المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

علم مقاصد السور وأثره في تدبر القرآن الكريم

عبد المحسن بن زبن المطيري

صفحة ٣ من ٥

32 المعنى عن انتظامها من جهة اللفظ، بل هما متلازمان، إذ أن بناء اللفظ في الكلام مبني على المعنى (1). 2- أسماء السور توقيفية على الراجح (2)، وأثر هذا الاسم في معرفة مقصد السور– كما سيأتي- يدل على أن الشارع جعل هذه الأسماء للدلالة على مقصد السورة، فكون كل سورة من سور القرآن لها اسم خاص بها يشير إلى المعاني التي تضمنتها، مع كون أسماء السور القرآنية توقيفية - على قول الجمهور-، قال البقاعي رحمه الل ه: "وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب: أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها، لأن اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسماه الدال إجمالاً على تفصيلٍ ما فيه" (3). 3- افتراق القرآن المدني عن المكي في القضايا التي يعرضها ويناقشها من أعظم الدلائل على اعتبار المقاصد للسور القرآني. 4- "تكرار القصص في السور: من أعظم دلائل مقاصد السور: تكرر قصص القرآن في السور، بما ينبئ أن كل موضع دال على غرض مبني على غرض السورة، وهذا من أعظم دلائل إعجاز القرآن، حيث تتكرر القصة بأغراض مختلفة، مع 1 انظر المصدر السابق1/173.) 2 ثبت أن الن سمََّى الكثير من سور القرآن؛ كالفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والكهف، واختلف العلماء: هل أسماء سور القرآن الكريم كلها ثابتة عن النبي ، أم أن بعضها ثبت اجتهاداً عن الصحابة رضي الله عنهم؟ فذهب أكثر العلماء إلى أن أسماء سور القرآن كلها توقيفية عن النبي ، قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه : "لِسوَر القرآن أسماءٌ سمّاها بها رسول الله [ " 1/122] [1/141]لنبيّ؛ لأن أسماء السور وترتيبها وترتيب الآيات كل من هذه الثلاثة بتوقيف من النبيّ ، أخبره جبريل عليه السلام بأنها هكذا في اللوح المحفوظ". ٌ الخطيب 2/173]"وأما أسماء السور فقد جُعلت لها من عهدنزول الوحي، والمقصود من تسميتها تيسير المراجعة والمذاكرة 1/11] فهد الرومي في "دراسات في علوم القرآن" (ص 111)، والدكتور إبراهيم الهويمل في بحث "المختصر في أسماء السور في "مجلة جامعة الإمام32، ص135.] 3 نظم الدرر1/142.)

عدد الصفحات ٣٣

مقاصد السور 33 اختلاف التعبير والأسلوب بحسب الغرض الذي سيقت من أجله (0)، وقال البقاعي في كتابه (مصاعد النظر) مؤكدا ذلك: "ولأجل اختلاف مقاصد السور، تتغير نظوم القصص وأل فاظها، بحسب الأسلوب المفيد للدلالة على ذلك المقصد" ()2. 5- تقسيم السور إلى طوال ومئين ومثاني ومفصل، واختلاف مقاصدها، كما قال : (أوتيت مكان الزبور الطوال، ومكان التوراة المئين، ومكان الإنجيل المثاني، وفُض ِلت بالمفص َّل). 6- ظهور مقصد السورة في قصار السور لكل قارئ لكتاب الل ه، فسورة القدْر مقصدها بيان فضل ليلة القدر كما هو ظاهر؛ "وقال جماعة من المتأولين: معنى قوله: ﴿إِن َّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ القدر: 0] ليلة القدر وفي فضلها" (3). 7- من الأمور التي تدل على شخصية السورة: ما يجده حُفاظ القرآن من شعور تجاه كل سورة، فهو يرى أثر الرحمة في سور مريم، ويرى قدرة الل ه وقوته في سورة التوبة... وهكذا. 2- لا أحد يرضى أن يكون كلامه مختل النظام، أو ضعيف الرباط، بل لو لاح له بعد زمان شيء من الاختلال أو الضعف راجع فيه النظر، وهذ به بغاية ما يمكنه، فكيف يرضى بهذا الخلل الفاحش في كلام الل ه الحكيم العليم!! فمن نفى النظام عن كلام الل ه فقد تفوه بما لم ترض به نفسه عفا الل ه عنه (4). سابع ا: توافق العلماء على إقرار هذا العلم وتأصيله، ومن ذلك: 1 علم مقاصد السور، الربيعة: (ص 13.) 2 مصاعد النظر1/152.) 3 المحرر الوجيز 6/41 .) 4 انظر: دلائل النظام: (ص1.)

عدد الصفحات ٣٤

34 0. تقدم معنا أن البحث عن مقاصد القرآن ال كريم جملةً كثير عند ال علماء، فالبحث عن مقصد السورة الواحدة إنما هو إكمال لهذا الجهد القديم. 2. في علم المناسبات يبحث العلماء في المناسبة بين السور بذكر مقصد ال سورتين والعلاقة بينهما، مما يدل على وضوح مقصد السورة عند العلماء. 3. قرر الشاطبي رحمه الل ه في كتابه ال كبير الموافقات أن لكل سورة مقصدا وبين أنها تجري تحت نسق واحد (0)؛ فقال رحمه الل ه: "والقول في ذلك -والل ه المستعان- أن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان؛ فالذي يكون على بالٍ من المستمع والمتفهم، والالتفات إلى أول الكلام وآخره، بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها؛ لا ينظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها، فإن القضية وإن اشتملت على جُمَل؛ فبعضها متعلق بالبعض، لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفه ِم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكل َّف، فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض" (2). 4. "كل سورة لها حدود ورسوم، وأهداف وأغراض تدور حولها، فتعرض لتحقيق ذلك عدة معان، وتأخذ من كل معنى ما يتناسب مع هدفها" (3). 5. قالالشيخ محمد دراز في سياق حديثه عن الوحدة للسورة: "إن كانت بعد تنزيلها قد جُمعت عن تفريق فلقد كانت في تنزيلها مفرقة عن جمع؛ كمثل بنيان كان قائمًا على قواعده، فلما أريد نقله بصورته إلى غير مكانه 1 انظر: علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه الموافقات، محمد سالم: (ص 154). 2 الموافقات للشاطبي، تحقيق مشهور حسن سلمان4/277.) 3 الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم، د. محمد محمود حجازي، (ص 42.)

عدد الصفحات ٣٥

مقاصد السور 35 قُد رت أبعاده ورقمت لبناته، ثم فُر ق أنقاضًا، فلم تلبث كل لبنة م نه أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصًا يشد بعضُه بعضًا كهيئته أول مرة" (0). 6. يقول الشيخ محمد الغزالي- رحمه الل ه-: " فكل سورة من سور القرآن وحدة متماسكة، تشدها خيوط خفية .. تجعل أولها تمهيدا لآخرها، وآخرها تصديقًا لأولها، وتدور السورة كلها على محور ثابت" (2). ثامنا: نص العلماء على مقصد بعض السور وموضوعها وتطبيقه بما يشبه الإجماع السكوتي: - قول الزجاج عند حديثه عن سورة الأنعام: “أكثرها احتجاج على مشركي العرب، على من كذ ب بالبعث والنشور” (3). - قول الرازي عن سورة الأنعام: “مشتملة على دلائل التوحيد، والعدل، والنبوة، والمعاد، وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين” (4). - قول ابن تيمية عن سورة التوبة: "أكثرها في وصف المنافقين وذمهم” (5)، وقال عن سورة المائدة: "سورة المائدة أجمع سورة في القرآن لفروع الشرائع؛ من التحليل والتحريم والأمر والنهي.." (6)،ويقول في سورة البقرة: "وقد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه سورة البقرة من تقرير أصول العلم وقواعد الدين(7)، ويقول في سورة القمر: "وكان النبي  يقرأ هذه السورة - يعني 1 النبأ العظيم: (ص149.) 2 نحو تفسير موضوعي: (ص5.) 3معاني القرآن وإعرابه 2/226.) 4تفسير الرازي 7/116.) 5الفتاوى6/477.) 7 مجموع الفتاوى: (14/441.) 6مجموع الفتاوى 14/41.)

عدد الصفحات ٣٦

36 سورة القمر- في المجامع الكبار مثل الجمع والأعياد؛ ليسمع الناس ما فيها من آيات النبوة ودلائلها والاعتبار... ثم ذكر حال الأنبياء ومكذبيهم" ((1. - قال ابن القيم رحمه الل ه: "إن مغزى سورة الكافرون ولبها ومقصودها هو براءته  من دينهم ومعبودهم(2( ، وقال في كلامه على سورتي المعوذتين "تضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه"((3، وفي سورة العنكبوت يقول: "فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر، فإنها سورة الابتلاء والامتحان، وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة، ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمها، وجد في ضمنها أن أولها أمر ابتلاء وامتحان ووسطها صبر وتوكل، وآخره ا هداية ونصر والل ه المستعان يوضحه" (4). - قال ابن كثير عن سورة الكافرون: "هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه" (5). - وغير ذلك من كلام العلماء رحمهم الل ه عن مقاصد السور فهذه ثمانية أدلة إجمالية، تحتها أربعون دليلا تفصيليا، كلها تتابع في الدلالة على بيان أصالة هذا العلم في العلوم الشرعية. 1الجواب الصحيح1 /413 .) 2 التفسير القيم: (ص531.) 3بدائع الفوائد2/431.) 4شفاء العليل: (ص246 .) 5 تفسير ابن كث 1/526.)

عدد الصفحات ٣٧

مقاصد السور 37 المبحث الرابع أهمية هذا العلم تنبع أهمية هذا العلم من عدة أمور: 1- معرفة مقصد السورة إحدى أهم الوسائل الرئيسية لتحقيق المقصد من إنزال القرآن، وهو تدبره والاهتداء بما تضمنه، قال تعالى: ﴿كِتَاب أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَك لِيَ د َّب َّرُوا آيَاتِهِ...﴾ 22] فهم المعاني، ومقصد كل سورة هو ينبوع معانيها الذي ترجع إليه، قال الشاطبي رحمه الل ه: "قال تعالى ﴿أَفَلاَ يَتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الل هِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِل اَفاً كَثِيراً ﴾النساء: 22] إلى المقاصد (0)، وقال قال الشاطبي: "فإن كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه في العبارة، وإنما التفقه في المعب ر عنه والمراد به" (2)،وقال القاسمي في تفسير هذه الآية: "فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد؛ وذلك ظاهر أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن فلم يحصل منهم تدبر" (3). 2- معرفة مقصد السورة هو من أحد أنواع تفسير القرآن بالقرآن، الذي هو أعلى أنواع التفسير. 3- قال الدكتور فهد الرومي: "وهذا مبحث مهم من المباحث الجليلة، أولاه العلماء اهتمامهم وعنايتهم، وزادت قيمته ومكانته حين ظهر الاتجاه الحديث في الدراسات القرآنية؛ بتناول السور القرآنية مستقلة، بناء على الوحدة الموضوعية، وأن كل سورة ذات هدف معين، وغرض أساس أنزلت لأجله، وأك دوا على هذا المعنى باعتباره مدخلًا لفهم معانيها، وكشف 1 الموافقات3/313.) 2 الموافقات3/429.) 3 محاسن التأويل، للقاسمي1/42.)

عدد الصفحات ٣٨

38 أسرارها وحِكمها، ثم بنوا علىذلك الوحدة الموضوعية في القرآن ال كريم، وبيان المناسبات بين الآيات والسور" (0). 4- وقوف المفس ِر على مقاصد السور يسد ِد ذهنه ويعصمه من الخطأ في تفسيرها غالبًا؛ لأنه يتقيد في توجيه الآيات وَفقًا لهذا المقصد، وبيان ذلك: أن مقصد كل سورة إنما يقف عليه المفسر بعد استقراء آياتها، والتأمل العميق فيما تدل عليه من معان تُحقق مراد الل ه تعالى من كلامه، وذلك بالنظر في فواتح السورة وخواتيمها، وسياق وسباق آياتها ولحاقها، وألفاظها، قال البقاعي عن علم المقاصد: "وغايته: معرفة الحق من تفسير كل آية من تلك السور، ومنفعته: التبحر في علم التفسير" (2). 5- الاعتناء بعلم مقاصد السور القرآنية يؤدي حتمًا إلى اليقين بعصمة القرآن، ورسوخِ الإيمان بأنه كلام الل ه حقًا، فتُشرق النفس، وتقر العين، ويزداد نور القلب. 6- تفسير القرآن باعتبار مقاصد السور يعتبر هو المنهج الأسلم الذي يجعل كلام الل ه منتظمًا على نحو يتضح فيه جلي ًّا كمال نظمه، واتساق آياته ومناسبته، ويبرز إعجازه وبلاغته؛ قال البقاعي: "ومن حقق المقصود من السورة، عرف تناسب آيها وقصصها وجميع أجزائها" (3). 7- فيه بيان نوع من أنواع إعجاز القرآن، وهو تماسك السور، واتصال معانيها ببعض، مع تفرق نزولها، وتباعد أزمانها، وهو مما لا يستطيعه البشر، كما يقول الدكتور زياد خليل: "وقد ظهر اليوم بُعد جديد للتحدي بسورة من مثله، إذ لا يتوقف ذلك على مجرد دق ة النظم في السورة؛ من جزالة في أسلوبها، وفصاحة في ألفاظها، وجمال في تركيبها، بل كذلك في وحدة 1 دراسات في علوم القرآن، د فهد الرومي، (ص 124.) 2 مصاعد النظر1/155 .) 3 مصاعد النظر للبقاعي1/149.)

عدد الصفحات ٣٩

مقاصد السور 39 موضوعها(1) وقد عقد الدكتور الفذ محمد عبد الل ه دراز فصلا في كتابه "النبأ العظيم" عن هذا المطلب، وبي َّن فيه أن من أدلة صدق القرآن وأنه ليس من البشر: "الوحدة الموضعية لكل سورة"، فكل سورة معقودة للتكلم عن موضوع معين، ومع كبر بعض السور وامتداد نزولها على عدة سنوات إلا أن هذه الوحدة لم تنخرم، ولم تنس ولم تتبدل، ثم ضرب لهذا مثلا فقال: مَثَلُ ذلك كقصر مبني في السماء، ثم ينزل الل ه منه كل يوم قطعة، فمرة ينزل النافذة، ومرة ينزل السقف، ومرة ينزل الجدار، ويأمر الل ه نبي ه بأن يضع الجزء كذا في مكان كذا، فيفعل وهو لا يدري لماذا، ول كنه هكذا أُمِ ر، فلا ينتهي التنزيل إلا ويتضح للجميع مدى توافق هذا البنيان وإحكامه، ودقة تصميمه، ولو أنك أخذت كلام أي إنسان لمدة سنة واحدة فقط، ثم أردت أن تجعل منه موضوعًا متناغمًا، أو أفكارًا منسجمة مع بعض لما استطعت إلى ذلك سبيلا، ثم دلل على ذلك بأطول سورة في القرآن، وهي البقرة التي نزلت على مدار تسع سنوات، ونزل في أثنائها أغلب السور المدنية، ومع هذا كان بناء سورة البقرة في غاية الإحكام، ولم تختلط به أي آية من غيره، فإن تم هذا لسورة البقرة وهي أطول سورة في القرآن، وأكثرها آيات، وامتد نزولها على تسع سنوات؛ فما بالك بغيرها من السور، لا شك أنه أولى وأحرى، ثم قال رحمه الل ه: "إن اجتماع هذه الأسباب في كل سورة متفرقة النجوم، دون أن تغض من إحكام وحدتها، ولا استقامة نظمها؛ هو بالتحقيق معجزة المعجزات" (2). 8- علم مقاصد السور من علوم القرآن ال كريم التي تندرج تحت نصوص الحث على تعلم ال قرآن ومدارسته، كحديث (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) (3) ونحوها 1 منهجية البحث في التفسير الموضوعي: (ص115.) 2 النبأ العظيم: (ص152.) 3 صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن. باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. برق م (5226.)

عدد الصفحات ٤٠

40 9- قلة الدارسين له وذلك أن "الموضوع الأصلي للكتاب (وهو بيان مقاصد سور القرآن) موضوع بِكر، وعلى جانب كبير من الأهمية بالنسبة لعلم التفسير ، ولم نجد أحدا من القدماء – ممن سبق البقاعي-وج ه إليه اهتمامه عند تفسير كتاب الل ه عز وجل، ما خلا نُتفًا قليلة في بعض ال كتب، متناثرة هنا وهناك، وهي محاولات ينقصها الاستيعاب والشمول، بخلاف كتابنا هذا الذي استقصى..." (0). وقال في المقدمات الأساسية لعلوم القرآن، عندما تكلم عن كتاب الظ ِلال: "كما سلك فيه مسلكًا مبتكرًا، وإن لم يكن جديدًا في موضوعه، ل كن ه غير شائع في تطبيقه في كتب التّفسير، وهو مراعاة الوحدة الموضوعي ة للس ورة، والاعتناء بتحليل مضمونها، ثم تجزئته إلى مقاطع، مم ا يحصل به تقريب للبعيد، وربط للمعاني، وهو نمط فريد في شرح الكتاب العزيز، ويقع تصنيفه ضمن كتب ا لت فسير بالر أي، ل كن ه الر أي ال محمود، وذلك باعتبار ما غلب عليه" (2). وذلك أن ال كثير من أهل العلم عزف عنه لأسباب ثلاثة (3): أ- خشية أن يكون فيه نوع جرأة على كتاب الل ه تعالى والكلام بغير علم، بل قد أنكره بعض أهل العلم، وقال: إن السور ليس لها مقاصد ولا بينها مناسبة. ب- أن مدارس التفسير المشهورة هي: مدرسة الرواية أو الدراية، وكلا المدرستين (الأثر والاجتهاد) راجعة إلى تفسير الكلمات والآيات، 1 مقدمة تحقيق كتاب "مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور" للبقاعي، قدم له وحققه د. عبد السميع محمد حسنين، (ص 7)، مكتبة المعارف، الرياض، ط 1،1421ه 2 المقدمات الأساسية في علوم القرآن، لعبد الله بن يوسف الجديع، (ص 316.) 3 انظر: مقاصد السور للشيخ صالح آل الشيخ، ص: 26، ودلائل النظام للفراهي تحت عنوان: أسباب قلة الاعتناء بعلم النظام، (ص: 16).

عدد الصفحات ٤١

مقاصد السور 41 وأما الربط بين الآيات وانتظامها في مقصد واحد فهي مدرسة غير معروفة، ولذلك لم يكن لها ذكر وعناية. ت- أن العلماء الذين تكلموا في علم المقاصد والمناسبات رد عليهم طائفة من العلماء وغل طوهم، بل رموهم بالقول على الل ه سبحانه بلا علم! فهاب كثيرون أن يدخلوا هذا المضمار؛ براءة للذمة وحماية للعرض. فهو إذن يحتاج إلى مزيد اعتناء، وبذل جهد في تأصيله، وبيان أوجه تطبيقه، وهذا يبرز أهمية البحث فيه.

عدد الصفحات ٤٢

42 المبحث الخامس ثمرة علم مقاصد السور علم مقاصد السور من العلوم المهمة التي تثمر ثمارا يانعة، منها: - كمال تفسير كلام الل ه تعالى، وتقريب كلام الل ه سبحانه إلى عموم المسلمين؛ لتحقيق الامتثال الأكبر لكلام الل ه، واتضاح معاني السورة، كما قال البقاعي: "وغايته: معرفة الحق من تفسير كل آية من تلك السورة، ومنفعته: التبحر في علم التفسير، فإنه يثمر التسهيل له والتيسير" (0). - الترجيح بين الأقوال ومعرفة أقرب الأقوال إلى مقصد السورة، والجواب على كثير من الإشكالات، ورد كثير من الشبهات، مثل: سبب تكرر القصص في السور، ورد دعوى أن القرآن من النبي ، وغيرها من الشبهات، يقول عبد الحميد الفراهي: "إن فهم القرآن محول إليه – يعني النظام، والوجوه ال كثيرة في التأويل وعدم الاعتماد على تأويل صحيح؛ إنما ينشأ من عدم المعرفة بالنظام، فإنه هو المعتمد في صحيح التأويل، ورفع شكوك الح يرة" (2). - تيسير حفظ القرآن بمعرفة مقصد السورة، وتسلسل مواضيعها وترابط آياتها. - ذوق حلاوة القرآن، والاستغناء به عن غيره، "فهذا العلم يبعث على رسوخ الإيمان، وزيادة نور القلب، وقرار العين بما يتضح من روائع هذا العلم العظيم، ويحصل معه من اللذة والمتعة والسرور ما لا يحصل في غيره، ذلك أنه علم يبحث في الحكم والمقاصد الدقيقة، التي تمثل روح القرآن وأسراره العظيمة" (3) . - من أهم ثماره: تحقيق مقصد القرآن الأهم وهو التدبر - معرفة المناسبات بين الآيات، قال الإمام البقاعي: "من عرف المراد من اسم السور عرف مقصودها، ومن حقق المقصود منها عرف تناسب آياتها وقصصها 1 مصاعد النظر1/155.) 2 دلائل النظام: (ص65.) 3 علم مقاصد السور، د محمد الربيعة، (ص 6.)

عدد الصفحات ٤٣

مقاصد السور 43 وجميع أجزائها (0). - "أن مقاصد السور من أعظم ما يتحقق بها ربط الآيات بالواقع؛ وذلك أن المتدبر في مقصد السورة يعايش السورة معايشة تبعثه على التفاعل والعمل والتطبيق، فالقارئ لسورة الإخلاص مثلاً حين يدرك ما تهدف إليه السورة، من تحقيق الإخلاص والتوحيد؛ يستحضر هذا المقصد في آياتها وكلماتها، فيبعثه ذلك على تحقيق المقصود" (2). 1 مصاعد النظر1/149.) 2 علم مقاصد السور، د محمد الربيعة (ص 6.)

عدد الصفحات ٤٤

44 الفصل الثاني الوسائل المعينة على معرفة المقاصد المبحث الأول: ضوابط ومعايير معرفة مقصد السورة. المبحث الثاني: حصر كلام العلماء. المبحث الثالث: الاجتهاد: المطلب الأول: الوسائل المعنوية. المطلب الثاني: الوسائل العملية.

عدد الصفحات ٤٥

مقاصد السور 45 المبحث الأول ضوابط ومعايير معرفة مقصد السورة لابد أن نعلم ابتداء أن معرفة مقصد السورة ليس بالأمر اليسير دائمًا، فأحيانًا يحتاج إلى جهد وبذل واستيعاب، يقول الفراهي: "اعلم أن تعيين عمود السورة هو إقليد لمعرفة نظامها.. ول كنه أصعب المعارف، ويحتاج إلى شدة التأمل والتمحيص" (1). وسأذكر في هذا المبحث والمبحثين بعده ثلاثةَ أسباب رئيسية للوصول إلى مقصد السورة، أولها: معرفة معايير المقصد وضوابطه. وهذه الضوابط تُعين في معرفة المقصد، وأغلبها من كلام أهل العلم: 0- تعريف المقصد: هو الموضوع الرئيسي للسورة 2- مقصد السورة مسألة اجتهادية، فلا يلزم أن يتفق الجميع عليه 3- أنه معنى خفي– غالبًا - يحتاج إلى تدبر واستيفاء الكلام كله، ووجه كونه م عنى خفي: لأنه يمثل الروح التي تسري في كيان السورة، فتربط بين أجزائها، وتجعل كل جزء فيها آخذاً بالآخر، في سبيل تحقيق المقصد الأعظم (2). 4- المقصد هو المعنى الجامع لكل معاني السورة، فهو "جامع مطالب الخطاب الذي يمثل الأمور الكلية للسورة، وهو المحصول والمقصود الأساسي منه" (3). 5- أنه الغاية والمغزى الذي يريده الل ه تعالى من كلامه في السورة؛ فقد يكون تر بية أو إعدادًا لأمر؛ حضاً أو تحذيراً أو ترغيباً أو كشفاً أو معالجة (4). 6- مقصد السورة ليس هو موضوعات السورة، فالسورة قد تتطرق لعدة مواضيع - كالتوحيد والصلاة والجنة والنار - وأما المقصد فهو: الموضوع الأكبر الجامع 1 دئل النظام: (ص17.) 2 علم مقاصد السور، د محمد الربيعة: (ص 4.) 3 المرجع السابق: (ص 4.) 4 المرجع السابق: (ص 4.)

عدد الصفحات ٤٦

46 لكل هذه الموضوعات. 7- اتصال الآيات بالمقصد، بحيث لا تبقى آية أو مجموعة آيات إلا ولها دور في توضيح المقصد، فبعضها سبب وبعضها نتيجة، وبعضها موانع، وبعضها دوافع... وهكذا. 2- يوضح الفراهي ضابط المقصد الذي يسميه (عمود الكلام) بأنه: "جماع مطالب الخطاب، فإليه مجرى الكلام، وهو المحصول والمقصود منه، فليس من أجزائه الترتيبية، ول كنه يسري فيه كالروح والسر، والكلام شرحه وتفصيله، وإنتاجه وتعليله، وربما يحسن إخفاؤه، فلا يطلع عليه إلا بعد استيفاء الكلام والتدبر فيه" (1). 2- المقصد قد يكون منطوقًا صراحة في السورة، وقد يكون مفهومًا من جملة معانيها. 01- وقال دراز: "وملاك الأمر في ذلك: أن ينظر إلى النظام العام الذي بُنيت عليه السورة بمجموعها" (2). 1 دلائل النظام: (ص17.) 2النبأ العظيم151 .)

عدد الصفحات ٤٧

مقاصد السور 47 المبحث الثاني حصر كلام العلماء بعد معرفة الضوابط والمعايير لمعنى مقصد السور وهي الخطوة الأولى؛ ننتقل إلى الخطوة الثانية، وهي: جمع كلام المفسرين أو المهتمين بعلم المقاصد (0)، فقد اهتم ال كثير من المفسرين وعنوا بذكر مقصد كل سورة في مطلع تفسيرها، بل أفرد ال كثير من العلماء هذه المقاصد بمؤلفات خاصة. قال في "كتاب مقاصد السور" في بيان الوسائل التي يعرف بها موضوع السورة: "الوسيلة الأولى: أن ينص العلماء أو طائفة من المحققين على أن هذه السورة في الموضوع الفلاني، مثلا: سورة الإخلاص في توحيد الأسماء والصفات، أو في التوحيد العلمي الخ بري، وسورة (الكافرون) في توحيد الطلب، وسورة الفاتحة في بيان محامد الرب سبحانه، وسورة النحل في النعم، وسورة ال كهف في الابتلاء، وسورة العنكبوت في الفتنة، وسورة البقرة في بيان الكليات الخمس والضروريات التي تدور عليها أحكام الشريعة، وبيان عدو من أعداء الإسلام وهم اليهود، وسورة آل عمران في تكميل ذلك، مع بيان عدو جديد وهم النصارى، والحوار معهم، ثم مجاهدة المشركين، وسورة النساء في بيان أحكام النساء والمواريث، وثم بيان أحكام العدو الثالث وهم المنافقون، ثم سورة المائدة في بيان أحكام الحلال والحرام والعقود، إلى أخر ذلك" (2). فعلماء التفسير في اهتمامهم بمقاصد السور على خمسة أنواع (3): الأول: من لم يذكر مقاصد في تفسيره مطلقًا، مثل كتب التفسير بالأثر والرواي ة، وغالب كتب التفسير المختصرة. الثاني: الذين أشاروا لمقاصد السورة من غير تصريح؛ كابن جرير الطبري، وابن 1 انظر: التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق: (ص 62). 2 مقاصد السور للشيخ صالح آل الشيخ: (ص39- 41.) 3 انظر: علم مقاصد السور، للدكتور محمد الربيعة، (ص 23)، وقد ذكر أنها ثلاثة أنواع، مسقطًا الأول والخامس

عدد الصفحات ٤٨