المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 03

علي محمد الصلابي

صفحة ٨ من ٢١

يمتلئون رعباً منهم ، ويتوقَّعون الإغارةأييِّ وقتٍ ، وهذا الشُّعور حملهم على الاعتراف بقوَّة المسلمين ، ومسالمتهم519.]) ثانياً: خالد بن سفيان الهُذليُّ وتصديِّي عبد الله بن أنيسٍ رضي الله عنه له قام خالد بن سفيان الهذليُّ يجميِّع المقاتلة من هُذَيْلٍ وغيرها في عرفات ، وكان يتهيَّأ لغزو المسلمين فـي المدينـة ؛ مظاهرةً لقريـشٍ ، وتقرُّباً إليها ، ودفاعاً عن عقائدهم الفاسدة ، وطمعاً في خيرات المدينة؛ فأرسل رسولُ الله (ص) الصَّحابيَّ عبدَ الله بن أُنـَيْس الجُهَنيَّ إليه بعد أن كلَّفه مهمَّة قتله 520]) وهذا عبد الله بن أنيس يَديِّثنا بنفسه ، قال رضي الله عنه: دعاني رسول الله (ص) ، فقال: «إنَّه قد بلغني: أنَّ خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي النَّاس؛ ليغزوني ، وهو بعرنة ، فائته ، فاقتله »، قال قلت: يا رسولَ الله ، انعته حتََّّ أعرفه ، قال: «إذا رأيته وجدت له قُشَعريرةً[»521.]) قال: فخرجتُ متوشحاً سيفي ، حتََّّ وقعتُ عليه بعرنة مع ظَعْنٍ يرتاد لهنَّ منزلاً ، حين كان وقت العصر ، فلمَّا رأيتُه وجدت ما وصف لي رسول الله من القُشَعريرة ، فأقبلتُ نحوه ، وخشيتُ أن يكون بيني وبينه محاولةٌ تشغلني عن الصَّلاة ، فصلَّيتُ وأن أمشي نحوه أومأى برأسي الرُّكوع ، والسُّجو د ، فلمَّا انتهيت إليه قال: مَنِّ الرَّجلُ؟ قلت: رجلٌ من العرب سمع بك ، وبجمعك لهذا الرَّجل ، فجاءك لهذا ، قال: أجل أن في ذلك ، قال: فمشيت معه شيئاً ، حتََّّ إذا أمكنني حملت عليه بالسَّيف حتََّّ قتلتُه ، ثمَّ خرجت ، وتركت ظعائنه مكبَّاتٍ عليه ، فلمَّا قدمت ع لى رسول الله (ص) فراني ، فقال: «أفلح الوجه »، قال: قلت: قتلتُه يا رسول الله! قال«صدقت»، قال: ثمَّ قام معي رسول الله فدخل في بيته ، فأعطاني عصاً ، فقال: «أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أُنـَيْس!» قال: فخرجت بها على النَّاس ، فقالوا: ما هذه العصا؟ قال: قلت أعطانيها رسول الله (ص) ، وأمرني أن أمسكَها ، قالوا: أوَ لا ترجع إلى رسول الله (ص) فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله (ص) ، فقلت: يا رسول الله! لمَِّ أعطيتني هذه العصا؟ قال: «ايةٌ بيني وبينك يوم القيامة ، إن أقلَّ النَّاس المختصرون522])يامة»فقرنَّا عبد الله بسيفه ، فلم تزل معه ، حتََّّ إذا مات أمر بها ، فضمَّت معه في كفنه ، ثمَّ دُفنا جميعاً 3/496) ، وأبو يعلى 905) ، ومجمع الزوائد (6/203) ، وأبو داود مختصراً1249.]) وفي هذا الخبر فوائدُ ، ودروسٌ ، وعبرٌ؛ منها

عدد الصفحات ١١٤

1 ـ دقَّـة الرَّصد الحربييِّ: كان رسول الله (ص) يعطي للجانب الأمنييِّ أهيِّيَّته ، ولذلك كان يتابع تحرُّكات الأعداء ، ويعدُّ بعد ذلك الحلول المناسبة للمشكلات ، والأزمات في وقتها الملائم ، ولذلك لم يمهل خالد بن سفيان حتََّّ يكثر جمعُه ، ويشتدَّ ساعدُه؛ بل عمل على القضاء على الف تنة وهي في أياَّمها الأولى بحزمٍ ، وبذلك حقَّق للأمَّة مكاسب كبيرةً ، وقلَّل الخسائر المتوقَّعة من مجيء خالد بن سفيان بجيشٍ لغزو المدينة ، وهذا العمل يَتاج لقدرةٍ في الرَّصد الحربييِّ ، وسرعةٍ في اتخيِّاذ القرار. 2 ـ فِّراسَةُ523])لريِّجال كان (ص) يتمتَّع بِّفراسَةٍ عظيمةٍ في اختيار الريِّجال ، ومعرفةٍ كبيرةٍ لذوي الكفاءات من أصحابه ، فكان يختار لكليِّ مهمَّةٍ مَنْ يناسبها ، فيختار للقيادة مَنْ يجمع بين سداد الرَّأي ، وحسن التَّصرُّف والشَّجاعة ، ويختار للدَّعوة والتَّعليم مَنْ يجمع بين غزارة العلم ، ودَمَاثَة 524]) اجتذاب النَّاس ، ويختار للوِّفَادة على الملوك والأمراء مَنْ يجمع بين حُسْنِّ المظهر ، وفصاحة الليِّسان ، وسرعة البديهة ، وفي الأعمال الفدائيَّة يختار مَن يجمع بين الشَّجاعة الفائقة ، وقوَّة القلب ، والمقدرة على التحكُّم في المشاعر525]) أُنـَيْس الجُهَنيُّ قويَّ القلب ، ثبت الجنان ، راسخ اليقين ، عظيم الإيمان 526]) الصيِّفات العظيمة التي أهَّلته لهذه المهمَّة ، فهناك سببٌ اخر ، فقد كان يمتاز بمعرفة مواطن تلك القبائل لمجاورتها ديار قومه «جُهَينة[»527.]) 3 ـ المكافأة على هذا العمل أخروية لم تكن المكافأة على هذا العمل العظيم الجريء ، ماديِّيةً دنيويَّةً ـ كما يتمنَّاه الكثير ممَّن يقوم بالمهمات الشَّاقَّة في جيوش العالم قديماً ، وحديثاً ـ بل كانت أسمى من ذلك ، وأعظم؛ فهي وسام شرفٍ أخروييٍ قليلٌ مَنْ يناله 528]) ولو حصلوا على شيءٍ من متاع الدُّنيا فإنَّه لا يعتبر عندهم شيئاً كبيراً؛ وإنمَّا ينتظرون جزاءهم في الاخرة ، ولهذا كانت مكافأة عبد الله بن أنيسٍ تلك العصا؛ الَّتي ستكون علامةً بينه وبين رسول الله (ص) يوم القيامة ، وهذا يدلُّ على علويِّ مكانته في الاخرة 529.]) 4 ـ بعض الأحكام الفقهيَّة

عدد الصفحات ١١٥

تضمَّن هذا الخبر بعض الأحكام ، والفوائد؛ منها: (صلاة الطَّالب). قال الخطَّابيُّ: واختلفوا في صلاة الطَّ الب ، فقال عوام أهل العلم: إذا كان مطلوباً كان له أن يُصَليِّيَ إيماءً ، وإذا كان طالباً نزل إن كان راكباً ، وصلَّى بالأرض راكعاً ، وساجداً530])4) ، أمَّا الشَّافعيُّ فشرط شرطاً لم يشترطه غيره ، قال: إذا قلَّ الطَّالبون عن المطلو بين وانقطع الطَّالبون عن أصحابهم ، فيخافون عودة المطلوبين عليهم ، فإذا كان هكذا؛ كان لهم أن يصلُّوا يومئون إيماءً. قال الخطَّابيُّ: وبعض هذه المعاني موجودةٌ في قصَّة عبد الله بن أُنيس531.]) وقد ذكر بدر العيني في عمدة القاري مذاهب الفقهاء في هذا الباب ، ف عند أبي حنيفة إذا كان الرَّجل مطلوباً؛ فلا بأس بصلاته سائراً ، وإن كان طالباً؛ فلا ، وقال مالكٌ ، وجماعةٌ من أصحابه: ها سواءٌ ، كلُّ واحدٍ منهما يصليِّي على دابَّته. وقال الأوزاعيُّ ، والشَّافعيُّ في اخرين كقول أبي حنيفة ، وهو قول عطاء ، والحسن والثَّوريُّ ، وأحمد ، وأبي ثور. وعن الشَّافعييِّ: إن خاف الطَّالب فوت المطلوب؛ أومأ ، وإلاَّ؛ ف532.]) 5 ـ جواز الاجتهاد في زمن النَّبيِّ (ص يجوز الاجتهاد في زمن النَّبيِّ (ص) ؛ فعبد الله بن أنيس رضي الله عنه أدَّاه اجتهاده أن يصليِّي هذه الصَّلاة ، ولم ينكر عليه (ص) ممَّا يدلُّ على جواز الصَّلاة عند شدَّة الخوف بالإيماء 533.]) وهذا الاستدلال صحيحٌ ، لاشكَّ فيه؛ لأنَّ عبد الله بن أُنيس فعل ذلك في حياة النَّبيِّ (ص) ، وذلك زمن الوحي ، ومحالٌ: أنَّ النَّبَّ (ص) لم يطَّلع عليه 534.]) 6 ـ مِّنْ دلائل النُّبوَّة وَصَ فَ (ص) خالدَ بن سفيان الهذليَّ لعبد الله بن أُنَيس وصفاً دقيقاً دون أن يراه ، حتََّّ إنَّ ابن أُنيس عندما ردَّ على رسول الله (ص) متعجباً ـ كما وقع في رواية الواقدييِّ ـ: يا رسول الله! ما فَرِّقْتُ535 ]) من شيءٍ قطُّ ، قال له رسول الله (ص «بلى ، اية ما بي ني وبينه أن تجد له قُشَعريرةً إذا رأيته 536 »])، وقد وجد عبد الله بن أُنيس خالدَ الهُذليَّ على الصيِّفة؛ الَّتي ذكر رسول الله (ص) ، يقول عبد الله: فلما رأيته؛ هبته ، وفَرِّقْتُ منه ، فقلت: صدق الله ، ورسولُه 537.]) 7 ـ ما قاله عبد الله بن أُنيس من الشيِّعر في قتله لخالد الهُذلييِّ: تـَرَكْتُ ابْنَ ثـَوْرٍ كالحُوَارِّ وَحَوْلَهُ نـَوَائِّحُ تـَفْرِّيْ كُلَّ جَيْبٍ مُقَدَّدِّ

عدد الصفحات ١١٦

تَـنَاوَلْتُهُ والظُّعْنُ خَلْفِّي وَخَلْفَهُ بأَِّبـْيَضَ مِّنْ مَاءِّ الحَديْدِّ المُهَنَّدِّ أَقُولُ لَهُ وَالسَّيْفُ يـَعْجُمُ رَأْسَهُ أَنَ ابْنُ أُنـَيْسٍ فَارِّسَاً غَيـْرَ قـُعْدُدِّ وَقـُلْتُ لَهُ خُذْهَا بِّضَرْبَةِّ مَاجِّدٍ حَنِّيْفٍ عَلَى دِّيْنِّ النَّبِّيِّ محَُمَّدِّ وَكُنْتُ إِّذَا هَمَّ النَّبُِّّ بِّكَافِّرٍ سَبـَقْتُ إِّليهِّ باِّلليِّسَانِّ وَباليَد 538]) ثالثاً: غدر قبيلتي عَضلُ والقَارَّة ، وفاجعة الرَّجيع539:]) اختلفت مروياتُ سريَّة الرَّجيع فيما بينها كثيراً حول السَّبب الَّذي من أجله بعث النَّبُّ (ص) هذه السَّريَّة ، وفي الوقت الَّذي يورد البخاريُّ بأنَّه إنما بعث عيناً لتجمع المعلومات عن العدوي (4086])صحيحةٍ ورد فيها: أنَّه قدِّم على رسول الله (ص) رهطٌ من قبيلتي عضل ، والقَارَّة المُضَريَّـتَـينِّْ إلى المدينة وقالوا: «إنَّ فينا إسلاماً ، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقيِّهوننا ، ويقرئوننا القران ويعليِّمون شرائع الإسلام[»540])عت للثَّأر من المسلمين لخالدٍ ابن سفيان الهذلييِّ ، فلجأت إلى الخديعة والغدر. وقد جزم الواقدي 541]) السبب هو أن بني لحيان ـ وهم حيٌّ من هُذَيل ـ مَشَتْ إلى عَضَل ، والقَارَّة ، وجعلت لهم جُعْلاً ليخرجوا إلى رسول الله (ص) ويطلبوا منه أن يخرج معهم مَ نْ يدعوهم إلى الإسلام، ويفقيِّههم في الديِّين، فيكمُنوا لهم، ويأسروهم، ويُصيبوا بهم ثمناً في مكَّة542.]) وهكذا بعث الرَّسول (ص) هذه السَّريَّة الَّتي تتألَّف من عشرةٍ من الصَّحابة3989]) وجعل عليهم عاصم بن ثابت بن الأقلح أميراً ، حتََّّ إذا كانو ا بين عُسْفان ومكَّة أغار بنو لحيان ـ وهم قريبٌ من مئتي مقاتل ـ ، فألجؤوهم إلى تليٍ مرتفع بعد أن أحاطوا بهم من كل جانب ، ثم أعطوهم الأمان من القتل ، ولكن قائد السرية أعلن رفضه أن ينزل في ذمَّة كافرٍ543]) ثابت: إنييِّ نذرت ألا أقبل جوار مشركٍ أبداً ، فجعل عاصم يقاتلهم ، وهو يقول: مَا عِّلَّتي وَأَنَ جَلْدٌ نَبِّلُ النـَّبْلُ وَالْقَوْسُ لهََا بَلابِّلُ544]) تَزِّلُّ عَنْ صَفْحَتِّهَا المَعَابِّلُ 545]) المَوْتُ حَقٌّ والحَيَاةُ باَطِّلُ وَكُلُّ مَا حَم546]) باِّلمَرْءِّ والمَرْءُ إِّلَيْهِّ ائلُ إِّنْ لمَْ أُقَاتِّلْكُمْ فَأُميِّي هَابِّلُ547 ]) فرماهم بالنـَّبْل؛ حتََّّ فنيت نبلُه ، ثمَّ طاعنهم بالرُّمح حتََّّ كُسِّر رمحُه ، وبقي السَّيف فقال: الليهمي حمََيْتُ دينَك أوَّل نَّاري ، فاحْمِّ لي لحمي اخره! وكانوا يجريِّدون كُلَّ مَنْ قُتِّل مِّنْ

عدد الصفحات ١١٧

أصحابه ، فكسر غِّمْدَ سيفه ، ثمَُّ قاتلَ حتََّّ قُتِّل ، وقد جَرَ حَ رجلين وقَتل واحداً ، وكان يقول؛ وهو يقاتل: أَبُو سُلَيْمانَ وَمِّثْلِّي رَامي وَكَانَ قـَوْمِّي مَعْشَراً كِّرَاما ثمَّ شرعوا فيه الأسنَّة حتََّّ قتلوه ، وكانت سُلافةُ بنت سعد بن الشُّهَيْد قد قُتِّل زوجُها وبنوها أربعةٌ ، قد كان عاصم قتل منهم اثنين: الحارث ، ومُسافعاً ، فنذرت لئن أمكنها الله منه أن تشرب في قحف548]) وعلمته بنو لحيان ، فأرادوا أن يَتزُّوا رأس عاصم؛ ليذهبوا به إلى سُلافةَ بنت سعد ليأخذوا منها مئة نقةٍ ، فبعث الله تعالى عليهم الدَّبْر549]) شيءٌ كثير لا طاقة لأحدٍ به ، فقالوا: دعوه إلى اللَّيل ، فإنَّه إذا جاء اللَّيل؛ ذهب عنه الدَّبْر ، فلما جاء اللَّيل بعث الله عليه سيلاً ـ ولم يكن في السَّماء سحابٌ في وجه من ال وجوه ـ ، فاحتمله ، فذهب به؛ فلم يَصِّلُوا إليه3/328) ، وابن هشام3/180([])550.]) لقد قُتِّلَ عاصمٌ في سبعةٍ من أفراد السَّريَّة بالنـَّبْلِّ ، ثمَُّ أعطى الأعرابُ الأمانَ من جديدٍ للثَّلاثة الباقين ، فقبلوا ؛ غير أنََّّم سرعان ما غـدروا بهم بعد ما تمكَّنوا منهم ، وقد قاومهم عبد الله بن طارق فقتلوه ، واقتادوا الاثنين إلى مكَّة ، وها خبيب ، وزيد بن الدَّثنَّة؛ فباعوها لقريشٍ551]) سنة4 هـ552.]) فأما خُبـَيْب فقد اشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل ، ليقتلوه بالحارث الذي كان خبيبٌ قد قتله يوم بدر ، فمكث عندهم أسيراً ، حتَّ إذا أجمعوا قتله استعار مُوسَى من بعض بنات الحارث ليستحدَّ بها ، فأعارته ، وغفلت عن صبيٍ لها ، فدرج فجلس على فَخذه ، ففزعت المرأة لئلا يقتله انتقاماً منه ، فقال خبيبٌ: أتخشينَ أن أقتله؟! ما كنتُ لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى ، فكانت تقول: ما رأيتُ أسيراً قطُّ خيراً من خبيب؛ لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذٍ ثمرة ، وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزقٌ رَزَقَهُ الله ، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه ، فقال: دعوني أصليِّ ركعتين ، ثمَّ انصرف إليهم ، فقال: لولا أن تقولوا إنَّ ما بي جَزَعٌ من الموت؛ لزدت ، فكان أوَّل مَنْ سنَّ الرَّكعتين عند القتل هو553])«الليهُمَّ أحصهم عدداً ، واقتلهم بَدداً554]) »[3989) ، والبيهقي في الدلائل3/324 ـ325) ، وابن هشام (3/181 ـ182])

عدد الصفحات ١١٨

لَقَدْ أَجمَْعَ الأحْزَابُ حَوْليِّ وَألَّبُوا قـَبَائِّلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مجَْمَعِّ وَكُلُّهم مُبْدِّي العَدَاوة جَاهِّدٌ عَلَيَّ لأنييِّ فيِّ وَثاَقٍ بمَضْيَعِّ وَقَدْ قـَرَّبُوا أبـْنَاءَهُم وَنِّسَاءَهُمْ وَقـُريِّبْتُ مِّنْ جِّذْعٍ طَوِّيْ لٍ ممَُنَّعِّ إلى اللهِّ أشْكُو غُرْبَتيِّ بـَعْدَ كُرْبَتيْ وَمَا أرْصَدَ الأحْزَابُ لي عِّنْدَ مَصْرَعِّيْ فذَا العَرْشِّ صَبريِّْني عَلَى مَا يـُرَادُ بيِّْ فـَقَدْ بَضَّعُوا لحَْمِّي وَقَدْ ياَسَ555]) وَقَدْ خَيـَّرُوني الكفر والمَوْتُ دُوْنَه فـَقَدْ ذَرَفَتْ عَيـْنَايَ مِّنْ غَيرِّْ مجَْزَعِّ وَمَا بيِّْ حَذَارِّ المَوْتِّ إنييِّ لَمَييِّتٌ وَإِّنَّ إلى رَبييِّ إياَبي وَمَرْجِّعي وَلَسْتُ أُباَلي حِّينَْ أُقـْتَلُ مُسْلِّماً عَلَى أَييِّ شِّقيٍ كَانَ فيِّ الله مَصْرَعِّي وَذَلِّكَ في ذَاتِّ الإلهِّ وَإِّنْ يَشَأْ يـُبَارِّ كْ عَلَى أَوْصَالِّ شِّلْوٍ ممَُزَّعِّ فـَلَسْتُ بمُِّبْدٍ لِّلْعَدُويِّ تخََشُّعاً وَلاَ جَزَعاً إِّنييِّ إلى الله مَرْجِّعي 556]) فقال له أبو سفيان: أيسُرُّك: أنَّ محمَّداً عندن يُضربُ عنقُه؛ وأنَّك في أهلك؟ فقال: لا والله! ما يسر أنييِّ في أهلي ، وأنَّ محمَّداً في مكانه الَّذي هو فيه تصيبه شوكةٌ تؤذيه 557]) ووكَّلوا به مَنْ يَرُس جُثَّـتَه ، فجاء عَمْرُ و بنُ أميَّة الضَّمْرِّيُّ ، فاحتمله بجذعه ليلاً ، فذهب به ، ودفنه558]) وقد سأله أبو سفيان قبل قتله: أنشدك الله يا زيد! أتحبُّ أنَّ محمداً الان عندن مكانك تضر بُ عنقُه؛ وأنت في أهلك؟ فقال: والله ما أحبُّ أنَّ محمَّداً الان في مكانه الَّذي هو فيه تصيبه شوكةٌ تؤذيه وإنييِّ جالسٌ في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيتُ من النَّاس أحداً يَبُّ أحداً؛ كحبيِّ أصحاب محمَّدٍ محمَّداً559.]) وقد عُرِّفت هذه الحادثة المفجعة بالرجيع ، نسبةً إلى ماء الرَّجِّيع الَّذي حصلت عنده. وفي هذه الحادثة دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد؛ منها: 1 ـ فوائد ذَكَرها ابن حجر «وفي الحديث: أنَّ للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ، ولا يمكيِّنَ من نفسه؛ ولو قُتل؛ أنـَفَةً من أن يجري عليه حكم كافرٍ ، وهذا إذا أراد الأخذ بالشيِّدَّة ، فإن أراد الأخذ بالرُّخصة؛ فله أن يستأمن. قال الحسن البصريُّ: لا بأس بذلك ، وقال سفيان الثَّوريُّ: أكره ذلك. وفيه الوفاء للمشركين بالعهد ، والتورُّع عن قتل أولادهم ، والتلطُّف بمن أريد قتلُه ، وإثبات كرامة الأولياء ، والدُّعاء على المشركين بالتَّعميم ،

عدد الصفحات ١١٩

والصَّلاة عند القتل ، وفيه إنشاء الشيِّعر ، وإنشاده عند القتل ، ودلالة على قوَّة يقين خبيب ، وشدَّته في دينه. وفيه: أنَّ الله يبتلي عبده المؤمن بما شاء كما سبق في علمه ، ليثيبه ، ولو شاء ربُّك ما فعلوه ، وفيه استجابة دعاء المسلم ، وإكرامه حيياً وميتاً ، وغير ذلك من الفوائد ممَّا يظهر بالتأمُّل. وإنمَّا استجاب الله له مِّنْ حماية لحمه من المشركين ، ولم يمنعهم من قتله؛ لما أراد من إكرامه بالشَّهادة ، ومن كرامته حمايته مِّنْ هتك حرمته بقطع لحمه[»560.]) 2 ـ بين التَّسليم ، والقتال حتََّّ الموت يستدلُّ ممَّا سبق أنَّ للأسير في يد العدويِّ أن يمتنع مِّنْ قبول الأمان ، ولا يمكيِّن من نفسه؛ ولو قُتل؛ ترفعاً عن أن يجري عليه حكم كافرٍ ، كما فعل عاصمٌ ، فإن أراد الترَّخُّص؛ فله أن يستأمن ، مترقباً الفرصة مؤميِّلاً الخلاص ، كما فعل خبيبٌ ، وزيدٌ؛ ولكن لو قدر الأس ير على الهرب؛ لزمه ذلك في الأصح ، وإن أمكنه إظهار دينه بينهم؛ لأنَّ الأسير في يد الكفار مقهورٌ مهانٌ ، فكان من الواجب عليه تخليص نفسه مِّنْ هوان الأسر ، ورقيِّه561.]) وهـذا الحـدث يفتح أمام المسلمين باباً واسعاً في التَّعامل مع الأحداث؛ في اختيارهم الأسر إذا طُلبوا مظلومين ، أو اختيارهم القتال حتََّّ الموت؛ ما دام الطَّالب لا يطلبهم بعدلٍ ، وما دامت السُّلطة غير إسلاميَّة562.]) 3 ـ تعظيم سنَّة النَّبيِّ (ص وفي الحديث يظهر تعظيم الصَّحابة لسنَّة النَّبيِّ (ص) ، وكيف أن خُبـَيْباً مع أنَّه في أسر المشركين ، ويعلم: أنَّه سيُقتل بين عشيَّةٍ ، أو ضحاها ، ومع ذلك كان حريصاً على سنَّة الاستحداد ، واستعار السيِّكيِّين لذلك ، وفي هذا تذكيرٌ لِّمَنْ يستهين بكثيرٍ من السُّنن ، بل والواجبات؛ بحجَّة: أنَّه لا ينبغي أن ينشغل المسلمون بذلك للظُّروف الَّتي تمرُّ بها الأمَّة ، وفي الواقع لا منافاة بين تعظيم السُّنَّة والدُّخول في شرائع الإسلام كافَّةً563.]) 4 ـ الإسلام ينتزع الغدر ، والأحقاد عندما استعار خبيب مُوسى مِّنْ بعض بنات الحارث؛ ليستحدَّ بها ، فأعارته؛ قالت المرأة: فغفلتُ عن صبيٍ لي ، دَرَجَ إليه حتََّّ أتاه ، فوضعه على فخذه فلما رأيتُه؛ فَزِّعْتُ منه فَزعةً عرف ذلك منييِّ ، وفي

عدد الصفحات ١٢٠

يده الموسى ، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك؛ إن شاء (4086([])564.]) إنَّه موقفٌ رائعٌ يدلُّ على سمويِّ الرُّوح ، وصفاء النَّفس ، والالتزام بالمنهج الإسلامييِّ ، فقد قال تع الى: {رُ وَازِّرَةٌ وِّزْرَ أُخْرَى[15.] إنَّه الوفاء يتعلَّمُه النَّاس ممَّن غدر بهم؛ فإنَّ الاستقامة طبيعة سلوك المسلم في حالتي الرَّخاء ، والشيِّدَّة 565.]) وفي قول خبيبٍ رضي الله عنه: (ما كنت لأفعل؛ إن شاء الله) يشير هذا الأسلوب في ا لبيان العربييِّ إلى أنَّ هذا الفعل غير واردٍ ، ولا متصوَّرٍ ، ولا هو في الحسبان ، في هذا الظَّرف الحاسم ، الَّذي قد يتعلَّق فيه الاستثناء لموقع الضَّرورة ، وإنقاذ المُهَجِّ ، لكنَّ المبدأ الأصليَّ الوفاءُ ، والكفُّ عن البرُاء لا تنهض له هذه الاعتبارات الموهو مة566]) أخلاق الإسلام على أنفسهم مع أعدائهم ـ وإن كانوا قد ظلموهم ـ ، وهذا دليلٌ على وعيهم ، وكمال إيمانَّم567.]) 5 ـ حبُّ النَّبيِّ (ص) عند الصَّحابة إنَّ حظَّ الصَّحابة من حبيِّه (ص) كان أتََّ ، وأوفرَ ، ذلك: أنَّ المحبَّة ثمرةُ المعرفة ، وهم بقدره (ص) ، ومنزلته أعلمُ ، وأعرفُ مِّنْ غيرهم ، فبالتَّالي كان حبُّهم له (ص) أشدَّ ، وأك 568.]) في حادثة الرَّجيع يظهر هذا الحبُّ في الحوار الهادأى بين أبي سفيان ، وبين زيدٍ ابن الدثنَّة؛ إذ قال له أبو سفيان: أتحبُّ أنَّ محمَّداً الان عندن مكانك تضرب عنقُه، وأنَّك في أهلك؟ فقال زيد: والله! ما أحبُّ أنَّ محمَّداً الان في مكانه الَّذي هو فيه تصيبه شوكةٌ؛ وإنييِّ جالسٌ في أهلي 569.]) وهذا الحبُّ من الإيمان ، فقد قال (ص «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجد حلاوة ا يمان: مَنْ كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه ممَّا سواها ، ومَنْ أحبَّ عبداً لا يَبُّه إلا لله ، ومَنْ يكرهُ أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يُلقى في النَّار»[21) ، ومسلم43.]) 6 ـ ممَّا قاله حسَّان في ذميِّ بني لحِّْيَان تأثَّر المسلمون بمقتل أصحاب الرَّجيع تأثُّراً بالغاً ، وكان حسَّان رضي الله عنه بشعره يعبريِّ عن حال المسلمين ، فمن يستحقُّ الهجاء ، هجاه ، ومَنْ يستحقُّ المدح؛ مدحه ، فقال في هجاء بني لحِّْيان: إِّنْ سرَّكَ الغَدْرُ صِّرْفاً لا مِّزاجَ لَهُ فَائْتِّ الرَّجيْعَ فَسَلْ عَنْ دَارِّ لحِّْيَانِّ

عدد الصفحات ١٢١

قـَوْمٌ تـَوَاصَوا بأَِّكْلِّ الجَارِّ بـَيـْنـَهُمُ فَالكَلْبُ والقِّرْدُ والإنْسَانُ مِّثْلانِّ لَوْ يـَنْطِّقُ التـَّيْسُ يـَوْماً قَامَ يخَطُبـُهُمْ وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِّيْهِّمْ وَذَا شَان 570]) رابعاً: طمع عامر بن الطُّفَيْل في المسلمين وفاجعة بئر معونة (4هـ عامر بن الطُّفيل زعيمٌ من زعماء بني عامرٍ ، كان متكبريِّاً متغطرساً ، طامعاً في الملك ، وكان يرى: أنَّ النَّبَّ (ص) سوف تكون له الغلبة على الجزيرة العربيَّة؛ ولذلك جاء هذا المشرك إلى النَّبيِّ (ص) ، وقال له: أُخيريِّك بين ثلاث خصالٍ: أن يكون ل ك أهلُ السَّهل ، ولي أهلُ المَدَرِّ ، أو أكونَ خليفَتَك ، أو أغزوك بأهل غَطَفان بألف أشقر وألف شقراء 4091]) الجاهليَّة ، وجاء إلى المدينة مُلاعِّبُ الأسنَّة سييِّد بني عامر عمُّ عامر بن الطُّفيْل ، وقدَّم إلى النَّبيِّ (ص هَدِّ يَّةً، فعرض عليه النَّبُّ (ص) الإسلام ، فلم يُسْلِّم ، ولم يـَبـْعُدْ من الإسلام ، وقال: يا محمد! لو بعثتَ رجالاً من أصحابك إلى أهل نجدٍ ، رجوتُ أن يستجيبوا لك ، فقال رسول الله (ص) : إنييِّ أخشى عليهم أهل نجدٍ ، قال مُلاعِّبُ الأسنَّة (أبو براء): أن لهم جارٌ ، فابعث إلى أهل نجدٍ مَنْ شئت. فبعث إليهم بقومٍ فيهم المنذرُ بن عمرو ، وهو الَّذي يقال له: الْمُعْنِّق لِّيَمُوت 571]) فاستجاش572]) يطيعوه ، وأبوا أن يخفروا مُلاعِّبَ الأسنَّة ، فاستجاش عليهم ب سُلَيم ، فأطاعوه ، فأتبعهم بقريب من مئة رجل رامٍ ، فأدركهم ببئر مَعُونة ، فقتلوهم إلا عمرو بن أميَّة573.]) ومن حديث أنسٍ رضي الله عنه قال: جاء نسٌ إلى النَّبيِّ (ص) ، فقالوا: أن ابعث معنا رجالاً يعليِّمون القران ، والسُّنَّة. فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار ، يقال لهم القُرَّاء ، فيهم خالي حَرَام ، يقرؤون القران ، ويتدارسون باللَّيل يتعلَّمون ، وكانوا بالنَّهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ، ويَتطبون ، فيبيعونه ، ويشترون به الطَّعام لأهل الصُّفَّة ، وللفقراء ، فبعثهم النَّبُّ (ص) إليهم ، فعَرَضُو ا لهم ، فـَقَتـَلُوهم ، قبل أن يَـبْـلُغُوا المكانَ ، فقالوا: الليهم بـَليِّغْ عنا نبيَّنا: أنَّ قد لَقِّيناك ، فرضينا عنك ، ورضيت عنَّا. قال: وأتى رجلٌ حراماً خال أنسٍ مِّنْ خلفه ، فطعنه بِّرُمْحٍ حتََّّ أَنـْفَذَهُ ، فقال حرام: فـُزْتُ وربيِّ الكعبة ، فقال رسول الله (ص) لأصحابه: «إنَّ إخوانكم قد قُتلوا ، وإنََّّم قالوا: الليهم بـَليِّغْ عنا نبيَّنا أن قد لقيناك ، فرضينا عنك ، ورضيت عنَّا »[1/416) ، ومسلم677) ، والبيهقي في الدلائل (3/344.])

عدد الصفحات ١٢٢

وفي هذه الحادثة المؤلمة ، والفاجعة المفجعة دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد؛ منها: 1 ـ لابدَّ للدَّعوة من تضحيات رأينا كيف غَدَرَ حلفاء هُذَيْل بأصحاب الرَّجِّيع من القُـرَّاء ، الَّذين أرسلهم النَّبُّ (ص) معليِّمين ، ومفقيِّهين في غزوة الرَّجيع ، وها هنا عامر بن الطُّفيل يغدر بالسَّبعين القرَّاء ، الَّذين استنفروا للدَّعوة إلى الله ، والتَّفقيه في دين الله ، في مجزرة رهيبةٍ دنيئةٍ ، وذلك في يوم بئر معونة. وقد تركتْ هذه المصائب في نفس رسول الله (ص) اثاراً غائرةً ، بعيدة الأعماق ، حتََّّ إنَّه لبث شهراً يـَقْنُت في صلاة الفجر داعياً على قبائل سُلَيْم؛ الَّتي عَصَتِّ اللهَ ، ورسولَه (ص574]) عباسٍ رضي الله عنهما قال: قنت رسول الله (ص) شهراً متتابعاً في الظُّهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، وصلاة الصُّبح ، في دبر كليِّ صلاة ، إذا قال: «سمع اللهُ لمن حمده»من الرَّكعة الأخيرة ، يدعو على أحياءٍ من بني سُلَيم؛ على رِّعْلٍ وذَكْ وَانَ وعُصَيَّةَ ويؤميِّنُ مَنْ خلفه1/301 ـ302 ) ، وأبو داود443) ، وابن خزيمة618.]) قال أنسُ بن مالكٍ رضي الله عنه: وذلك بدء القنوت ، وما كنَّا نَقنُتُ ، وسأل رجلٌ أنساً عن القنوت أبعد الرُّكوع ، أو عند فراغٍ من القراءة ، قال: لا ، بل عند فراغٍ من القراءة (4088([])575.]) لكن ذلك لم يفتَّ في عَضُدِّ المسلمين ، ولا فترَّ من حميَّتهم في الدَّعوة إلى الله ، ولا كسر من عزمهم مواصلة الدَّعوة ، وخدمة دين الله ، لأنَّ مصلحة الدَّعوة فوق الأنفس والديِّماء؛ بل إنَّ الدعوة لا يكتب لها النَّ صر؛ إذا لم تـُبْذَلْ في سبيلها الأرواحُ ، ولا شيء يمكيِّن للدَّعوة في الأرض مثل الصَّلابة في مواجهة الأحداث ، والأزمات ، واسترخاص التَّضحيات من أجلها. إنَّ الدَّعوات بدون قوى ، أو تضحيات ، يوشك أن تكون بمثابة فلسفات ، وأخيلةٍ ، تلفُّها الكتب ، وترويها الأساطير ، ثمَّ تُطْوَى مع الزَّمن. إن حادثتي الرَّجيع وبئر مَعُونة ، تـُبَصيِّراننا بالمسؤولية الضَّخمة عن دين الله ، والدَّعوة إليه ، وضعت نُصْبَ أعيننا 576]) أجل عقيدتهم ، ودينهم ،ومرضاة ربهيِّم. إنَّ للسَّعادة ثمناً ، وإنَّ للرَّاحة ثمناً ، وإنَّ للمجد والسُّلطان ثمناً ، وثمن هذه الدَّعوة دمٌ زكيٌّ يُراق في سبيل الله ، من أجل تحقيق شرع الله ونظامه ، وتثبيت معالم دينه على وجه البسيطة 577.])

عدد الصفحات ١٢٣

2 ـ فزت وربيِّ الكعبة صاحب الكلمة حرام بن مِّلْحانَ رضي الله عنه ، فعندما اخترق الرُّمْحُ ظهرَه حتََّّ خرج من صدره ، وأصبح يتلقَّى الدَّم بيديه ، ويمسح به وجهه ، ورأسه ، وقال: فزت وربيِّ الكعبة 4092.]) إنَّ هذا المشهد يجعل أقسى القلوب ، وأعظمها تحجُّراً يتأثَّر ، ويستصغر نفسه أمام هؤلاء ال عظماء الَّذين لا تَصْفَرُّ وجوههم فزعاً من الموت ، وإنما يعلوها البِّشْرُ والسُّرور ، وتغشاها السَّكينة والطُّمأْنينة578.]) وهذا المنظر البديع الرَّائع الَّذي لا يتصوَّره العقل البشريُّ المجرَّد عن الإيمان جعل جَبَّار بن سلمى ، وهو الَّذي طعن حرام بن ملحان يتساءل عن قول حرام: «فزت وربيِّ الكعبة »وهذا جبَّار يَديِّثنا بنفسه ، فيقول: إنَّ ممَّا دعاني إلى الإسلام: أنييِّ طعنت رجلاً منهم يومئذٍ برمح بين كتفيه ، فنظرت إلى سِّنَان الرُّمح حين خرج من صدره ، فسمعته يقول: «فزت وربيِّ الكعبة »فقلت في نفسي ما فاز ، ألست قد قتلت الرَّجل؟! حتََّّ سألت بعد ذلك عن قوله ، فقالوا: للشَّهادة. فقلت: فاز لَعَمْرُ الله! فكان سبباً لإسلامه3/353([])579.]) وهذا الموقف الخارق للعادة يدعونـا للتَّساؤل: هل يتعرض الشَّهيد لألم الموت؟ وتأتينا الإجابة الشَّافية من رسو ل الله (ص) الَّذي لا ينطق عن الهوى في قوله: «ما يجد الشَّهيد من مسيِّ القتل إلا كما يجد أحدكم من مَسيِّ القَرْصةَ »[1668) ، والنسائي6/36) ، وابن ماجه (2802.]) فللشهيد منزلةٌ خاصَّة عند الله ، فجزاء الثَّمن الباهظ الَّذي يدفعه ، وهو روحه رخيصةًسبيل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ ، لم يبخسه الحكم العدل حقَّه ، فكافأه مكافأةً بستيِّ جوائز ، كلُّ واحدةٍ منها تعدل الدُّنيا وما فيها ، فعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) : «للشَّهيد عند سِّتُّ خصالٍ: يُغفَر له في أوَّل دفعةٍ من دمه ، و يَرى مقعده من الجنَّة ، ويجُار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر ، ويََُلَّى حُلَّة الإيمان ، ويزوَّج من الحور العين ، ويُشفَّع في سبعين إنسانً من أقاربه» [1663) ، وابن ماجه2799([])580.]) هذا بالإضافة إلى الوسام المميَّز المشرَّف؛ الَّذيتي به يوم القيامة: وجُرْحُهُ كهيئته يوم جُرِّح: «اللَّون لون الدَّم ، والريِّيح ريح المسك»[1656.])

عدد الصفحات ١٢٤

كما أنَّ حياة الشُّهداء لا تنتهي بمجرَّد موتهم ، بل هم أحياء يرزقون ، ويتنعمون عند ربهيِّم 581 .]) قال تعا سَبِّيلِّ الِلَِّّّ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِّنْدَ رَبهيِِّّمْ يـُرْزَقُونَ [عمران 169.] 3 ـ عدم معرفة النَّبيِّ (ص) للغيب إنَّ حادثتي بئر مَعُونة والرَّجيع ، وغيرها تدلاَّن على أنَّ الرَّسول (ص) لا يعلم الغيب ، كما دلَّت على ذلك أدلَّةٌ أخرى منها قو له ـ عزَّ وجلَّ ـ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثـَرْتُ مِّنَ الخَْيرِّْ وَمَا مَسَّنيَِّ السُّوءُ إِّنْ أَنَ إِّلاَّ نَذِّيرٌ وَبَشِّيرٌ لِّقَوْمٍ يـُؤْمِّ نُونَ[ 188.] فالله ـ عزَّ وجلَّ ـ وحده عالم الغيب ، والرُّسل والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علَّمهم ربهُّم ـ عز وجلَّ ـ582{ :]) بـَينِّْ يَدَيْه وَمِّنْ خَلْفِّهِّ رَصَدًا[26 ـ27.] 4 ـ الوفاء بالعهد وقع عمرو بن أميَّة الضَّمْريُّ رضي الله عنه أسيراً في بئر مَعُونة ، ولمَّا علم عامرُ بن الطُّفَيل: أنَّه من مُضر أطلقه ، وجزَّ نصيته ، وأعتقه عن رقبة زعم أنََّّا كانت على أميِّه ، فلمَّا خرج عمرو قاصداً المدينة ، نزل في طريقه في ظليٍ ، والتقى برجلين من بني عامر ـ وكان معهما عقدٌ من رسول الله ، وجوار ، لم يعلم به عمرو بن أميَّة ـ وقد سألهما حين نزلا: ممَّن أنتما؟ فقالا: من بني عامر ، فأمهلهما ، حتََّّ إذا نما ، عدا عليهما ، فقتلهما ، وهو يرى أنَّ ه قد أصاب بهما ثـُؤْرةً583]) أصحاب رسول الله (ص) ، فلمَّا قدم عمرو بن أميَّة على رسول الله ، فأخبره الخبر ، قال رسول (ص) : لقد قتلت قتيلين؛ لأدِّينَّهما584.]) وهذا موقفٌ رفيعٌ ، فقد وَدَى (ص) ذينك الرَّجلين العامريين ال لَّذينِّ قتلهما عمرو بن أميَّة الضَّمريُّ؛ لكونَّما يَملان عقداً منه (ص) ، ولم يؤاخذها بما فعل بعض أفراد قومهما ، وهذا يمثيِّل منتهى القمَّة في الوفاء بالعهود. قد كان بإمكان النَّبيِّ (ص) أن يعتبر عمل عمرو بن أميَّة جزءاً من الانتقام الَّذي ينبغي أن يواجه به المجرمون المعتدون ، ولكنْ ما ذنب الأبرياء حتَّ يؤخذوا بجريرة المعتدين مِّنْ قومهم؟!

عدد الصفحات ١٢٥

إنَّ التَّوجيهات الإسلاميَّة الرَّفيعة دفعت بالمسلمين ، ونبييِّهم (ص) إلى الرُّقييِّ الأخلاقي ، الَّذي لا نظ له في دنيا النَّاس 585.]) 5 ـ الصَّحابيُّ الجليل عامر بن فـُهَة رضي الله عنه: «لما قُتل الَّذين ببئر مَعُونة وأُسِّرَ عمرُو بن أُميَّة الضَّمري ، قال له عامر بن الطُّفَيْل: من هذا ـ وأشار إ قتيل ـ؟ فقال له عمرُو بن أميَّة: هذا عامرُ بن فـُهَيرة. فقال: لقد رأيتُه بعدما قُتل رُفع إلى السَّماء ، حتََّّ إنييِّ لأنظرُ إلى ا لسَّماء بينه وبين الأرض ، ثمَّ وُضعِّ »[4096([])586.]) 6 ـ حسَّان بن ثابت رضي الله عنه يَريِّض على قتل عامر بن الطُّفَيْل كان حسَّان رضي الله عنه من رجالات المؤسَّسة الإعلاميَّة ، فكان يشنُّ الحرب النَّفسيَّة على الأعداء ، وكان بجانبه كعبُ بن مالكٍ ، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم ، فلم يتركوا حدثاً من أحداث السيِّيرة إلا قالوا فيه شعراً ، وكلُّ قصيدةٍ للكافرين يردُّون عليها بقصائدَ ، وقد عَلِّمنا ما أحدثه شعر حسَّان في طرد كعب بن الأشرف اليهودييِّ ، وكان (ص) يتعهَّد شعراء الدَّولـة الإسلاميَّة ويشجيِّعهم على خوض هذا البـاب من الجهـاد ، فعلى المسلمين المعاصرين قـادةً ، وزعمـاء ، وعلماء ، وفقهاء ، وجماعات. أن يرعـوا شعراءهم ، ويشجيِّعوهم لـخوض هذا الجهاد العظيم 587.]) ولمَّا بلغ حسَّانً خبرُ أصحاب بئر مَعُونة ، نَظَمَ أبياتاً تناقلتها الرُّكبان ،يَثُّ فيها ربيعةَ بن عامر بن مالك مُلاعبِّ الأسِّنَّة ، ويَريِّضه بعامر بن الطُّفيل بإخفاره ذمَّة أبيه أبي براء: ألا مَنْ مُبْلِّغٌ عَنييِّ رَبِّيْعاً بمَِّا أَحْدَثَتْ فيِّ الحِّدْثاَنِّ بـَعْدِّي أَبـُوْكَ أبُو الفِّعَال أَبُو بـَرَاءٍ وَخَالُكَ مَاجِّدٌ حَكَمُ بنُ سَ عْدِّ بَنيِّ أُميِّ البَنِّينَْ ألمَْ يـَرُعْكُمْ وَأَنـْتُمْ مِّنْ ذَوَائِّبِّ أهْلِّ نجَْدِّ تحََكُّمُ عَامِّرٍ بأبيِّ بـَرَاءٍ لِّيَخْفِّرَهُ وَمَا خَطَأٌ كَعَمْد588]) فلمَّا بلغ ربيعة بن أبي براء هذا الشيِّعْرُ ، وكان الشيِّعر عندهم أوجع مِّنْ رشق النـَّبْل ، وقطْع السُّيوف للريِّقاب ، وطعن النُّحور بالريِّماح: قام ربيعةُ بأخذ ثأر أبيه ، فضرب عامرَ بنَ الطُّفيل ضَرْبةً أشواه بها ـ أي: لمَْ تصب منه مقتلاً ـ فوثب عليه قومُه ، وقالوا لعامرٍ: اقتصَّ! فقال: قد عفوت ، وإن عِّشْتُ فسأرى رأيي فيما أتى إ589.]) وممَّا قالهحسَّان وهو يبكي قتلى بئر مَعُونة ، ويخصُّ المنذرَ بن عمرو رضي الله عنه: عَلَى قـَتـْلَى مَعُوْنَةَ فَاسْتَهِّليِّي بِّدَمْعِّ العَينِّْ سَحياً غَيـْرَ نـَزْر590])

عدد الصفحات ١٢٦

عَلَى خَيْلِّ الرَّسُولِّ غَدَاةَ لاَقَوا مَنَاياَهُمْ وَلاَ قـَتـْهُم بقَدْرِّ أَصَابـَهُمُ الفَنَاءُ بِّعَقْدِّ قـَوْمٍ تخُُويِّن عَقْدُ حَبْلهِّمُ بغَدْر591]) فيا لهفي لِّمُنْذرٍ إذْ تـَوَ وَأَعْنَقِّ فيِّ مَنِّيَّتِّه بِّصَبرْ 592]) 7 ـ مصير عامر بن الطُّفيل العامري استجاب الله لدعاء نبييِّه (ص) ، فقد دعا (ص) على عامر بن الطُّفَيْل ، فقال: «الليهُماكفني عامراً!» [5724) ، ومجمع الزوائد6/125 ـ126([ ])593]) عُضَال594])«غدةٌ كغدَّة البع[»595]) وهو وصفٌ دقيقٌ للطَّاعون الدُّبلي ، الَّذي يتميَّز (بارتفاع درجة الحرارة ، وتضخم العقد الليمفاوية في منطقة الإرب ، وتحت الإبط ، وكذا تضخُّم الطيِّحال596]) حتََّّ أصبح حبيساً في بيت امرأةٍ من قومه لقد أُصيب عامرُ بن الطُّفَيْل ، وتلاشت أحلامُه بالتَّملُّك على أهل المدن في الجزيرة العربيَّة ، أو خلافة النَّبيِّ (ص) ، وأمَّا تلك الجيوشُ الَّتي هدَّد النَّبَّ (ص) بها ، فقد تحوَّلت إلى الام تحبسه في بيت امرأةٍ ، قد ولىَّ عنه النَّاس ، ونفروا منه خشيةَ العدوى ، ففقدَ صوابَه ، وصرخ بمن بقي حوله ، فقال: «غُدَّةٌ كغُدَّة البكر في بيت امرأةٍ من بني ال فلان ، ائتوني بفرسي ، فمات على ظَهر فـَرَسِّه »[ (4091([])597]) أنفسهم من العدوى598.]) * * *

عدد الصفحات ١٢٧

المبحث الثَّا زواج النَّب (ص) بأميِّ المساكين ، وأميِّ سلمة ، وأحداثٌ متفريِّقةٌ أولاً: زينب بنت خُزَيمة أمُّ المساكين رضي الله عنها: هي زينب بنت خُزَيمْة بن الحارث الهلاليَّة ، فهي من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ، وكانت تسمَّى في الجاهليَّة أمَّ المساكين؛ لإطعامها إياهم. تزوَّجها رسول الله (ص) في رمضان على رأس واحدٍ وثلاثين شهراً من الهجرة ، فمكثت عنده ثمانية أشهر ، وتـُوُفيِّيَتْ في حياته (ص) في اخر ربيعٍ الأوَّل على رأس تسعة وثلاثين شهراً ، ودفنت في مدينة رسول الله (ص599. ]) كانت زينب بنت خزيمة تحت عبد الله بن جحش بن رئاب ، الَّذي قُتل في معركة أُحدٍ شهيداً في سبيل الله تعالى ، فتزوَّجها (ص) إكراماً لها بعد أن فُجِّعَتْ بقتل زوجها في معركة أُحدٍ ، ولم يتركها أرملةً وحيدةً ، فكأنَّه (ص) كافأها على فضائلها بعد مصاب زوجها600.]) ثانياً: زواج النَّبيِّ (ص) بأميِّ سلمةَ رضي الله عنها هي هند بنت أبي أميَّة حُذافة بن المغيرة القرشيَّة المخزومية ، كانت زوجة ابن عميِّها أبي عبد الله بن عبد الأسد ، وزوجها هذا هو ابن عمَّة الرَّسول (ص) برَّة بنت عبد المطلب ، وهو أيضاً أخو رسول الله (ص) من الرَّضاعة ، وقد هاجرت أمُّ سلمة رضي الله عنها وزوجُها أبو سلمةَ إلى الحبشة فراراً بدينهما من المشركين ، ثمَّ رجعا إلى مكَّة وهاجرا إلى المدينة بعد أن هاجر إليها رسول الله (ص) والمسلمون601.]) 1 ـ حديث أميِّ سلمةَ لأبي سلمةَ رضي الله عنهما قالت أُمُّ سلمة لأبي سلمة: بلغني: أنه ليس امرأةٌ يموت زوجها؛ وهو من أهل الجنَّة ، ثمَّ لم تتزوَّج بعده ، إلا جمع الله بينهما في الجنَّة؛ فتعال أعاهدك ألا تزوَّج بعدي ، ولا أتزوَّج بعدك! قال: أتطيعينني؟ قالت: نعم. قال: إذا متُّ تزوَّجي ، الليهم! ارزق أمَّ سلمة بعدي رجلاً خيراً منييِّ ، لا يَزنَّا ، ولا يُؤذيها. فلمَّا مات؛ قلتُ: مَنْ خيرٌ م ن أبي سلمة؟ فما لبث وجاء رسولُ الله (ص) ، فقام على الباب فذكر الخطبة إلى ابن أخيها ، أو ابنها ، فقالت: أردُّ على رسول الله (ص) ، أو أتقدَّم عليه بعيالي ، ثمَّ جاء الغد ، فخطب602.])

عدد الصفحات ١٢٨

2 ـ دعاءُ أميِّ سلمة لمَّا توفييِّ زوجُها لمَّا تُوفي زوجُها أبو سلمة من أثر جراحاتٍ أصابته في قتاله للمشركين ، وكانت تحبُّه ، وتجلُّه ، جاءت للنَّبيِّ (ص) ، فقالت: يا رسول الله! إنَّ أبا سلمةَ قد مات! قال (ص) «قولي: اللَّهم! اغفر لي ، وله ، وأعقب603]) .»قالت: فقلت ، فأعْقَبَني اللهُ مَنْ هو خَيـْرٌ لي من ه محمَّداً (ص) . [6/291 و306) ، ومسلم919) ، وأبو داود3115) ، والنسائي4/4) ، وابن ماجه (1447.]) 3 ـ حوار رسول الله (ص) لأميِّ سلمة عندما خطبها قال عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما: إنَّ أمَّ سلمة لما انقضت عدَّتها ، خطبها أبو بكر ، فردَّته، ثمَّ خطبها عمر ، فردَّتـه ، فبعث إليها رسول الله (ص) ، فقالت مرحباً: أخبرِّْ رسولَ الله: أنييِّ غَيـْرَى604])605]) فبعث إليها«أمَّا قولك: إنييِّ مصبيةٌ فإنَّ الله سيكفيك صبيانك. وأمَّا قولُك: إنييِّ غيرى ، فسأدعو الله أن يُذْهِّبَ غيرتك. وأمَّا الأولياء ، فليس أحدٌ منهم إلا سيرضى بي »[6/313 ـ314) ، والنسائي (6/81 ـ82([])606]) (ص) لها«وأمَّا السيِّنُّ؛ فأن أكبر منك »[8/90]) أحسن إليها (ص الجواب ، وما كان إلا محسناً607.]) قالت أمُّ سلمة: يا عمر«أي ابنها»قم فزويِّجْ رسولَ الله (ص كثير في تعليقه على قول أميِّ سلمة: قم يا عمر فزويِّج النَّبيِّ (ص) : تعني: قد رضيت ، وأذنت ، فتوهَّم بعضُ العلماء: أنََّّا تقول لابنها عمر بن أبي سلمة وقد كان ذاك صغيراً لا يلي مثلُه العقد ، وقد جمعتُ في ذلك جزءاً مفرداً بيَّنت فيه الصَّواب في ذلك ، ولله الحمد والمنَّة ، وإنَّ الذي ولي عقدها عليه ابنُها سلمة بن أبي سلمة ، وهو أكبر ولدها608.]) 4 ـ تأثيث رسول (ص) لبيت أميِّ سَلمةَ ، ومعاملته لها: فلمَّا وافقت على الزَّواج؛ قال لها رسولُ الله (ص) : «أما إنييِّ لا أُنقصكِّ ممَّا أَعْطَيْت فلانة ؛ رحيين ، وجرَّتين ، ووسادةً من أدَمٍ حشوها ليفٌ »[ وكانت أمُّ سلمـة قد ولـدت طفلـةً من زوجها أسلمة بعد موته، فعندما تزوَّجها (ص) ؛ جعل يأَْتيها ، فـإذا جاء؛ أخذت زينبَ ، فوضعتها في حجرهـا لترضعها ، وكان (ص) حييياً كريماً يستحيي؛ فيرجع ،

عدد الصفحات ١٢٩