ﻣﺤﻜﻢ ﺑﺤﺚ2021 ﻣﺎرس29 2021 ©ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺤﻘﻮق ﻣﺤﻔﻮﻇﺔAll rights reserved © 2021 ﻗﺴﻢ اﻟﺪﻳﻦ وﻗﻀﺎﻳﺎ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺮاﻫﻨﺔ
عدد الصفحات ١2 ملخص البحث منذ انطلاقتها التي فاجأت العالم، أثارت ثورات الربيع العربي الكثير من الجدل حولها، واختلفت منها المواقف وفيها الآراء، فرأى فيها البعض ثورات مشروعة ومستحقة لشعوب المنطقة العربية للخلاص من الاستبداد والتخلف، وبناء الدولة والمجتمع الإنسانيين الحديثين، فيما اعتبرها سواهم انتفاضات جماهيرية عفوية غاضبة، لا ترقى إلى المستويات الثورية التي تستطيع فيها إحداث تغيرات سياسية واجتماعية جذرية في بلدانها، فيما ذهب آخرون إلى أنها مؤامرات خبيثة تستغل ما في المجتمعات العربية من بؤس وتخلف وتعصب للإجهاز على ما تبقى في هذه المجتمعات من عناصر القوة. في جانب من هذا البحث، سيتم النظر في هذه المواقف من خلال تحليل واقع الثورات العربية وما فيه من عوامل موضوعية على صعيد البيئة الاجتماعية التي أنتجت هذه الثورات، وعوامل ذاتية داخلية في بنية وطبيعة هذه الثورات. وفي الجوانب الأخرى منه، وعبر النظر إلى الثورة كعملية تاريخية جدلية موضوعية، وحتمية الحدوث عندما تستوفي شروطها الموضوعية وعواملها الذاتية، وتتكامل الأسباب اللازمة لقيامها، سيسعى البحث لبيان ما امتلكته ثورات الربيع العربي من العناصر الثورية المختلفة موضوعيا وذاتيا، وآثار ذلك على مجريات أحداثها والنتائج التي وصلت إليها، أو تسببت في حدوثها حتى الآن، والدروس التي يمكن للثوريين في المنطقة العربية استخلاصها والاستفادة منها للمستقبل. كما سيسعي أيضا إلى بيان أن الثورات بما هي عمليات ديناميكية وديالكتيكية، وأنها تنتج من تراكم التناقضات والتوترات الاجتماعية، التي تصل بها إلى الحد الفاصل، الذي تنتقل فيه عند لحظتها الحرجة هذه من الحالة الكمية إلى الحالة الكيفية، وتتحول فيه إلى فعل انقلاب تغييري ونافٍ لما قبله، ما يجعل عودة هذا فيها رد الفعل النافي على الواقع الفاسد المستنفد لإمكانية البقاء، والفعل الإيجابي البناء الهادف لاستبداله بواقع جديد أفضل قابل للبقاء وصالح للاستمرار والتطور، وتتم عبر صراع أضدادها، الذي قد يقصر أجله أو يطول، وتختلف نتائجه تبعا لظروفه وعوامله، وبالتالي فلا يكون أمام الثورات إلا سبيلان اثنان: إما أن تحدِث التغيير المطلوب، أو تتجّدد وتتواصل إلى أن تحدِث التغيير المطلوب، والثورات العربية ليست استثناء من ذلك، فهي قد قامت لأنها امتلكت من العوامل الثورية ما يكفي لقيامها، لكنها لم تنجح بعد في إحداث التغيير المطلوب منها؛ لأنها لم تمتلك بعد العوامل الكافية لذلك، إلا أن هذا لا يعني أن هذه الثورات ستستمر وتتطور وتستكمل ما ينقصها لتحقيق تلك الغاية، وما لا شك فيه أن هذا الأمر الذي تغنيه التجربة الثورية نفسها، يحتاج وقته الكافي، وهذا تؤكده التجارب الثورية الكبرى في العالم.
عدد الصفحات ٢3 1 1989) الصادر عامThe Marxist Case for Revolutionفي كتابه ): Ernest Mandelيقول إرنست ماندل « سواء أحببنا ذلك أم لا، فقد شهد قرنُنا ما يشبه ثلاثين ثورة - بعضها انتصر، فيما هزمت أخرى- وليس هناك .)1(ما يدل على أننا وصلنا إلى نهاية التجربة الثورية وبالفعل فقد صدق توقع ماندل، واستمرت التجربة الثورية في العالم، وتواصلت الحراكات الجماهيرية على مدى العقدين التاليين في العديد من مناطق العالم، وتنوعت بين الاحتجاجات والانتفاضات والثورات، وحملت بشكل عام تسمية الثورات السابقة التي كان العنف عموما شكلا مميزا لها، حتى كاد مفهوم الثورة يقترن بالعنف. ومن الممكن القول، إن التجربة العربية الثورية، المسماة بـ مع نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، هي الأميز بين هذه التجارب، فبعد ركود طويل، تحركت الجماهير العربية في أكثر من بلد، واختلف شكل هذه التجارب ونتائجها وفقا للظروف في كل بلد؛ فمنذ انطلاقته وحتى اليوم، أحدث الربيع العربي الكثير من التغيرات المهمة على الساحة العربية على مستويي الواقع الاجتماعي والوعي الاجتماعي، ورغم أنه إذا ما طبقنا المعيارية النفعية في قياس نتائج حراكات هذا الربيع بحالاتها المختلفة، فسنجد أن هذه الحراكات لم تنتج عمليا الكثير في مجال التغيير الإيجابي العملي على مستوى تحديث وتطوير الدولة والمجتمع في البلدان التي قامت بها، بل حتى كانت لها عواقب كارثية في أكثر من بلد عربي، فهي قد أدت إلى دمار هائل في سورية، وألحقت دمارا كبيرا أيضا باليمن وليبيا يونيو30 يناير25والعراق، فيما أعاد النظام المصري إنتاج نفسه وأجهض ثورة مضادة، ولم تحدث تغييرات جذرية في البنية السياسية الاجتماعية في المغرب والأردن، وباستثناء تونس، يمكن القول إن الربيع العربي لم يؤدّ إلى أية تغيرات بناءة أو إنجازات فعالة في ميدان بناء الدولة العصرية، لكن هذا بناءة في ميدان بناء الدولة الحديثة وتائرها تختلف بين بلد وآخر، ورغم أن ليبيا واليمن ما تزالان تمران بحالة تخبط وصراع، فعودة النظامين القديمين فيهما أضحت مستحيلة، أما ما يبدو من عودة مستقرة للنظام القديم في مصر، فاستقرارها شكلي، 1- Ernest Mandel,The Marxist Case for Revolution Today )1989(, Marxists Internet Archive https://www.marxists.org/archive/mandel/1989/xx/rev-today.htm
عدد الصفحات ٣4 وبالنسبة إلى سوريا، فالحال مشابه، رغم الاختلاف الكبير في التفاصيل، ورغم أنه لا تبدو في الأفق القريب مؤشرات حل وطني ديمقراطي، فواهم من يتوقع أن النظام فيها سيتمكن من إعادة إنتاج نفسه، وأسباب هذه العودات الوهمية سيتم توضيحها في سياق هذا البحث؛ وبالمقابل فقد شهد هذا الربيع موجة جديدة امتدت إلى كل من الجزائر والسودان والعراق ولبنان، ورغم أنها تباينت في درجة وشكل ما حققته من نتائج حتى الآن، فقد تميزت حراكات هذه الموجة الثانية بأنها أكثر سلمية وأقل إسلامية بشكل عام. وهكذا يمكن القول بثقة إننا أمام عملية تغيير حقيقية..رغم كل عثراتها وسقطاتها، وليس أمام أو المفهوم التقليدي المحدود للثورية، الذين بموقفهم هذا لا يختلفون كثيرا عما يتوهمه أتباع الديكتاتوريات، وأنصار نظرية المؤامرة على غرار الصحفي سعيد محمد الذي يرى أن ثورات الربيع العربي هي جزء من المخطط الأمريكي الهادف لإسقاط الحكومات المغضوب عليها من قبل أمريكا، ويقول بمناسبة وفاة المفكر السياسي الأمريكي الشهير جين شارب: عاماً في بيته المتواضع في بوسطن 90« بين رفوف الكتب وزهرات الأوركيد التي كان يرعاها. لكن الرجل الذي يوصف بأنه واضع دليل عمل الثورات الملوّنة، يبعث حيّاً بأفكاره الملهمة عن إسقاط الحكومات التي تستهدفها الولايات المتحدة من خلال . )2(الأنشطة اللاعنفيّة المنظمة كلما اندلعت “ثورة” جديدة في مكان ما من العالم مع ذلك، فلا بد من قراءة تحليلية نقدية جادة لهذه الحراكات لتبيان ما لها وما عليها، وما توفر فيها من عوامل القوة ونقاط الضعف، والإجابة عن الأسئلة الحرجة المتعلقة بها، ولاسيما “توصيفها”، والعوامل المختلفة المؤثرة فيها، وأسباب “رجحان قوة الإسلام السياسي فيها” و”عدم نجاحها حتى الآن في تحقيق غاياتها”. 2 غلب بشكل عام على الساحة العربية خلال القرن الماضي مفهوم الثورة المرتبطة بالعنف، والذي يمكن إيجازه بكلمات ماو تسي تونغ التي يقول فيها أو عمل تطريز؛ هي لا يمكن كثيرا صقلها، وجعلها متروية ولطيفة، معتدلة ولبقة، منضبطة وسمحة. الثورة : 2019 تشرين الثاني6- سعيد محمد، كيف تصنع الثورات الملونة، جريدة الأخبار،2 https://al-akhbar.com/Literature_Arts/278937
عدد الصفحات ٤5 )، وماو محق بكل تأكيد في القسم الأول من 3(هي تمرد، وهي عمل عنيف تقلب به طبقة ما طبقة أخرى )، 4(كلامه عن الثورة، الذي يلتقي فيه مع ما يقوله ستالين ولكن اللجوء إلى العنف، حتى وإن كانت ثورته وطنية وليست طبقية! ولكن، وبما أن ثقافة اللاعنف هي ثقافة حديثة الحضور إلى الميدان السياسي في واقعنا العربي، وقليلة الحضور فيه بشكل عام، فليس غريبا أن يرفض أولئك الذين يحملون هذا التصور التقليدي العنيف عن الثورة إطلاق تسمية الديكتاتوريات وأصحاب ذهنية المؤامرة؛ فهؤلاء مواقفهم مفروغ منها، ومن نتحدث عنهم هنا هم مفكرون وسياسيون تقليديون في معظم الحالات، ولديهم بدرجة ما استقلاليتهم الموقفية، ويطلقون غالبا على حراكات الربيع العربي تسميات، مثل إيجازها بكلمات أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي صالح السنوسي: « بعضها على أنها ثورات وجرى تصنيف بعضها الآخر على أنها انتفاضات وحركات تغيير، وإذا نظرنا إلى المعايير التي يتم على ضوئها التمييز بين ما يعتبر ثورات، وبين ما يوصف بحركات التغيير والانتفاضات، فإننا نجد بعض هذه المعايير غير متوفر في ما عرفت بثورات الربيع العربي. فلم تكن ثمرة تخطيط مبيت يعكس جهدا منظما وموجها من قبل قيادات اختارت ظروف ولحظة تفجير الفعل الثوري لتغيير الواقع الاجتماعي والسياسي وإحلال فكر وأيديولوجيا بديلة تمثل رؤية ومصالح طبقة اجتماعية جديدة، بل إن البعض لا يرى في ثورات الربيع العربي نماذج من الثورات الكبرى التي عرفها التاريخ. فهي ليست مثل الثورة الفرنسية التي سبقها عصر الأنوار، وكان بمثابة قطيعة معرفية وثقافية مع ما سبقه، فكانت الثورة السياسية تتويجا لمشروع فلسفي يقوم على ثلاثية العقل والحرية والإرادة في مواجهة 3Quote by Mao Tse-tung ”A revolution is not a dinner party, or writing ...“: https://www.goodreads.com/quotes/141393-a-revolution-is-not-a-dinner-party-or-writing-an - ويكي الاقتباس، الثورة4 https//:ar.wikiquote./الثورة
عدد الصفحات ٥6 اللاهوت الديني والتراتبية الاجتماعية، كما أنها لم تكن كالثورة البلشفية التي قامت تجسيدا للأيديولوجيات الماركسية فسودت طبقة اجتماعية واحدة وألغت بقية الطبقات. ليس هناك خلاف بشأن حقيقة أن ثورات الربيع العربي لم تقم بها طبقة اجتماعية تحمل مشروعا اقتصاديا واجتماعيا ثقافيا، ولهذا فهي ليست ثورات اجتماعية وثقافية، بل هي في نظرنا انتفاضات تاريخية .)5(تحولت إلى ثورات سياسية في الوقت عينه، نجد أن حراكات الربيع العربي قد حظيت بالاعتراف بها من قبل شخصيات مرموقة دوليا، كالأخصائي الأمريكي الرائد في مجال علم الاجتماع الكلي مؤسسي علم الديناميات التاريخية الذي يقول: « الأنظمة الشخصانية الفاسدة، واستبعاد النخب، وفقدان الولاء العسكري، واستياء السكان بسبب المشاكل المالية والاقتصادية وضغط العوامل الديموغرافية. في كل مكان، اتحد تحالف عريض من القوى المعارضة حول مسألة الظلم: فالفئات الحاكمة التي لا تشبع تسيء معاملة شعوبها التي تعاني صيحات الموضة واحدة وسوريا، وحدات الجيش التي بقيت موالية بسبب القربى القبلية والدينية من النظام دافعت عن السلطة، ولكن لم يكن لديها موارد كبيرة. في ليبيا، سمح تدخل الناتو للمتمردين بهزيمة القذافي في غضون بضعة أشهر. لكن في سوريا، كان التدخل الأجنبي إلى جانب نظام الأسد، والذي سمح له بمواصلة القتال. وبالتالي، فإن أسباب هذه الثورات ومساراتها متشابهة مع بعضها البعض، وتتبع الأنماط التي لوحظت في الثورات عبر . )6(التاريخ واقعيا يمكن القول إن تسميات “انتفاضات، احتجاجات، تمردات، وما يشبهها...” ليست خاطئة عندما تطلق على حركات الربيع العربي، ولكنها صحيحة جزئيا، إلا أنها مع ذلك أقل منطقيا وقيميا من المستوى الذي تستحق هذه الحراكات أن تسمى به، فهي “ثورات”، هي ثورات حقيقية كما سنبين لاحقا، ولكنها ثورات : 24/1/2013- صالح السنوسي، الربيع العربي بين الثورة والانتفاضة، الجزيرة نت،5 /الربيع-العربي-بين-الثورة-والانتفاضة24/1/ .، ص2015- جاك غولدستون، الثورة، مقدمة قصيرة جدا، الترجمة الروسية، دار نشر معهد أبحاث غايدار، موسكو-روسيا،6 )Голдстоун, Джек. Революции. Очень краткое введение. — М.: Издательство Института Гайдара, 2015(
عدد الصفحات ٦7 تتداخل فيها عناصر الثورة مع الانتفاضة والانفجار والتمرد، والقول بهذا التداخل له أسبابه الموضوعية من ناحية، كما أنه له أسبابه المفاهيمية من ناحية ثانية. من الناحية المفاهيمية لا يمكن وضع حدود فاصلة واضحة بين أنواع الحراكات الجماهيرية، كما أنه لا يمكن قطعا وضع تعريف محدد قاطع للثورة، فالثورات وإن تشابهت في خطوطها العامة، فهي تختلف كثيرا في خصوصياتها وتفاصيلها الخاصة، ولذلك قدم المفكرون وعلماء الاجتماع تعاريف مختلفة للثورات وأشكالها وأسبابها، فعلى سبيل المثال، ورغم أن “الموسوعة الروسية الكبيرة” تعرّف الثورة بأنها “في العلوم الاجتماعية هي تغيير حاد في البنية الاجتماعية أو السياسية، يتم عادة عن طريق العنف” فهي تضيف 7(أن “مشكلة الثورة ومكانتها في التاريخ هي واحدة من أكثر الأمور تعقيدًا وإثارة للجدل في العلوم أما ويكيبيديا الروسية، فتقول تضيف بأنها تغيير جذري ونوعي وعميق، وقفزة في تقدم المجتمع أو الطبيعة أو المعرفة وأنها تختلف عن التطور الذي يحدث بشكل أبطأ وعن الإصلاح الذي يحدث فيه تغيير جزئي في النظام القائم دون التأثير . )8(على أسسه وإذا ما عدنا إلى التاريخ، فسنجد أن أرسطو قد تحدث عن شكلين من الثورات، يتميز أولهما بتغيير .)9(شامل للدستور، فيما يتميز الآخر فقط بتعديل للدستور أما أنواع وأسبابها الثورات، فهي الأخرى تختلف من وجهة نظر إلى أخرى، حيث يقسم العالم الأمريكي ) الثورات إلى: 10(الحديث في الاجتماع والسياسة والتاريخ تشارلز تيلي - الاستيلاء على السلطة من الأعلى إلى الأسفل. - الحرب الأهلية. - الانقلاب. Большая российская 7 )https://bigenc.ru/world_history/text/3502144 - ويكيبيديا الروسية، مدخل الثورة8 https://ru.wikipedia.org/wiki/Революция 9- Wikipedia, Revolution: https://en.wikipedia.org/wiki/Revolution 10- Charles Tilly, ''European Revolutions, 1492-1992, Blackwell Publishing, 1995, ISBN 0-631-19903-9, Google Print, p.16: https://en.wikipedia.org/wiki/Revolution#cite_note-8
عدد الصفحات ٧8 - والثورة العظيمة مثل الثورة الفرنسية والثورة الروسية بينما يصنّف البروفيسور الأمريكي في السياسة مارك كاتز أشكال هي: 1921- الثورة الريفية، كثورة الريف المغربي سنة 1861- الثورة المدينية، ككومونة باريس 1952 -الانقلاب، على سبيل المثال مصر 1958- الثورة من الأعلى، مثل قفزة ماو الكبرى إلى الأمام عام 1945، وألمانيا1944- ثورة من الخارج، مثل غزوات الحلفاء لإيطاليا - الثورة بالتنافذ ووفقا له، فهذه الأصناف قد تكون منفصلة أو قد تجتمع في ثورة واحدة، فقد بدأت الثورة الروسية مثلا- .)11(عام وإذا ما عدنا إلى الويكيبيديا بنسختها الروسية، فسنجدها تتحدث عن ثورات اجتماعية وثورات سياسية )، وتوجز العناصر 12(وثورات تحرر وطني وثورات من الأعلى وثورات مخملية وثورات ملونة وسواها ) بـ: 13(الضرورية لحدوث الثورات وفقا لجاك غولدستون - مشاكل في اقتصاد أو مالية الدولة ما يؤدي إلى زيادة الاستياء والاضطرابات، ولاسيما عند ضعف القدرة على دفع الرواتب للمسؤولين والعسكريين. 11- Mark N Katz, Revolutions and Revolutionary Waves, St Martin’s Press, 1997, p4: https://en.wikipedia.org/wiki/Revolution#cite_note-10 - ويكيبيديا الروسية، الثورة:، الفهم السياسي التاريخي12 :)Википедия,Революция, https://ru.wikipedia.org/wiki/Революция#Историко-политологическое_понимание - جاك غولدستون، المرجع السابق13 https://ru.wikipedia.org/wiki/Революция#cite_note-_e6b1824d3aa4b8f3-3 Goldstone J. Revolution and Rebellion in the Early Modern World. Berkeley, 1991: https://ru.wikipedia.org/wiki/Революция#cite_ref-4
عدد الصفحات ٨9 - احتكار السلطة من قبل جماعة عرقية أو مناطقية أو ما شابه، ما يؤدي إلى صراعات نخبوية على السلطة. - السخط الشعبي العام المؤدي إلى حالة من التعبئة الجماهيرية الثورية. - الإيديولوجيا التي تتوحد فيها آراء ومطالب عامة الناس والنخب، ويمكنها أن تكون إيديولوجيا وطنية أو قومية أو دينية أو سوى ذلك.. - الظروف الدولية المؤاتية، إذ كثير ما يعتمد نجاح الثورة أو فشلها على دعمها أو دعم خصومها من الخارج. وكما نرى، فمفهوم الثورة هو مفهوم واسع، ولذا فمن الممكن أحيانا اعتبار حركة جماهيرية ما ثورة وفقا لمنظور محدد، فيما لا يمكن اعتبارها كذلك وفقا لمنظور آخر. مع ذلك، فيمكننا بشكل عام القول إن الاجتماعية أو السياسية أو الوطنية أو كل أو بعض ذلك معا، تقوم به الجماهير الشعبية أو النخبة المدعومة من قبل هذه الجماهير لتغيير هذه الأوضاع نحو الأفضل، فتصطدم عادة بالسلطة الحاكمة والقوى الداعمة لها، وهم عادة المستفيدون من هذا التردي والمتسببون به، والمريدون له أن يستمر، وقد يبقى هذا الاصطدام سلميا، ويحل بشكل سلمي يتحقق فيه قدر مقبول من التغيير المطلوب، أو يتحول إلى صراع عنيف لا ينتهي غالبا إلا بهزيمة أحد المعسكرين بهذا الشكل يمكن القول إن الثورة بخلاف سواها من الحراكات الاجتماعية هي عادة واسع وعميق. أما الانتفاضة، فهي غالبا ردة فعل احتجاجية تعبر عن الغضب والاستياء ورفض الواقع المتردي دون أن تتطور إلى حالة السعي إلى إلغائه، وكثيرا ما يكون الاحتجاج موجها ضد قضية محددة، وليس ضد الهياكل الاجتماعية السياسية ككل بهدف إحداث تغيير جذري فيها. أما التمرد، فهو عادة ما يكون موجها ضد السلطة الحاكمة، ويكون هدفه عادة التخلص من سلطة سيئة واستبدالها بأخرى، أفضل ولكنه بخلاف الثورة لا يمتلك مشروعه البديل المتمثل بتغيير هذا الواقع، الذي يمضي وفقا لبرنامج متكامل يسير به إلى الأفضل في حالات الثورات الناضجة. فإذا نظرنا إلى حراكات الربيع العربي، فسنجد أنها رغم ما فيها من اختلافات بين بلد وآخر، فهي تشترك بأنها جميعها مساع جادة لتغيير الواقع المتردي ككل والانتقال منه إلى الأفضل. إنها ليس مجرد ردات فعل غاضبة رافضة لهذا الواقع، وليست احتجاجات مرتبطة بمطالب جزئية محددة، ولا هي رغبات خلاص
عدد الصفحات ٩10 تريد استبدال سلطان ظالم جائر بآخر يتصف بالرحمة والعدل، فهذه الحراكات تريد تغيير الأنظمة السياسية الديكتاتورية الفاسدة البالية، واستبدالها بأنظمة ديمقراطية حديثة صالحة للخروج من الواقع المتردي بكليته والموغل في أزمته إلى واقع آخر يتناسب مع عصره وما فيه من تقدم وتطور شاملين، ولكن هذه الحراكات بقيت مساع تغلب عليها العفوية والشعبوية وعدم وجود رؤى واضحة متبلورة وأهداف وآليات محددة بدقة للتغيير والتطوير، ولذا فمن الصائب وصف حراكات الربيع العربي بأنها شعوبيتها هذه يصبح صعبا في كثير من الأحيان التمييز بينها وبين أشكال الحراك الاجتماعي الأخرى، وهذا هو الجانب الموضوعي من أسباب تداخل تواصيف هذه الحراكات. أما أسباب هذه الشعبوية ونتائجها، فسيتم الحديث عنها في سياق الفقرات التالية. 3 )، أما ماركس، فقال14(منذ قديم الزمان قال أرسطو )، فيما قال وودرو ويلسون15(ثورة، وإنما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة يمكن أن تكون هناك ظروف مستقرة تؤدي إلى زيادة الإنتاج وخفض تكلفة المعيشة إذا كان العمال ورأس المال خصوما بدلا من أن يكونوا شركاء. لحل هذه المشكلة العظيمة والملحة يجب تطبيق التفكير السليم والرغبة الصادقة في خدمة مصالح الأمة بأسرها، بدلا من مصالح الطبقة. إن إخفاق الدول الأخرى في النظر في هذه المسألة بطريقة فعالة قد أنتج المرارة والغيرة والعداء، التي تغذي التطرف. إن الطريقة الوحيدة لمنع الرجال من التحريض ضد الظلم هي إزالة المظالم. أما عدم الرغبة حتى في مناقشة هذه الأمور، فلا ينتج عنه سوى عدم الرضا، وهو يعين العناصر المتطرفة في بلدنا التي تسعى إلى إثارة الاضطرابات من أجل استفزاز الحكومات للشروع في مسار الانتقام والقمع. إن بذرة الثورة هي القمع، ويجب ألا يكون العلاج ، بينما يقول جلال أمين )16(لهذه الأشياء سلبيا في طبيعته .17(والوعي بأسباب الظلم هو الذي يصنع الثورة ، ص1، ط2016- جاسم الجبوري، في سبيل ارتقاء الحياة أيها الإنسان، دار خالد اللحياني لنشر والتوزيع، عمان - الأردن،14 https://books.google.com/books?id=5lBTDwAAQBAJ&printsec=frontcover&hl=ar&source=gbs_ge_summary_ r&cad=0#v=onepage&q&f=false 25 / 8 / 2013 - 4195- جواد البشتي، الفقر ووعي الفقر..الطاغية ووعي الطاغية، الحوار المتمدن-العدد15 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=374917&r=0 16- Woodrow Wilson Quotes — Woodrow Wilson, "The seed of revolution is repression": https://www.woodrowwilson.org/blog/2019/1/21/woodrow-wilson-quotes .222، ص2013، القاهرة،117 كتب غوغل https://books.google.com/books?id=HknACQAAQBAJ&printsec=frontcover&hl=ar#v=onepage&q&f=false
عدد الصفحات ١٠11 وإذا ما تأملنا في هذه الأفكار، التي تعكس بدقة حقائق الواقع، ومن أهمها أن الفقر هو أحد أكثر أشكال الظلم وأسباب البؤس حدة وانتشارا، وتتضاعف وطأته عندما يقترن بالقمع، فيمكننا أن نخلص منها مبدئيا إلى نتيجة معممة مفادها أنه للثورة شرطان لازمان هما و بدون وضع ثوري، وعلاوة على ذلك، ليس كل وضع ثوري يؤدي إلى ثورة الثوري له ثلاثة دلائل رئيسة: - أن يستحيل على الطبقة السائدة الاحتفاظ بسيادتها دون أي تغيير؛ أن تنشب أزمة في1« بشكل أو بآخر، أزمة في سياسة الطبقة السائدة، تسفر عن صدع يتدفق منه استياء الطبقة المضطهدة وغضبها. فلكي تتفجر الثورة، لا يكفي عادة أيضا - أن يتفاقم بؤس الطبقات المضطهدة ويشتد شقاؤها أكثر من المألوف.2 - أن يتعاظم كثير للأسباب المشار إليها آنفا، نشاط الجماهير التي تستسلم للنهب بهدوء في زمن3 « بنشاط تاريخي مستقل ودون هذه التغيرات الموضوعية المستقلة، لا عن إرادة هذه الكتل أو الأحزاب أو تلك وحسب، بل عن إرادة هذه الطبقات أو تلك، تستحيل الثورة بوجه عام. ومجموع هذه التغيرات الموضوعية يسمى وضعا ثوريا ويضيف لينين: « آنفا تغيّر ذاتي، وأعني به قدرة الطبقة الثورية على القيام بأعمال ثورية جماهيرية، قوية إلى حد أنها تحطم ، )18((أو تصدّع) الحكم القديم الذي لن وعن هذا المفهوم يقول بدون توفر تستطيع الطبقات الحاكمة 150-149، ص ص2013، دار الساقي بيروت،1- جلبير الأشقر، الشعب يريد..بحث جذري في الانتفاضة العربية، ترجمة عمر الشافعي، ط18
عدد الصفحات ١١12 الجماهير الاجتماعية السياسية. ولكن انتقال الحالة الثورية إلى ثورة يتوقف على تمكن الأحزاب السياسية (أو الحزب) من جعل طبقتها مؤهلة للقيام بتحركات ثورية، جماهيرية ومنظمة ونشيطة، ومن النهوض بالشعب لخوض المعركة الحاسمة المكشوفة مع مضطهديه. وعندما تندلع الثورة، فإن عمق التحولات الاجتماعية وأشكال الأنظمة الاجتماعية الجديدة ومواعيد إقامتها تتوقف على مدى تأثير )19(القوى الاجتماعية الأكثر راديكالية وثورية على هذه العملية بناء على ما تقدم، يمكننا القول إن قيام الثورات مرهون بعوامل موضوعية وعوامل ذاتية. أما العوامل الموضوعية، فتتمثل في الظروف الواقعية المتردية في المجتمع والدولة، فيما تتمثل الظروف الذاتية بقدرة الجماهير الشعبية على فهم هذا الواقع المتردي وأسباب ترديه ودور السلطة الحاكمة وحلفائها في هذا التردي، وكيفية وسبل تغييره، وقدرتها على تنظيم نفسها بالشكل المناسب للقيام بعملية التغيير هذه. فإذا نظرنا إلى الواقع العربي الراهن على ضوء ما تقدم، سنجد بشكل جلي أن الشروط الموضوعية لقيام الثورات متوفرة فيه بما يكفي؛ ففي كل البلدان العربية تتفشى بشكل عام أشكال حادة ومختلفة من التردي المعيشي المتعدد الصعد، والذي غالبا ما يجتمع فيه الفقر والقمع والتخلف، ويسود فيه الظلم والجور، وتستغـَل فيه الشعوب وتضطهد وتهمش، كما تهدر فيه حقوق الإنسان! مليون 40فعلى سبيل المثال، ووفقا لندوة شارك فيها العديد من المعنيين على قناة الميادين، يعاني نحو )، كما 20( مليون إنسان عربي تحت خط الفقر100عربي من الفقر المدقع ونقص التغذية، فيما يعيش أكثر من أن حقوق الإنسان في الميدانين المدني والسياسي ليست قطعا أفضل حالا؛ فالعالم العربي كان حتى اندلاع ثورات الربيع العربي محكوما بنظم قمعية متسلطة، مرضي عنها غربيا؛ لأنها تضمن مصالح الغرب، وعن هذا يقول كينيث روث : 2012العالمي للمنظمة لعام « وشمال أفريقيا بدعم طائفة من المستبدين العرب، طالما هم يدعمون المصالح الغربية ويرعونها.. الغرب ينظر إلى أباطرة ومستبدين العالم العربي وكأنهم ضمانة “الاستقرار المطالب الشعبية. العالم يروّج لحقوق الإنسان كقاعدة عامة، لكن العالم العربي هو الاستثناء في نظر العالم 162، ص1986- المعجم الفلسفي المختصر، ترجمة توفيق سلوم، دار التقدم في موسكو عام19 :2018حزيران22 - الفقر في الوطن العربي، قناة الميادين، برنامج ندوة الأسبوع، إعداد لينا زهر الدين،20 ندوة-الأسبوع
عدد الصفحات ١٢13 ويضيف لاحقا « مصيرها في يدها، إلا أنه ليس بالتحول السهل. شعوب المنطقة - مثل شعوب العالم - تستحق مساندة العالم أثناء سعيها للحصول على حقوقها مع بدء هذه الرحلة التي طال انتظارها. لقد حان وقت سقوط “الاستثناء .)21(العربي من قاعدة المطالبة بحقوق الإنسان للجميع ومع أن ثورات الربيع العربي لا يمكن تصنيفها بشكل حازم كثورات طبقية على غرار الثورة البروليتارية التي يركز عليها الفكر الماركسي، فهي ثورات اجتماعية تدخل وتتداخل فيها عوامل اجتماعية وسياسية متعددة، ولا ترتبط حصريا بنمط علاقات إنتاجية سائدة معيّنة، وتقوم بها طبقات محددة مرتبطة بهذا النمط الإنتاجي الطبقي، فهي ليست ثورات برجوازية ضد الإقطاع، ولا ثورا عمالية ضد الرأسمالية، ما يجعل حراكات الربيع العربي من الناحية الطبقية فضفاضة وغير متبلورة إلى حد كبير، إلا أنها تلتقي مع الثورات الطبقية بأنها ثورات مضطـَهدين ضد المضطهـِدين، وثورات مستغـَلين ضد المستغـٍلين، ويجمعها معها بؤسها المعاشي، الذي يسببه الاستغلال وتخلف الإنتاج والقمع والفساد، وهذا الوضع المعيشي الحقوقي المزري في معظم البلدان العربية، نجد أنه يتوافق تماما مع العامل الثاني من عوامل الوضع الثوري التي يتحدث عنها لينين، وهو العامل المتعلق بتفاقم بؤس الطبقات المضطـَهدة، المذكورة آنفا. أما العامل الأول المتعلق بأزمة الطبقة الحاكمة، وهي في الحالة العربية طبقة سلطوية أكثر منها اقتصادية، بالمفهوم الاقتصادي الحديث، فهي عموما رغم سلطويتها طبقة هشة مترهلة ومتخلفة يتفشى فيها الفساد بدرجة كبيرة، وهي تواجه عالما معاصرا واسع الانفتاح وسريع التطور، ولا يمكنها أن تبقي شعوبها فيه كالجزر المنعزلة المغلقة، وتمنع عنها تأثيرات التقدم والحضارة الحديثين، كما أن هذه الطبقة المتسلطة ..هي بحد ذاتها عبارة عن خليط غير منسجم من عناصر ذات طبائع مختلفة، تلتقي في مصلحة استغلالية تسلطية هي نفسها ذات طبيعة فاسدة، ويشترك فيها كل من الطغمة السياسية ورجال الدين والزعماء الاجتماعيين الرجعيين والاقتصاديين الطفيليين بشكل رئيس، وهؤلاء كلهم ليس بينهم جامع انتاجي مصلحي كالبرجوازية الحديثة أو طبقي هيوي ومصلحي مشترك كالطبقة الإقطاعية، فهذه الطغمة المتسلطة ليست كالملك التقليدي المدعوم بالأرستقراطية والإقطاع، ولا كالبرجوازية التي تجمعها مصلحة مرتبطة بنمط إنتاج وعلاقات إنتاجية تجعل منها شبكة موحدة، أو وحدة اقتصادية اجتماعية، وهذه روابط متينة وقوية، فيما مصدر القوة الرئيس الذي يحفظ سلطة التحالف السلطوي الهش في الحالة العربية هو عادة الجيش، فتبقى سلطة هذا التحالف السلطاني قائمة وقوية، فقط مادام جيشه قويا ومواليا له، وهذه النقطة الهامة سنتحدث عنها لاحقا في فقرة - كينيث روث، حان وقت التخلي عن الطغاة والتمسك بحقوق الإنسان: رد الفعل الدولي على الربيع العربي، هيومن رايتس ووتش: 21 https://www.hrw.org/ar/world-report/2012/country-chapters/259755
عدد الصفحات ١٣14 خاصة. أما العامل الثالث- وفق لينين- فقد تحول أثناء الحراك من حالة الكمون إلى حالة الفعل المتنامي؛ فالجماهير العربية التي كانت تعيش معاناتها بصمت، وتبدو وكأنها مستسلمة لمصيرها البائس، تغير حالها أخيرا، وراحت تلتف حول الطليعة الثورية من جيل الشباب المتمرد على منظومة متخلفة فاسدة قامعة تسلبه حاضره ومستقبله، وهذه الجماهير المنضمة إلى الشباب وصلت أخيرا إلى درجة من وعي سبب معاناتها، المتمثل بهذه المنظومة المتسلطة، وأدركت أنه يحق لها.. بل ويجب عليها أن تتخلص منها، وأنها تستطيع فعل ذلك، وقد وجدت ثورات الربيع العربي في بعضها البعض الرافعة المعنوية والوعيوية والقدوة، فتونس أيقظت وشجعت مصر، وكلتاهما معا عممتا اليقظة والجرأة الثوريتين على الساحة العربية، ومما لا شك فيه، أن ثورة الاتصالات المعاصرة لعبت دورا هاما في هذه العملية، سواء على مستوى التوعية، أو التنظيم أو التشجيع. لكن ماذا عن العوامل الذاتية؟ هنا لا بد من وقفة متروية، ومتعمقة وحذرة، في التعامل مع هذا السؤال، الذي يمكن الجواب عنه مبدئيا بالإيجاب، فلولا توفر قدر معين من العوامل الذاتية لما أمكن لأية حركة -أو ثورة- من الربيع العربي أن تقوم. لكن هل كان هذا القدر كافيا لإنتاج عملية تغيير ثوري ناضجة متبلورة متكاملة؟! واقعيا.. الجواب هنا سيكون بالنفي، فالشعوب العربية التي تحركت في الربيع العربي توفر لديها فعليا قدر كاف من الإحساس بالظلم القائم، والوعي بأسباب هذا الظلم ودور الحاكم المستبد وبطانته وحلفائه الفاسدين فيه، ولكن هذا الوعي لم يكن شاملا ولا عميقا، وبقي وعيا عفويا فأنتج بدوره حراكا عفويا، وبذلك عانى هذا الحراك من نقص خطير على مستواه الذاتي، فلم يمتلك ما يكفي من وضوح أسباب المشكلة وجلاء رؤية الحل ودقة تحديد الهدف وكفاءة تنظيم الجهود الثورية وتوحيد صفوفها للمضي نحو هذا الهدف، ما أدى في المحصلة إلى تشوّش وتسطّح الرؤية، وتبعثر وتشتّت الجهود الثورية أو تسطحها أو توجهها في اتجاهات عقيمة أو هدامة. بالطبع أسباب كل هذا، نجدها في الواقع الموضوعي الذي قامت فيه حركات الربيع العربي نفسه، حيث لعب هذا الواقع دوره الجوهري في إنتاج الحالة الثورية في خطوطها العريضة، ولكنه عاد فانعكس عليها سلبا على مستواها الذاتي، فأفقده العديد من التفاصيل الجوهرية اللازمة لاستكمال العملية الثورية؛ فالجماهير العربية التي تحركت وقامت ضد حكامها بسبب الجور والفساد السائدين، تمحورت لديها رؤية الخلاص من هذين الجور والفساد على الخلاص من أنظمة التسلط السياسية القائمة، فعدا أنها في تركيزها
عدد الصفحات ١٤15 على هذه النقطة، أغفلت أهمية دور ومدى سوء الأوضاع الاقتصادية في بلدانها، فهي أيضا لم تتعدَ ما تقدم بشكل فاعل إلى رؤية تغييرية شاملة لمجمل البنية الاجتماعية السياسية بكل ما فيها من عوامل التخلف والرثاثة والفساد، ولاسيما على مستوى موروثها الثقافي وتقاليدها الاجتماعية ورجعيتها الدينية، وعدا عن ذلك فهذه الجماهير الثائرة عفويا كانت تفتقد إلى القيادة المنظمة التي تعبئها وتوجهها بالشكل المطلوب لإتمام العملية الثورية والوصول إلى الغاية المطلوبة، التي لم تكن هي بحد ذاتها أيضا واضحة، فهذه الجماهير التي كانت تريد نظاما أفضل أو دولة أفضل، كانت تراهما كذلك بخطوطهما الشديدة العمومية، ولم تمتلك أية رؤية دقيقة المعالم لهما، فبقيا في تصوراتها فضفاضين وهلاميين وتأرجحا كثيرا بين الديمقراطية والمدنية والإسلامية وسواها.. وبالطبع هذه الوضعية الفقيرة ذاتيا التي وجدت ثورات الربيع العربي فيها نفسها، هي بشكل رئيس ثمار اشتركت في انتاجها الديكتاتوريات القائمة والموروث التاريخي البالي والتدخلات الأجنبية، فهذه الديكتاتوريات التي تحالفت فيها السلطات السياسية والدينية والاجتماعية التقليدية والقوى الاقتصادية الطفيلية وأصحاب المصالح الانتهازية، وسواها من القوى المستغِلة والمكرِّسة لثقافة التخلف الموروثة منذ انهيار الحضارة العربية الإسلامية.. والمترسخة في مرحلة الاحتلالين العثماني والغربي، منعت-أي الديكتاتوريات وحلفائها- انتشار الثقافة العقلانية العلمية الحديثة، كما منعت معها كل أشكال التعبير الجماهيري الحديث المتمثلة بالتنظيم في أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني، ولم تترك لشعوبها سوى البنى التقليدية المتمثلة بالطائفة والقبيلة والملة، وليس هذا فحسب، بل رسخت هذه البنى واستغلتها. أما ما تبقى من بني سياسية أو مدنية حديثة، فقد أقصيت إلى الهوامش بفعل القمع والملاحقة من ناحية، وبفعل عدم تمكنها هي نفسها من مواكبة تطورات العالم الحديث المتسارعة، فبقايا الأحزاب السياسية التقليدية مثلا، جلها أحزاب قومية أو يسارية أو دينية، واليساري والقومي فيها ليس بأقل أصولية وسلفية من الإسلامي، ومعظمها يعتمد في تفكيره على أساليب متقادمة، قد تجاوزها إلى حد كبير العالم الحديث، هذا عدا عما كان في هذه الأساليب نفسها عند نشأتها من إيمانية وعاطفية وتقليد اتباعي للعالم المتقدم، وبهذا الشكل فقدت هذه الأحزاب جماهيريتها وأدوارها الجماهيرية. وهكذا افتقرت حركات الربيع العربي إلى الثقافة والتنظيم الثوريين الكافيين، فلم تنتج حالة ثورية صلبة يمكن مقارنتها مثلا بالثورة الروسية أو الثورة الصينية.. اللتين امتلكتا درجات عالية من ثقافة التغيير المتبلورة وتعبئة التغيير المنظمة، وكانت تقودهما أحزاب طبقية عالية التنظيم، تستند على فلسفة ثورية عالمية حديثة وتقف وراءها طبقات كادحة متماسكة، وهذا ما أمنته التنظيمات الشيوعية المستندة إلى الفكر الماركسي، أو كالثورة الفرنسية التي كانت تقودها طبقة جديدة ناضجة أيضا هي الطبقة البرجوازية التي استندت أيضا على
عدد الصفحات ١٥16 المنجزات الفكرية والعلمية الحديثة لعصر التنوير، وكانت تنتمي إلى حالة نهوض اجتماعي عام في المجتمع الفرنسي دخلها عموما في تنتميان في بلديهما إلى دينامية تقدم اجتماعي عامة، فيما تركّز ما تمتلكه الشعوب العربية من عوامل التغيير على الإحساس العام بضرورة التغيير والرغبة فيه بشكل عفوي، في محيط تحكمه ديكتاتوريات شرسة وتنشر فيه ثقافة دينية متضخمة متطرفة لديها الكم الكبير من المفرزات التعبيرية المنظمة الناشطة المتمثلة بحركات وتنظيمات الإسلام السياسي.. وتتسلط عليه قوى خارجية إقليمية ودولية خبيثة المطامع وشديدة السطوة وكبيرة القدرة على صنع الحدث أو استغلاله ودفعه في المسارات التي تخدم أغراضها. 4 على الرغم من عفوية الحراكات الجماهيرية في بلدان الربيع العربي، فسرعان ما رجحت كفة الإسلام السياسي فيها، ليصبح بامتياز القوة الأكبر والأكثر تأثيرا فيها، وهذا ليس غريبا على وضع كالوضع الذي تتخبط فيه المنطقة العربية، التي فشلت فيها كل المشاريع المدنية التقدمية كالدولة الوطنية والوحدة القومية والاشتراكية، ولم يكن لليبرالية فيه حضور يذكر، هذا إضافة إلى الهزائم والنكبات والنكسات والخيبات ، واحتلال العراق للكويت، 82 إلى هزيمتي الـ48المتكررة والتناحرات العربية العربية، من نكبة الـ واحتلال أمريكا للعراق، وهلم جرّا، ويضاف إلى ذلك أيضا، وقوع كافة البلدان العربية تحت سيطرة أنظمة متسلطة تجمع بين الاستبداد والفساد والإفقار والتخلف والتبعية للخارج، ما يجعل في المحصلة الدين ملجأ وخلاصا يهرب إليه (المواطن) المحبط من بؤس واقعه الشامل بحثا عن تعويض أو بديل دنيوي أو آخروي، وبنفس الوقت قامت الأنظمة الحاكمة المتسلطة بالتحالف مع المؤسسة الدينية التقليدية، التي تهيمن عليها بدورها الغيبية والسلفية، فمكنت هذه الأنظمة المؤسسات الدينية من نشر وترسيخ خطابها الغيبي اللاعقلاني المتشدد، ومع إفلاس بقية البدائل الثقافية والسياسية التي فشلت في تحقيق مشاريعها الخاصة، والذي ضاعف سوءه وحدته قمع نشاطات هذه البدائل ومطاردتها من قبل الديكتاتوريات الحاكمة، ومع تفشي القمع والقهر والفقر الذي تمارسه هذه الديكتاتوريات، وبوجود قوى دينية رجعية ناشطة ترتكز على موروث تاريخي متردي وتحظى بدعم وتأييد السلطات الحاكمة المتسلطة، انتشرت وهيمنت ثقافة دينية لاعقلانية متشددة، ونما فيها التطرف والتعصب. وعندما وصلت حالة التردي الاجتماعي إلى نقطتها الحرجة، وانطلقت ثورات الربيع العربي، لم يكن في بلدان هذا الربيع أية قوى مدنية أو سياسية حديثة يمكن لها أن تلعب دور الناظم أو الموجه أو الموحد للجماهير المتحركة، فاستغل الإسلام السياسي غياب الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمعات المدني التي
عدد الصفحات ١٦