153 يتحدث هذا البحث عن صلة الرحم الكافرة، ويقصد بالكافرة غير المسلمة، كتابية كانت أو وثنية، وكان من دواعي الكتابة فيه دخول أعداد في الإسلام من أسرٍ غير مسلمة، وإنجاب المسلمين من غير المسلمات، فهو يظهر صورة الإسلام المشرقة حيث إن الرحم توصل وإن كانت كافرة، ومن صور صلتها الوصيةُ لها من التركة، والتلطف معها رجاءَ إسلامها، ويجب بر الوالدين المشركين وإن كانا مجاهرين بالكفر، ولا يتعارض بِرُّهما مع الآيات والأحاديث التي تجعل الولاية في الدين فقط؛ وذلك لأن الموالاة غير الصلة، فالصلة تكون للكافر وغيره، أما الموالاة فلا تكون إلا في الدين، وتبين من البحث أن صلة الكافر رحمه تنفعه وتنفع ذريته في الدنيا، إذ تقيهم مصارع السوء، ولا يخزون في الدنيا، أما في الآخرة فلا تغني عنهم (((الصلة شيئاً. (*) أستاذ مشارك في كلية الشريعة - جامعة النجاح الوطنية - فلسطين.
عدد الصفحات ١154 مقدمة الحمد لله الذي عمَّ برحمته جميع العباد، وخصَّ أهل طاعته بالهداية إلى سبيل الرشاد، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم الشفيع المشفَّع بنا يوم المعاد، وبعد: ، «فقد يسَّر الله لي أن أكتب هذا البحث وعنوانه وهو البحث الثالث في سلسلة الأبحاث المتعلقة بالرَّحِم، فقد سبقه بحث بعنوان ، وكان (((، وبحث بعنوان(((الرحم المسلمة من دواعي هذا البحث أننا نشهد في الوقت الحاضر حضوراً كبيراً لأفراد أو جماعات تدخل في الإسلام من أسر غير مسلمة، وفي المقابل هناك عدد من المغتربين - وبخاصة الطلبة - يتزوجون من غير المسلمات، فينجبن أبناء تكوِّن أرحامهم من جهة الأم غير مسلمة، فما الضابط في تعامل المسلمين مع أرحامهم من غير المسلمين؟ لقد جاء هذا البحث ليظهر جانباً من الصورة المشرقة لهذا الدين، إنه دين الرحمة الذي يأمر بصلة الرَّحم الكافرة رغم خلافها لنا في العقيدة، فيوجب الصلة لها دون الموالاة، وذلك لأن المسلم مستقل بعقيدته وولائه لله رب العالمين. والمقصود بالرحم الكافرة الرحم غير المسلمة، كتابية كانت، أو مشركة، أو لا دينية. وقصدت في بحثي هذا استقصاء النصوص القرآنية، وقد كنت أتوق إلى جعله دراسة قرآنية فقط، وأن أجعل الأحاديث تابعة للآيات مفسرة لها، إلا أنني رأيت أن من الخير أن أفرد الحديث الشريف في مطالب مستقلة فإنه أفلج للاستدلال، وأقوى في البيان، والله المستعان. وقد قسمت هذا البحث إلى ثلاثة مباحث على النحو الآتي: م.003)، سنة()، عدد (7 بحث محكم ومنشور في مجلة جامعة النجاح الوطنية للأبحاث، مجلد ((( م.004)، سنة()، عدد (8 بحث محكم ومنشور في مجلة جامعة النجاح الوطنية للأبحاث، مجلد (((
عدد الصفحات ٢155 وفيه خمسة مطالبالمبحث الأول: صور صلة الرحم الكافرة في الكتاب والسنّة، الوصية من التركة للوالدين والأقربين غير المسلمين، وصنع المطلب الأول: المعروف إليهما. الوصية بالإحسان إلى الوالدين المشركين المجاهرين بالكفر. المطلب الثاني: التلطف بالمعاملة ورجاء الرحمة للرحم الكافرة. المطلب الثالث: تخصيص الأقربين بالإنذار، وبالدعوة إلى سبيل الله تعالى. المطلب الرابع: صلة الرحم الكافرة في الحديث والأثر. المطلب الخامس: وقد تتداخل عناوين المطالب الثلاثة الأولى في هذا المبحث، وقد يُقال: إنها جميعها تدخل في باب الإحسان، وهذا صحيح، إلا أنني أفردت كل عنوان في مطلب؛ لأن لكل منها دليله المستقل المباشر في القرآن الكريم. وفيه مطلبان: المبحث الثاني: مشكل القرآن والسنّة في صلة الرحم الكافرة، مشكل صلة الرحم الكافرة من القرآن وجوابه. المطلب الأول: مشكل صلة الرحم الكافرة من السنّة وجوابه. المطلب الثاني: وفيه ثلاثة مطالب: المبحث الثالث: جزاء صلة الكافر لرحمه، تنفع الكافرين في الدنيا، وتقيهم مصارع السوء. المطلب الأول: إذا وصل الكافر رحمه ثم أسلم فإن ثواب ذلك يصل إليه. المطلب الثاني: صلة الكافر لرحمه تنفع ذريته وتحميهم من الفقر والخزي المطلب الثالث: في الدنيا. وختاماً، فقد اجتهدت أن يكون بحثي هذا لائقاً بخدمة الكتاب العزيز والسنّة المشرّفة، وأنا أعلم تماماً أن البشر محل النقص بلا ريب، فما كان فيه من صواب فبما هداني ربي، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي التي أستدرك عليها حيناً بعد حين، راجياً أن يتقبل الله مني، وأن يجعلني مع الصالحين في جنان النعيم، اللهم آمين.
عدد الصفحات ٣156 المبحث الأول صور صلة الرحم الكافرة في الكتاب والسنّة تمهيد: هناك صور متعددة حملتها آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام دعت إلى صلة الرحم وإن كانت كافرة، وقد جاءت بعض النصوص قطعية الدلالة لا خفاء فيها ولا التباس، فكان أمرها بيّناً واضحاً للناس، وخفي المراد في آيات أخرى لاحتمالها وجوهاً مختلفة، وقد اجتهدت أن أورد الآيات التي تطمئن النفس إلى قوة الاستدلال بها على المراد، واستقصيت جميع آيات القرآن ذات العلاقة بالموضوع، فكان كل مطلب حواه هذا المبحث يتكلم على دليل قرآني دعا أو أذن بصلة الرحم الكافرة، أما المطلب السادس فهو خاص بصلة الرحم الكافرة في الحديث والأثر، وإليك بيانَ هذه المطالب: المطلب الأول: الوصية من التركة للوالدين والأقربين غير المسلمين وصنع المعروف إليهم تتجلى دعوة صنع المعروف إلى الأولياء غير المسلمين بالوصية والإحسان في آيتين: قال تعالى: ﴿الآية الأولى: . أفادت هذه الآية صلة]٦[﴾ المسلم غير المسلم؛ وذلك بالإحسان إليه في الحياة والوصية له عند الموت، فقد ذهب عدد من المفسرين إلى أن المعنى في الآية: ﴿ ﴾ يعني إلا أن توصوا لذوي قرابتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان
عدد الصفحات ٤157 ،(((والهجرة، وهذا قول الحسن، وقتادة، وعطاء، وعكرمة، ومحمد بن الحنفية . (((والمعنى أن الأقرباء من الكفار لا يرثون المسلمين، ولو أوصى لهم المسلم جاز أخرج عبد الرزاق في تفسيره عن عطاء أنه قال جواباً عن الآية . (3(المسلم الكافر بينهما قرابة ووصيته له ﴾ أنه وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية: ﴿ . وفي رواية قال(4(قال . (٦(، وأخرج ابن جرير نحوه عن محمد بن الحنفية(((ولا ميراث لهم ويفهم من هذه الأقوال المأثورة أنها خاصة في الأقارب من أهل الشرك، وهو ما نص عليه بعضهم بقوله . (7(الله عز وجل الوصية، ولا ميراث لهم )، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، هـ3(0 ابن جرير، أبو جعفر، محمد الطبري (ت ((( )، هـ338)، والنحاس، أبو جعفر، أحمد بن محمد (ت 4/(()،هـ40(بيروت، ط سنة )، تحقيق: محمد علي الصابوني هـ٦( ( (معاني القرآن، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط ( )، تفسير البغوي الموسوم هـ٦(()، والبغوي، أبو محمد، حسين بن مسعود الفراء (ت: ٦/(( )، والقرطبي، 08/3بـ (.((/4)، الجامع لأحكام القرآن، دار الشعب، القاهرةهـ7(أبو عبد الله بن أحمد الأنصاري (ت )، تفسير السمعاني، دار الوطن، هـ489 السمعاني، أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار (ت ((( (.0/4)، تحقيق: ياسر إبراهيم، وغنيم بن عباسهـ4(8( ((الرياض، ط ( ()، تفسير الصنعاني، مكتبة الرشد، الرياض، ط ( هـ((( الصنعاني، عبد الرزاق بن همام (ت: (3( .(((3/3)، تحقيق: د. مصطفى مسلم محمدهـ4(0( .((3/(0 ابن جرير، جامع البيان (4( .(((4/(( المرجع السابق ((( (.4/(( المرجع السابق (٦( )، الناسخ والمنسوخ، مؤسسة الرسالة، هـ7 قتادة، أبو الخطاب، بن دعامة السدوسي (ت (7( )، وابن أبي زمنين، أبو عبد الله،43)، تحقيق: د. حاتم الضامن (صهـ 404( ((بيروت، ط )، هـ4(3( (()، تفسير: ابن زمنين، دار الفاروق الحديثة، مصر طهـ399محمد بن عبد الله (ت (.388/3تحقيق: حسين بن عكاشة، ومحمد الكنز
عدد الصفحات ٥158 ﴾ خاصة بالأولياء من المؤمنينوهناك من ذهب إلى أن الآية: ﴿ ، (((فقط، ذهب إلى هذا مجاهد، وابن زيد، والرماني، ويعضد هذا المذهب لفظ الآية وهذا ما رجحه ابن جرير الطبري حيث قال ﴾ الذين كان الرسول ﷺ آخى بينهم أن يُقال معنى ذلك: ﴿ ﴾ من الوصية لهم، والنصرة والعقل وبينكم من المهاجرين والأنصار ﴿ عنهم، وما أشبه ذلك؛ لأن كل ذلك من المعروف الذي قد حثّ الله عليه عباده. وإنما اخترت هذا القول وقلت هو أولى بالصواب من قِيل من قال: عنى بذلك الوصية للقرابة من أهل الشرك لأن القريب من المشرك وإن كان ذا نسب فليس بالمولى، وذلك أن الشرك يقطع ولاية ما بين المؤمن والمشرك، وقد نهى الله المؤمنين ﴾ أن يتخذوا منهم وليّاً بقوله تعالى: ﴿ ، وغير جائز أن ينهاهم عن اتخاذهم أولياء ثم يصفهم جل ثناؤه أنهم ]([ ﴾ الذين ليسوا بأولي أرحام منكم أولياء... والمعنى: ﴿ . (((معروفاً إن لفظ الولي في الآية عام يشمل المؤمنين وغير المؤمنين؛ وذلك لأنَّ الراجح: ولاية النسب أمر، وولاية الدين أمر آخر، وقد حسَّن هذا القول ابن عطية، وتابعه عليه القرطبي، قال ابن عطية .(3(الكافر، وإنما تَدْفع أن يلقى إليه بالمودة كوليِّ الإسلام )، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، دار هـ٦ ابن عطية، أبو محمد عبد الحق الأندلسي (ت: ((( )، والقرطبي، 370/4)، تحقيق: عبد السلام عبد الشافيهـ 4(3( ((الكتب العلمية، بيروت ط (.((/4الجامع لأحكام القرآن (.((( - 4/(( ابن جرير، جامع البيان ((( (.((/4)، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن370/4 ابن عطية، المحرر الوجيز (3(
عدد الصفحات ٦159 وهذا القول يفرِّق بين ولاية النسب وولاية الدين، وهو بذلك يدفع قول ابن جرير؛ إذ إن عماد ترجيح ابن جرير: أن الشرك يقطع ولاية ما بين المؤمن والمشرك، ويجاب عنه أن هذا صحيح فيما يتعلق بولاية الدين، ولكن تبقى ولاية النسب، وهي أمر آخر، فقد أخرج عبد الرزاق من طريق قتادة عن الحسن قوله في الآية: ﴿ ﴾، قال: إلا أن يكون لك ذو قرابة ليس على دينك فتوصي له بالشيء . (((من مالك، هو وليُّك في النسب وليس وليُّك في الدين فإن النهي عن اتخاذ الكفار أولياء لا يقتضي النهي عن الإحسان إليهم والبِرّ ﴾ بالمؤمنين دون غيرهم، أو ، إذ الأولى عدم تخصيص قوله: ﴿( ((لهم بالمشركين دون غيرهم، فإنها تشتمل الأقرباء على اختلاف أصنافهم. ﴾ فيشمل جميع قال أبو حيان أقسامه من قريب وأجنبي، مؤمن وكافر يحسن إليه، ويصله في حياته، ويوصي له . (3(عند الموت وهي قوله تعالى: ﴿الآية الثانية: اختلف العلماء في ](80[﴾ الآية على أقوال، أهمها اثنان: )، هـ370)، وأخرجه الجصاص، أبو بكر، أحمد بن علي الرازي (ت (((/( تفسير الصنعاني ( ((( )، تحقيق: محمد الصادق هـ40(أحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت طبعة سنة (.4/(قمحاوي )، روح المعاني هـ70 انظر: الآلوسي، أبا الفضل شهاب الدين محمود بن عبد الله البغدادي (ت ((( (.3/((في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت )، البحر المحيط، دار الكتب العلمية، بيروت هـ74( أبو حيان: محمد بن يوسف الأندلسي (ت (3( .((08/7)، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود وآخرينهـ 4((( ((ط
عدد الصفحات ٧160 إن الآية منسوخة بآية المواريث، فلا وصية تجب لأحد على أحد قريباًالأول: كان أو بعيداً، وهذا قول جمهور المفسرين، وعزا ابن أبي حاتم، وابن كثير هذا القول لابن عمر، وأبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، وعكرمة، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، وطاوس، وإبراهيم النَّخَعي، وشُرَيح، إنها منسوخة أيضاً بحديث النبي عليه (((. وأضاف بعضهم( ((والضحاك، والزهري . (3(الصلاة والسلام: (إن الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقه، ألا لا وصية لوارث )، هـ4(0)، والمقري، هبة الله بن سلامة بن نصر (ت9 - ((8/( ابن جرير، جامع البيان ((( )، تحقيق: زهير الشاويش، هـ404( ((الناسخ والمنسوخ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط )، تفسير الواحدي، هـ8)، والواحدي أبو الحسن، علي بن أحمد (ت40ومحمد كنعان (ص )، وابن الجوزي، 49/()، تحقيق: صفوان عدنان داوديهـ 4((( ((دارا لقلم، دمشق ط )، نواسخ القرآن، دار الكتب العلمية، هـ97أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت (.8) (صهـ40(( ((بيروت، ط )، تفسير ابن أبي حاتم، هـ3(7 انظر: ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي (ت ((( )، وابن كثير، أبو الفداء، إسماعيل بن 99/(المكتبة العصرية، صيدا، تحقيق: أسعد محمد الطيب (.(((/(( (هـ40()، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر - بيروت، طبعة سنةهـ774عمر (ت )، مسند أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر، هـ4( أخرجه: أحمد، أبو عبد الله، بن حنبل الشيباني (ت (3( )، ومن87 - ٦/4( ((770( - 99من حديث عمرو بن خارجة رضي الله عنه، برقم )، وأخرجه أبو داود، سليمان 7/(( (((348حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه برقم )، سنن أبي داود، دار الفكر، تحقيق: محمد محيي الدين هـ7(ابن الأشعث السجستاني (ت )، وكتاب 4/3( ((870عبد الحميد، كتاب الوصايا، باب: ما جاء في الوصية للوارث برقم )، وابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني ٦/3( ((٦الإجارة، باب: في تضمين العادية برقم ( )، سنن ابن ماجه، دار الفكر، بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب الوصايا، هـ7((ت )، والترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى ٦ - 90(/(( ((7(3باب: لا وصية لوارث، برقم )، سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: أحمد شاكر وآخرين، هـ79(ت )، وقال الترمذي: 433/4)،0كتاب الوصايا، باب «
عدد الصفحات ٨161 وفي المسألة سجال طويل بين العلماء ليس هذا موضعه، ولكن على الأرجح عند أهل العلم أن النسخ إن كان يقع فإنه بآية المواريث لا بالحديث، يدل على ذلك الحديث ذاته لأن الله أعطى فيها كل ذي حقٍّ حقه. ، ((( إن الذي نُسخ في الآية الوصية لمن يرث ولم ينسخ الأقربون القول الثاني: فالآية منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس، والحسن، ، وسعيد بن (((ومسروق، وطاوس والضحاك، ومسلم بن يسار، والعلاء بن زياد . (3(جبير، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال . (4(الأقربين الذين لا يرثون وعن الحسن قال نصيبهما في سورة النساء، وصارت الوصية للأقربين الذين لا يرثون، ونسخ من . (((الأقربين كل وارث )، الناسخ والمنسوخ، مكتبة الفلاح، هـ339 النحاس، أبو جعفر، أحمد بن محمد بن إسماعيل (ت ((( )، وابن الجوزي، نواسخ القرآن 89)، تحقيق: د. محمد عبد السلام (صهـ 408 /(الكويت (ط (.(٦(ص: )، وكذلك ذكرها الرازي، (٦ أورد ابن الجوزي الروايات عن أكثرهم في نواسخ القرآن (ص ((( ( ()، التفسير الكبير، دار الكتب العلمية، بيروت ط ( هـ٦فخر الدين محمد بن عمر (ت: (.4/(( (هـ(4((( .((((/()، وابن كثير، تفسير القرآن العظيم300/( ابن أبي حاتم، تفسير ابن أبي حاتم (3( .(((7/( ابن جرير، جامع البيان (4( )، الناسخ والمنسوخ033)، والكرمي، مرعي بن يوسف (ت(٦ ابن الجوزي، نواسخ القرآن (ص ((( الموسوم بـ (قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن)، دار القرآن الكريم، الكويت طبعة (.9)، تحقيق: سامي عطا حسن (صهـ400سنة
عدد الصفحات ٩162 وعلى هذا القول فإن الآية فيها نسخ وفق اصطلاح المتقدمين من العلماء، أما عند المتأخرين فليس فيها نسخ؛ لأن آية المواريث قد رفعت حكم بعض أفراد العام، وهم الوارثون من الأقربين دون غيرهم ممّن لا يرثون، وهذا من قبيل التخصيص. . (((ولهذا نجد أن بعض العلماء نسب القول بإحكام الآية لمن نقلنا عنهم هذا القول وقريب من هذا القول ما نقل عن بعض العلماء أن المنسوخ هو الوصية للوالدين فقط دون الأقربين، وهو مروي أيضاً عن ابن عباس، والحسن، وطاوس، . (((وقتادة، والضحاك وممن آزر القول الثاني ابن جرير الطبري فقال على الرجل ذي المال أن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه؟، قيل: نعم، فإن قال: فإن هو فرط في ذلك فلم يوص لهم أيكون مضيعاً فرضاً يحرج بتضييعه؟ . (3(قيل: نعم ثم قال ابن جرير الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بآية الميراث، قيل له: وخالفهم جماعة غيرهم فقالوا: هي محكمة غير منسوخة، وإذا كان في نَسْخِ ذلك تنازعٌ بين أهل العلم لم . (4(يكن لنا القضاء عليه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها )، هـ0)، والشوكاني، محمد بن علي بن محمد (ت40 انظر: المقري، الناسخ والمنسوخ (ص ((( (.78/(فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار الفكر، بيروت )، وابن الجوزي، نواسخ 7(/()، والسمعاني، تفسير السمعاني7/( ابن جرير، جامع البيان ((( (.(٦ - 0القرآن (ص (.(((/( ابن جرير، جامع البيان ( (3( .(٦/( ابن جرير، جامع البيان ( (4(
عدد الصفحات ١٠163 ويُفهَم من كلام ابن جرير أن الوصية للوالدين والأقربين إن كانوا من غير الوارثين فرض، وقد استدلّ ابن جرير على ذلك بقوله تعالى: ﴿ فإنه كتبه علينا وفرضه، وهذا عند ابن جرير نظير قوله ](80[﴾ ، فتارك الصيام وهو ](83[﴾تعالى في السياق ذاته: ﴿ قادر عليه مضيع بتركه فرضاً لله عليه، وكذلك تارك الوصية لوالديه وأقربيه وله ما . (((يوصي لهم فيه، مضيعٌ فرضَ الله عز وجلّ وقد تابع النحاسُ ابنَ جرير الطبري على ما ذهب إليه، فقال معنى هذه الآية وهي متلوة فالواجب أن لا يُقال: إنها منسوخة لأن حكمها ليس بناف حُكم ما فرضه الله عز وجلّ من الفرائض، فوجب أن يكون: ﴿ . (((﴾﴾ الآية... كقوله تعالى: ﴿ ﴾ ﴾ في قوله تعالى: ﴿وفسّر النسفي ﴿ بمعنى فرض إذا كانت الآية منسوخة، أما على القول الثاني: إنها غير ](80[ منسوخة فذكر أنها نزلت في حق من ليس بوارث بسبب الكفر، فشُرعت الوصية فيما . (3(بينهم قضاءً لحق القرابة ندباً وليس فرضاً، قال ﴾ من دائرة ولا أدري هنا ما الذي عوّل عليه الإمام النسفي حين أخرج ﴿ الفرض إلى دائرة (الندب) مع أن دلالتها واضحة على القطع، وواردة في سياق سورة ﴾ البقرة بين آيات تفيد القطع والفرض، فقد جاء قبلها: ﴿ (.٦((/( انظر المرجع السابق ( ((( (.90 النحاس، الناسخ والمنسوخ (ص ((( )، تفسير النسفي المسمى مدارك هـ7(0 النسفي، أبو البركات، عبد الله بن أحمد بن محمود (ت (3( ((التنزيل وحقائق التأويل، دار الكتب العلمية، بيروت، ضبط وتخريج: الشيخ زكريا عميرات، ط (.0/(( (هـ(4(((
عدد الصفحات ١١164 . ومما يؤكد أن الوصية](83[﴾، وبعدها: ﴿ ](78[ قال الجصاص](80[﴾فَرْض: قوله تعالى في نهاية الآية: ﴿ ﴾ ففيه تأكيد لإيجابها؛ لأن على الناس أن يكونوا « ، ولا خلاف بين](78[﴾متقين، قال الله تعالى: ﴿ المسلمين أن تقوى الله فرض، فلما جعل تنفيذ هذه الوصية من شرائط التقوى فقد . (((أبان عن إيجابها ومن الملاحظ خلال استقصاء أقوال العلماء في المسألة اختلاف الرواية عن عدد من العلماء أمثال: ابن عباس، والحسن، وطاوس، وقتادة، ففي إحدى الروايتين عن كل منهما أن جميع ما في الآية منسوخ، وفي الرواية الأخرى أن المنسوخ مَن يرث دون مَن لا يرث، أو الوالدان فقط. بل نقل المقري في الناسخ والمنسوخ عن بعض من نسب إليهم القول بأن الآية منسوخة ما يدل على عكس ذلك أمثال: ، ونقل (((الحسن البصري، وطاوس، وقتادة، فقد نقل عنهم أن الآية كلها مُحكَمة ، وهذا الاختلاف يدعم ما (3(عنهم السمعاني أن النسخ في الوالدين دون الأقربين ذهب إليه ابن جرير، والنحاس، والجصاص من أن الآية مُحكَمة غير منسوخة. ومهما يكن من أمر فسواء أكانت الآية مُحكَمة، أم نُسخ منها الوالدان دون غيرهم، أم نُسخ منها مَن يرث دون مَن لا يرث، وسواء أكانت الوصية في الآية لغير المسلمين أم لغير الوارثين على الإيجاب والقطع، أم على الاستحباب والندب؛ فإن الآية تدل على صلة الرحم بما في ذلك الرحم الكافرة، حتى الذين قالوا: إن الآية منسوخة، فإن منهم مَن أبقى الفرضية في الوصية لمن لا يرث، ومثال ذلك ما ذكره (.03/( الجصاص، أحكام القرآن ((( (.4( المقري، الناسخ والمنسوخ (ص ((( (.7(/( السمعاني، تفسير السمعاني (3(
عدد الصفحات ١٢165 الثعلبي في تفسيره مَن مات وله مال حتى نزلت آية المواريث في سورة النساء فنسخت الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون، وبقي فرض الوصية للأقرباء الذين لا يرثون والوالدين الذين . (((لا يرثان بكفر أو رق إن الله تعالى فرض الوصية بالمعروف في هذه الآية للوالدين وخُلاصة القول: والأقربين، ثم جاءت آية المواريث فبينت مقدار هذا المعروف في حق الوارثين، فأعفت من الوصية لهم حين حددت لهم نصيبهم من الميراث، وبقي الأمر في حق غير الوارثين على حاله، والله تعالى أعلم. المطلب الثاني: الوصية بالإحسان إلى الوالدين المشركين المجاهرين بالكفر: أكّد القرآن الكريم برّ الوالدين، ووصَّى بهما، ولو كانا مشركين قد أشهرا شركهما ودَعَوا إليه، نجد ذلك في موضعين من كتاب الله تعالى، الأول في سورة : قال تعالى: ﴿]8[العنكبوت ﴾، والثاني في سورة قال تعالى: ﴿]((،4[لقمان * ﴾. )، تفسير الثعلبي، المسمى هـ4(7 الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري (ت ((( )، تحقيق: هـ4((( (((الكشف والبيان في تفسير القرآن) دار إحياء التراث العربي، بيروت ط )، وبنحوه ذكر العز بن عبد السلام، عز الدين 7/(أبي محمد بن عاشور، تدقيق: نظير الساعدي ( ()، تفسير العز بن عبد السلام، دار ابن حزم، بيروت ط (هـ0عبد العزيز السلمي الدمشقي (ت (.٦/()، تحقيق: د. عبد الله الوهبي (هـ٦(
عدد الصفحات ١٣166 في هذين الموضعين من سورة العنكبوت وسورة لقمان نجد - وبكل وضوح - أن القرآن الكريم قد دعا إلى برّ الوالدين والإحسان إليهما ولو كانا كافرين وجاهداه على الشِّرْك. ولم أجد أنّ أحداً من المفسرين قال: إن حُكم هاتين الآيتين منسوخ. ﴾، يعني أنّ صدقتهما واجبة وطاعتهما لازمة ما لم قال الرازي . ومن وصية القرآن الكريم (((يكن فيها ترك طاعة الله، أما إذا أفضى إليه فلا تطعهما ﴾، قال ابن عطية: بالأبوين الكافرين قوله تعالى: ﴿ . (((« والمعنى في الآيات أنه لا يجوز للمسلم أن يتابع الأبوين الكافرين على كفرهما ولا أن يطيعهما في باطل أو معصية، ومع ذلك لا يقطع إحسانه عنهما، وقد لخص الثعالبي طاعة الولد لوالديه وإن كانا مشركين بقوله الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما . (3(في المُباحات، وتستحسن في ترك الطاعات الندب وشكر الوالدين هو شكر من الولد لوالد أحسن إليه، فربَّاه وسهر عليه، فإن ، ولكن (4(الإحسان يُقابَل بالإحسان، وقد قال ﷺ: (مَن لا يشكُر الناس لا يشكر ا (.9/( الرازي، التفسير الكبير ((( (.349/4 ابن عطية، المحرر الوجيز ((( )، تفسير الثعالبي، المسمى هـ87( الثعالبي، أبو زيد، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف (ت (3( .((08/3« (90(()،٦)، و(٦)، و(749( أخرجه أحمد في مسند أبي هريرة رضي الله عنه برقم (4( )، وهناك غيرها، وأخرجه أحمد في مسند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه30(،9(،8/(( )، ومن حديث الأشعث بن قيس الكندي رضي الله عنه73،3(/3)،7(() و98رقم )، وأخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب، باب ((( - (((/(( (٦) وبرقم (887برقم )، والترمذي في سننه، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء (((/4( (48((في شكر المعروف برقم )، وقال الترمذي339/4( ((9(4في الشكر لمن أحسن إليك برقم
عدد الصفحات ١٤167 الشكر من الولد للوالد قد قَيَّدته هذه الآيات بأنه لا يجوز أن يكون بمعصية الله تعالى، ولهذا نجد كثيراً من الأحاديث تنهى عن الطاعة في معصية، قال ﷺ: (إنما الطاعةُ في .(((، وفي رواية: (لا طاعةَ في معصية الله إنما الطاعة في المعروف) (((المعروف) قال الجصاص في فقه آية لقمان . (3(إنه يغسلهما ويتبعهما ويدفنهما؛ لأن ذلك من الصحبة بالمعروف التي أمر الله بها أن هذه الآيات نزلت في سعد بن أبي وقاص، وهو ما (4(وقد ذكر المفسرون صحت به الرواية. فقد أخرج مسلم وغيره عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: (حلَفَتْ أُمُّ سَعد ألاّ تكلّمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعَمْتَ أنَّ الله وصَّاك بوالديك وأنا أمّك، وأنا آمُرك بهذا، قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجَهْد، فقام ابنٌ لها يُقال له: عُمَارة، فسقاها فجعلت تدعو )، صحيح البخاري، دار هـ٦(( أخرجه البخاري أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل الجعفي (ت: ((( )، تحقيق: د. مصطفى ذيب البغا، كتاب الأحكام، باب: السمع هـ407( (3ابن كثير، بيروت ط (.((٦(/٦( (٦والطاعة للإمام ما لم تكُن معصية، برقم ( البخاري، كتاب التمني، باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة، برقم ((( )، صحيح مسلم، هـ(٦()، ومسلم، أبو الحسين، بن الحجاج القشيري (ت: 49/٦( (830( دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة (.9/3( ((839الأمراء في غير معصية، برقم (.٦((/3 الجصاص، أحكام القرآن (3( )، وابن أبي حاتم، تفسير ابن أبي حاتم 70/(()، و 3(/(0 انظر: ابن جرير، جامع البيان (4( )، الكشاف عن حقائق التنزيلهـ 38)، والزمخشري، أبا القاسم، محمود بن عمر (ت٦/9( وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: عبد الرزاق المهدي )، 84/()، وابن كثير، تفسير القرآن العظيم307/4)، وابن عطية، المحرر الوجيز447/3( )، تفسير أبي السعود، الموسوم بـهـ9((وأبا السعود، محمد بن محمد العمادي (ت (.3(/7السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
عدد الصفحات ١٥168 ﴾،على سعد، فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: ﴿ (. (((﴾وفيها: ﴿ المطلب الثالث: التلطف بالمعاملة ورجاء الرحمة للرحم الكافرة: هناك آيات عديدة فيها تلطف ورجاء الرحمة للرَّحم الكافرة، ومن ذلك: النداءات الأربع المتتالية التي أوردتها سورة مريم في مخاطبة إبراهيم أولاً: عليه السلام لوالده بلفظ (يا أَبَتِ)، قال تعالى: ﴿ * * * * * * .]47 - 4([﴾ ويُستخلص من هذا النص برّ إبراهيم بوالده من عدة وجوه أهمها: ) أنه رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق مع استعمال المجاملة ( ، فقد كانت مخاطبته (((واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن . (3(لوالده فيها برّ واستعطاف ﴾، ولم يُسمّ أباه بالجهل المفرط وإن كان ) قوله: ﴿ ( . (4(في أقصاه، ولا نفسه بالعلم الفائق، وإن كان كذلك بل أبرز نفسه في صورة رفيق له ( 748 مسلم، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: فضل سعد بن أبي وقاص برقم ((( )، والترمذي، كتاب 8( - (8(/(( (4) و7)، وأحمد في مسنده، برقم877/4( .(34(/(( (3(89تفسير القرآن، باب: ومن سورة العنكبوت برقم (.((/3 انظر: الزمخشري، الكشاف ((( (.8/4 انظر: ابن عطية، المحرر الوجيز (3( .(7/( أبو السعود، تفسير أبي السعود (4(
عدد الصفحات ١٦