المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الموجود والمفقود من عوامل الثورة في الربيع العربي

Ruslan Amer

صفحة ٢ من ٣

17 يمكنها أن تلعب هذا الدور، وملأ الفراغ الناجم عن غيابها، ليتبوأ مركز الصدارة والقيادة في حراكات الجماهير ويدفعها وفقا لرؤاه وغاياته، ويسخرها لتحقيق مشروعه المسمى بـ الإسلام السياسي التقليدي متشدد أو متطرف ومتسلف ومستبطن للعنف بطبيعته، فقد أدى هذا إلى دفع هذه الحراكات في مسارات وأجندات لا تخدم قطعا جماهيرها، بل العكس، حيث أدى هذا إلى نمو الحركات والتنظيمات التكفيرية الإرهابية، وإلى صراع الفصائل الإسلامية المسلحة على مكاسب عابرة، كما دفع المنطقة في كثير من الأحيان باتجاه العنف الطائفي، وغدا غطاء للديكتاتوريات الحاكمة لتمارس أقصى درجات العنف ضد جماهيرها الثائرة بذريعة محاربة الإرهاب، التي استخدمتها أيضا القوى الإقليمية والدولية الطامعة لتبرير تدخلاتها المغرضة كما حدث ويحدث في سوريا واليمن وليبيا والعراق وسواها. 5 « الجيش، فضد قوة عسكرية كبيرة ومنضبطة ومسلحة تسليحا جيدا ويقودها قادة مهرة، لا يمكن أن تفوز الجماهير الشعبية غير المسلحة أو شبه المسلحة. لكن كل أزمة وطنية عميقة لا يمكنها، بدرجة أو بأخرى، إلا أن تستولي على الجيش هذا ما يقوله المفكر والقائد الماركسي الشهير ليف (ليون) تروتسكي في الجزء الأول من كتابه عن دور الجيش في الثورة، ويضيف حول إمكانية انضمام أو انحياز 1930الثورة الروسية الجيش الجيش ليس متجانسا، وعناصره المتضادة يوحدها رهاب الانضباط، والجنود الثوريون حتى عشية الساعة إن الجنود الثوريين المتعاطفين الحاسمة لا يعرفون مدى قوتهم وما هو التأثير الذي يمكن أن يحدثوه... والمتذبذبين والمعادين يظلون ملزمين بالانضباط القسري الذي تتركز خيوطه حتى اللحظة الأخيرة في .)22(قبضة الضباط أما دكتور جامعة يال المعاصر في علم الاجتماع جان باتيست غالوبن فيقول في مقال له بعنوان “الاحتجاج لا يكفي لإسقاط ديكتاتور: يجب أن يتحول الجيش أيضًا” منشور عام « :2019 :)Л.Д. Троцкий. История русской революции. Том 1( 1- ليف تروتسكي، الثورة ا الروسية، ج22 http://www.magister.msk.ru/library/trotsky/trotl007.htm

عدد الصفحات ١٧

18 لواجبها أو تتمرد، ينهار النظام، أما عندما تبقى على ولائها، فيصمد النظام، والاحتجاجات الجماهيرية وحدها لا تكفي أبدا ويضيف غالوبين عن دور هذا التحول في القوات الحكومية أثناء الثورة التونسية: « في وحدة شرطة النخبة التي تم نشرها بشكل استثنائي لحماية وزارة الداخلية من2011 يناير14السلطة في أكبر مظاهرة حتى ذلك الوقت. عندما سار المتظاهرون إلى القصر الرئاسي، امتد العصيان إلى قوات الأمن .)23(الأخرى، واضطر بن علي إلى الفرار بعد ساعات. عندما تحولت الشرطة، سقط النظام نعم ذاك ما كان الحال عليه في تونس، وفيه نرى حالة تجسيد مباشر لكلام كل من تروتسكي وغالوبين، الذي نرى تجسيده أيضا في مواقف وسلوكيات الجيوش الأخرى في بلدان الربيع العربي، التي اختلفت عن الحالة التونسية. فالأنظمة العربية السلطانية التي يستشري فيها الترهل والفساد هي كأية أنظمة استبداد أخرى تعتمد بشكل رئيس على جيشها وأجهزة أمنها لتثبيت حكمها، الذي لا يقوم ولا يستمر إلا بالقوة والعنف، ولذا يصبح موقف الجيش باعتباره القوة الضاربة الرئيسة حاسما في المسار الذي تأخذه الثورة الشعبية والنتيجة التي تصل إليها. بالطبع.. طبيعة وسياسة النظام الحاكم وسلوك الجيش في أي بلد تقليدي هي أمور مترابطة وهي جدلية العلاقة مع الظروف الاجتماعية والتركيبة الإثنية والطائفية لسكان هذا البلد، وهي أيضا تؤثر وتتأثر بالعوامل والمواقف الخارجية التي يتعرض لها هذا البلد والعلاقات الخارجية القائمة بينه وبين القوى الفاعلة إقليميا ودوليا، وكل هذا ينعكس كعوامل موضوعية على أية ثورة عند قيامها، ويؤثر بقوة على مصيرها، وهذا يفسر الاختلافات الكبيرة في مواقف الجيوش في بلدان الربيع العربي من حراكات هذا الربيع ومساراته ونتائجه. في تونس مثّل موقف الجيش حالة استثنائية تقريبا في الربيع العربي، إذ إنه لم يقف ضد الثورة، ولم يحاول ركوب موجتها أو السعي للهيمنة أو الالتفاف والانقلاب عليها، بل تركها تتابع مجراها بشكل سلمي، وهذا ما صنع عملية ثورية تطورية سليمة بناءة، ويمكن إرجاع سبب هذا إلى أن تونس دولة ومجتمعا 23- Jean-Baptiste Gallopin, Protest is not enough to topple a dictator: the army must also turn, Aeon, 31 July, 2019: https://aeon.co/ideas/protest-is-not-enough-to-topple-a-dictator-the-army-must-also-turn

عدد الصفحات ١٨

19 هي أقرب نسبيا بكثير إلى معايير الدولة الحديثة من سواها من الدول العربية، رغم ما كان في منظومتها السياسية الاجتماعية من فساد عام.. يجعل ذلك القرب نفسه غير كاف قطعا بالمعايير المطلقة. ، ولكنه لم يدع الثورة تقيم نظامها، إذ 2011 يناير25في مصر لم يحم الجيش نظام مبارك في ثورة الذي تحول عمليا إلى ثورة مضادة، وهذا عائد 2013 يوليو3سرعان ما انقلب هذا الجيش عليها في انقلاب وحتى اليوم معتاد على أن يلعب الدور الرئيس في 1952 يوليو23 إلى كون الجيش المصري منذ ثورة السلطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبعد ثورة يناير التي أدت لاحقا إلى استلام الإخوان المسلمين الحكم مؤقتا، كانت سياسات الإخوان الفاشلة خلال فترة حكمهم.. عاملا رئيسا استغله الجيش لاستعادة السلطة في انقلاب مغلف بغلاف ثورة شعبية ضد الحكم الإخواني. في اليمن حدث شيء مشابه، فالجيش لم يقف مع علي عبد الله صالح ضد الثورة، لكنه قام لاحقا بالتعاون مع الحوثيين بالتمرد على الحكومة الشرعية لـ عبد ربه منصور هادي.. التي نتجت في محصلة الثورة، أن تخرج اليمن من مسلسلها 2011ما أدخل اليمن في دوامة حرب أهلية جديدة، كان المرجو من ثورة المتكرر، وبالطبع هذا السلوك من الجيش اليمني لا ينفصل عن الظروف المضطربة في اليمن والانقسامات الحادة طائفيا وقبليا، والتي تشكل دوما عاملا أساسيا تستغله التدخلات الخارجية، وإيران اليوم هي أبرز المتدخلين على الساحة اليمنية. في ليبيا بقي الجيش على ولائه للقذافي، رغم ما حصل فيه من انشقاقات، وحاول بالقوة قمع المعارضين الثائرين، ما تسبب بعسكرة الثورة، وأدخل البلاد في حرب أهلية، لم تنته مفاعيلها حتى بعد سقوط نظام القذافي؛ شيء مشابه حدث في سورية، حيث بقي الجيش فيها مواليا للنظام الحاكم، واستخدم العنف ضد المعارضين، وقد كان هذا أحد أسباب وقوع البلاد في حرب كارثية، وجعلها مسرحا لصراعات المصالح الإقليمية والدولية. وحتى اليوم، لم تنته بعد المواجهات العسكرية في كل من ليبيا وسوريا واليمن، ولا تبدو نهايتها قريبة، وقد لعبت العوامل الإثنية والطائفية والقبلية والتدخلات الخارجية الخبيثة والرهانات المغامرة لبعض المعارضين أدورا جد مهمة في الصراعات العنيفة التي نشبت في هذه البلدان، لكنها تختلف بين بلد وآخر؛ ففي اليمن كان العاملان الطائفي والقبلي هما الغالبين. أما ليبيا، فقد لعب العامل القبلي فيها دورا مهما، بينما اجتمع في سوريا كل من العاملين الطائفي والإثني.. وهذا ما ينطبق أيضا على العراق! ومن المهم أيضا التنويه إلى عامل مهم على الساحتين السورية والليبية، وهو الثورجيين

عدد الصفحات ١٩

20 تقدمية، وبذلك نشأت حالة من التماهي غير المباشر بين السلطة الحاكمة والقوى العسكرية في هذين النظامين، 2003وهذا ما كان عليه حال النظام العراقي قبل أن يسقطه الغزو الأمريكي لكن بالمقابل.. جاءت الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي في الجزائر والسودان ولبنان والعراق أقل عنفا بكثير، وأقل إسلامية، والعامل الأكثر رئيسة في ذلك هو عدم وقوف الجيش ضد هذه الثورات أو انقلابه عليها، لكن مع ذلك ففي الجزائر والسودان.. لم يترك الجيش المعارضة تحسم الموقف بالكامل، وما زال الجيش في كلتا البلدين يلعب دورا كبيرا في السياسة، أما في العراق ولبنان، حيث الجيش هناك ضعيف. وثمة مليشيات قوية تنافسه في القوة العسكرية كحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق، وكلاهما مواليان للنظام القائم في كل من البلدين، فالسجال ما يزال قائما بين النظام والثورة الشعبية. أما البحرين، فقد تم قمع الثورة فيها بتدخل خارجي قامت به السعودية بالتعاون مع بقية دول الخليج، وهناك لم يتمكن الجيش البحريني من القيام بأي دور حاسم خاص. لكن إذا ما تأملنا في بلدان الربيع العربي باستثناء لبنان والعراق والبحرين والأردن، فسنجد أن بقية الدول (تونس، مصر، ليبيا، اليمن، سوريا، الجزائر، السودان) كلها كان يحكمها حكام جاؤوا من خلفيات عسكرية، وبقوا مرتبطين بعلاقة وثقى مع الجيش، ما يعني أن الدولة غير مفصولة عن الجيش والقوى العسكرية في هذه البلدان، التي أصبح فيها فعليا يجعل الجيش فيها عادة يجد نفسه في مواجهة أية معارضة أو ثورة ضد النظام الحاكم، بصفته جزءا رئيسا من هذا النظام، ويقلص بالتالي خيارات العلاقة ويجعلها حرجة بين الجيش وهذه القوى الناهضة ضد النظام الحاكم. مع ذلك، فقد رأينا على أرض الواقع مواقف مختلفة للجيوش العربية، ومن هذه المواقف يتبين لنا ما يلي: - أنه كلما كان موقف الجيش من الثورة الشعبية أكثر سلمية وحيادية، كانت النتائج أفضل للبلد وللجيش نفسه. - أن محاولة قمع الثورة الشعبية بالقوة، لا تنجح بإبقاء النظام القديم على حاله، ولكنها تجر البلاد إلى صراع مسلح وخيم النتائج على كل الأطراف المتورطة فيه. - أن الانقلاب على الثورة - كما في الحالة المصرية- لا يلغي مفاعيل الثورة واستحقاتها، فهو يمنح المنقلبين بعض الوقت لا أكثر، لكنه لا يلغي الأسباب الموضوعية المتردية التي تسببت بقيام هذه الثورة،

عدد الصفحات ٢٠

21 ولا يلغي المتغيرات الثورية الإيجابية التي أحدثتها هذه الثورة في الوعي الجمعي كوعي الظلم ومشروعية الثورة والثقة بإمكانية التغيير الثوري نحو الأفضل، وما شابه.. وما تزال المؤشرات على الساحة المصرية تؤكد عدم قدرة مصير نظام السيسي لن يختلف عن مصير نظام مبارك، إن هو تابع انتهاج سياسة مشابهة له. 6 فكرة المقاومة السلمية أو اللاعنفية قديمة في التاريخ، حيث يرد على لسان السيد المسيح ).52 :26إلى مكانه؛ لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون كانت البغضاء ردا على البغضاء، إذا كيف ستنتهي البغضاء وإلى أين كما يقول بوذا )، 24(ستؤدي؟ هذه الفكرة التي كانت مرتبطة قديما بالميادين الروحية والأخلاقية، انتقلت في عصرنا الحديث إلى ميدان السياسة، والنضال من أجل الحقوق الإنسانية المختلفة ضد سالبيها، وقد لعب مفكرون وقادة كبار أدوراهم الجوهرية في ذلك منهم: الفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو، والروائي والمفكر الروسي ليف (ليون) تولستوي، والزعيم السياسي والروحي الهندي المهاتما غاندي، والقس والمناضل الأمريكي الأسود مارتن لوثر كينغ، والزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا، والناشطة الأمريكية الأفريقية سوجورنر تروث Sojourner Truth( الأمريكية والعديدون سواهم من الرجال والنساء. ووفقا للباحثة في العلوم السياسية بجامعة هارفارد إيريكا شينوويث المدني ليس خيارا أخلاقيا فحسب، بل ثبت أيضا أنه أكثر قوة وفعالية بمراحل من جميع أشكال الاحتجاج الأخرى في تشكيل المشهد السياسي العالمي. فبعد تحليل مئات الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت على مدى القرن الماضي، خلصت شينوويث إلى أن فرص نجاح الحراك الشعبي السلمي أعلى من فرص نجاح الاحتجاج غير السلمي في تحقيق أهدافه 302، ص1، ط1991- فيليسيان شالي، موجز تاريخ الأديان، ترجمة حافظ الجمالي، دار طلاس للترجمة والدراسات والنشر، دمشق24

عدد الصفحات ٢١

22 في المئة من السكان مشاركة فعالة في الاحتجاجات تضمن حصول تغيير3.5بمقدار الضعف، وأن مشاركة .)25(سياسي حقيقي وبالفعل، فقد تمكنت حركات المقاومة السلمية من تحقيق العديد من الإنجازات الكبيرة على الساحة الدولية، إذ تمكن غاندي من تحرير الهند من الاستعمار البريطاني، ونجح مانديلا في القضاء على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، واتخذت في أمريكا العديد من الإجراءات ضد التمييز العنصري، وكان من ثمارها وصول باراك أوباما الإفريقي الأصل إلى كرسي الرئاسة، وقبلها بزمن طويل ألغيت العبودية، وحصلت النساء على حق التصويت، ثم أقرت المساواة التامة بين المرأة والرجل، وبين كافة الأعراق والقوميات، وهكذا دواليك... أما على الساحة العربية قبل انطلاقة الربيع العربي، فكانت الساحة الفلسطينية هي تقريبا الميدان 2000الوحيد الذي تطرح فيه فكرة المقاومة السلمية، ورغم أنها نجحت فعلا في إطلاق انتفاضتي الكبريين، اللتين واجهت فيهما الجماهير الفلسطينية الاحتلال الإسرائيلي فقط بالحجارة، ولفتتا أنظار العالم، وجعلت أولاهما مصطلح وفلسطينيا بالكثير من التشكيك بجدواها، بل وأحيانا بصدقيّتها، فيما رأى البعض أنها من أساسها لا تناسب المجتمعات العربية والإسلامية، المعتادة على فكرة الجهاد المسلح (رغم سعة مفهوم الجهاد في الإسلام). إلا أن الربيع العربي أثبت أنه من الممكن تماما للمقاومة السلمية أن تنجح في هذه المجتمعات ليس بأقل من سواها، والنجاح هنا يعني ليس فقط النجاح بتحقيق الثورات لأهدافها، بل بنفس القدر النجاح في قيامها، حتى وإن لم تفز بتحقيق غايتها؛ وقد تمكنت تونس من تدشين نجاح مزدوج في الأداء والنتيجة، وهذا ما حدث أيضا بدرجة ما في المغرب، وكذلك في مصر، ثم اليمن، وإن انتكست التجربة فيهما لاحقا، وحتى في سوريا بدأ الحراك سلميا، وكان من الممكن له أن يستمر في سلميته، لولا تعنت ممثلي النظام ولجوئهم إلى العنف، ورهانات بعض عناصر المعارضة بدورهم على العنف، والتدخلات الأجنبية التي يخدم مصلحتها هي الأخرى الاستثمار في العنف. هذا ما حدث في الموجة الأولى من الربيع العربي، واستمر بشكل أكثر سلمية في موجته الثانية التي امتد فيها إلى الجزائر والسودان والعراق ولبنان. : 2019Arabic News - ديفيد روبنسون، القاعدة الذهبية لضمان نجاح الثورات الشعبية،25 https//:www.bbc.com/arabic/vert-fut48286098-

عدد الصفحات ٢٢

23 أما العنف الذي تورطت به بعض ثورات الربيع العربي، كما هو الحال في سوريا وليبيا واليمن، فهو لم يكن خيار هذه الثورات، ولكنها دُفعت إليه من قبل أكثر من طرف، ويتحمل الوزر الأكبر في هذا الأنظمة المتسلطة في هذه البلدان التي كانت دوما تراهن على العنف، وينطبق عليها قول جون كينيدي .)26(الذين يجعلون الثورة السلمية مستحيلة، يجعلون الثورة العنيفة محتومة مع ذلك، فقد برهن الربيع العربي أن يمكنها، بل ويجب عليها، أن تكون خيارا استراتيجيا للشعوب العربية لمواصلة نضالها لتحقيق أهدافها في بناء دولها ومجتمعاتها الإنسانية المتطورة الحديثة. 7 ذُكر أعلاه، أن الظروف الدولية المؤاتية وفقا للسوسيولوجي الأمريكي جاك غولدستون هي واحد من العوامل الرئيسة التي يعتمد عليها قيام ونجاح الثورة. وإذا ما نظرنا في تاريخ الثورات، فسنجد الكثير من الأمثلة الواضحة على أهمية العامل الخارجي بالنسبة إلى الثورات: في إيران على رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا محمد مصدق، الذي نفذه الجنرال 1953فانقلاب فضل الله زاهدي، تم تدبيره والتخطيط له من قبل المخابرات البريطانية والمخابرات الأمريكية، وهذا ما م، والذي 1951، وقد كان أحد أسباب هذا إقرار قانون تأميم النفط عام 27(اعترفت به المخابرات الأمريكية شمل شركة النفط الأنجلو-إيرانية. سيناريو مشابه حدث في تشيلي عام المتحدة بانقلابه الدموي على الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور ألليندي، فقد كانت الولايات المتحدة 26- John F. Kennedy, In a speech at the White House, 1962, Those who make peaceful revolution impossible will make violent revolution inevitable: https://www.opednews.com/articles/Those-who-make-peaceful-re-by-FAITHCARR-081130-60.html https://www.goodreads.com/quotes/89101-those-who-make-peaceful-revolution-impossible-will-make-violent- revolution 27- The National Security Archive, The George Washington University, The Secret CIA History of the Iran Coup, 1953-: https://nsarchive2.gwu.edu/NSAEBB/NSAEBB28/

عدد الصفحات ٢٣

24 تخشى من انتشار الحراك الاشتراكي في أمريكا الجنوبية، وهذا ما كان ليعززه نجاح حكومة اشتراكية في .)28(تشيلي وبالمقابل، لعب الاتحاد السوفيتي بدوره أدوارا مشابهة، حيث قام بالتدخل العسكري المباشر في المجر ، وقضى 1968 بالقوة، ثم كرر الأمر في تشيكوسلوفاكيا عام1956وقضى على الانتفاضة المجرية عام على الحركة الإصلاحية التي كان يقودها ألكسندر دوبتشيك، ثم تدخل أيضا في أفغانستان عام قواته لدعم حكومة حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني ضد الفصائل الجهادية المسلحة المعادية التي كانت تساندها أمريكا. وهذه بضعة أمثلة فقط على التدخلات الخارجية وأدوارها، وقد كانت عواقبها وخيمة على هذه البلدان، فقد وقعت تشيلي تحت ديكتاتورية بينوشيه قرابة عقد ونصف، فيما عاد الشاه ليحكم إيران بشكل مستبد فاسد، كما حكمت الأنظمة الشمولية البيروقراطية كلا من تشيكوسلوفاكيا والمجر حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. أما أفغانستان، فقد أدخلتها في حرب أهلية، قادت في المحصلة إلى وقوعها تحت سيطرة حركة طالبان الإسلامية المتطرفة. وهكذا أحبطت هذه التدخلات الثورات والحركات التي كان بمقدورها أن تقود بلدانها إلى ما هو أفضل، وبالمقابل دفعت هذه البلدان إلى ما هو أسوأ، فإما وضعتها في أيدي أنظمة مستبدة فاسدة، أو دفعتها إلى صراعات داخلية مخربة. أما بالنسبة إلى المنطقة العربية، فهي بدورها تعرضت ومازالت تتعرض لمثل هذه التدخلات الخطيرة، ، وما اقترن به من الانقلاب على 19 و18فبعد وقوع الدول العربية تحت الاستعمار المباشر خلال القرنين الثورة العربية الكبرى في المشرق العربي، تابعت التدخلات الأجنبية عملها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي شهدت حراكا قويا للتحرر الوطني عربيا وعالميا، فصنع الاستعمار الغربي القديم إسرائيل، ثم احتضنها ودعمها بشكله الحديث لخدمة مصالحه في المنطقة على حساب مصالح شعوب هذه المنطقة، وعدا عن ذلك، فقد انعكست الحرب الباردة بقوة على الساحة العربية، ووضعت البلدان العربية في حالة تبعية، إما لحلف وارسو أو لحلف الأطلسي، في وقت كان فيه كلا من الحلفين المتنافسين بشراسة لا يهتم إلا بولاء الحكام العرب له.. ويدعمهم ويحتضنهم، حتى وإن كانوا متسلطين مستبدين، قامعين ومستغلين لشعوبهم، وهذا ما استمر حدوثه حتى بعد نهاية الحرب الباردة، ثم ألقى بظلاله السلبية الكثيفة على مواقف القوى العالمية من ثورات الربيع العربي. 28- Gilbert M. Joseph, Greg Grandin, A Century of Revolution Google Books, Pg 270-271: https://books.google.com/books?id=YJ7ZBGy0wsIC&printsec=frontcover#v=onepage&q&f=false

عدد الصفحات ٢٤

25 بالطبع، كل التدخلات المذكورة أعلاه، دوليا وعربيا، هي تدخلات مرتبطة بالمصالح، وحصريا بالمصالح، وليس هناك بينها أي تدخل لمجرد التدخل، أو تدخل تحركه العواطف أو المبادئ أو ما شابه، والمنطقة العربية لا تستثنى قطعا من ذلك. أما المصالح فتختلف، فهي قد تكون اقتصادية أو إستراتيجية أو سواها، وقد تكون محلية أو دولية أو قد ترتبط بالعلاقة مع طرف ثالث، وهكذا دواليك.. وفي هذه العلاقات المصطلحية، قد يحدث التدخل ضد نظام أو ضد ثورة إذا كان هذا التدخل يحمي مصلحة موجودة، أو يحقق مصلحة مطلوبة، فمثلا يمكن أن يحدث تدخل ضد ثورة إذا كانت هذه الثورة ضد حاكم يضمن بقاؤه مصلحة قوة إقليمية أو دولية ما، فيما تهددها الثورة، ويمكن أيضا أن يحصل العكس! كما أن العلاقة في بعض الأحيان مع الأنظمة أو الثورات والمواقف منهما يمكن أيضا، أن تكون مرهونة بالمنافسة بين الخصوم، كما كان الحال أثناء الحرب الباردة. واليوم المواقف الإقليمية والدولية من البلدان العربية، وهي بالطبع تختلف بشدة بين بلد وبلد، بحسب ظروف وخصوصيات هذا البلد، هي مرتبطة بعاملين: - المصلحة المحلية التي تربط بشكل مباشر بين النظام الحاكم في البلد والقوة الخارجية.1 - العلاقة بين المتنافسين الخارجيين أنفسهم2 فعلى سبيل المثال، يمكن القول إن التدخل الروسي في سوريا، أحد أهم أسبابه هو الخوف الروسي من فقدان نظام صديق لروسيا، واستبداله بنظام ينضم إلى الخندق الأمريكي. أما عدم دعم المعارضة السورية من قبل أمريكا، فهذا أيضا سببه التخوف من تكرار التجربة الأفغانية، وانتقال السلطة إلى قوة إسلامية متطرفة. أما حماية أمريكا للحكومات الخليجية، فهو مرتبط بشكل رئيس بالنفط، فمن مصلحة أمريكا والغرب بقاء واستقرار هذه الأنظمة التي تضمن لهم الحصول اليسير على هذا النفط. وبما أن الأمر كله يرتبط بالمصالح، فمن المهم جدا أن نعي أن العالم المتقدم الذي يعي مصالحه جيدا، ويعرف كيف يحافظ عليها، يدرك أن من مصلحته اليوم التعامل مع نظم ديمقراطية تشبهه، أي نظم «

عدد الصفحات ٢٥

26 ديكتاتور موال وآخر معارض أو موال لمنافس، أو حاكم إسلامي متطرف، أو نظام إيديولوجي يساري أو شعبوي متطرف، فهو بكل تأكيد يفضل الديكتاتور الموالي. واليوم على الساحة العربية، ما يزال هذا العالم الرأسمالي المتقدم يرى بشكل رئيس قوتين رئيستين على الساحة العربية، وهما الديكتاتوريات الحاكمة والبدائل الإسلامية المتطرفة. ولذا، فهو يفضل الديكتاتوريات الحاكمة.. طالما أنها موالية، وبالأدق خاضعة، أما القوى الديمقراطية العربية، فهي حتى اليوم - بنظر الغرب- لا يعوّل عليها، ولا يمكن المخاطرة بالرهان عليها، ولذا لا نجد دعما حقيقيا لحراكات الربيع العربي من قبل القوى الدولية، وما نجده إما فتورا نحوها أو عداء صريح لها، وما يعزز هذه المواقف رجحان نفوذ الإسلام السياسي في هذه الحراكات من ناحية، ورسوخ علاقة طويلة الأمد مع الأنظمة المتسلطة تضمن مصالح هذه القوى الدولية من ناحية ثانية، والمنافسة الحادة بين بعض هذه القوى -كأمريكا وروسيا- من ناحية ثالثة. هذا ما يتعلق بالدول الصناعية الكبرى، مع إضافة عامل آخر بالنسبة إلى روسيا، التي تخشى انتقال عدوى الإسلام السياسي إلى جنوبها المسلم، وللصين التي لديها مثل هذا التخوف في مقاطعاتها الإسلامية، إضافة إلى كون النظام الصيني نفسه نظاما استبداديا، ما يجعله يخشى بدوره امتداد الجانب الديمقراطي في ثورات الربيع العربي إلى شعبه. « :2012وعن ذلك يقول كينيث روث في التقرير العالمي لهيومان رايتس ووتش الغربية بـ المستبدون، بوعدهم الوهمي بـ .)29(بالاحتمالات أما عن موقف الغرب من الإسلام السياسي، فهو يقول في نفس الموقع لطالما نظروا إلى الإسلام السياسي نظرتين لا نظرة واحدة -إذ تدعم الإسلام السياسي عندما تراه مفيداً لمواجهة عدو مرهوب الجانب (المجاهدين ضد السوفييت، حماس ضد منظمة التحرير الفلسطينية) أو عندما تلتقي مصالحه مع الغرب (السعودية مثالاً). لكن عندما يتحدى الإسلام السياسي الحكومات الصديقة، يصبح . )30(حذر الغرب عميقا - كينيث روث، المرجع السابق29 - المرجع السابق30

عدد الصفحات ٢٦

27 هي إذن براغماتية الغرب التي تفضل اليوم السلاطين المضمونين على إسلام سياسي يتبنى خطابا وسلوكا متطرفين ومعاديين للغرب عموما، ولاسيما أن هذا “الإسلام السياسي” يصلح أيضا كفزاعة لتخويف الشعوب الغربية من خطر الإرهاب ودفعها للالتفاف حول حكوماتها، بدلا من التفرغ لمساءلتها ومطالبتها بالكثير من المسائل الحساسة والحرجة التي تتعلق بحقوق هذه الشعوب ومشاكلها المعيشية. عدا عن تلك المواقف الدولية، ثمة أيضا المواقف الإقليمية، فلدول المنطقة غير العربية أيضا حساباتها، ولكنها قوى من الدرجة الثانية، ومواقفها لا يمكنها أن تتموضع في موضع تضاد تام مع مواقف القوى الدولية. لذا تأتي عادة متناسبة أو متوافقة معها، وموقف تركيا المتأرجح بين أمريكا وروسيا في سوريا هو مثال على ذلك. ما لا شك فيه أن العامل الخارجي كان له الكثير من الانعكاسات السلبية الشديدة التأثير على حركات الربيع العربي، التي تواجه تحديات جمة وضخمة على ساحاتها الداخلية لأسباب مختلفة، يتداخل فيها الذاتي والموضوعي. ومع ذلك، فإن حراكا ثوريا ديمقراطيا ناضجا ومتبلورا وواضح الرؤية على الساحة العربية، يستطيع أن يحدث فرقا، وأن يفرض اعتباره واحترامه على القوى الدولية، ويدفعها لتغيير موقفها منه، وليس أمام الثوريين الديمقراطيين في البلدان العربية إلا أن يعتمدوا على أنفسهم لإنتاج ذلك، وأن يستفيدوا من مفاعيل ودروس التجربة التي خاضوها، حتى الآن لتطوير حراكهم الثوري. 8 مما تقدم، يمكننا أن نوجز أن ثورات الربيع العربي التي قامت نتيجة بلوغ الواقع المتردي في بلدانها ذروته الحرجة، وامتلكت ما يكفي من الإحساس والوعي بالظلم القائم في بلدانها لتأسس حالة ثورية... تمكنت بدورها من أن تتحول إلى فعل ثوري ضد هذا الظلم وعليه ممثلا بأنظمة القمع والفساد المتخلفة المتسلطة المتحكمة في بلدان هذا الربيع وسواها من البلدان العربية الأخرى، التي لم يمتد إليها الحراك الثوري بعد. لكن هذه الحراكات الثورية افتقرت بشكل كبير إلى القيادة والتنظيم والرؤية الثورية والدعم الخارجي البناء، فجاءت في معظم الأحيان حراكات شعبوية خلاصية فوضوية يسهل انحرافها ونزاعها واستغلالها. وإذا ما نظرنا إلى هذه الحراكات من منظور جاك غولدستون الذي سبق ذكره مثلا، فسنجد أن هذه الحراكات امتلكت ما يكفي من السخط الجماهيري، دون امتلاك الآليات اللازمة الكافية لتحويله إلى حالة من

عدد الصفحات ٢٧

28 التعبئة الجماهيرية الثورية الحاسمة، وهذا مرتبط بشكل رئيس بغياب التنظيمات السياسة والمدنية الفاعلة، والإيديولوجيا الثورية التي تستطيع تحديد أهداف الثورات وتوحيد صفوف الجماهير. أما الظروف الدولية، أو العوامل الخارجية، فقد لعبت هي الأخرى أدوراها السلبية الضخمة في العديد من الحالات، وتحولت إلى تدخلات مباشرة في بلدان هذا الربيع.. إما تدفعه في أجنداتها أو تدعم الأنظمة الحاكمة ضده، أو تستثمر فيه في لعبة محاربة الإرهاب بالشكل الذي يناسبها، وهلم جرا...وبالطبع، لا بد دوما من وعي خطورة التدخلات الخارجية، ولاسيما عندما تتم من قبل دول كبرى، فهذا العامل الخارجي في كثير من الأحيان يستطيع أن يكون فيصلا وحاسما في مآل الأمور. وبعد ما تقدم، سيكون من المهم جدّا علينا الإجابة عن سؤال نتائج على أرض الواقع، بعد تسع سنوات من بدابة هذا الربيع؟ يتحدثون عن فشل ذريع أو عائد سلبي لهذا الربيع .. كما يفعل الشاعر المعروف أدونيس -مثلا- الذي يرى أن الربيع العربي حقق الإنجازات التالية: « ثانياً ـ كانت الغالبية الكبرى من سكّان العالم العربى فقراء، عاطلين من العمل، أمّيين... إلخ. اليوم صارت أكثر فقراً، وبطالة، وجهلا. ثالثا ـ كانت الغالبية أكثر ميلاً للكفاح من أجل التقدّم والتحرّر، وهى اليوم، على العكس، أكثر ميلاً للخضوع إلى “عقليّة” التخلّف والتراجع. تركيا المثل الأوّل. السودان مثل آخر. رابعاً ـ كان العرب أكثر سيطرة على ذواتهم وأدواتهم وثرواتهم، فصاروا اليوم أكثر قرباً إلى ما يناقض هذا كلّه. صارت “ذاتهم” لغيرهم، إذا تكلّمنا بلغة الفارابي: صاروا “أدواتٍ” و”آلات”. خامساً ـ الحضور العربيّ، اليوم فى العالم لا يقوم على التفرُّد العلمى أو التّقنى أو الأخلاقيّ، وإنّما يقوم، بالأحرى، على “الثّروات” والفضاء الاستراتيجيّ، والعدد السكّانيّ. سادساً ـ أكّدَت “ثورات الربيع العربيّ” أنّها “تهديم ذاتيّ” و”تبعيّة العالم العربى ليس موجودا على خريطة العالم إلاّ بوصفه هوَساً سلطويّا لا يترك أي مجالٍ حقيقى لحقوق الإنسان الفرد وحرّيّاته. ولا مكانَ فيه إلاّ لهذا الثّنائيّ: الآمِر والمأمور، المالِك والمملوك، السيّد والعبد.

عدد الصفحات ٢٨

29 يتمثّل هذا “التّهديم الذّاتيّ” وهذه “التّبَعيّة” فى مصير القضيّة الكبرى والرمز الأكبر: فلسطين. فقد هُمِّشَت هنا، وأُهمِلَت هناك، وأُلغِيَتْ هنالك. سابعاً ـ أكدت هذه الثورات، على رغم هذا كلِّه، أنّ العالَم العربى خزّان بشرى عظيم للطّاقات الإنسانيّة الفرديّة الخلاّقة فى جميع الميادين. وأنّ هذه الطّاقات تتفوّق على أقرانها، أحياناً، فى مختلف بلدان العالم. لكن لا سبيل لها، لكى تحيا بحرّيّة إلاّ الهجرة: كأنّها، على نحو مفارق، لا “تتعرّب” ما لم “تتغرّب”. والفاجع فى هذا الأمر، أنّها ليست معيارا فى التقدّم أو التّخلّف. المعيار سياسيّ- اجتماعيّ- اقتصاديّ، وهو، إذا، فى “المؤسّسات” و”الأنظمة”. .)31(والمثال الصارخ على ذلك لبنان وسورية وبالتأكيد ما يقوله شاعرنا الكبير عن حال العالم العربي اليوم هو بكل أسف صحيح، وحاله أصبح عموما أسوأ بكثير على صعد مختلفة منذ انطلاقة الربيع العربي، ولكن هذا الحال المزري لم يكن قطعا من صنع “الربيع العربي”، ولا يتحمل الربيع العربي نفسه ذنب زيادته سوءا، فالحال البائس الشديد التردي هو ما كان موجودا قبل انطلاقة الربيع العربي، والأهم من ذلك، أنه هو ما أدى إلى قيام ثورات الربيع العربي وليست هذه الثورات هي التي أنتجت ذلك الحال، وعليه فليس صائبا ولا موضوعيا أي طرح لا يرى الجدلية بين هذه الثورات والواقع الذي حدثت فيه، ولا يرى أن هذه الثورات هي نتائج موضوعية حتمية لذلك الواقع، سواء أعجبتنا مجرياتها ومفاعيلها أم لا، وهذه المجاري والمفاعيل هي بدورها مشروطة بهذا الوقائع القائم، وإن كانت هذه الثورات قد جعلت الأمور أسوأ في أكثر من مكان وعلى أكثر من صعيد، فهذا ليس نتيجة سوء أو شر هذه الثورات بحد ذاتها أو طبيعتها، بل بسبب العوامل والظروف الموضوعية السيئة نفسها التي أدت إلى قيامها من ناحية، ثم عادت انعكست على هذه الثورات نفسها سلبا، فأدت إلى سوء النتائج هذا؛ وعدا عما تقدم، فشاعرنا بدوره لا يقدم لنا بديلا خلاصيا لهذه الربيع، وكأن قدرنا المفروض كعرب هو أن نبقى تحت نير الديكتاتوريات ونستسلم لها. إن موقف أدونيس -بالطبع- ليس موقفا فرديا، فمن وقفوا ضد الربيع العربي.. وحمّلوه وزر من تسبب به هو نفسه -كثورات شعبية شعبوية- نفسه عديدون، ودوافعهم وحججهم مختلفة، لكننا في هذا البحث للإجابة عن السؤال الذي طرحناه في مقدمة هذه الفقرة عن النتائج التي حققها الربيع العربي حتى الآن، سنقوم بالاسترشاد بالمعطيات التي يقدمها تقرير - اليوم السابع، فى مقال جديد.. أدونيس يواصل مهاجمة الربيع العربى31 الحياة اللندنية 27/7/

عدد الصفحات ٢٩

30 الذي يصدر عن الإيكونوميست البريطانية لدول الربيع 332019 و322010حيث يحتوي الجدول الأول مقارنة للمؤشرات الديمقراطية بين عامي العربي وبعض الدول العربية الأخرى. التقييم متوسطالتصنيفالعام النقاط الترتيب عام )33(2019 متوسطالتصنيف النقاط الترتيب عام )32(2010 لدولةا أنظمة↓ هجينة4.36 106أنظمة هجينة5.82 86لبنان أنظمة↓ 3.74 118أنظمة هجينة4.00 111العراق أنظمة↑ استبدادية3.93 114أنظمة استبدادية3.88 114الكويت أنظمة↑ هجينة5.10 96أنظمة 3.79 116المغرب أنظمة↑ استبدادية3.93 114أنظمة 3,74 117الأردن أنظمة↑ هجينة4.01 113أنظمة استبدادية3.44 125الجزائر أنظمة↑ استبدادية3.06أنظمة 3,07 138مصر أنظمة↑ استبدادية3.06أنظمة 2,86 143عمان ديمقراطية↑↑ منقوصة6.72 53أنظمة استبدادية2.79 144تونس أنظمة↓ استبدادية1.95 158أنظمة استبدادية2.46 146اليمن أنظمة↑ 2.76 145أنظمة استبدادية2.52 148الإمارات 32- EIU Democracy Index 2019 - World Democracy Report https://www.eiu.com/topic/democracy-index https://en.wikipedia.org/wiki/Democracy_Index 33- Economist Intelligence unit, Democracy_Index_2010_web: https://graphics.eiu.com/PDF/Democracy_Index_2010_web.pdf

عدد الصفحات ٣٠

31 أنظمة أنظمة استبدادية2.42 151السودان أنظمة↓ استبدادية1.43 164أنظمة استبدادية2.31 152سوريا أنظمة↑ استبدادية2.02 156أنظمة استبدادية1.94 158ليبيا أنظمة↑ استبدادية1.93 159أنظمة استبدادية1.84 160السعودية فيما يحتوي الجدول الثاني مقارنة للمؤشرات التفصيلية بين تونس والعراق ولبنان والهند والبرازيل: الحرياتالسنةالدولة المدنية الثقافة السياسية المشاركة السياسية أداء الحكومة العملية الانتخابية والتعددية متوسط النقاط الهند20196.765.636.676.798.676.90 البرازيل20198.245.006.115.369.586.86 تونس20195.635.637.225.719.176.72 تونس20103.245.632.222.860.002.79 العراق20191.765.006.670.005.253.74 العراق20105.003.756.110.794.334.00 لبنان20194.715.006.671.503.924.36 لبنان20105.595.006,673.937.92 5.82 في الجدولين أعلاه، الترتيب هو من بين دولة ومن معطيات هذين الجدولين يتبين لنا مدى سوء المؤشرات الديمقراطية في الدول العربية عند اندلاع ثورات الربيع العربي، وسوء هذه المؤشرات يدل على حدة تدهور الأوضاع الاجتماعية والسياسية في هذه البلدان، وهذا كان سببا رئيسا من أسباب اندلاع هذه الثورات، وكما نلاحظ من هذه البيانات، التقدم المميز إلى 2010بين144الوحيد خلال أعوام هذا الربيع قد حققته تونس التي تقدمت من المركز )، وانتقلت فيه من فئة52) والبرازيل51 وجاءت فيه مباشرة بعد الهند2019 عام53المركز التسلطية درجة عن مؤشرها عام16 و63 الذي كان2018 درجات عن مؤشرها عام10متقدمة ، وتقارب في المحصلة 2019 إلى2011، وقد ارتفع مؤشر نقاطها من69 والتفاصيل مع الهند والبرازيل.وهذا إنجاز جيد، كما أحرز المغرب تقدما ملحوظا، وانتقل إلى فئة “الأنظمة

عدد الصفحات ٣١

32 الهجينة تقدم السودان بعض الشيء وكذلك الأردن، لكنهما بقيا في عداد الأنظمة التسلطية، وأقل من ذلك تقدمت ليبيا، فيما بقيت مصر تقريبا على حالها؛ لكن بالمقابل تراجعت مؤشرات لبنان بوضوح وتراجع موقعه لكنه بقي في فئة الأنظمة الهجينية. أما العراق، فقد تراجعت مؤشراته هو الآخر، وانتقل من فئة الأنظمة الهجينة التي كان إلى فئة الأنظمة التسلطية، كما تراجعت اليمن ذي المؤشرات الشديدة 2010يشغل الموقع الأخير فيها عام وانخفضت مؤشراتها 164 إلى المركز152الانخفاض سلفا، وكذلك سوريا التي تراجعت من المركز المتدنية أكثر لتدخل في عداد الدول الخمس الأسوأ ديمقراطيا في التصنيف العالمي؛ هذا بالنسبة إلى دول بمعدل مؤشرات2019 عام149الربيع العربي، التي جاءت البحرين كنظام استبدادي من بينها في المرتبة . أما الدول التي لم يصلها مدّ هذا الربيع كدول الخليج العربي الأخرى؛ فقد حدث فيها بعض التقدم 2.55 الطفيف، لكنها بقيت جميعها في عداد الأنظمة الاستبدادية ذات المؤشرات المتدنية إذن المميز في تلك المعطيات، أنها تبين أن نجاحا حقيقيا حصل في تونس، التي كانت ذات مؤشرات ، وتمكنت خلال أقل من عقد من أن تصل إلى مستوى 2011وترتيب على درجة كبيرة من الانخفاض عام دول متقدمة ديمقراطيا كالهند والبرازيل. لكن في الوقت نفسه، تراجع لبنان والعراق.. بشكلين ملحوظين! وإذا ما قارنا تونس مع هذين البلدين، اللذين يفترض في تجربتيهما الديمقراطيتين أن تكونا أفضل، كونهما قد بدأتا قبل تونس بسنوات، ولاسيما لبنان، فسنجد أن ثمة فارقا جوهريا بين تونس من جهة، ولبنان والعراق من جهة أخرى. فتونس هي أساسا أكثر نضجا بمعايير الدولة الحديثة على كافة الصعد من كل من لبنان والعراق، وهذا كما سلف الذكر يعود إلى عامل اجتماعي في المجتمع التونسي الخالي تقريبا من الانقسامات الدينية والعرقية.. وإلى عامل سياسي يتمثل في تجربة بورقيبة التي ساهمت بدرجة فعلية في تحديث المجتمع والدولة التونسيين، وقد انعكس هذا أيضا على وضع الجيش التونسي، الذي صار في وضع قريب نسبيا من الجيوش الحديثة التي تكون فيها الجيوش جيوش دول، وليس جيوش أنظمة أو سلاطين، ولذا كان موقف هذا الجيش من الثورة وفيها إيجابيا بقدر كاف، وقد مكنت كل هذه الأمور تونس من أن تمضي في طريق الدمقرطة بشكل سليم. أما لبنان والعراق، فما لديهما من ديمقراطية، وهو ليس بالكثير، هو فعليا نتيجة عملية محاصصة مرتبطة بانقسامات فئوية حادة في المجتمعات، وجاءت هذه المحاصصة في لبنان بعد حرب أهلية عنيفة

عدد الصفحات ٣٢