاج إلى استئذانه في ذلك. انظر: ابن حجر، فتح الباري )، ورجح الخطابي أنها راغمة أي كارهة لإسلامي وهجرتي. انظر: الخطابي، أبا سلمان، 4(3/(0( )، غريب الحديث، جامعة أم القرى، مكة المكرمةهـ 388حَمْد بن محمد بن إبراهيم البستي (ت ). وذكر ابن حجر أن الجمهور على 703/()، تحقيق: عبد الكريم العزباويهـ 40(طبعة سنة (.34/(أنها راغبة في بر ابنتها لها، خائفة في ردها إياها خائبة، ابن حجر، فتح الباري ( 477 أخرجه البخاري، صحيح البخاري، كتاب: الهبة وفضلها، باب: الهدية للمشركين برقم (3( )،30/(( (33)، وفي كتاب الأدب أيضاً، باب: صلة الوالد المشرك، برقم 9(4/(( .((٦/3( (30((وأخرجه في كتاب الجهاد والسير، باب: إثم مَن عاهد ثم غدر (.34/( ابن حجر، فتح الباري (4(
عدد الصفحات ٢١174 .(((وقد أفرد البيهقي فصلاً في صلة الرحم وإن كانت كافرة بما ليس فيه معصية أخرج الطبراني والحاكم وغيرهما عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: ثانياً: « .(((ورحماً، يعني أن أم إسماعيل كانت منهم وقد ورد هذا الحديث بروايات مختلفة منها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (قال النبي ﷺ: إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط، .(3(فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمَّة ورحماً ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن القبط ليسوا مسلمين، هذا أولاً، ثم إن عامة القبط من الأرحام البعيدة، فإذا كان هذا حال الرحم البعيدة من الكفار فما بالك بذوي القرابات الدانية من ذوي الأرحام منهم؟ فإنه مما لا شكّ فيه أن صلتهم أولى وألزم، والله تعالى أعلم. ( ()، شعب الإيمان، دار الكتب العلمية، بيروت ط (هـ4(8 البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، (ت ((( (.0/٦)، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول (هـ4(0( )، والحاكم، محمد بن عبد ا (٦/9)،3،(((، ((( الطبراني، المعجم الكبير برقم ( ((( )، المستدرك على الصحيحين، وفي ذيله تلخيص المستدرك هـ40(النيسابوري، أبو عبد الله (ت )، هـ398)، دار الفكر، بيروت، طبعة سنةهـ748للإمام الذهبي أبي عبد الله محمد بن أ حمد (ت )، وقال الحاكم 3/(كتاب التاريخ، باب: ذكر إسماعيل عليه السلام الشيخين ولم يخرجاه وهذه الزيادة (يعني أن أم إسماعيل كانت منهم) ذكرها الطبراني من متن الحديث، وعزاها الحاكم للزهري، )، في هـ807وهو راوي الحديث عن ابن كعب بن مالك عن أبيه، وأورده الهيثمي علي بن أبي بكر (ت )، فضل الأنصار، باب: ما جاء في مصر وأهلها، هـ407مجمع الزوائد، دار الريان للتراث، القاهرة، سنة (.3/(0وقال )، صحيح ابن حبان بترتيب هـ3(4 ابن حبان، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد البسني (ت (3( )، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، باب: إخبارههـ4(4( ((ابن بلبان، مؤسسة الرسالة - بيروت ط ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث، ذكر الأخبار عن فتح الله جل وعلا على المسلمين (.7/((( (٦أرض بربر برقم (
عدد الصفحات ٢٢175 ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى حنظلة بن أبي عامر عن قتلثالثاً: ، وكذلك نهى رسول الله ﷺ عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول (((أبيه وكان مشركاً ، وفي رواية عند ابن حبان وغيره (((أن يقتل والده وكان زعيم المنافقين فـي المدينة . (3(أمره عليه الصلاة والسلام أن يبر أباه وأن يحسن صحبته ومما جاء في صلة الرحم الكافرة من الآثار: رابعاًً: ) ما أخرجه المَرْوزي بإسناد رجاله ثقات عن ميمون بن مِهْران قال: (ثلاث تؤدَّى ( إلى البر والفاجر: الرحم توصل بَرَّة كانت أو فاجرة، والأمانة تُؤَدَّى إلى البَرِّ . (4(والفاجر، والعهد يُوَفَّى للبَرِّوالفاجر ) معجم الصحابة، مكتبة الغرباء - المدينة المنورةهـ 3(( ابن قانع، أبو الحسين عبد الباقي، (ت ((( (.03/()، تحقيق: صلاح بن سالم المصراتيهـ4(8( ((ط )، مصنف عبد الرزاق، المكتب الإسلامي هـ((( أخرجه عبد الرزاق، أبو بكر بن همام الصنعاني (ت: ((( )، والنميري، 38/3( (7)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي برقمهـ403( ((- بيروت ط )، تحقيق: علي هـ4(7أبو زيد عمر بن شَبَّة، أخبار المدينة، دار الكتب العلمية - بيروت، طبعة سنة )، والحاكم، كتاب معرفة الصحابة، باب: ذكر ((() (ص: 7(0دندل، وياسين سعد الدين، برقم (. 88/3عبد الله بن عبد الله بن أبي رضي الله عنه، ابن حبان، صحيح ابن حبان، باب: حق الوالدين، ذكر استحباب بر المرء والده وإن كان مشركاً (3( )، المعجم هـ0)، والطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد (ت 7(/(( (4(8رقم )، تحقيق: طارق عوض الله، وعبد المحسن هـ4((الأوسط، دار الحرمين - القاهرة، طبعة سنة ). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب المناقب، باب في 80/(( (((9الحسيني، رقم )، وقال3(8/9عبد الله بن عبد الله بن أبي رضي الله عنه )، مصنف ابن أبي شيبة، مكتبة الرشد هـ3( أخرجه ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد (ت (4( )، تحقيق: كمال يوسف الحوت، كتاب السير، باب: ما قالوا في العهد هـ409( ((الرياض ط ). والمروزي، أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن حرب4((/٦( (3(8((يوفى به للمشركين برقم ) تحقيق: د. محمد سعيد بخاري، هـ4(9( (()، البر والصلة، دار الوطن - الرياض، طهـ٦(ت: (.9) (ص3(برقم
عدد الصفحات ٢٣176 وفي رواية إسناد رجالها ثقات أيضاً عن ميمون بن مهران بلفظ: (ثلاث المسلم والكافر فيهن سواء..) وفيه: (ومَن كان له رحم فليصلها مسلماً كان .(((أو كافراً) ) وأخرج البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أنه أهدى حُلَّة لأخ له ( .(((بمكة كان مشركاً) ومما يستفاد من هذه الرواية أن ذوي الأرحام يوصلون ولو كانوا حربيين بما لا يفضي بمضرة للمسلمين؛ لأن عمر رضي الله عنه عندما أرسل بالهدية لأخيه إنما فعل ذلك ليتألف قلبه. (.7()، (ص37 المروزي، البر والصلة برقم ((( )، وكتاب الهبة وفضلها، 30(/(( (٦ البخاري، كتاب الجمعة، باب: يلبس أحسن ما يجد، برقم ( ((( (.9((/(( ((470باب: هدية ما يكره لبسه برقم
عدد الصفحات ٢٤177 المبحث الثاني مشكل القرآن والسنّة في صلة الرحم الكافرة تمهيد: بعد هذا التطواف في الكتاب والسنّة والأثر على أدلة صِلَة الرحم الكافرة ، فللواصل دينه (((فإنه يتبين لنا أن الرحم تُوصَل وإن كانت كافرة، وصلتها واجبة وللموصول دينه، وقد جعل الله للقرابة حقاً وإن كانت كافرة، فالكفر لا يسقط كثيراً من حقوقها في الدنيا، قال تعالى: ﴿ . ]٦[﴾ وكل مَن ذُكِر في هذه الآية حَقُّه واجب وإن كان كافراً، فما بال ذي القربى وحده يخرج مِنْ جملة مَنْ وصَّى الله بالإحسان إليه؟ ورأس الإحسان الذي لا يجوز . (((إخراجه من الآية هو الإنفاق عليه عند ضرورته وحاجته وأمام هذه النتيجة فإننا نقف أمام نصوص من الكتاب والسنّة قد يُفهَم منها عكس ذلك وأن الواجب مع الرحم الكافرة أن ينبذ إليها وأن تُقاطَع. وسأعرض مشكل الكتاب والسنة في صلة الرحم الكافرة في مطلبين: )، أحكام أهل الذمة، دار ابن حزم - هـ7(( الزرعي، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب، (ت ((( (.79(/(م)، تحقيق: يوسف البكري، وشاكر العاروري997 -هـ (4(8( ((بيروت ط (.793/( المرجع السابق (((
عدد الصفحات ٢٥178 المطلب الأول: مشكل صلة الرحم الكافرة من القرآن الكريم وجوابه حذرت بعض نصوص القرآن الكريم من صلة الكفار ولو كانوا من الأقربين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ . ](([﴾ وقوله تعالى: ﴿ .](3[﴾ وللجواب عن هذا المشكل يمكن العودة مجدداً إلى كتاب الله تعالى، فقد جاء فيه الجواب الشافي لمن أشكل عليه الأمر في فهم الآيات. قال تعالى: ﴿ الجواب الأول: * .]9 - 8[﴾ فهاتان الآيتان تقسمان أعداء المسلمين قسمين، ولكلٍّ منهما حكمة من الصلة: الأول منهما: فريق من المشركين لم يقاتل المسلمين ولم يتآمر على إخراجهم من ديارهم، فهؤلاء لا مانع من صلتهم وبرّهم والإحسان إليهم. والثاني: فريق قاتل المسلمين وأخرجهم من ديارهم وتآمر عليهم، فهؤلاء لا تجوز موالاتهم بأي حال، وليس هناك ما يمنع برّهم والإقساط إليهم ضمن ضوابط الحربيين، وينبغي أن ننبه هنا على أمر هام، هو أن الله تعالى نهى المسلمين عن موالاة الفريق الثاني، وثمّ فرْق بين الإذن بالبر والقسط، وبين النهي عن الموالاة والمودّة، ويشهد لهذا التقسيم ما في الآية الكريمة الأولى من قرائن، وهي عموم الوصف بالكفر، وخصوص الوصف بإخراج الرسول وإياكم، ومعلوم أن إخراج الرسول ﷺ والمسلمين من ديارهم كان نتيجة لقتالهم وإيذائهم، فهذا القسم هو المعني بالنهي
عدد الصفحات ٢٦179 عن موالاته لموقفه المعادي؛ لأن المعاداة تنافي الموالاة. ولهذا عقَّب عليه بقوله ﴾ فأي ظلم أعظم من موالاة الفرد لأعداء أمته تعالى: ﴿ وأعداء الله ورسوله! أما القسم العام، وهم الذين كفروا بما جاءهم من الحق، ولكنهم لم يعادوا المسلمين في دينهم لا بقتال ولا بإخراج ولا بمعاونة غيرهم عليهم، ولا ظاهروا على إخراجهم، فهؤلاء من جانب ليسوا محلاًّ للموالاة لكفرهم، وليس ثَمَّ ما يمنع . (((بِرّهم والإقساط إليهم وقد ورد في سبب نزول الآية الأولى أقوال عدة منها: ﴾ نزلت في أهل العهد الذين عاهدوا رسول إن الآية: ﴿الأول: . (((الله ﷺ على تَرْكِ القتل والمظاهرة في العداوة . (3( قيل: إن الآية نزلت في الذين آمنوا وأقاموا بمكة ولم يهاجرواالثاني: نزلت في أسماء بنت أبي بكر حين قدمت عليها أمها وهي مشركة بهدايا الثالث: فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول، فأمرها النبيُّ ﷺ أن تدخلها، وتقبل منها، وتكرمها )، أضواء البيان، دار الفكر - بيروت هـ393 انظر: الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد الجكني (ت ((( (.9(/8)، تحقيق: مكتب البحوث والدراساتهـ4((طبعة سنة )، تفسير السمرقندي هـ37( ممن ذكر هذا: السمرقندي، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد (ت ((( )، والثعلبي 4((/3الموسوم بـ (بحر العلوم)، دار الفكر - بيروت، تحقيق: د.محمود مطرجي )، (((/4) والزمخشري، الكشاف 33(/4)، والبغوي، تفسير البغوي، 94/9في تفسيره )، زاد المسير في علم التفسير، المكتب هـ97وابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت (.٦/8( (هـ(404( (3الإسلامي - بيروت، ط )، والرازي، التفسير 378/4)، وابن زمنين في تفسيره7(( انظر: النحاس، الناسخ والمنسوخ (ص (3( .(3/(9الكبير
عدد الصفحات ٢٧180 ، يشهد لسبب النزول هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه عن قصة( ((وتحسن إليها أسماء مع أمها، وفيه: . (((﴾)(قال ابن عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى فيها: ﴿ وقيل: إن المسلمين استأمروا رسول الله ﷺ في أقربائهم من المشركين الرابع: ، وعلى هذا تكون الآية عامة. (3(أن يصلوهم فأنزل الله تعالى هذه الآية مناقشة الأقوال في سبب نزول الآية: أما القول الأول والثاني، وفيهما أن الآية مخصوصة بمن آمن ولم يهاجر، وبالمعاهدين من بعض القبائل، فمردودان بالسياق والسباق، فمطلع السورة: ، والكلام في السورة ]([﴾﴿ متصل من أولها، فليس مَن آمن ولم يهاجر، وعاهد النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم إنهما مردودان بالرواية الصحيحة التي أخرجها (4(عدواً لله عز وجل وللمؤمنين البخاري وغيره، ولا تَعارُضَ بين القول الثالث والرابع، فإن الآية وإن كانت في أم أسماء رضي الله عنها إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي تشمل أقارب المسلمين كافة، وهذا مفهوم القول الرابع. وقد اختلف العلماء في الآية الأولى من الآيتين اللتين سبق ذكرهما من سورة الممتحنة، وهي قوله تعالى: ﴿ ﴾ هل هي منسوخة أم لا؟ على قولين: )، (((/4)، والزمخشري، الكشاف33(/4)، والبغوي في تفسيره94/9 الثعلبي في تفسيره ((( (.3/(9والرازي في تفسيره (. 30/(( (33 البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأدب، بَاب صِلَة الْوالِد الْمشْرك برقم ((( )، وابن الجوزي، زاد المسير 3/(9)، والرازي في تفسيره 94/9 الثعلبي في تفسيره (3( .((37/8( .(7(4 انظر النحاس: الناسخ والمنسوخ (ص (4(
عدد الصفحات ٢٨181 ﴿((( ذهب قتادة وابن زيد إلى أن الآية منسوخة بما في سورة براءةالأول: . ]([﴾ ﴾ نسخها الله وذكر المقري في الناسخ والمنسوخ أن الآية: ﴿ ﴾ ونسخ معنى تعالى بما بعدها وهو قوله تعالى: ﴿ . (((الآيتين بآية السيف . (3( إن الآية مُحكَمة، حكاه القرطبي عن أكثر أهل التأويل الثاني: والقول الثاني هو الراجح - والله تعالى أعلم - قال النحاس رداً على قول قتادة: إنها منسوخة بقوله ليس بعامّ لجميع المشركين، ]([﴾ ولا هو على ظاهره فيكون كما قال قتادة، وإنما هو مِثْلُ قوله عزّ وجل: ﴿ . ]38[﴾ ثم ثبت عن النبي ﷺ القطع في رُبع دينار فصاعداً، فصارت الآية لبعض السُّرَّاق ﴾. لأن النبي ﷺ هو المبيِّن عن الله عز وجلّ، فكذا: ﴿ قد خرج منه أهل الكتاب إذا أدَّوا الجزية، وخرج منه الرسول المشركين ﴾ على ما أمرتم، فلا من الآية، فقد علم أن المعنى: ﴿ يمتنع أن يكون ما أمر به من الإقساط إليهم، وهو العدل فيهم، ومن برّهم أي الإحسان . (4(إليهم بوعظهم أو غير ذلك من الإحسان ثابتاً )، 7(()، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (ص ٦٦/8 أخرجه عنهم ابن جرير، جامع البيان ((( )، والكرمي، 37/8)، وابن الجوزي، زاد المسير9(/(وأورده عنهما ابن عطية، المحرر الوجيز (.٦الناسخ والمنسوخ (ص: (.77 المقري، الناسخ والمنسوخ (ص ((( (.9/(8 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (3( .(7(3-7(( النحاس، الناسخ والمنسوخ (ص (4(
عدد الصفحات ٢٩182 قال الشافعي رحمه ا والمراسلة بحكم الله غير ما نُهوا عنه من الولاية لمن نُهوا عن ولايته مع المظاهرة على المسلمين، وذلك أنه أباح بر مَن لم يُظاهر عليهم من المشركين والإقساط إليهم ولم يحرم ذلك إلى مَن أظهر عليهم، بل ذكر الذين ظاهروا عليهم فنهاهم عن . (((ولايتهم وكان الولاية غير البرّ والإقساط وممن ناصر هذا القول ابن جرير فقال ﴾ من جميع أصناف قول مَن قال عنى بذلك ﴿ الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم إن الله عز وجلّ عمَّ بقوله: ﴾ جميع مَن كان ذلك صفته، فلم ﴿ يخصص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول مَن قال: ذلك منسوخ؛ لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممّن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهيّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح، قد بيّن صحة ما قلنا في ذلك الخبر الذي . (((ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها وإليه ذهب النحاس أيضاً، فقد صحح القول إن الآية عامة مُحكمة بقوله عنه من الحجة أن بر المؤمن من بينه وبينه نسب أو قرابة من أهل الحرب غير منهي ولا مُحرّم؛ لأنه ليس في ذلك تقوية له ولا لأهل دينه بسلاح أو كراع، ولا فيه إظهار . (3(عورة المسلمين )، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية - بيروت هـ04 الشافعي، أبو عبد الله، محمد بن إدريس (ت ((( (.93/()، تحقيق: عبد الغني عبد الخالقهـ400طبعة سنة (.٦٦/8 ابن جرير، جامع البيان ((( (.7(4 النحاس، الناسخ والمنسوخ (ص (3(
عدد الصفحات ٣٠183 وذكر النحاس أن هذا القول جاء عن صحابي فلا يسع أحد مخالفته خاصة إذا . (((كان مع قوله توقيف بسبب نزول الآية ومما يجاب به على مشكل صلة الرحم الكافرة. الجواب الثاني: إن الآيات التي أظهرت ملاطفةَ الأنبياءِ لأرحامهم فيها قول فصل بوجوب التبرؤ من شركهم وباطلهم، فمع أن إبراهيم عليه السلام تلطّف مع والده رجاءَ إيمانه ووعده بالاستغفار له، لأن ما جاء به من الهدى والنور حقيق به أن ينير به قلوب الأقربين قبل غيرهم، إلا أنه في نهاية المطاف قد تبرّأ منه بعد أن مات على الكفر، أو . (((بعد أن تبيّن له من جهة الوحي أنه لن يُؤمِن وأنه يموت كافراً قال تعالى: ﴿ . ]((4[﴾ وقد وفّى إبراهيم بهذا الوعد الذي قطعه على نفسه فاستغفر لوالده، وروى لنا القرآن الكريم ذلك عن إبراهيم: ﴿ ، وكذلك في قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أيضاً: ﴿]4([﴾ ، وينبغي أن نشير هنا إلى أن الاستغفار للأرحام ]٦[﴾ الذين ماتوا على الكفر حرام شرعاً بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ . ]((3[﴾ فالنهي عن الاستغفار لأولي القربى بعد أن ماتوا على شركهم، وتبيَّن لذويهم أنهم من أهل النار، لأن الله تعالى قد قضى ألاّ يغفر لمشرك، فلا ينبغي لهم أن يسألوا (.7(4 انظر: المرجع السابق (ص ((( (.30(/()، والزمخشري، الكشاف٦ - 4(/(( انظر: ابن جرير، جامع البيان (((
عدد الصفحات ٣١184 . وقد ذكر المفسرون في استغفار إبراهيم( ((ربهم أن يفعل ما قد علموا أنه لا يفعله لأبيه أقوالاً عدة مجملها: أن استغفار إبراهيم لأبيه لأنه كان يرجو منه الإيمان، فلما علم بالوحي أنه لن يؤمن توقف عن ذلك، ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام لعمه: .((((لأستغفرنّ لك ما لم أُنْهَ عَنك) .(3(وقيل: إن أبا إبراهيم وعد إبراهيم بالإسلام فاستغفر له لذلك وفي قصة نوح عليه السلام مع ابنه نلاحظ أن القرآن الكريم لم ينكر على نوح ، ]4([﴾عليه السلام دعوته لابنه في آخر اللحظات بقوله تعالى: ﴿ ولكن القرآن أنكر على نوح عليه السلام عندما سأل الله أن ينجيه معتبراً إياه من أهله ولما يكن من أهل الإيمان. قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿ ، فأُجِيب: ﴿ ]4([﴾ « ]٦[﴾ . (4(أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كافر وقد كان الجواب من نوح عليه السلام: ﴿ . ]47[﴾ (.40/(( انظر: ابن جرير، جامع البيان ((( )، 4(7/(( (((94 البخاري، كتاب الجنائز، باب: إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله، برقم ((( ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام مَن حضره الموت ما لم يشرع في النَّزْع برقم (.4/(( ((4( )، وابن الجوزي،30(/()، والزمخشري، الكشاف3(4/( انظر: السمعاني، تفسير السمعاني (3( .((09/3زاد المسير )، وابن جزي، أبو القاسم، 77/3)، وابن عطية، المحرر الوجيز0/(( ابن جرير، جامع البيان (4( )، التسهيل لعلوم التنزيل، دار الكتاب العربي - لبنانهـ 74(محمد بن أحمد بن محمد الكلبي (ت (.٦/(( (هـ403( (4ط
عدد الصفحات ٣٢