المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 03

علي محمد الصلابي

صفحة ٩ من ٢١

ففعل ذلك مراراً609])«سميَّة» الشَّهيدة التي قتلها أبو جهل ، فأطلق قدميه نحو بيت أخته أميِّ سلمة ، فأخذ ابنةَ أختِّه ليسترضعها في بيتـه ، أو عنـد أحد النيِّسـاء ، فجـاء رسول الله (ص) فقال: «أين زنب؟ »، فقالت قريبة ابن أبي أميَّة ـ ووافقها عندها610])«إني اتيكم اللَّيلة» قالت أمُّ سلمة: فقمتُ، فوضعتُ ثِّفَا 611]) وأخرجتُ شحماً ، فعصدته ، ثمَّ بات ، ثمَّ أصبح ، وقال حين أصبح «إنَّ بك على أهلك612 ]) كرامةً ، فإن شئت؛ سبَّعت613])1460/41 و43 ) ، وأبو داود2122]) »قالت: ثـَليِّثْ614]) أيام عند أميِّ سلمة ، ثمَّ قال (ص «للبكر سبعٌ ، وللثَّيب ثلاثٌ»[1460/42]) المدَّة هي مدة إقامة المتزويِّج عند زوجته إذا كان عنده غيرها. أقام (ص) عند أميِّ سلمة رضي الله عنها ثلاثة أيام سعيدةً ، ثمَّ رتَّب لها يوماً كبقيَّة زوجاته. 5 ـ تغيير اسم بـَرَّة بنت أبي سلمة تقول تلك الطيِّفلةُ اليتيمة رضي الله عنها: إن النب (ص) دخل على أم سلمة حين تزوجها واسمي بـَرَّة ، فسمعها تدعوني بـَرَّة ، فقال: «لا تزكُّوا أنفسكم؛ فإنَّ الله هو أعلم بالبـَرَّة منكنَّ ، والفاجرة ، سميِّيها زينب»، فقالت أمُّ سلمة: فهي زينب2142/19) ، والبخاري في الأدب المفرد ( 821.]) وهذا من هدي النَّبيِّ (ص) ، فقد كان يَبُّ الأسماء الجميلة ، ولم يكن (ص) يغيريِّ أسماء الأطفال فقط ، بل كان للريِّجال ، والنيِّساء ، والعجائز نصيبٌ من ذلك الذَّوق النَّبوييِّ الرَّفيع ، فقد ذُكِّرَ عند رسول الله (ص) رجلٌ يقال له: شِّهَاب ، فقال رسول الله (ص) : «بل أنت هشام»[ المفرد 825) ، وأحمد6/75) ، ومجمع الزوائد8/51.]) وكان (ص) إذا أتاه الرَّجل ، وله اسم لا يَبُّه؛ حوَّله17/119) ، ومجمع الزوائد ( 8/51]) عائشة رضي الله عنها تحديِّثنا؛ حيث تقول: جاءت عجوزٌ إلى النَّبيِّ (ص) وهو عندي ، فقال لها رسول الله (ص) : «من أنت؟»قالت: جَثَّامة الْمُزَنِّيَّة

عدد الصفحات ١٣٠

فقال«بل أنت حَسَّانة المزنيَّة! كيف أنتم؟ كيف حالُكم؟ كيف كنتم بعدن؟»قالت: بخير ، بأبي أنت وأميِّي يا رسول الله! فقُريِّب إليه لحمٌ ، فجعل يناولها ، فقلتُ: يا رسولَ الله! لا تغمر يدك. فلمَّا خَرَجَتْ قلتْ: يا رسول الله! تـُقْبِّلُ على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: «إنََّّا كانت تأتينا زَمَن خديجة ، وإنَّ حُسْنَ العهد من الإيمان»[9122) ، والحاكم1/16) ، والألباني في الصحيحة216.]) 6 ـ الحكمة في زواج أميِّ سلمة والحكمة في هذا الزَّواج ـ كما يقول صاحب تفسير المنار ـ: ليس لأجل التَّمتُّع المباح له؛ وإنمَّا كان لفضلها؛ الذي يعرفه المتأميِّل بجودة رأيها يوم الحديبية ، ولتعزيتها ـ أي: بوفاة زوجها615]) ننسى كذلك: أنَّ أم سلمة من بني مخزوم أعزيِّ بطون قريشٍ ، وهي الَّتي ك انت تحمل لواء الحرب والمواجهة ضدَّ رسول الله (ص) ، ووراء هذا الزَّواج تفتيت حقد هذه القبيلة ، وتقريب قلوب أبنائها ، وتوطئةٌ ، وتحبُّبٌ إليهم ليدخلوا في الإسلام بعد أن صاروا أصهارَ رسول الله (ص 616. ]) وفي هذا الزَّواج فقه النَّبيِّ (ص) في البناء الدَّاخلييِّ للأمَّة ، وتأدية حقيِّ الشُّهداء في زوجاتهنَّ ، وحقُّ هؤلاء الزَّوجات من أن يـَنـْهَلْنَ من نور النُّبوَّة ما يشاء الله أن ينهلْنَ لكي يـُبـَليِّغْنَ عن رسول [الله617.]) وكانت أمُّ سلمة اخرَ مَنْ مات من أمَّهات المؤمنين ، وكانت وفاتهُا سنةَ إحدى وستين ، وقد رَوَتْ عن رسول الله أحاديث ، يبلغ مسندها ثلاثمئة وثمانية وثمانين حديثاً؛ واتَّفق البخاريُّ ، ومسلمٌ على ثلاثة عشرة ، وانفرد البخاريُّ بثلاثةٍ ، ومسلمٌ بثلاثة عشر618]) رسول الله (ص) ، وبموتها انطفأ اخر مصباحٍ من مصابيح أمَّهات المؤمنين طالما شَعَّ النُّورَ ، والهُدى ، والعلم؛ فرضي الله عنها ، وأرضاها 619.]) ثالثاً: مولد الحسن بن علييٍ رضي الله عنهما قال الإمام القرطبُّ ـ رحمه الله ـ: وُلد الحسنُ في شعبان من السَّنة الرَّابعة ، وعلى هذا ولد الحسين قبل تمام السَّنة من ولادة الحسن ، ويؤييِّده ما ذكره الواقديُّ: أنَّ فاطمة علقَتْ بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلةً ، وجزم النَّواويُّ في التَّهذيب أنَّ الحسن وُلِّد لخمسٍ خلونَ من شعبان سنة أربعٍ من الهجرة 620.])

عدد الصفحات ١٣١

يقول عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: لمَّا ولد الحسن سمَّيـْتُ ه حرباً ، فجاء رسولُ الله (ص) فقال: أروني ابني! ما سمَّيتموه؟ قلت: حرباً! قال (ص) : بل هو حسنٌ1/98 و118) ، وابن حبان (6958) ، والبخاري في الأدب المفرد 823) ، والطبراني في الكب2773) ، والحاكم3/180 ) ، والبزار 1997) ، ومجمع الزوائد8/52.]) وهكذا غيرَّ (ص) ذلك الاسمَ الحادَّ باسمٍ جميلٍ ، يُدخل السُّرور ، والفرحة على القلوب. فحمل المولودُ الجديدُ اسمه الجميلَ ، وحمله (ص) بين يديه ، وقـَبـَّلَه ، وهذا أبو رافع يخبرن عن فعل رسول الله (ص) ؛ يقول: رأيتُ النَّبَّ (ص) أذَّن في أُذُنيَِّ الحسن ـ حين و لدته فاطمةُ ـ بالصَّلاة (6/9 و392) ، وأبو داود5105) ، والترمذي1514.]) وحدَّثنا أبو رافع عن عقيقة الحسن ، فقال: لما وَلَدَتْ فاطمةُ حسناً؛ قالت: ألا أعق 621]) بدمٍ (بكبشين)؟ قال (ص «لا ، ولكن احلقي رأسه ، وتصدَّقي بوزن شعره من فضَّةٍ على المساكين ، والأوفاض»وكان الأوفاض نساً من أصحاب رسول الله (ص) محتاج المسجد ، أو الصُّفة. ففعلتُ ذلك 390 و391.]) وأحبَّ (ص) أن يقديِّم عقيقة الحسن ، فعقَّ عنه كبش 7/166([])622.]) وقد قال (ص) في العقيقة«كلُّ غلامٍ مرتـَهَنٌ بعقيقته؛ يُذبح عنه يوم سابعه ، ويَُْلَقُ رأسُه ، ويُسَمَّى» [5/7 و8 و12 و17 و22) ، وأبو داود 2837 و2838) ، والترمذي 1522) ، والنسائي (7/166) ، وابن ماجه3165.]) رابعاً: زيد بن ثابت رضي الله عنه يتعلم لغة اليهود سنة4هـ وفي هذه السَّنة تعلَّم زيدُ بن ثابت كتابة اليهود ، فعن خارجةَ بن زيد بن ثابتٍ عن زيد بن ثابتٍ: أنَّ رسول الله (ص) أمره أن يتعلَّم كتابَ اليهود؛ ليقرأه للنَّبيِّ (ص) إذا كتبوا إليه 7195]) فتعلَّمه في خُسة عشرَ يوماً ، وفي روايةٍ أخرى: أنَّ رسول الله (ص) لمَّا قدم المدين ة ، ذُهب بزيد إلى رسول الله (ص) ، وقالوا: يا رسولَ الله ، هذا غلامٌ من بني النَّجار ، معه ممَّا أنزل اللهُ عليك بضعَ عشرةَ سورةً ، فأعْجبَ ذلك رسولَ الله (ص) ، وقال: «يا زيد! تعلَّمْ لي كتاب يهود ، فإنييِّ والله ما امن يهود على كتاب »قال زيد: فتعلَّمت له كتابهَم ، ما مرَّت خُس عشرة ليلةً حتَّ حذقـْتُه ، وكنت أقرأ له كتبهم؛ إذا كتبوا إليه ، وأجيب عنه إذا كتب 5/186) ، وأبو داود3645) ، والترمذي (2715([])623.])

عدد الصفحات ١٣٢

وبهذا الخبر يتَّضح: أنَّ للتريجمان مكانةٌ رفيعةُ في الدَّولة؛ إذ هو الَّذي يَطَّلع على أسرار الدَّولة وما يأتيها من مراسلاتٍ ، أو ما ترسله من مخُاطباتٍ؛ إذ لا يصحُّ أن يطَّلع كلُّ إنسان على تلك الكتب الصَّادرة ، والواردة؛ لئلا تختلَّ الدَّولة ، وتُكشَفَ أسرارُها؛ ولذلك أمر النَّبُّ (ص) زيدَ بن ثابت أن يتعلَّم لغة اليهود624.]) وتـَعَلُّمُ زيد بنبت لغة يهود في خُسة عشر يوماً يدلُّ على ذكاءٍ مُفْرِّطٍ ، وقوَّةِّ حافظةٍ ، وقد كان رضي الله عنه ممَّن حفظ القران كلَّه على عهد رسول الله (ص) ، ومن أشهر كُتَّاب الوحي بين يديه ، وهو الَّذي تولىَّ كتابة القران وحده في الصُّحف في عهد الصيِّديِّيق ، وكان أحدَ كا تب المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه ، وأمْرُ رسولِّ الله (ص) زيداً بتعلُّم لغة اليهود ، وكتابتهم يدلُّ على أنَّ الإسلام يَبيِّب إلى المسلم أن يتعلم لغة غيره وكتابتهم ، ويتعرَّف على علومهم ، ومعارفهم؛ ولا سيَّما إذا دعت لذلك ضرورةٌ625.]) * * * المبحث الثَّالث إجلاء يهود بني النَّض 626]) أصابَ يهودَ المدينة الخوفُ ، والرُّعبُ طيلةَ الفترة الَّتي تفصلُ بين مقتل كعب بن الأشرف ، وبين معركة أُحدٍ؛ الَّتي جرت في شوال عام (3 هـ)؛ ولكن الهزيمة الَّتي حَلَّتْ بالمسلمين في تلك المعركة أحيت نفوس المشركين والمنافقين الأمل مِّنْ جديدٍ بتحقيق مطامعهم ، وأغراضهم ، وأزالت من قلوب اليهود الهَلَعَ627]) ، وبذلك لم يَدُمْ خوفُ اليهود طويلاً ، وعادوا إلى أساليب الدَّسيِّ ، والمكر ، والخداع ، وشرعوا في حشد حصونَّم بالسيِّلاح ، والعتاد للانقضاض على المسلمين ، ودولتهم ، ثمَّ صمَّموا على قتل النَّبيِّ (ص) ، والغدر به628.]) أولاً: تاريخ الغزوة وأسبابها

عدد الصفحات ١٣٣

أ ـ تاريخ الغزوة يرى المحقيِّقون من المؤريِّخين: أنَّ غزوة بني النَّضير ، كانت بعد أُحدٍ في ربيع الأوَّل من السَّنة الرَّابعة من الهجرة ، وقد ردَّ ابنُ القييِّم على من زعم: أنَّ غزوة بني النَّضير كانت بعد بدرٍ بستة أشهرٍ تعليقاً (7/418])«وزعم محمَّد بن شهاب الزُّهريُّ: أن غزوة بني النَّضير كانت بعد بدرٍ بستة أشهرٍ ، وهذا وَهْ مٌ منه ، أو غلطٌ عليه ، بل الَّذي لا شكَّ فيه: أنََّّا بعد أُحدٍ ، والَّذي كانت بعد بدر بستة أشهرٍ هي غزوة بني قينقاع ، وقريظة بعد الخندق ، وخيبر بعد الحديبية[»629.]) وقال ابن العربييِّ: والصَّحيح أنََّّا بعد أُحد 630])631.]) ب ـ أسباب الغزوة هناك مجموعةٌ من الأسباب حملت النَّبَّ (ص) على غزو بني النَّضير ، وإجلائهم؛ من أهها: 1 ـ نَقضُ بني النَّضير عهودَهم؛ الَّتي تحتيِّم عليهم ألا يؤووا عدوياً للمسلمين ولم يكتفوا بهذا النَّقض؛ بل أرشدوا الأعداء إلى مواطن الضَّعف في المدينة. وقد حصل ذلك في غزوة السَّويق632]) غزوة بدرٍ ـ نذراً؛ ألا يمسَّ رأسَه ماءٌ من جنابة حتََّّ يغزوَ المدينة ، فلمَّا خرج في مئتي راكبٍ قاصداً المدينة؛ قام سيد بني النَّضير سلاَّم بن مِّشْكَم بالوقوف معه ، و ضيافته ، وأبطن له خبر النَّاسِّ ، ولم تكن مخابرات المدينة غافلةً عن ذلك633.]) قال موسى بن عقبة ـ صاحب المغازي ـ «كانت بنو النَّضير قد دسُّوا إلى قريشٍ ، وحضُّوهم على قتال رسول الله (ص) ، ودلُّوهم على العورة[»634.]) 2 ـ محاولة اغتيال النَّبيِّ (ص خرج ا لنَّبُّ (ص) في نفر من أصحابه عن طريق قُباء إلى ديار بني النَّضير ، يستعينهم في دية القتيلين العامريَّين اللَّذين ذهبا ضحيةَ جهل عمرو بن أميَّة الضَّمري بجوار رسول الله (ص) لهما ، وذلك تنفيذاً للعهد الذي كان بين النَّبيِّ (ص) وبين بني النَّضير حول أداء الديِّ يات ، وإقراراً لما كان يقوم بين بني النَّضير وبين بني عامر من عقودٍ ، وأحلاف. استقبل بنو النَّضير النَّبَّ (ص) بكثيرٍ من البشاشة ، والكياسة ، ثمَّ خلا بعضهم إلى بعضٍ يتشاورون في قتله ، والغدر به ، ويبدو أنََّّم اتَّفقوا على إلقاء صخرةٍ عليه (ص) من فوق جدارٍ كان يجلس بالقرب منه ، ولكنَّ الرسول (ص) ـ الَّذي كان برعاية الله وحفظه ـ أدرك مقاصد بني النَّضير؛ إذ جاءه الخبر من

عدد الصفحات ١٣٤

السَّماء بما عزموا عليه مِّنْ شَريٍ ، فنهض ، وانطلق بسرعةٍ إلى المدينة ، ثمَّ تبعه أصحابه بعد قليلٍ635.]) لم تكن مؤامرةُ بني النَّضير؛ الَّتي أفشلها الله ـ سبحانه وتعالى ـ تستهدف شخص النَّبيِّ (ص) فحسب؛ بل كانت تستهـدف كذلك دولة المدينـة ، والدَّعوة الإسلاميَّـة برُمَّتها ، لذا صمَّم محمَّد (ص) على محاربة بني النَّضير؛ الَّذين نقضوا العهد ، والمواثيق معه ، وأمر أصحابه بالتَّهيُّؤ لقتالهم ، والسَّير إليهم636.]) هذه الأسباب وغيرها أدَّت إلى غزوة بني النَّضير ، وقد ذكَّر القران الكريم المؤمنين بهذه النيِّعمة الجليلة ، وكيف نجى اللهُ نبيَّه (ص) من مكر يهود بني النَّضير قال تعا عَلَيْ كُمْ إِّذْ هَمَّ قـَوْمٌ أَنْ يـَبْسُطُوا إِّلَيْكُمْ أَيْدِّيـَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِّيـَهُمْ عَنْكُمْ وَاتـَّقُوا الِلََّّ وَعَلَى الِلَِّّّ فـَلْيـَتـَوَكَّلِّ الْمُؤْمِّنُونَ }*[11.] وقد أورد المفسيِّرون في سبب نزول هذه الاية الكريمة رواياتٍ؛ منها أخرج الطَّبريُّ عن أبي زيادٍ قال: جاء رسولُ الله (ص) بني النَّضير ليستعينهم في عقل 637]) ، ومعه أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، فقال: أعينوني في عقل أصابني ، فقالوا: نعم يا أبا القاسم! قد ان لك أن تأتينا ، وتسألنا حاجةً ، اجلس حتََّّ نطعمك ، ونعطيك الَّذي تسألنا ، فجلس ر سول الله (ص) ، وأصحابه ينتظرون ، وجاء رأسُ القوم ، وهو الَّذي قال لرسول الله (ص) ما قال ، فقال لأصحابه: لا ترون أقرب منه الان ، اطرحوا عليه حجارةً ، فاقتلوه ، ولا ترون شراً أبداً. فجاؤوا إلى رحى لهم عظيمةٍ؛ ليطرحوها عليه ، فأمسك الله عنها أيديهم حتَّ جاء جبر يل عليه السلام فأقامه مِّنْ ثمََّ ، فأنزل الله ـ عز وجل ـ: فأخبر الله نبيَّهكُمْ إِّذْ هَمَّ قـَوْمٌ أَنْ يـَبْسُطُوا إِّلَيْكُمْ أَيْدِّيـَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِّيـَهُمْ عَنْكُمْ وَاتـَّقُوا الِلََّّ وَعَ لَى الِلَِّّّ فـَلْيـَتـَوَكَّلِّ الْمُؤْمِّنُونَ به6/144 ـ145.]) وذكر محمَّد بن إسحاق ومجاهد، وعكرمة، وغير واحدٍ638]) أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله (ص) الرَّحَى، لمَّا جاءهم يستعينهم في دية العامريَّين ، ووكَّلوا عمرو بن جِّحاش بذلك: إن جلس النَّبُّ (ص) تحت الجدار، واجتمعوا عنده؛ أن يلقي الرَّحى مِّنْ فوقه، فأطلع الله النَّبَّ (ص) على ما تماروا عليه، فرجع إلى المدينة، وتبعه أصحابه ، فأنزل الله في ذلك هذه الاية639.])

عدد الصفحات ١٣٥

وقد رجَّح ابن جرير أن تكون الاية قد نزلت بسبب ما أضمره بنو النَّضير من كيدٍ ، وسوءٍ للنَّبيِّ (ص) ، وأصحابه ، فقال: «وأولى الأقوال بالصيِّحَّة في تأويل ذلك قول مَنْ قال: عنى اللهُ بالنيِّعمة الَّتي ذكر في هذه الاية نعمته على المؤمنين به ورسوله الَّتي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيَّهم (ص) ممَّا كانت يهود بني النَّضير هَّت به مِّنْ قتله ، وقتل مَنْ معه يوم سار إليهم في الديِّيَة الَّتي تحمَّلها عن قتيلي عمرو بن أميَّة. وإنمَّا قلنا: أولى بالصيِّحَّة في تأويل ذلك؛ لأنَّ الله عقَّب ذلك برمي اليهود بسوء صنائعها ، وقبيح فِّعَالها ، وخيانتها ربهَّا ، وأنبياءها[»640.]) وقد وافق الدُّكتور محمد ال عابد ترجيح الطَّبرييِّ ، وقال: لا مانع أن تكون الاية الكريمة نزلت بعد تلك الحوادث مجتمعةً ، فقد تعدَّدت الحوادث ، والمنزل واحدٌ كما قال العلماء641.]) ومعنى الايـة الكريمة: أي: اذكروا نعمـةالله عليكم ، الَّتي من أكبـر مظاهرها كفُّه عنكم أيدي اليهود ؛ الَّذين هُّوا أن يمدُّوا أيديهم بالسُّوء إلى نبييِّكم ، وشارَفُوا أن ينفيِّذوا مؤامرتهم الخبيثـة ، ولكنَّ الله أحبـط مكرَهم ، ونـجَّى نبيَّـكم (ص) من شرورهم. ثمَّ أمر ـ سبحانه ـ بتقواه والتوكُّل عليه ، فقال تعا أي: اتقوا الله ـ أيُّها المؤمنون ـ في رعاية حقوق نعمته ، ولا تخُلُّوا بشكرها ، فقد أراكم قدرته ، وتوكَّلوا عليه وحدَه ، فقد أراكم عنايته بكم ، وعلى الله وحدَه فليتوكَّ ل المؤمنون642.]) ثانياً: إنذار بني النَّضير بالجلاء وحصارهم أ ـ إنذار بني النَّضير: سجَّلت معظمُ كتب السيِّيرة النَّبويَّة ، خبرَ إنذار النَّبيِّ (ص) لبني النَّضير بالجلاء خلال عشرة أيام ، وقد أرسل (ص) محمَّدَ بن مسلمة رضي الله عنه إليهم ، وقال له: اذهبْ إلى يهود بني النَّضير ، وقل لهم: إنَّ رسولَ الله (ص) أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي؛ لقد نقضتُم العهد الَّذي جعلت لكم ممَّا همتم به من الغدْر ، وقد أجَّلتُكم عشراً ، فمن رُئي بعدُ منكم ضربتُ عنقَه 643]) سوى أن قالوا لمحمَّد بن مسلمة: يا محمد! ما كنَّا نظن أن يجيئنا بهذا رجلٌ من الأوس! فقال محمَّد: تغيرَّت القلوب ، ومحا الإسلامُ العهود. فقالوا: نتحمَّل؛ فمكثوا أياماً يُعِّدُّون العدَّة للرَّحيل 644.]) وفي تلك المدَّة أرسل إليهم عبد الله بن أُبييِّ بن سلول مَنْ يقول لهم: اثبتُو ا ، وتمََنـَّعُوا؛ فإنَّ

عدد الصفحات ١٣٦

لن نُسْلِّمَكم ، وإن قُوتلتم؛ قاتلنا معكم ، وإن أُخرجتم خرجنا معكم645]) من العرب ، وممَّن انضوى إلى قومي ألفين ، فأقيموا ، فهم يدخلون معكم حصونكم ، ويموتون عن اخرهم قبل أن يَصِّلُوا إليكم646.]) فعادت لليهود بعضُ ثقتهم ، وتشجَّعَ كبيرُهم (حُيي بن أخطب) وأرسل إلى النَّبيِّ (ص) جُدَي بن أخطب يقول له: إنَّ لن نرِّيمَ ـ أي: لن نبرح ـ دارن ، فاصنعْ ما بدا لك! فكبر رسولُ الله (ص) ، وكبرَّ المسلمون معه ، وقال: حاربت يهود 647.]) ب ـ ضرب الحصار وإجلاؤهم وانقضت الأيام العشرة ، ولم يخرجوا من ديارهم ، فتحرَّكت جيوشُ المسلمين صوبهم ، وضربت عليهم الحصارَ لمدَّة خُس عشْرَة ليلةً. وأمر (ص) بحرق نَيلهم، وقضى بذلك على أسباب تعلُّقهم بأموالهم، وزروعهم، وضعفت حماستُهم للقتال ، وجَزِّعوا ، وتصايَوا: يا محمد! قد كنت تنهى عن الفساد ، وتعيبه على مَنْ يفعله؛ فما بالُ قطع النَّخيل ، وتخريبها؟! وألقى اللهُ في قلوبهم الرُّعْبَ ، وأدرك بنو النَّضير ألاَّ مفرَّ من جلائهم ، ودبَّ اليأس في قلوبهم ، وخاصَّةً بعد أن أخلف ابن أُبيَيٍ وعده بنصرهم ، وعجِّز إخوانَّم أن يسوقوا إليهم خيراً ، أو يدفعو ا عنهم شراً؛ فأرسلوا إلى النَّبيِّ (ص) يلتمسون منه أن يؤميِّنهم حتََّّ يخرجوا من ديارهم ، فوافقهم النَّبيِّ (ص) على ذلك ، وقال لهم: «اخرجوا منها ، ولكم دماؤكم ، وما حملت الإبل إلا الحَلَقة ـ وهي الدُّروع ، والسيِّلاح ـ»؛ فرضوا بذلك648.]) ونقض اليهود سُقُفَبيوتهم ، وعَمُدَها ، وجدرانَّا لكي لا ينتفع منها المسلمون. وحملوا معهم كمياتٍ كبيرةً من الذَّهب ، والفضَّة ، حتََّّ إن سلاَّم بن أبي الحُقَيْق وحده حمل جلدَ ثورٍ مملوءً ذهباً ، وفضَّةً ، وكان يقول: هذا الَّذي أعددنه لرفع الأرض ، وخفضها ، وإن كنَّا تركنا نَلاً ففي خيبر النَّخل 649.]) وحملوا أمتعتهم على ستمئة بعيرٍ ، وخرجوا ومعهم الدُّفوف ، والمزامير ، والقيان يعزفن من خلفهم حتََّّ لا يشمت بهم المسلمون ، فقصد بعضهم خيبر ، وسار اخرون إلى أذرعات الشَّام650.]) وقد تولىَّ عمليَّة إخراجهم من المدينة محمَّد بن مسل مة بأمرٍ من رسول الله (ص651. ])

عدد الصفحات ١٣٧

وكان من أشرافهم الَّذين ساروا إلى خيبر: سَلاَّم بن أبي الحُقَيْق ، وحيي بن أخطب ، وكنانة بن الرَّبيع بن أبي الحُقَيْق ، فلمَّا نزلوها دان لهم أهلُها652.]) ثالثاً: الدُّروس ، والعِّبـَرُ في هذه الغزوة تحدَّث القران الكريم عن غزوة بني النَّضير في سورةٍ كاملة ، هي سورة الحشر ، وقد سمََّى حَبـْرُ الأمَّة عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما سورة الحشر بسورة بني النَّضير ، ففي البخارييِّ عن سعيد بن جُبـَيرْ ، قال: قلتُ لابن عباسٍ رضي الله عنهما: سورة الحشر ، قال: قلْ سورة بني النَّ ض (4029.]) وقد بينت هذه السُّورة ملابسات هذه الغزوة ، وفصَّلت القول فيها ، وبيَّنت أحكام الفيء ، ومن هم المستحقون له ، وأوضحت موقف المنافقين من اليهود ، كما كشفت عن حقائق نفسيَّات اليهود ، وضربت الأمثال لعلاقة المنافقين باليهود ، وفي أثناء الح ديث عن الغزوة وَجَّه سبحانه خطابه إلى المؤمنين ، وأمرهم بتقواه ، وحذَّرهم من معصيته ، ثمَّ تحدث سبحانه عن القران الكريم ، وعلويِّ منزلته ، وبعض صفات الله الجليلة الَّتي تليق به سبحانه ، وهكذا كان المجتمع المسلم يتربََّ بالأحداث على التَّوحيد وتعظيم منهج الله ، والاستعداد ليوم القيامة ، وبالتأمُّل في السُّورة يمكننا استخراج بعض الدُّروس ، والعبر؛ من أهها: 1 ـ الثناء على الله وتمجيده ابتدأت السُّورة بالثَّناء على الله ، وأن الكون كلَّه بجميع ما فيه من مخلوقاتٍ؛ من إنسانٍ ، وحيوانٍ ، ونباتٍ ، وجمادٍ ، ينزيِّه الله ، ويمجيِّده ، ويشهد بوحدانيته ، وقدرته ، وجلاله ، ونطقٌ بعظمته ، وسلطانه653]) [1.] كان استفتاح هذه السُّورة بالإخبار أنَّ جميع ما في السَّموات ، والأرض ، يسبيِّح بحمد ربه ، وينزيِّهه عمَّا لا يليق بجلاله ، ويعبده ، ويخضع لعظمته؛ لأنَّه العزيز ، الَّذي قهر كلَّ شيءٍ ، فلا يمتنع عليه شيءٌ ، ولا يستعصي عليه عسيرٌ. الحكيم في خلقه ، وأمره ، فلا يخلق شيئاً عبثاً ، ولا يُشريِّع ما لا مصلحة فيه ، ولا يفعل إلا ما هو مُقتضى حكمته؛ ومن ذلك نصره لرسوله (ص) على الَّذين كفروا من أهل الكتاب ، من بني النَّضير ، حين غدروا برسوله (ص) ، فأخرجهم مِّنْ ديارهم ، وأوطانَّم الَّتي ألفوها ، وأحبُّوها654.])

عدد الصفحات ١٣٨

2 ـ الرُّعب جنديٌّ من جنود قال الله تعانـْتُمْ أَنْ يخَْرُجُوا وَظَنُّوا أَنـَّهُمْ مَانِّعَتـُهُمْ حُصُونـُهُمْ مِّنَ الِلَِّّّ فَأَتاَهُمُ الِلَُّّ مِّنْ حَيْثُ لمَْ يََْتَسِّبُو ا وَقَذَفَ فيِّ قـُلُوبهِِّّمُ الرُّعْبَ يخُْرِّبُونَ بـُيُوتـَهُمْ بأَِّيْدِّيهِّمْ وَأَيْدِّي الْمُؤْمِّنِّينَ فَاعْتَبرُِّوا ياَأُوليِّ الأَبْصَارِّ *وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ الِلَُّّ عَلَيْهِّمُ الجَْلاَءَ لَعَذَّبـَهُمْ فيِّ الدُّنـْيَا وَلهَُمْ فيِّ الآخِّرَةِّ عَذَابُ النَّارِّ *ذَلِّكَ بأَِّنـَّهُمْ شَاقُّوا الِلََّّ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقيِّ الِلََّّ فَإِّنَّ الِلََّّ شَدِّيدُ الْعِّقَاب[2 ـ4.] إنَّ المتأميِّل في هذه الايات الكريمة يتبينَّ له: أنَّ الله هو الَّذي أخرج يهود بني النَّضير من ديارهم إ الشَّام حيث أول الحشر ، في حين أنَّ كلَّ الأسباب الماديِّيَّة معهم؛ حتَّ إنََّّم اعتقدوا: أنَّه لا أحدَ يستطيع أن يخرجهم من حصونَّم لمتانتها ، وقوَّتها. لكنَّ الله خالق الأسباب ، والمسبَّبات ، جاءهم من حيث لم يَتسبوا ، جاءهم من قلوبهم الَّتي لم يتوقَّعوا: أنََّّم يهزمون بها ، فقذف فيها الرُّعب ، فإذا بهم يهدمون بيوتهم بأيديهم ، وأيدي المؤمنين ، وهذا الأسلوب القرانيُّ الفريد يربييِّ الأمَّة بالأحداث ، والوقائع ، وهو يختلف تماماً عن طريقة أهل السيِّير ، ويمتاز بأنَّه يكشف الحقائق ، ويوضيِّح الخفايا ، ويربط الأحداث بفاعلها الحقيقييِّ ، وهو ربُّ العالمين ، ومن ذلك أنََّّا بيَّنت: أنَّ الذي أخرج بني النَّضير هو الله جلَّ جلاله أَهْلِّ الْكِّتَاب واستمرت الاية الكريمة تبينيِّ: أنَّ يهود بني النَّضير حسبوا كلَّ شيءٍ ، وأحاطوا بجميع الأسباب الأرضيَّة ؛ لكن جاءتهم الهزيمة من مكانٍ اطمأنوا إليه ، وهو أنفسهم ، فإذا الرُّعب يأتي من داخلهم ، فإذا بهم ينهارون في أسرع لحظةٍ ، لذلك يجب على كل إنسانٍ عاقلٍ أن يعتبر بهذه الغزوة ، وأن يعرف: أنَّ الله هو المتصريِّف في الأمور ، وأنَّه لا تقف أمام قدرته العظيمة الأسباب ، ولا المسبَّبات ، فهو القادر على كليِّ شيءٍ؛ فعلى الناس أن يؤمنوا به تعالى ، ويصلحوا أمرهم ، فإذا اتَّبعوا أمر الله ، أصلح الله لهم كلَّ شيءٍ ، وأخرج أعداءهم من حيث لم يَتسبوا. إنَّ هذه الغزوة درسٌ للأمَّة في جميع عصورها ، تذكيِّرهم أنَّ طريق النَّصر قري بٌ ، وهو الرُّجوع إلى الله والاعتماد عليه ، والتَّسليم لشريعته ، وتقديره حقَّ قدره ، فإذا عرف ذلك المؤمنون ، نصرهم الله ، ولو كان عدوُّهم قويايً ، وكثيراً؛ فإن الله لا يعجزه شيء ، وأقرب شاهدٍ واقعييٍ لذلك هو إجلاء بني النَّضير ، وهي عبرةٌ ، فليُعتبر بها ، والسَّعيدُ مَنِّ اعتبر بغيره!

عدد الصفحات ١٣٩

ثمَّ أوضح سبحانه: أنَّه لو لم يعاقبهم بالجلاء؛ لعذَّبهم في الدُّنيا بالقتل ، أما في الاخرة ، فلهم عذابُ النَّار 655.]) 3 ـ تخريب ممتلكات الأعداء لمَّا نزل رسول الله (ص) بجيشه ، وحاصر بني النَّضير تحصَّنوا منه في الحصون ، فأمر رسول الله (ص) بقطع النَّخل ، والتَّحريق فيها ، فنادوه يا محمد! قد كنتَ تنهى عن الفساد ، وتعيبه على مَنْ صنعه، فما بال قطع النَّخل ، وتحريقها؟ 656]) قَائِّمَةً عَلَى أُصُولهَِّا فَبِّإِّذْنِّ الِلَِّّّ وَلِّيُخْزِّيَ الْفَاسِّقِّينَ [5([]657([])658.]) وقد توسَّع الشَّيخ محمَّد أبو زهرة في شرح هذه الاية ، فقال ما ملخَّصه بعد أن ساق اراءَ الفقهاء ذلك: والذي ننتهي إليه بالنيِّسبة لما يكون في الحرب مِّنْ هدمٍ ، وتحريقٍ ، وتخريبٍ: أنه يُستفاد من مصادر الشَّريعة ، وأعمال النَّبيِّ (ص) في حروبه: 1 ـ أنَّ الأصل هو عدم قطع الشَّجر ، وعدم تخريب البناء؛ لأنَّ الهدف من الحرب لـيس إيـذاءَ الرَّعيـة ، ولكن دفـع أذى الرَّاعي الظالم ، وبذلـك وردت الاثار. 2 ـ أنَّه إذا تبينَّ: أنَّ قطع الشَّجر ، و هدم البناء توجبه ضرورةٌ حربيَّة لا مناص منها؛ كأن يستتر العدوُّ به ، ويتَّخذه وسيلة لإيذاء جيش المؤمنين؛ فإنَّه لا مناصَ من قطع الأشجار ، وهدم البناء؛ على أنَّه ضرورةٌ من ضرورات القتال ، كما فعل النَّبُّ (ص) هنا ، وفي حصن ثَقِّيف. 3 ـ أنَّ كلام الفقهاء الذين أجازوا الهدم ، والقلع يجب أن يخُرَّج على أساس هذه الضَّرورات ، لا على أساس إيذاء العدويِّ ، والإفساد المجرَّد ، فالعدوُّ ليس الشَّعب ، إنمَّا العدوُّ هم الَّذين يَملون السيِّلاح؛ ليقاتلوا 659.]) 4 ـ تطوير السيِّياسة الماليَّة للدَّولة الإسلاميَّة بينَّ ـ سبحانه وتعالى ـ حكم الأموال الَّتي أخذها المسلمون من بني النَّضير بعد أن تََّ إجلاؤهم ، فقال تعا يُسَليِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَ اءُ وَالِلَُّّ عَلَى كُليِّ شَيْءٍ قَدِّيرٌ [6.] وبينَّ ـ سبحانه وتعالى ـ: أن الأموال الَّتي عادت إلى المسلمين من بني النَّضير ، قد تفضَّل بها عليهم بدون قتالٍ شديدٍ ، وذلك لأنَّ المسلمين مَشَوْا إلى أعدائهم ، ولم يركبوا خيلاً ، ولا إبلاً ، وافتتحه ا

عدد الصفحات ١٤٠

(ص) صلحاً ، وأجلاهم ، وأخذ أموالهم ، ووضعها حيث أمره الله؛ فقد«كانت أموال بني النَّضير ممَّا أفاء الله على رسوله ممَّا لم يُوجف عليه المسلمون بخيلٍ ، ولا ركابٍ ، فكانت للنَّبيِّ (ص) خاصَّةً ، فكان ينفق على أهله نفقةَ سنةٍ ، وما بقي يجعله في الكُرَاعِّ وا لسيِّلاح عُدَّةً في سبيلِّ الله »[4033 ) ، ومسلم1757([])660.]) ثمَّ بينَّ المولى ـ عزَّ وجل ـ أحكام الفيء في قرى الكفار عامَّة ، فقال الله تعا مِّنْ أَهْلِّ الْقُرَى فَلِّلَّهِّ وَلِّلرَّسُولِّ وَلِّذِّي الْقُرْبََ وَ الْيـَتَامَى وَالْمَسَاكِّينِّ وَابْنِّ السَّبِّيل[7.] وكان فيء بني النَّضير خالصاً لرسول الله (ص) ، ولهذا تصرَّف فيه ـ أي: الفيء ـ كما يشاء، فردَّه على المسلمين في وجوه البريِّ، والمصالح الَّتي ذكرها الله ـ عزَّ وجلَّ ـ في هذه الايات. ولمَّا غنم (ص) أموال بني النَّضير؛ دعا ثابت بن قيس ، فقال: «ادعُ لي قومك»، قال ثابت: الخزرج؟ فقال (ص) : «الأنصارُ كلُّها »فدعا له الأوس ، والخزرج ، فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهلُه ، ذكر الأنصار ، وما صنعوا بالمهاجرين ، وإنزالهم إياَّهم في منازلهم ، وأموالهم ، و أثرتهم على أنفسهم ، ثمَّ قال: «إن أحببتُم قسمتُ بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله عليَّ من بني النَّضير ـ وكان المهاجرون على ما هم عليه من السُّكنى في منازلكم ، وأموالكم ـ وإن أحببتم أعطيتُهم ، وخرجوا من دوركم»[ في الإكليل كما في فتح الباري 7/422 ـ423.]) فقال سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ: يا رسولَ الله! بل تقسم بين المهاجرين ، ويكونون في دورن ، كما كانوا ، وقالت الأنصار: رضينا وسلَّمنا يا رسول الله! وقسم ما أفاء الله ، وأعطى المهاجرين ولم يعطِّ أحداً من الأنصار شيئاً ، غير أبي دُجَانة ، وسَهْل بن حُ نَيفُ لحاجتهما 3/201/202([])661]) خاصَّاً له ، إلا أنَّه جمع الأنصار ، وسألهم عن قسمة الأموال لتطييب نفوسهم ، وهذا من الهدي النَّبويي الكريم في سياسة الأمور. وكانت الغايةُ من هذا التَّوزيع ، تخفيفَ العبء عن الأنصار ، وهكذا انتقل المهاجرون إلى دُورِّ بني النَّضير ، وأُعيدت دُورُ الأنصار إلى أصحابها ، واستغنى بعض المهاجرين ممَّا يمكن أن يقال فيه: إنَّ الأزمة قد بدأت بالانفراج 662.]) إنَّ قسمة أموال بني النَّضير ، أوجد تطوُّراً كبيراً في السيِّياسة الماليَّة للد ولة الإسلاميَّة؛ فقد كانت الغنائم الحربيَّة قبل هذه الغزوة ، تقسم بين المحاربين بعد أن تأخذ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ خُُْسَها؛ لتصرف في

عدد الصفحات ١٤١

مصارف معينةٍ حدَّدها القران الكر663]) جديدةٌ فيما يتعلَّق بالغنائم ، وخلاصتها: أنَّ الغنائم الحربيَّة أصبحت ـ حسب السيِّياسة الجديدة ـ على نوعين: 1 ـ غنائم استولى عليها المجاهدون بحديِّ سيوفهم ، وهذه الغنائم تقسم بين المجاهدين بعد أن تأخذ الدَّولة خُُْسَها؛ لتصرفه في مصارفه الخاصَّة. 2 ـ غنائم يوقعها الله بأيدي المجاهدين دون قتالٍ؛ وهذا النَّوع يختصُّ رئيس الدَّولة الإسلاميَّة ، بالتَّصرُّف فيه حسب ما يرى المصلحة في ذلك ، يعالج به الأوضاع الاقتصاديَّة في البلاد؛ فينقذ الفقراء من فقرهم ، أو يشتري به سلاحاً ، أو يبني به مدينةً ، أو يصلح به طرقاً... إلخ ، وهذا يعني: أنَّه قد أصبح لرئيس الدَّولة الإسلاميَّة ميزانيَّة خاصَّةً يتصرَّف فيها تصرُّفاً سريعاً حسب مقتضيات المصلحة664.]) وقد ذكر ـ سبحانه وتعالى ـ في الايتين الَّلتين أوضحتا سياسته ـ عليه الصَّلاة والسلام ـ في تقسيم فيء ب النَّضير إذا اختصَّ به أنساً دون اخرين؛ العلَّةَ في ذلك في قوله تعا مِّنْكُمْ[7]ونَ تداولُ المالِّ محصوراً فيما بين طبقة الأغنياء منكم فقط ، والتَّعليلُ لهذه الغاية يؤذِّن بأنَّ سياسة الشَّريعة الإسلاميَّة في شؤون المال قائمةٌ في جملتها على تحقيق هذا المبدأ ، وأنَّ كلَّ ما تفيض به كتب الشَّريعة الإسلاميَّة من الأحكام المتعليِّقة بمختلف شؤون الاقتصاد والمال يُبغى من ورائه إقامة مجتمعٍ عادلٍ تتقارب فيه طبقاتُ النَّاس ، وفئاتهم ، ويُقضى فيه على أسباب الثَّغرات الَّتي قد تظهر فيما بينها ، والَّتي قد تؤثيِّر على سير العدالة وتطبيقها. ولو طبقت أحكام الشَّريعة الإسلاميَّة وأنظمتها الخاصَّة بشؤون المال من إحياء لشريعة الزَّكاة ، ومنع للريِّبا ، وقـضاءٍ على مختلف مظاهر الاحتكارات؛ لعاش النَّاسُ كلُّهم في بحُْبُوحَةٍ 665]) قد يتفاوتون في الريِّزق ، ولكنَّهم جميعاً مكتفون ، وليس فيهم كَل666]) يتعاونون ـ667 ])وبعد بيان العلَّة في توزيع أموال الفيء، عَقَّبَ سبحانه بأمر المسلمين بأن يأخذوا ما أتى به الرَّسول (ص) ، وأن ينتهوا عمَّا نَّاهم عنه ، وأنَّ هذا من لوازم الإيمان ، وأمرهم بالتَّقوى ، فإنَّ عقابه شديدٌ ، وأليمٌ للعُصاة ، قال تعا فَخُذُوهُ وَمَا نـَهَاكُمْ عَنْهُ فَانـْتـَهُوا وَاتـَّقُوا الِلََّّ إِّنَّ الِلََّّ شَدِّيدُ الْعِّقَاب[7.] أي: ما أمركم به الرَّسول (ص) فافعلوه ، وما نَّاكم عنه فاجتنبوه؛ فإنَّه إنمَّا يأمركم بكليِّ خيرٍ ، وصلاحٍ ، وينهى عن كليِّ شريٍ وفسادٍ.

عدد الصفحات ١٤٢

وقوله: أي خافوا ربَّكم بامتثال وقوله: {: أي: فإنَّ عقابهأليم ، وعذابه شديدٌ لمن عصاه ، وخالف ما أمره بـه ، قال المفسيِّرون: والاية وإن نزلت في أموال الفيء ، إلا أنََّّا عامَّةٌ في كليِّ ما أمر به النَّبُّ (ص) ، أو نَّى عنه من واجبٍ أو مندوبٍ ، أو مستحبيٍ ، أو محرَّمٍ ، فيدخل فيها الفيءُ ، وغيره 668]) جاءت اياتٌ كثيرةٌ تربييِّ الأمَّةَ على وجوب الانقياد لحكم الله تعالى، ولحكم رسوله (ص) وذلك من كلي الأمور، قال تعاؤْمِّنُونَ حَتََّّ يََُكيِّمُوكَ فِّيمَا شَجَرَ بـَيـْنـَهُمْ ثمَُّ لاَ يجَِّدُوا فيِّ أَنـْفُسِّهِّمْ حَرَجًا ممَِّّا قَضَيْتَ وَيُسَليِّمُوا تَسْلِّيمًا [65.] وقال (ص«ما نَّيتُكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتُكم به فافعلوا منهم ما استطعتُم؛ فإنمَّا أهْلَكَ ال ذين من قبلكم كثرةُ مسائلِّهم ، واختلافُهم على أنبيائهم»[2/247) ، ومسلم1337/130 و131 ) ، والترمذي2679) ، والنسائي5/110 ـ111) ، وابن ماجه1 و2.]) 5 ـ فَضْلُ المهاجرين والأنصار ، والتَّابعين لهم بإحسان فَضْلُ المهاجرين: بيَّنت الاياتُ الكريمةُ في سورة الحشر ، فضلَ المهاجرين على غيرهم ، فهم لهم الدَّرجة الأولى ، فقد اشتملت الايات على أوصافهم الجميلة ، وشهد الله لهم بالصيِّدق ، قال تعا الَّذِّينَ أُخْرِّجُوا مِّنْ دِّياَرِّهِّمْ وَأَمْوَالهِِّّمْ يـَبـْتـَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ا لِلَِّّّ وَرِّضْوَانً وَيـَنْصُرُونَ الِلََّّ وَرَسُولَهُ أُولَئِّكَ هُمُ الصَّادِّقُونَ[8.] فَضْلُ الأنصار وَضَّحَت الاياتُ فضلَ الأنصار ، وقد وصفهم الله بهذه الصفات ، قال تعا وَالإِّيمَانَ مِّنْ قـَبْلِّهِّمْ يَُِّبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِّلَيْهِّمْ وَلاَ يجَِّدُونَ فيِّ صُدُورِّهِّمْ حَاجَةً ممَِّّا أُوتُوا وَيـُؤْثِّرُونَ عَلَى أَنـْفُسِّهِّمْ وَلَوْ كَانَ بهِِّّمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نـَفْسِّهِّ فَأُولَئِّكَ هُمُ الْمُفْلِّحُونَ [9.] فَضْلُ التَّابعين لهم بإحسان: وهم المتتبيِّعون لاثارهم الحسنة ، وأوصافهم الجميلة ، الدَّاعون في السيِّريِّ ، والعلانية لإخوانَّم الَّذين سبقوهم بالإيمان669.]) قال تعايمَ انِّ وَلاَ تجَْعَلْ فيِّ قـُلُوبِّنَا غِّلاًّ لِّلَّذِّينَ آمَنُوا رَبـَّنَا إِّنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِّيمٌ [10.]

عدد الصفحات ١٤٣

وهكذا تحدَّثت السُّورة الكريمة عن صورٍ مشرقةٍ للمهاجرين ، والأنصار ، والتَّابعين لهم بإحسان 6 ـ موقف المنافقين في المدينة بيَّنتِّ الاياتُ الكريم ة حالَ المنافقين، ووضَّحتْ موقفَهم، وتحالفهم مع إخوانَّم من اليهود ، وكشفت أيضاً موقفهم من المسلمين ، وموقف اليهود ونفسيَّاتهم670.]) قال تعا {أَلمَْ تَر إِّلىَ الَّذِّينَ نَفـَقُوا يـَقُولُونَ لإِِّّخْوَانَِِّّّمُ الَّذِّينَ كَفَرُوا مِّنْ أَهْلِّ الْكِّتَابِّ لَئِّ نْ أُخْرِّجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِّيعُ فِّيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِّن قُوتِّلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَالِلَُّّ يَشْهَدُ إِّنـَّهُمْ لَكَاذِّبُونَ * لَئِّنْ أُخْرِّجُوا لاَ يخَْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِّن قُوتِّلُوا لاَ يَنصُرُونـَهُمْ وَلَئِّن نَّصَرُوهُمْ لَيـُوَلُّنَّ الأَْدْباَرَ ثمَُّ لاَ يُنصَرُونَ * لأََنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فيِّ صُدُورِّهِّم ميِّنَ الِلَِّّّ ذَلِّكَ بأَِّنـَّهُمْ قـَوْمٌ لاَّ يـَفْقَهُونَ * لاَ يـُقَاتِّلُونَكُمْ جمَِّيعًا إِّلاَّ فيِّ قـُرًى محَُّصَّنَةٍ أَوْ مِّن وَرَاء جُدُرٍ بأَْسُهُمْ بـَيـْنـَهُمْ شَدِّيدٌ تحَْسَبـُهُمْ جمَِّيعًا وَقـُلُوبـُهُمْ شَتََّّ ذَلِّكَ بأَِّنـَّهُمْ قـَوْمٌ لاَّ يـَعْقِّلُونَ * كَمَثَلِّ الَّذِّينَ مِّنْ قـَبْلِّهِّمْ قَرِّيبًا ذَاقُوا وَباَلَ أَمْرِّهِّمْ وَلهَُمْ عَذَابٌ أَلِّيمٌ *كَمَثَلِّ الشَّيْطَانِّ إِّذْ قَالَ لِّلإِّنْسَانِّ اكْفُرْ فـَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِّنييِّ بَرِّيءٌ مِّنْكَ إِّنييِّ أَخَافُ الِلََّّ رَبَّ الْعَالَمِّينَ *فَكَانَ عَاقِّبـَتـَهُمَا أَنـَّهُمَا فيِّ النَّارِّ خَالِّدَيْنِّ فِّيهَا وَذَلِّكَ جَزَاءُ الظَّالِّمِّينَ[11 ـ17.] يخبرن المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ عن المنافقين ؛ كعبد الله بن أُ بييٍ وأضرابه ، حين بعثوا إلى يهود بني النَّضير يَعِّدُونََّم بمناصرتهم ، وقوله: { أي: الَّذين بينهم وبينهم أُخوَّةالكفر ، وهم يهود بني النَّضيـر ، وجعلَهم إخوانً لهم؛ لكون الكفر قد جمعهم ، وإن اختلف نوع كفرهم ، فهم إخوانٌ في الكفر. { أُخْرِّجْتُمْ } أي: والله! لئن أخرجتم من دياركم {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ } من ديارن في صحبتكم { وَلاَ نُطِّيعُ فِّيكُمْ أي: في شأنكم ، ومن أجلكم ، { ممَّن يريد أن يمنعنا من الخروجمعكم ، وإن طال الزَّمان ، ثمَّ لمَّا وعدوهم بالخروج معهم وعدوهم بالنُّصرة لهم ، فقالوا: { }أي: وإن قاتلكم المسلمون { لَنـَنْصُرَنَّكُمْ أي: على المسلمين؛ الَّذين ، يقاتلونكم ثمَّ كذَّبهم الله تعالى ، فقال: { يَشْهَدُ إِّنـَّهُمْ لَكَاذِّبُونَ فيما وعدوهم به من الخروج معهم والنَّصر لهم ولما أجمل ـ سبحانه وتعالى ـ كَذِّبَ المنافقين فيما وعدوا به بني النضير؛ فصَّل ما كذبوا فيه 671]) وزاد في تأكيد الرَّديِّ عليهم ، فقال تعا { أي: لئن أَخْرَجَ المسلمون اليهودَ؛ فإنَّ المنافقين لن يخرجوا معهم. وقوله تعالى: { أي: ولئن قاتل المسلمون اليهود؛ فإن المنافقين لنينصرونَّم.

عدد الصفحات ١٤٤

وقوله تعا{. أي: ولئن نصر المنافـقون اليهود ـ على سبيـل الفرض ـ ، فـإنَّ نصرهم لن يضرَّ المسلمين شيئـاً؛ بل إنَّ الفريقين سيولُّون الأدبار أمام المسلمين ، ثمَّ لا ينصر الله بني النَّضير. ثمَّ قرر القرانُ الكريم حقيقةً قائمةً في نفوس اليهود ، والمنافقين ، قال تعا مْ أَشَدُّ رَهْبَةً فيِّ صُدُورِّهِّمْ مِّنَ الِلَِّّّ ذَلِّكَ بأَِّنـَّهُمْ قـَوْمٌ لاَ يـَفْقَهُونَ في صدور اليهـود ، والمنافقين من الله تعالى ، فهم يخافونكم أكثـر من خوفهم من الله تعالى ، وهـذه الحال منهم {نـَّهُمْ قـَوْمٌ لاَ يـَفْقَهُونَ أي: لا يعلمون الله ، وعظمته؛ حتََّّ يخشوه حقَّ خشيته672.]) ثمَّ أكَّد ـ سبحانه وتعالى ـ هذه الحقيقة بصفاتٍ أخرى فيهم ، فقال تعا {لاَ يـُقَاتِّلُونَكُمْ جمَِّيعًا إِّلاَّ فيِّ قـُرًى محَُّصَّنَةٍ أَوْ مِّن وَرَاء جُدُرٍ }فقد كشف ـ سبحانه وتعالى ـ عن حقائق نفسيَّة اليهود ، فهم جبناء ، لا يستطيعون أن يواجهوا المسلمين في مواطنَ مكشوفةٍ؛ بل لا يقاتلون إلا من وراء قراهم المحصَّنة بالخنادق ، وجدرانَّم ، وحوائطهم الَّتي يتسترَّون مِّنْ خلفها. ثمَّ كشف القران عن بعض أسباب ضعفهم ، وخورهم ، فقال تعا جمَِّيعًا وَقـُلُوبـُهُمْ شَتََّّ ذَلِّكَ بأَِّنـَّهُمْ قـَوْمٌ لاَ يـَعْقِّلُونَ فهؤلاء اليهود في الظَّاهر تراهم مجتمعين صفياً واحداً ضدَّ المسلمين ، لكنَّ الاية تبين: أنََّّم عكس ذلك في الحقيقة ، فهم {} أي: عداوتهم بعضهم لبعضٍ شديدةٌ {تحَْسَبـُهُمْ جمَِّيعًا أي: تظنُّهم مجتمعين على أمر ، ورأيٍ ولكنَّهم في الحقيقة { أيمتفرقة وقوله سبحانه { أي: بسبب أنََّّم قومٌلا يعقلون الحقَّ ، ولا يدورون معه ، وإنمَّا يدورون في ركاب الباطل673.]) وفي الاية تجسيرٌ للمؤمنين ، وتشجيعٌ لقلوبهم على قتال اليهود؛ لأنََّّم عرفوا من ربيِّ العالمين ، بأن اليهود جبناء ، ثمَّ بينَّ سبحانه أنَّ ما نزل ببني النَّضير من بلاءٍ بسبب غدرهم ، قد نزل ما يشبهه بإخوانَّم من بني قينقاع ، فذاقوا جزاءَ خيانتهم ، وغرورهم. قال تعا ذَاقُوا وَباَلَ أَمْرِّهِّمْ وَلهَُمْ عَذَابٌ أَلِّيمٌ ثمَّ ضرب الله مثلاً اخر للمنافقين ، الَّذين أَغْرَوْا بني النَّضير بالمقاومة ثمَّ خذلوهم عند المحنة ، فقال تعالى: يعني: مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالَّذين وعدوهم النَّصر من

عدد الصفحات ١٤٥