فـَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِّنييِّ بَرِّيءٌ مِّنْكَ إِّنييِّ أَخَافُ الِلََّّ رَبَّ الْعَالَمِّينَ *فَكَانَ عَاق بـَتـَهُمَا أَنـَّهُمَا فيِّ النَّارِّ خَالِّدَيْنِّ فِّيهَا وَذَلِّكَ جَزَاءُ الظَّالِّمِّينَ ثمَّ لمَّا حقَّت الحقائق ، ووقع عليهم الحصار ، والقتال ، تخلَّوا عنهم ، وأسلموهم للتَّهلكة ، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سَوَّل للإنسان ـ والعياذ بالله ـ الكفر ، فإذا دخل فيما سوَّله له تبرَّأ منه ، وتنصَّل ، وقال وقولـه: أي: فكان عاقبة الامرلِّكَ جَزَاءُ الظَّالِّمِّينَ ، وهو الشَّيطان ، والفاعل له ، وهو المستجيب للشَّيطان: أنََّّما في النار خالدين فيها أبد الابدين { وَذَلِّكَ جَزَاءُ الظَّالِّمِّينَ أي: جزاء كليِّ ظالمٍ [674]). 7 ـ وعظُ المؤمنين ، وتذكيرهم باليوم الاخر ، وبيانُ الفرق الشَّاسع بين أصحاب الجنَّة ، وأصحاب النار: قال تعاالِلََّّ خَبِّيرٌ بمَِّا تـَعْمَلُونَ *وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِّينَ نَسُوا الِلََّّ فَأَنْسَاهُمْ أَنـْ فُسَهُمْ أُولَئِّكَ هُمُ الْفَاسِّقُونَ *لاَ يَسْتَوِّي أَصْحَابُ النَّارِّ وَأَصْحَابُ الجَْنَّةِّ أَصْحَابُ الجَْنَّةِّ هُمُ الْفَائِّزُونَ[18 ـ20.] وهـذه الاياتُ الكريمةُ أصلٌ في محاسبـة العبد نـفسه ، وأنَّـه ينبغي له أن يتفقَّدها ومع الانتصارات ا لعظيمة الَّتي حقَّقها المسلمون بالقضاء على يهود بني النَّضير ، والتَّوسُّع الاقتصاديُّ الَّذي حدث للصَّحابة ، مع توسُّع موارد الدَّولة بدخول مصدر الفيء يأتي القران الكريم في هذه الحادثة؛ ليؤكيِّد على معاني العقيدة ، وأصولها ، والتَّذكير باليوم الاخر ، والاستعداد له ، فيأمر المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ أفراد المجتمع المسلم بما يوجبه الإيمان ، ويقتضيه من لزوم التَّقوى سرياً وعلانيةً ، ومراعاة ما أمرهم الله به من أوامره ، وحدوده ، وينظروا ما لهم ، وما عليهم ، وماذا قدموا من الأعمال ، وهل تنفعهم ، أو تضرُّهم يوم القيامة؟ وطلب منهم المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ أن يجعلوا الآخرة نُصْبَ أعينهم ، وقبلةَ قلوبهم ، وأن يهتمُّوا بشأنَّا ، ويجتهـدوا في كثرة الأعمال الَّتي توصلهم إلى رضا الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وأن يتغلَّبوا على القواطع ، ويزيلوا العوائق الَّتي توقفهم عن السَّير نحو مرضاة الله ـ سبحانه وتعالى ـ674.]) وجاء التعبير القرانيُّ بقوله يريد يوم لا محالة ، وكلُّ اتٍ قريبٌ 675.])
عدد الصفحات ١٤٦وأعلمهم ـ سبحانه وتعالى ـ: أنَّه خبير بما يعملون ، ولا تخفى عليه أعمالهُم ، وتضيع لديه ، ولا يهملها؛ لكي يجَِّدُّوا ، ويجتهدوا676.]) وحذَّرهم من أن يكونوا كالَّذين غفلوا عن ذكر الله ، فأنساهم الله العمل لمصالح نفوسهم ، فصاروا من الفاسقين عن أمره الخارجين عن حدود دينه. ثمَّ نفى ـ سبحانه وتعالى ـ المساواة بين أصحاب الجنَّة وأصحاب النَّار ، وبينَّ: أنَّ أصحاب الجنَّة هم الفائزون بالنَّعيم الخالد ، النَّاجون من عذاب الله ، أمَّا أصحاب النَّار؛ فهم الخاسرون677.]) وهذا التَّفصيل ، والتَّذكير ، والوعظ ، وتقريب الاخرة من الأذهان ، والقلوب موجبٌ لأهل الإيمان إ المبادرة والمشاركة في الخير ات. 8 ـ عظمة القران الكريم ، وعلوُّ منزلته ، وبعض صفات الله الجليلة الَّتي تليق به ـ سبحانه وتعالى ـ 1 ـ قال تعا الأَمْثَالُ نَضْرِّبـُهَا لِّلنَّاسِّ لَعَلَّهُمْ يـَتـَفَكَّرُونَ [21.] ومعنى الاية: لو جعلنا في الجبل عقلاً ، كما جعلنا فيكم أيُّها الناس! ثمَّ أنزلنا عليه القران ، لخشع هذا الجبل ، وخضع ، وتشقَّق من خشية الله ، وهذا تمثيل لعلويِّ شأن القران ، وقوَّة تأثير ما فيه من المواعظ ، والزَّواجر ، وفيه توبيخٌ للإنسان على قسوة قلبه ، وقلَّة تخشُّعه حين قراءة القران ، وتدبُّر ما فيه من القوارع الَّتي تذلُّ لها الجبال الرَّاسيات 678]) ويوضيِّح لعباده الحلال ، والحرام؛ لأجل أن يتفكَّروا في اياته ، ويتدبَّروها؛ لأن التفكير فيها يفتح للعبد خزائن العلم ، ويبينيِّ له طريق الخير ، والشَّريِّ ، ويَثُّه على مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيِّيم ، ويزجره عن مساوأى الأخلاق؛ فلا أنفع للعبد من التفكُّر في القران ، والتدبُّر لمعانيه679.]) 2 ـ واية سورة الحشر تحدَّثت الايات الكريمة عن بعض أسماء الله الحسنى ، وأوصافه العلا. قال تعالى: {ذِّي لاَ إِّلَهَ إِّلاَّ هُوَ الْمَلِّكُ الْ قُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِّنُ الْمُهَيْمِّنُ الْعَزِّيزُ الجَْبَّارُ الْمُتَكَبريُِّ سُبْحَانَ الِلَِّّّ عَمَّا يُشْرِّكُونَ *هُوَ الِلَُّّ الخَْالِّقُ الْبَارِّىءُ الْمُصَويِّرُ لَهُ الأَسمَْاءُ الحُْسْنىَ يُسَبيِّحُ لَهُ مَا فيِّ السَّمَاوَاتِّ وَالأَرْضِّ وَهُوَ الْ عَزِّيزُ الحَْكِّيمُ[ 22 ـ24.]
عدد الصفحات ١٤٧وهكذا خُتِّمتِّ السُّورة الكريمة بما يليق بجلاله من صفاتٍ جليلةٍ ، لكي يتربََّ المجتمع المسلم على تحقيق العبودية لله ، ويتعرَّف إليه من خلال أسمائه الحسنى ، وصفاته العلا ، وذلك لكماله العظيم ، وإحسانه الشَّامل ، وتدبيره العاميِّ ، وكلُّ إله غيره فإنَّه باطلٌ ، لا يستحق من العبادة مثقال ذرَّةٍ ، لأنَّه فقيرٌ ، عاجزٌ ، نقصٌ ، لا يملك لنفسه ، ولا لغيره شيئاً. ثمَّ وصف نفسه بعموم العلم الشَّامل ، لما غاب عن الخلق ، وما يشاهدونه ، وبعموم رحمته؛ الَّتي وسعت كلَّ شيءٍ ، ووصلت إلى كليِّ حييٍ ، ثمَّ كرَّر ذكر عموم ألوهيته ، وانفراده بها ، وأنَّه المالك لجميع الممالك ، فالعالم العلويُّ ، والسُّفليُّ ، وأهله؛ الجميع مماليك للهِّ ، فقراء مُدَبـَّرُون. {أي: المقدَّس السَّالم من كليِّ ، ونقص ، المعظَّم ، المُ مَجَّد؛ لأنَّ القدُّوس يدلُّ على التَّنزيه من كليِّ نقصٍ ، والتَّعظيم لله في أوصافه ، وجلاله. {أي: المصديِّق ، وأنبيائه بما جاؤوا به بالآيات البينات ، والبراهين القاطعات ، والحجج الواضحات. {الَّذي يغالَب ، ولا يمانَع ، بل قد قهر كل شيءٍ ، وخضع له كلُّ شيءٍ. {الَّذي قهر جميع ، وأذعن له سائر الخلق؛ الَّذي يجبر الكسير ، ويغني الفق {الَّذي له الكبرياء ، المتنزيِّه عن جميع العيوب ، والظُّلم ، والجور {وهذا تنزيهٌ عام عن كل وصفه به مَنْ أشرك به ، وعانده. { لجميعالمخلوقات. { للمبروءات { للمصويِّرات وهذه الأسماء متعلقةٌ بالخلق ، والتَّدبير ، والتَّقدير ، وأنَّ ذلك كلَّه قد انفرد الله به ، لم يشاركه فيه مشاركٌ. {سمَْاءُ الحُْسْنىَأي: له الأسماء الكثيرة جدياً، الَّتي يَصيها، ولا يعلمها أحدٌ إلا هو ، ومع ذلك فكلُّها حُسنى؛ أي: صفات كمالٍ ، بل تدلُّ على أكمل الصيِّفات ، وأعظمها ، لا نقص في شيءٍ منها بوجهٍ من الوجوه. ومن حسنها: أنَّ الله يَبُّها ، ويَب مَنْ يَبُّها ، ويَبُّ من عباده أن يدعوه ، ويسألوه بها.
عدد الصفحات ١٤٨ومن كماله ، وأنَّ له الأسماء الحسنى ، والصيِّفات العليا: أنَّ جميع من في السَّموات؛ والأرض مفتقرون إليـه على الدَّوام ، يسبيِّحون بحمـده ، ويسألونـه حوائجهم ، فيعطيهم من فضله ، وكرمه ، ما تقتضيه رحمتُه ، وحكمته. {هُوَ الْعَزِّيزُ الحَْكِّيمُ الَّذي يريد شيئاً إلا ويكون ، ولا يكويِّن شيئاً إلا لحكمةٍ ومصلحةٍ680.]) إنَّ معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلا ، تتضمَّن أنواع التَّوحيد الثلاثة: توحيد الرُّبوبيَّة ، وتوحيد الإلهيَّة ، وتوحيد الأسماء والصيِّفات ، ولذلك تربََّ الصَّحابة على معرفتها ، والعمل بها ، فأنواع التَّوحيد هي رُوح الإيمان ، ورَوْحُه ، وأصله ، وغايته ، فكلَّما ازداد العبد معرفةً بأسماء الله ، وصفاته؛ ازداد إيمانه ، وقوي يقينه ، فهذا العلم رسخ في قلوب الصَّحابة ، فأوجب لهم خشية الله ، ومعرفته حقَّ الم عرفة ، فعملوا بموجبها 681.]) 9 ـ تحريم الخمر حريِّمت الخمر ليالي حصار بني النَّض682])683 ]) ، وقد خضع تحريم الخمر لِّسُنَّة التَّدَرُّج ، وكان ذلك التَّحريم على مراحل معروفةٍ في تاريخ التَّشريع الإسلامييِّ ، حتََّّ نزلت الايات الحاسمة في النَّهي عنها من سورة المائدة ، وفي ختامها مُنـْتـَهُونَ[91]684.]) وفي قوله تعا إِّثمٌْ كَبِّيرٌ وَمَنَافِّعُ لِّلنَّاسِّ وَإِّثمُْهُمَا أَكْبـَرُ مِّنْ نـَفْعِّهِّمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يـُنْفِّقُونَ قُلِّ الْعَفْوَ كَذَلِّكَ يـُبـَينيُِّ الِلَُّّ لَكُمُ الآياَتِّ لَعَلَّكُمْ تـَتـَفَكَّ رُونَ[ 219.] يقول سييِّد قطب ـ رحمه الله ـ«وهذا النصُّ الَّذي بين أيدينا كان أوَّلَ خُطوةٍ من خطوات التَّحريم ، فالأشياء ، والأعمال قد لا تكون شرياً خالصاً ، فالخير يلتبس بالشَّريِّ ، والشَّرُّ يلتبس بالخير في هذه الأرض ، ولكنَّ مدار الحليِّ والحُرْمة هو غلبة الخير أو غلبة الشَّريِّ ، فإذا كان الإثم في الخمر والميسر أكبر من النَّفع ، فتلك علَّة تحريمٍ ، ومنعٍ وإن لم يصرَّح هنا بالتَّحريم ، والمنع. هنا يبدو لنا طرفٌ من منهج الترَّبية الإسلاميَّة القرانيَّة الرَّبانيَّة الحكيمة ، وهو المنهج الَّذي يمكن استقراؤه في الكثير من شرائعه ، وفرائضه ، وتوجيهاته؛ ونحن نش ير إلى قاعدةٍ من قواعد هذا المنهج بمناسبة الحديث عن الخمر ، والميسر ، عندما يتعلَّق الأمر ، أو النَّهي بقاعدةٍ من قواعد التَّصوُّر الإيمانييِّ ـ أي: بمسألةٍ اعتقاديَّةٍ ـ فإنَّ الإسلام يقضي فيها قضاءً حاسماً منذ اللَّحظة الأولى.
عدد الصفحات ١٤٩ولكن عندما يتعلَّق الأمر ، أو النَّهي بعبادةٍ ، وتقليدٍ ، أو بوضعٍ اجتماعييٍ مُعَقَّد ، فإنَّ الإسلام يتريَّث به ، ويأخذ المسألة باليسر ، والتدرُّج ، ويهييِّأى الظُّروف الواقعة الَّتي تـُيَسيِّرُ التَّنفيذ والطَّاعة ، فعندما كانت المسألة مسألة التَّوحيد ، أو الشيِّرك؛ أمضى أمره منذ اللَّ حظة الأولى في ضربةٍ حازمةٍ جازمةٍ ، لا تردُّد فيها ، ولا تـَلَفُّت ، ولا مجاملة فيها ، ولا مساومة ، ولا لقاء في منتصف الطَّريق؛ لأنَّ المسألة هنا مسألةٌ أساسيَّةٌ للتَّصوُّر ، لا يصلح بدونَّا إيمانٌ ، ولا يقام إسلامٌ. فأمَّا الخمر ، والميسر؛ فقد كان الأمر أمر عادةٍ ، وألفة ، والعادة تحتاج إلى علاجٍ ، فبدأ بتحريك الوجدان الديِّيني المنطقييِّ التَّشريعييِّ في نفوس المسلمين بأنَّ الإثم في الخمر ، والميسر أكبرُ من النَّفع ، وفي هذا إيَاءٌ بأنَّ تركهما هو الأولى ، ثمَّ جاءت الخطوة الثَّانية باية سورة النيِّساء تـَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنـْتُمْ سُكَارَى حَتََّّ تـَعْلَمُوا مَا تـَقُولُونَ [43.] والصَّلاة في خُسة أوقات ، معظمها متقاربٌ ، لا يكفي ما بينها للسُّكر ، والإفاقة! وفي هذا تضييقٌ لفرص المزاولة العمليَّة لعادة الشُّرب ، وكسرٌ لعادة الإدمان الَّتي تتعلَّق بمواعيد التَّعاطي؛ إذ المعروف: أنَّ المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه685]) فإذا تجاوز هذا الوقت وتكرَّر هذا التَّجاوز فةَ حديِّ العادة؛ أمكن التغلُّب عليها ، حتََّّ إذا تمَّت هاتان الخطوتان؛ جاء النَّهي الجازم الأخير لتحريم الخمر ، والميسر وَالْبـَغْضَاءَ فيِّ الخَْمْرِّ وَالْمَيْسَرِّ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِّكْرِّ الِلَِّّّ وَعَنِّ الصَّلاَةِّ فـَهَلْ أَنـْتُمْ مُنـْتـَهُونَ *وَأَطِّيعُوا الِلََّّ وَأَطِّيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِّنْ تـَوَلَّيـْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنمََّا عَلَى رَسُولِّنَا الْبَلاَغُ الْمُبِّينُ [91 ـ92([]686.]) 10 ـ لا يَيق المكر السَّيأى إبأهله: كان مكر اليهود ، وتامرهم على حياة الرَّسول (ص) والدَّولة الإسلاميَّة ، في غاية الخسَّة ، والوَضاعة ، وكانوا يريدون من مكرهم ، وغدرهم عِّزَّةً ، ورفعةً ، ومجداً ، وغلبةً ، لكنَّ الله سَخِّرَ منهم ، ونجََّى رسولَه (ص) والمسلمين مِّنْ مكرهم ، وأذلهَّم ، و أخزاهم ، فزال مجدُهم ، وكسر غلبتهم ، وخرَّب بيوتهم ، ورحَّلهم عن ديارهم ، ولم يكليِّف ذلك المسلمين اصطداماً مسلَّحاً ، ولا قتالاً ضارياً ، ولكنَّ الله قذف في قلوبهم الرُّعب، والفزع ، فطلبوا النَّجاة بأرواحهم في ذلَّةٍ ، وخزيٍ ، مخَُليِّفين وراءهم ثروةً، وملكاً حازه المسلمون غنيمةً باردةً، وقد قال تعالى في شأنَّمنْ يخَْرُجُوا
عدد الصفحات ١٥٠وَظَنُّوا أَنـَّهُمْ مَانِّعَتـُهُمْ حُصُونـُهُمْ مِّنَ الِلَِّّّ فَأَتاَهُمُ الِلَُّّ مِّنْ حَيْثُ لمَْ يََْتَسِّبُوا وَقَذَفَ فيِّ قـُلُوبهِِّّمُ الرُّعْبَ يخُْرِّبُونَ بـُيُوتـَهُمْ بأَِّيْدِّيهِّمْ وَأَيْدِّي الْمُؤْمِّنِّينَ فَاعْتَبرُِّوا ياَأُوليِّ الأَبْصَار [2.] هذه عاقبة المكر السَّيأى ، والغدر المَشِّين ، وانظر بعد ذلك كيف أش ار القران الكريم إلى مواطنِّ العبرة في هذه الموقعة ، وإلى هذا التَّهديد الَّذي أعلنه لكليِّ مَنْ يسلك سبل المكر المزري ، والحقد المستبدي687])[2.] ويظهر لي من الاية الكريمة الاعتبار من وجوهٍ 1 ـ أن الَّذي يقفُ في وجه الحقيِّ ، ويصدُّ النَّاسَ عنه ، ويطارد دعاة الحقيِّ منهزمٌ لا محالة ، قال تعالى: { [آل عمران: 12.] 2 ـ الصيِّراع بين الحقيِّ ، والباطل لا يتوقَّف ، و باق حتََّّ يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها ، وستكون للباطل جولاتٌ ، وللحقيِّ جولاتٌ؛ ولكنَّ العاقبة لأهل الحقيِّ في نَّاية المطاف. 3 ـ الاعتبار يكون بتجنُّب ما ارتكبه اليهود من خيانةٍ وغدرٍ ، حتََّّ لا يَدُثَ نفسُ المصير الَّذي حدث لهم من الهزيمة ، والذُّليِّ والهوا ن688.]) 11 ـ لا إكراه في الديِّين كان في بني النَّضير أنسٌ من أبناء الأنصار قد تهوَّدُوا بسبب تربيتهم بين ظهراني اليهود ، فأراد أهلوهم المسلمون منعهم من الرَّحيل معهم فأنزل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ لْغَييِّ فَمَنْ يَكْفُرْ باِّلطَّاغُوتِّ وَيـُؤْمِّنْ باِّلِلَِّّّ فـَقَدِّ اسْتَمْسَكَ باِّلْعُرْوَةِّ الْوُثـْقَى لاَ انْفِّصَامَ لهََا وَالِلَُّّ سمَِّيعٌ عَلِّيمٌ [256.] روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما ، قال: كانت المرأة تكون مِّقْلاتَ [689]) فيهم من أبناء الأنصار ، فقالوا: لا ندع أبناءن ، فأنزل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ الرُّشْدُ مِّنَ الْغَيي [256[ .]و داود 2682) ، والنسائي في السنن الكبرى 10982 و10983.]) * * *
عدد الصفحات ١٥١المبحث الرَّابع غزوة ذات الريِّقاع أولاً: تاريخها ، وأسبابها ، ولماذا سمُيِّيت بذات الريِّقاع690:]) اختلفَ أهلُ المغازي والسيِّيرَ في تاريخ هذه الغزوة ، وقد ذهب البُخاري 7/530 ]) إلى أنََّّا كانت بعد خيبر ، وذهب ابن إسحاق691]) الخندق سنة أربع ، وعند الواقديي692])693]) ورجَّح ابن عمر ما ذهب إليه البخاري694])شعريَّ شهدها وقد قدم من الحبشة بعد فتح خيبر مباشرةً ، وشهدها أبو هريرة ، وقد أسلم حين فتح خيبر ، وصلَّى فيها رسولُ اللهِّ (ص) صلاةَ الخوف ، ولم تكن شُرِّعت في الخندق؛ بل شرعت في عسفان أياَّم الحديبية ، والحديبية سنةَ ستيٍ. أمَّا الدُّكتور البوطي695]) جزم؛ أنََّّا قبل الخندق ، واحتجَّ في ذلك بما ثبت في الصَّحيح من أنَّ جابراً رضي الله عنه استأذن الرَّسولَ (ص) في غزوة الخندق ، وأخبر امرأتَهُ بما رأى من جوعِّ رسول الله (ص) ، وفيه قصَّة الطَّعام الَّذي دعا إليه النَّبيِّ (ص) ، ومجيء كليِّ الجيش ، ومعجزة الرَّ سول (ص) في تكثير طعام جابرٍ ، وفيه قول الرَّسول (ص) لزوجة جابر: «كلي هذا ، وأهدي؛ فإنَّ النَّاس أصابتهم مجاعةٌ »[4101.]) وما ثبت في الصَّحيح2097) ، ومسلم715/73) ، وأحمد3/375 ـ376]) من أنَّ الرَّسول (ص) سأل جابراً في غزوة ذات الريِّقاع إن كان قد تزوَّج بعدُ ، فأجاب بنعم ، ممَّا يدلُّ على أنَّ الرَّسول (ص) لم يكن علم شيئاً عن زواجه ، وأخذ البوطي في رديِّ أدلَّة ابن حجر في كونَّا بعد خيبر ، فقال: أمَّا ما استدل به الحافظُ ابن حجر من أنَّه (ص) لم يصليِّ صلاةَ الخوف في الأحزاب ، وصلاَّ ها قضاءً ، فيجاب عنه بأنَّه ربمَّا كان سبب تأخير الرَّسول (ص) لها إذ ذاك استمرارَ الرَّمي بين المشركين والمسلمين بحيث لم يدع مجالاً للانصراف إلى الصَّلاة ، وربمَّا كان العدوُّ في جهة القبلة ، أو ربمَّا أخرها لبيان مشروعيَّة قضاء الفائتة كيفما كانت. كما يجاب عن استدلاله بحديث أبي موسى الأشعرييِّ بما ذكره كثيرٌ من علماء السيِّيرَ ، والمغازي من أنَّ أبا موسى إنمَّا قصد بها غزوةً أخرى سمُيِّيت هي أيضاً بذات الريِّقَاع ، بدليل أنَّه قال عنها: خرجنا مع رسول الله (ص) في غزاةٍ ونحن في ستة نفرٍ بيننا بعيرٌ نـَعْتَقِّبُ هُ4128) ، ومسلم
عدد الصفحات ١٥٢(1816([])696]) ذلك697.]) ومال الدُّكتور الحكمي698])699]) ، ومال الدُّكتور مهدي رزق الله أحمد إلى ما ذهب إليه البوطي700]) البوطي بزواج جابر قبل الخندق لا تُدْفَع ، وهي في الصَّحيحين؛ إضافةً إلى أنَّ البخاريَّ قد ذكر رأيه مُعَلَّقَاً ، وحجَّته فقط مجيء أبي موسى بعد خيبر ، وهي حجَّةٌ دفعها البوطيُّ بترجيح تعدُّد الغزوة701)] ونصفٍ تقريباً على إجلاء بني النَّضير ، وقال بأن هذا الرَّأي ذهب إليه أكثر علماء السيِّيرَ ، والمغازي 702]) وأمَّا سبب الغزوة: ما ظهر من الغدر لدى كثيرٍ من قبائل نجدٍ بالمسلمين ، ذلك الغدر الَّذي تجلَّى في مقتل أولئك الدُّعاة السبعين الَّذين خرجوا يدعون إلى الله تعالى، فخرج (ص) قاصداً قبائل محَُارِّب ، وبني ثـَعْلبة703]) بني محَُارِّب ، وبني ثـَعْلبة من غَطَفَان قد جمعوا الجموع لحرب رسول الله (ص) ، فما كان منه (ص) إلا أن سار إليهم في عُقْر دارهم ، على رأس أربعمئة مقاتلٍ ، وقيل: سبعمئة مقاتلٍ ، ولمَّا وصل رسول الله (ص) إلى ديارهم؛ خافوا ، وهربوا إلى رؤوس الجبال ، تاركين نساءهم ، وأطفالهَم ، وأموالهَم ، وحضرت الصَّلاةُ ، فخاف المسلمون أن يُغيروا عليهم ، فصلَّى رسولُ الله (ص) صلاة الخوف ، وعاد رسول الله (ص) إلى المدينة 704.]) وقد حقَّقت هذه الحملةُ العسكريَّةُ أغراضَها ، وتمكَّنت من تشتيت الحشد الَّذي قامت به غَطَفَان لغزو المدينة ، فأرهب (ص) تلك القبائل ، وألقى عليها درساً بأنَّ المسلمين ليسوا قادرين فقط على سَحْق مَنْ تحديِّثه نفسُه بالاقتراب من المدينة؛ بل قادرون على نقل المعركة إلى أرض العدويِّ نفسه ، وضربه في عُقْر داره705.]) وسمُيِّيت بذات الريِّقاع؛ لأنََّّم كانوا يربطون على أرجلهممن الخِّرَقَ ، والريِّقاع اتيِّقاءَ الحريِّ ، وقيل: لأنََّّم رقَّعوا راياتهم ، وقيل: لشجرة كانت اسمها ذات الريِّقاع706]) فيها بقعٌ بيض ، وسودٌ مختلفةٌ ، فسميِّيت لذلك 707]) أرجلهم منَ الخرق؛ فقد روى الشَّيخان بسنديهما عن أبي موسى الأشعرييِّ ، قال: خرجنا مع النَّبيِّ
عدد الصفحات ١٥٣(ص) في غزاةٍ ونحن في ستَّة نفرٍ ، بيننا بعيرٌ نـَعْتَقِّبُهُ ، فَـنَقِّبَت 708]) وسَقَطَتْ أظفاري ، وكنَّا نلُفُّ على أرجلنا الخِّرَق ، فسُميِّيت غزوةَ ذات الريِّقاع لما كنا نـُعَصيِّبُ بالخِّرَق على أرجلنا 4128) ، ومسلم1816.]) ثانياً: صلاة الخوف ، وحراسة الثُّغور 1 ـ صلاة الخوف أنزل اللهُ تعالى على نبييِّه (ص) صلاةَ الخوف في هذه الغزوة ، وبينَّ القرانُ الكريمُ صفةَ الصَّلاة ساعةَ مواجهة العدو ، قال تعاذُوا أَسْلِّحَتـَهُمْ فَإِّذَا سَجَدُوا فـَلْيَكُونُوا مِّنْ وَرَائِّكُمْ وَلْتَأْتِّ طَائِّفَةٌ أُخْرَى لمَْ يُصَلُّوا فـَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِّذْرَهُمْ وَأَسْلِّحَتـَهُمْ وَدَّ الَّذِّينَ كَفَرُوا لَوْ تـَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِّحَتِّكُمْ وَأَمْتِّعَتِّكُمْ فـَيَمِّيلُونَ عَلَيْ كُمْ مَيـْ لَةً وَاحِّدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِّنْ كَانَ بِّكُمْ أَذىً مِّنْ مَطَرٍ أَوْ كُنـْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِّحَتَكُمْ وَخُذُوا حِّذْرَكُمْ إِّنَّ الِلََّّ أَعَدَّ لِّلْكَافِّرِّينَ عَذَاباً مُهِّيناً[102.] فقد صلَّى المسلمون صلاة الخوف ، وصفةُ هذه الصَّلاة: أنَّ طائفةً صَفَّتْ معه ، وطائفة وِّجَاهَ العدويِّ ، فصلَّى بالَّذين معه ركعةً ، ثمَّ ثـَبَتَ قائماً ، وأتمُّوا لأنفسهم ، ثمَّ انصرفوا فَصَفُّوا وِّجَاهَ العدويِّ ، وجاءت الطائفةُ الأخرى فصلَّى بهم الرَّكعة؛ الَّتي بَقيَتْ في صلاته ، ثمَّ ثَبتَ جالساً ، وأتمُّوا لأنفسهم ، ثمَّ سَلَّمَ بهم4129) ، ومسلم842([])709.]) وفي روايةٍ«فصلَّى بطائفةٍ ركعتين ، ثمَّ تأخَّروا ، وصلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين ، فكانت لرسول (ص) أربع ركعاتٍ ، وللقوم ركعتانِّ »[4136) تعليقاً، ومسلم 843/311) ، وأحمد (3/364]) صلاة الخوف أكثر من مرَّة ، فصلاَّها مرَّةً على النَّحو الأوَّل ، وصلاَّها مرَّةً أخرى على النَّحو التا وكانت هذه الصَّلاة بمنطقة نَلٍ الَّتي تبعد عن المدينة بيوم710]) أهيِّية الصَّلاة ، فحتَّ في قلب المعركة لا يمكن التَّساهل فيها ، ولا يمكن التَّنازل عنها ، مهما كانت الظروف ، وبذلك تندمج الصَّلاة والعبادة بالجهاد وَفْقَ المنهاج النَّبوييِّ في تربية الأمَّة ؛ الَّذي استُمِّدَّ من كتاب الله تعالى ، فلا يوجد أيُّ انفصالٍ ، أو انفصامٍ بين العبادة ، والجهاد 711.]) 2 ـ حراسة الـثُّـغُور
عدد الصفحات ١٥٤عندما رجع الجيشُ الإسلاميُّ من غزوة ذات الريِّقَاع؛ سَبـَوْا امرأةً من المشركين ، فنذر زوجُها ألاَّ يرجع حتََّّ يـُهْرِّيق دماً في أص حاب محمَّد (ص) ، فجاء ليلاً وقد جعل الرَّسولُ (ص) رجلين على الحراسة أثناء نومهم ، وها عبَّاد بن بِّشْر ، وعَمَّار بن ياسر ، فضرب عَبَّاداً بسهم وهو قائمٌ يُصليِّي ، فنزعه ، ولم يقطعْ صلاتَه ، حتََّّ رشقه بثلاث سهام ، فلم ينصرفْ منها حتََّّ سلَّم ، فأيقظ صاحبَ ه ، فقال: سبحان الله! هلاَّ نبَّهتني ، فقال: كنتُ في سورة أقرؤها ، فلم أُحِّبَّ أن أقطعها حتََّّ أُنْفِّذَها ، فلمَّا تابع عليَّ الرَّميَ ركعتُ ، فاذنتك ، وايم الله! لولا أن أضييِّع ثغراً أمرني رسول الله (ص) بحفظه ، لَقَطَعُ نفسي قبل أن أقطعها ، أو أنفذَهاحمد (3/343 ـ344 و359) ، وأبو داود198) ، وابن خزيمة (36([])712]) أ ـ اهتمام النَّبيِّ (ص) بأمن الجنود: ويظهر ذلك في اختياره رجلين من خِّيَار الصَّحابة لحراسة الجيش ليلاً. ب ـ تقسيم الحراسة: ونلاحظ أنَّ الرَّجلين الَّذين أنيطت بهما حراسة الجيش قد اقتسما الليلَ نصفين ، نصفاً للرَّاحة ونصفاً للحراسة؛ إذ لابدَّ من راحة جسم الجندييِّ بعض الوقت. ج ـ التَّعلُّق بالقران الكريم ، وحبُّ تلاوته: فقد كان حبُّه للتيِّلاوة قد أنساه الامَ السيِّهام؛ الَّتي كانت تنغر س في جسمه ، وتثج713])714.]) د ـ الشعور بمسؤوليَّة الحراسة: فلم يقطع عبَّاد صلاته لألمٍ يشعر به ، وإنمَّا قطعها استشعاراً بمسؤوليَّة الحراسة الَّتي كُليِّفَ بها ، وهذا درسٌ بليغ في مفهوم العبادة ، والجهاد 715.]) هـ مكان الحراسة اس اتيجيٌّ: اختـار النَّبُّ (ص) فَمَ الشيِّعْبِّ مكان إقامة الحرس، وكان هذا الاختيار في غاية التَّوفيق؛ لأنَّه المكان الذي يُـتَـوَقَّع العدوُّ منه لمهاجمة المعسكر. و ـ قرب مهجع الحرس من الحارس: ولذلك استطاع الحارس أن يوقظ أخاه النائم ، ولو كان المهجع بعيداً عن الحارس لما تمكَّن من إيقاظ أخيه ، وبالتَّالي يَدث ما لا تحُْمَدُ عقباه716.]) ثالثاً: شجاعة الرَّسول (ص) ، ومعاملته لجابر بن عبد الله رضي الله عنه 1 ـ شجاعة الرَّسول (ص عندما قـَفَل717])ثير العِّضَـاه718 ]) ، فنزل رسولُ الله (ص) ، وتفرَّق الـنَّاسُ يستظلُّون الشَّجرَ ، ونزل رسول الله (ص) تحت شجرةٍ علَّق بها سيفه ، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «فنمنا نومةً ، فإذا رسول الله (ص) يدعون ، فجئناه ،
عدد الصفحات ١٥٥فإذا عنده أعرابيٌّ جالسٌ ، فقال رسولُ الله (ص) : إنَّ هذا اخترط سيفي ، وأن نئم ، فاسيتقظت ، وهو في يده صَلْتاً719]) رسولُ الله ، واسم الأعرابي: غَوْرَثُ بن الحارث »[2910 و2913 و4135 و4136 ) ، ومسلم843) ،وأحمد (3/311.]) وقد عاهد غَوْرثُ رسول الله (ص) ألاَّ يقاتلَه ، ولا يكون مع قومٍ يقاتلونه ، فخلَّى (ص) سبيله ، فجاء إلى أصحابه ، فقال: «جئتكم من عند خير النَّاس [»720.]) وفي هذه القصَّة دليل على نبوَّة محمَّد (ص) ، وفـَرْط شجاعته ، وقوَّة يقينه ، وصبره على الأذى ، وحِّلْمه على الجُهَّال ، وفيها جواز تفرُّق العسكر في النُّزول ، ونومهم؛ إذا لم يكن هناك ما يخافون منه721.]) إنَّ هذه القصَّة ثابتةٌ ، وصحيحةٌ ، وهي تكشف عن مدى رعاية الباري ـ جلَّ جلاله ـ وحفظه لنبييِّه (ص) ، ثمَّ هي تزيدك يقيناً بالخوارق الَّتي أخضعها الله ـ جلَّ جلاله ـ له (ص) ، ممَّا يزيدك تبصراً ، ويقيناً بشخصيته النَّبويَّة ، فقد كان من السَّهل الطَّبيعييِّ بالنيِّسبة لذلك المشرك ، وقد أخذ السَّيف ورفعه فوق النَّبيِّ (ص) ، وهو أعزلُ غارقٌ في النَّوم أن يهويَ به عليه ، فيقتله ، وإنَّك لتلمس من ذلك المشرك هذا الاعتزاز بنفسه ، والزُّهو بالفرصة الذَّهبيَّة الَّتي أمكنته من رسول الله (ص) في قوله: مَنْ يمنعك منييِّ؟ فما الَّذي طرأ بعد ذلك حتََّّ عاقه عن القتل 722]) ليس لهذا تفسيرٌ إلا العناية الإلهية ، والإعجاز الإلهي الَّذي يتخطَّى العادات والسُّنن ، ويتجاوز قوى النَّاس لنصرة نبييِّه ، والذَّود عن دعوته723]) المشرك بالرُّعب ، وأن تقذف في ساعديه تياراً من الرَّجفة ، فيسقط من يده السَّيف ، ثم يجلس متأديِّباً مُطْرِّقاً بين يدي رسول الله (ص) ، وما حدث مصداقٌ لقوله تعا مِّنْ رَبيِّكَ وَإِّنْ لمَْ تـَفْعَلْ فَمَا بـَلَّغْتَ رِّسَالَتَهُ وَالِلَُّّ يـَعْصِّمُكَ مِّنَ النَّاسِّ إِّنَّ الِلََّّ لاَ يـَهْدِّي الْقَوْمَ الْكَافِّرِّينَ [67] قومه؛ إذ تلك هي سنَّة الله في عباده كما قد علمت، وإنمَّا المراد من العصمة ألاَّ تصل إليه أيُّ يدٍ تحاول اغتياله ، وقتله، لتُغتال فيه الدَّعوة الإسلاميَّة التي بُعِّثَ لتبليغها 724.]) 2 ـ معاملته (ص) لجابر بن عبد الله رضي الله عنه
عدد الصفحات ١٥٦قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: خرجتُ مع رسول الله (ص) إلى غزوة ذات الريِّقاع من نَلٍ ، على جملٍ لي ضعيفٍ فلمَّا قـَفَلَ رسول الله (ص ) ؛ قال: جعلت الريِّفاق تمضي ، وجعلتُ أتخلَّف ، حتََّّ أدركني رسولُ الله (ص) ، فقال: «ما لك يا جابر؟»قال: قلت: يا رسولَ الله! أبطأ بي جملي هذا ، قال: «أَنَِّْهُ»فأنَتُه ، وأنخ رسولُ الله (ص) ، ثمَّ قال «أعطني هذه العصا مِّنْ يدك ، أو: اقطع عصاً من شجرةٍ »قال: ففعلت ، قال: فأخذها رسولُ الله فنَخَسَه بها نَساتٍ ، ثمَّ قال: «اركبْ»، فركبتُ ، فخرج ـ والَّذي بعثه بالحقيِّ ـ يـُوَاهق نقتَه مُوَاهقةً؛ (أي: يسابقها ، ويعارضها في المشي لسرعته). قال: وتحدَّثت مع رسول الله (ص) ، فقال لي: «أتبيعني جملك هذا يا جابر؟»! قال: قلت: يا رسولَ الله! بل أهبه لك ، قال «لا ، ولكن بِّعْنِّيه»، قال: قلت: فَسُمْنِّيه يا رسول قال: «قد أخذته بدرهم »، قال: قلت: لا ، إذاً تغبنني يا رسولُ الله! قال «فبدره »، قال: قلت لا ، قال: فلم يزلْ يرفعُ لي رسولُ الله (ص) في ثمنه ، حتََّّ بلغَ الأُوقِّيَّة ، قال: فقلت: أفقد رضيتَ يا رسولَ الله! قال: «نعم»، قلت: فهو لك ، قال«قد أخذته» قال: ثمَّ قال«يا جابر! هل تزوَّجت بعد؟»قال: قلت: نعم يا رسول الله! قال «أثييِّباً، أم بكراً؟» قال: قلت: لا، بل ثـَييِّباً ، قال«أفلا جارية تُلاعبُها وتلاعبُك؟!» قال: قلت: يـا رسولَ الله ! إنَّ أبي أُصِّيب يـومٍ أُحدٍ ، وترك بناتٍ لـه سَبْعاً ، فنكحت امرأةً جامعةً، تجمع رؤوسهنَّ، وتقوم عليهنَّ، قال: «أصبت ـ إن شاء الله ـ ، أما إنَّ لو قد جئنا صِّرَاراً725]) بجَزُور فنُحِّرَت ، وأقمنا عليها يومنا ذاك ، وسمعت بنا ، فَـنَـفَضَتْ نمارقها 726 »])قال: قلت: و رسولَ الله! ما لنا من نمََارق ، قال: «إنََّّا ستكون ، فإذا قدمت؛ فاعملْ عملاً كييِّساً[»727.]) قال: فلما جئنا صِّرَاراً ، أمر رسولُ الله (ص) بجَزُور ، فنُحِّرت ، وأقمنا عليها ذلك اليوم ، فلم ا أمسى رسولُ الله (ص) ، دخل ، ودخلنا ، قال: فحدَّثتُ المرأةَ الحديثَ ، وما قال لي رسول الله (ص) ، قالت: فدونك ، فسمعاً ، وطاعةً ، قال: فلمَّا أصبحتُ؛ أخذتُ برأس الجمل ، فأقبلتُ به ، حتََّّ أنَتُه على باب رسول الله (ص) ، قال: ثمَّ جلستُ في المسجد قريباً منه ، قال: وخرج رسولُ الله (ص) ، فرأى الجملَ ، فقال: «ما هذا؟»قالوا: يا رسولَ الله! هذا جملٌ جاء به جابرٌ ، قال «فأين جابر؟» قال: فدُعيتُ له ، قال: فقال «يا بن أخي ، خذ برأس جملك؛ فهو لك »ودعا بلالاً ، فقال له «اذهب بجابرٍ ، فأعطه أُوقيَّةً»قال: فذهبتُمعه ، فأعطاني أوقيَّةً ، وزادني شيئاً يسيراً ، قال: فوالله ما
عدد الصفحات ١٥٧زال يـَنْمِّي عندي ، ويُرى مكانُه مِّنْ بيتنا 2097) ، ومسلم1599 م110) ، وأحمد (3/375 ـ376.]) في هذه القصَّة صورةٌ جميلةٌ ، ورفيعةٌ لخلق رسول الله (ص) مع أصحابه؛ من حيث لطف الحديث ، و التَّواضع الرَّفيع ، ورقَّة الحديث ، وفكاهة المحاورة ، ومحبَّةٍ شديدةٍ لأصحابه ، والوقوف على أحوالهم ، والمواساة في مشكلاتهم الاجتماعيَّة ماديِّياًَّ ، ومعنويايً ، فقد شعر الرَّسول (ص) : أنَّ سبب تأخر جابر عن الركب هو ضعف جمله؛ الَّذي لا يملك غيره لبؤس حاله ، حيث إنَّ والده مات شهيداً في أُحدٍ ، وترك له مجموعةً من البنات ، والأولاد ليرعاهم ، وهو مُقِّلٌّ في الريِّزق ، فأراد الرَّسول (ص) أن ينتهز هذه الفرصة ليواسِّيَه ، ويقديِّم له ما يستطيع من مالٍ مباركٍ 728.]) أيُّ لطف هذا! وأيَّة مواساةٍ هذه! وأيَّة طمأنةٍ ، وإحسان صحبةٍ! في أوبة من غزوة ، بلا تكلُّف ، ولاتهيُّؤ ، ولا استعدادٍ سابقٍ: أبرأ جمله ، وقوَّاه له ، بلمسةٍ خارقةٍ ، ومعجزةٍ ظاهرةٍ ، ثمَّ وهبه إياَّه بعد أن نقده ثمنه ، ثمَّ احتفى به ، فأمر فنحر القوم الجزور لتستعدَّ عروسه لاستقباله ، ثمَّ طمأنه عن نعيمٍ منظور ، وغنىً مذخورٍ في جيب الأيام. تلك من نماذج الأخلاق النَّبويَّة؛ الَّتي تحلَّى بها رسولُ الله (ص) ، والَّتي حلاَّه بها ربُّه؛ الَّذي بعثه ، ليتمَّ به مكارم الأخلاق ، وبهذا الأسلوب الهادأى الرَّائع ، الرَّفيق الرَّقيق ، يتعلَّم الرَّباَّنيُّون حسن الصُّحبة ، وصدق الأخوة ، وبرَّ الخلَّة ، والمصاحبة729.]) * * * المبحث الخامس
عدد الصفحات ١٥٨غزوة بدر الموعد ودومة الجندل أولاً: غزوة بدر الموعد: تنفيذاً للموعد الَّذي كان أبو سفيان قد اقترحه في أعقاب معركة أحدٍ ، والتزام الرَّسول (ص) بذلك ، فقد خرج النَّبُّ (ص) من المدينة على رأس جيشٍ من أصحابه قوامه ألف وخُسمئة مقاتلٍ ، بينهم عشرةٌ من الخيَّالة ، وذلك في ذي القعدة سنة (4 هـ) وحمل لواء الجيش عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه فوصلوا بدراً ، فأقاموا فيها ثمانية أياَّمٍ في انتظار وصول قوَّات المشركين من قريشٍ بقيا دة أبي سفيان حسب الموعد بين الطَّرفين ، غير أنَّ أحداً من المشركين لم يصل إلى بدرٍ ، وكان أبو سفيان قد جمَّع قوات قريش ، وحلفاءها؛ الَّتي تألَّفت من ألفي مقاتل معهم خُسون فرساً ، فلمَّا وصلوا إلى مريِّ الظَّهران؛ نزلوا على مياه مجََنَّة على بـُعْد أربعين ميلاً من مكَّة ، ثمَّ عاد بهم أبو سفيان إلى مكَّة730 ]) بعد أن خطب فيهم ، وقال: يا معشر قريش! إنَّه لا يصلحكم إلا عامٌ خصيبٌ ترعون فيه الشَّجر ، وتشربون فيه اللَّبن ، وإنَّ عامكم هذا عامٌ جدبٌ ، وإنييِّ راجعٌ ، فارجعوا 731.]) وأقبل مخَْشِّيُّ بن عمرو الضَّمري ، وهو الذي وادع رسول الله (ص) على بني ضمرة في غزوة ودَّان ، فالتقى برسول الله (ص) في بدرٍ ، وقال: يا محمد! أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: «نعم ، أخا بني ضمرة! وإن شئت مع ذلك رددن إليك ما كان بيننا وبينك ، ثمَّ جالدنك حتََّّ يَكم الله بيننا وبينك»قال: لا والله يا محمد! ما لنا بذلك منك مِّنْ حاجةٍ3/220.]) ففي هذا الليِّقاء أكَّد رسول الله (ص) على معنىً كبيرٍ في إظهار قوَّة المسلمين ، وأنَّ العقد الَّذي كان بين الفريقين يستمرُّ بعامل قوَّة المسلمين ، لا بعامل ضعفهم؛ وبناءً على طلب الطَّ رف الثَّاني ، وفي هذا ما فيه من القوَّة للمسلمين ، وإلقاء الرُّعب في قلوب أعدائهم732]) تحرُّكاتُ الجيش الإسلامييِّ من المدينة حتََّّ بدرٍ مناورةً رائعةً نجحةً ، أثبت بها وجوده ، وأعطى الدَّليل القاطع لأعـداء الإسلام داخل المدينة ، وخارجها: أنَّ ه أصبح أقوى قوَّةٍ مرهوبةٍ في الجزيرة العربيَّة كليِّها ، ولا أدلَّ على ذلك من أنَّ جيش مكَّة ـ وهو من أعظم الجيوش في الجزيرة من حيث كثرة العدد ، وقوَّة التَّنظيم وجودة التَّسلُّح ـ قد هاب الجيش الإسلاميَّ ، ونكل عن حربه بعد أن خرج للقائه بموجب ميعادٍ سابقٍ حدَّده في (أُحُد) قائد عام جيش مكَّة733.]) إنَّ الحملة الإعلاميَّة الَّتي قام بها المشركون لإثبات انتصارهم في أحدٍ ، وتفوُّقهم الحربييِّ قد انتكست على رؤوسهم ، وأصبحوا مثار السُّخرية عند العرب ، وثبت للنَّاس: أنَّ ارتباك المسلمين للمفاجأة في أحدٍ
عدد الصفحات ١٥٩وسقوطالقتلى منهم لا يعني انَّزامهم ، ولا ضعفهم العسكري734]) المحافظة على السُّمعة العسكريَّة للمسلم 735]) بدون قتال ، وشاركوا في الموسم التيِّجاري ببدرٍ ، وربحوا في تجارتهم ربحاً طيباً[736.]) لقد كان لإخلاف قريش الموعد أثرٌ في تقوية مكانة المسلمين وإعادة هيبتهم737.]) ثانياً: دومة الجندل كانت غزوة دومة الجندل من ضمن حركة تثبيت أركان الدَّولة الإسلاميَّة ، فبعد غزوة بدر الموعد ، تحرَّكت القوات الإسلاميَّة بقيادة رسول الله (ص) نحو قضاعة؛ الَّتي كانت تنزل شمال قبائل أسد ، وغطفان ، وفي حدود الغساسنة الموالين للدَّولة الرُّوميَّة (بيزنطة) ، ولها إشراف على سوق (دومة الجندل) الشَّهير (على بعد ( 450) كيلو متراً شمال المدينة) كانت هذه القبيلة أوَّل مَنْ احتكَّ بها المسلمون ، فغزاها رسول الله (ص ) تلك الغزوة المعروفة بغزوة دومة الجندل (ربيع الأول 5 هـ/ أغسطس 626 م738]) على القوافل الَّتي تمرُّ بهم ، والتَّعرُّض لمن في القافلة بالأذى ، والظُّلم ، كما وردت الأنباء بأنََّّميفكيِّرون في القرب من المدينة ، لعَجْمِّ عودها739.]) إنَّ دومة الجندل تـُعَدُّ بلداً نئياً بالنيِّسبة للمدينة المنوَّرة ، لأنََّّا تقع على الحدود بين الحجاز ، والشَّام ، وفي منتصف الطَّريق بين البحر الأحمر ، والخليج العربييِّ ، وهي على مسيرة ست عشرة ليلةً من المدينة ، ولو أنَّ المسلمين أغفلوا أمرها ، وسكتوا عن وجود هذا التَّجمُّع فيها ما لامهم أحدٌ ، ولا ضرَّهم هذا التجمُّع في شيءٍ على المدى القريب ، ولكنَّ النَّظرة السيِّياسيَّة البعيدة ، والعقليَّة العسكريَّة الفذَّة أوجبت على المسلمين أن يتحرَّكوا لفضيِّ هذا التَّجمُّع740]) شأنُه للأسباب الاتية وكذلك بغية تحقيق بعض الأهداف 1 ـ لأنَّ السُّكوت عن هذا التجمُّع ، وما شاكله يؤديِّي بلا شكيٍ إلى تطوُّره واستفحاله ، ثمَّ يؤدي بعد ذلك إلى إضعاف قوَّة المسلمين ، وإسقاط هيبتهم ، وهو الأمر الَّ ذي يجاهدون من أجل استرداده. 2 ـ وجود مثل هذا التَّجمُّع في الطَّريق إلى الشَّام قد يؤثيِّر على الوضع الاقتصادييِّ للمسلمين ، فلو أن المسلمين سكتوا عن هذا التَّجمُّع؛ لتعرَّضت قوافلُهم ، أو قوافل القبائل الَّتي تحتمي بهم للسَّلب ، والنَّهب ، ممَّا يُضعف الاقتصاد ، ويؤديِّي إلى حالةٍ من التذمُّر ، والاضطراب.
عدد الصفحات ١٦٠3 ـ وهناك أمرٌ أهمُّ من الأمرين السَّابقين ، وهو فرض نفوذ المسلمين على هذه المنطقة كليِّها، وإشعارُ سكَّانَّا بأنََّّم في حمايتهم ، وتحت مسؤوليَّتهم ، لذلك فهم يؤميِّنون لهم الطُّرق ، ويَمون لهم تجارتهم ، ويَاربون كلَّ إرهابٍ من شأنه أن يزعجهم ، أو يُعريِّضهم للخطر 741.]) 4 ـ حرمان قريش من أييِّ حليفٍ تجارييٍ قد يمدُّها بما تحتاج إليه من التيِّجارة ، وصرف أنظارهم عن هذه المنطقة التيِّجاريـة المهمَّة ؛ لأنَّ ظهور الدَّولة الإسلاميَّة بهذه القوة يؤثيِّر على نفسية قريشٍ (العدويِّ الأوَّل للدَّولة الإسلاميَّة) ويجعلها تخشى المسلمين على تجارتها742.]) 5 ـ الحرص على إزالة الرَّهبة النَّفسيَّة الموجودة عند العرب؛ الَّذين ما كانوا يَلمون بمواجهة الرُّوم ، والتَّأكيد عمليياً للمسلمين بأنَّ رسالتهم عالميَّةٌ 743])صورةً على العرب. ورأى بعض المؤريِّخين كالذَّهبيِّ ، والواقدييِّ ، ومحمَّد أحمد باشميل ، وغيرهم: أنَّ من أهداف تلك الغزوة إرهابُ الرُّوم؛ الَّذين تقع المنطقة الَّتي وصل إليها بجيشه على حدودهم وعلى مسافة خُس ليالٍ من عاصمة مُلكهم الثَّانية دمشق744.]) لهذا ندب رسول الله (ص) المسلمين للخروج، وخرج في ألفٍ من أصحابه، وكان يسير الليل ، ويكمن النهار حتََّّ يخُفي مسيره 745]) الأعداء746.]) واتخَّذ له دليلاً من بني عذرة يسمَّى مذكوراً ، وسار حتََّّ دن من القوم ، عندئذٍ تفرَّقوا ، ولم يلقَ رسولُ الله (ص) منهم أحداً ، فقد ولَّوا مدبرين ، وتركوا أنعامهم ، وماشيتهم ، غنيمةً باردةً للمسلمين ، وأسر المسلمون رجلاً منهم ، وأحضروه إلى الرَّسول (ص) ، فسأله عنهم ، فقال: هربوا لمَّا سمعوا بأنَّك أخذت أنعامهم ، فعرض عليه رسول الله (ص) الإسلام ، فأسلم ، وأقام بساحتهم أياماً ، وبعث البعوث ، وبثَّ السرايا ، وفرَّق الجيوش ، فلم يصب منهم أحداً ، وعاد المسلمون إلى المدينة، وفي أثناء عودتهم وادع الرَّسول عيينة بن حصنٍ الفَزاريَّ، واستأذن عيينةُ رسول الله (ص) في أن ترعى إبلُه ، وغنمُه في أر ضٍ قريبة من المدينة على ستةٍ وثلاثين ميلاً منها. إنَّ وصول جيوش المسلمين إلى دومة الجندل ، وهي على هذه المسافة البعيدة من المدينة ، وموادعة عيينة بن حصن للمسلمين ، واستئذانه في أن يرعى بإبله ، وغنمه في أرضٍ بينها وبين المدينة ستَّةٌ وثلاثون ميلاً ـ أي: ما يقرب من خُسة وستين كيلو متراً ـ لدليل قاطعٌ على ما وصلت إليه قوَّة المسلمين ، وعلى شعورهم بالمسؤولية الكاملة تجاه تأمين الحياة للنَّاس في هذه المنطقة ، وأنَّ هذه المناطق النَّائية
عدد الصفحات ١٦١