المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 03

علي محمد الصلابي

صفحة ٧ من ٢١

وقوله: أي: فإنََّّم إذا ظفروا؛ ومحقهم ، وفنائهم464]) ، ويصفيِّيهم من الذُّنوب ، ويخليِّصهم من المنافقين المندسيِّين بينهم ، ولكي يُهلك الكافرين ، ويمحقهم؛ بسبب بغيهم ، وبطرهم. وقد ذكر الله تعالى أربع حكمٍ لما حدث للمؤمنين في غزوة أُحدٍ ، وهي: تحقُّق علم الله تعالى ، وإظهاره للمؤمنين ، وإكرام بعضهم بالشَّهادة الَّتي توصل صاحبها إلى أعلى الدَّرجات ، وتطهير المؤمنين ، وتخليصهم من ذنوبهم ، ومن المنافقين ، ومحق الكافرين ، واستئصالهم رويداً ، رويداً465.]) ثمَّ قال تعا الصَّابِّرِّينَ[ عمران 142] على ألم الجراح والقتل من غير أن تسلكوا طريقهم، وتصبروا صبرهم؟! لا؛ ح { يـَعْلَمِّ الِلَُّّ الَّذِّينَ جَاهَدُوا مِّنْكُمْ } أي: علم شهادةٍ؛ حتََّّ يقع عليه الجزاء { وَيـَعْلَمَ الصَّابِّرِّينَ [466]) وقال ابن كثيرٍ: أي: لا يَصل لكم دخول الجنَّة؛ حتََّّ تـُبـْتَلوا ، ويرى اللهُ منكم المجاهدين في سبيله ، والصَّابرين على مقاومة الأعداء466.]) ثمَّ قال تعافـَقَدْ رَأَيـْتُمُوهُ وَأَنـْتُمْ تـَنْظُرُونَ [عمران 143.] قال ابن كثيرٍ: قد كنتم ـ أيَّها المؤمنون! ـ قبل هذا اليوم ، تتمنَّون لقاء العدويِّ ، وتحترقون عليه ، وتودُّون مناجزتهم ، ومصابرتهم ، فها قد حصل لكم الَّذي تمنَّيتموه ، وطلبتُموه ، فدونكم ، فقاتلوا ، وصابروا467.]) ثالثاً: كيفية معالجة الأخطاء تـَرَفَّقَ القران الكريم وهو يعقيِّب على ما أصاب المسلمين في (أُحدٍ) ، على عكس ما نزل في بدرٍ من ايات ، فكان أسلوب القران الكريم في محاسبة المنتصر على أخطائه ، أشدَّ من حساب المنكسر ، فقال في غزوة بدر كَانَ لِّنَبِّيٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتََّّ يـُثْخِّنَ فيِّ الأَرْضِّ تُرِّيدُونَ عَرَضَ الدُّنـْيَا وَالِلَُّّ يُرِّيدُ الآخِّرَةَ وَالِلَُّّ عَزِّيزٌ حَكِّيمٌ *لَوْلاَ كِّتَابٌ مِّنَ الِلَِّّّ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِّيمَا أَخَذْتَُْ عَذَابٌ عَظِّيمٌ [67 ـ 68.]

عدد الصفحات ٩٨

وقال في أُحدٍ الأَمْرِّ وَعَصَيـْتُمْ مِّنْ بـَعْدِّ مَا أَرَاكُمْ مَا تحُِّبُّونَ مِّنْكُمْ مَنْ يُرِّيدُ الدُّنـْيَا وَمِّنْكُمْ مَنْ يُرِّيدُ الآخِّرَةَ ثمَُّ صَرَفَكُمْ عَنـْهُمْ لِّيـَبـْتَلِّيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَالِلَُّّ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِّنِّينَ [عمران 152] ، يَسن أن يلتزمها أهل الترَّبية ، والقائمون على التَّوجيه 468.]) رابعاً: ضرب المثل بالمجاهدين السَّابقين: قال تعامَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَالِلَُّّ يَُِّبُّ الصَّابِّرِّينَ *وَمَا كَانَ قـَوْلهَُمْ إِّلاَّ أَنْ قَا لُوا رَبـَّنَا اغْفِّرْ لَنَا ذُنُوبـَنَا وَإِّسْرَافـَنَا فيِّ أَمْرِّنَ وَثـَبيِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَ عَلَى الْقَوْمِّ الْكَافِّرِّينَ *فَآتاَهُمُ الِلَُّّ ثـَوَابَ الدُّنـْيَا وَحُسْنَ ثـَوَابِّ الآخِّرَةِّ وَا لِلَُّّ يَُِّبُّ الْمُحْسِّنِّينَ }*[عمران 146 ـ148.] قال ابن كثير: عاتب اللهُ بهذه الايات والَّتي قبلها مَنِّ انَّزم يوم أُحدٍ ، وتركوا القتال لمَّا سمعوا الصَّائح يصيح بأن محمَّداً قد قُتل ، فـَعَذَلهَم469])470.]) وضرب الله لهم مثلاً بإخوانَّم المجاهدين السَّابقين ، وهماعاتٌ كثيرةٌ ، ساروا وراء أنبيائهم في درب الجهاد في سبيل الله ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضَعُفُوا عن الجهاد بعد الَّذي أصابهم منه ، وما استكانوا للعدويِّ؛ بل ظلُّوا صابرين ثابتين في جهادهم ، وفي هذا تعريضٌ بالمسلمين الَّذين أصابهم الوهن ، والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله (ص) ، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين ، واستكانتهم لهم ، وضرب الله مثلاً للمؤمنين لتثبيتهم بأولئك الرَّباَّنييِّين ، وبما قالوها فيِّ أَمْرِّنَ وَثـَبيِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَ عَلَى الْقَوْمِّ الْكَافِّرِّينَ[عمران 147.] وهذا القول ـ وهو إضافة الذُّنوب ، والإسراف إلى نفوسهم مع كونَّم رباَّنييِّين ـ هضمٌ لها ، واعترافٌ منهم بالتَّقصير ، ودعاؤهم بالاستغفار من ذنوبهم مقدَّمٌ عل ى طلبهم تثبيت أقدامهم أمام العدويِّ ، ليكون طلبُهم إلى ربهيِّم النَّصر عن زكاةٍ ، وطهارةٍ ، وخضوعٍ ، وفي هذا تعليمٌ للمسلمين إلى أهيِّيَّة التَّضرُّع ، والاستغفار ، وتحقيق التَّوبة ، وتظهر أهيِّية ذلك في إنزال النَّصر على الأعداء: أي: وبذلك نلوا ثواب الدَّاريننيا ، والثَّواب الحسن في الاخرة ، جزاءَ إحسانَّم في أدب الدُّعاء والتَّوجُّه إلى الله ، وإحسانَّم في موقف

عدد الصفحات ٩٩

الجهاد ، وكانوا بذلك مثلاً يضربه الله للمسلمين المجاهدين ، وخصَّ اللهُ تعالى ثواب الاخرة بالحُسْنِّ دلالةً على فضله ، وتقدُّمه على ثواب الدُّنيا ، وأنَّه هو المعتمدُ عنده471.]) خامساً: مخالفة ولييِّ الأمر تسبب الفشل لجنوده ويظهر ذلك في مخالفة الرُّماة لأمر النَّبيِّ (ص) ، ووقوعهم في الخطأ الفظيع الَّذي قـَلَبَ الموازين ، وأدَّى إلى الخسائر الفادحة الَّتي لحقت بالمسلمين ، ولكي نعرف أهيِّيَّة الطَّاعة لولييِّ الأمر؛ نلحظ أنَّ انَذال عبد الله بن أُبييٍ، ومن معه من المنافقين ، لم يؤثيِّر على المسلمين ، بينما الخطأ الَّذي ارتكبه الرُّماة؛ الَّذين أحسن الرَّسولُ (ص) ترتيبـَهُمْ ، وأسند لكليِّ واحدٍ منهم عملاً ، ثمَّ خالفوا أمره (ص) كان ضرره على المسلمين عامَّةً ، حيث سلَّط الله عليهم عدوَّهم ، وذلك بسبب عصيان الأوامر ، ثمَّ اختلطت أمورهم ، وتفرَّقت كلمتُهم ، وكاد يـُقْضى على الدَّعوة الإسلاميَّ ة وهي في مهدها. ونلحظ من خلال أحداث غزوة أحد: أن المسلمين انتصروا في أول الأمر حينما امتثل الرُّماة لأوامر الرَّسول (ص) ، وانقادوا لتعليمات قائدهم ، وأميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه ، بينما انَّزموا حينما خالفوا أمره (ص) ، ونزل الرُّماة من الجبل لجمع ا لغنائم مع بقيَّة الصَّحابة رضي الله عنهم472]) غَمًّا بِّغَميٍ لِّكَيْلاَ تحَْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَالِلَُّّ خَبِّيرٌ بمَِّا تـَعْمَلُونَ[عمران 153.] يقول الشَّيخ محمد بن عثيم«ومن اثار عدم الطَّاعة ما حصل من معصية بعض الصَّحابة رضي عنهم للنبيِّ (ص) ؛ وهم يجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ، والَّذي حصل: أنَّه لمَّا كانت الغلبة للمؤمنين ، ورأى بعض الرُّ ماة: أنَّ المشركين انَّزموا؛ تركوا الموضع الَّذي أمرهم النَّبُّ (ص) ألاَّ يبرحوه، وذهبوا مع النَّاس ، وبهذا كرَّ العدوُّ عليهم من الخلف ، وحصل ما حصل من الابتلاء، والتَّمحيص للمؤمنين ، وقد أشار الله تعالى إلى هذه العلَّة بقوله تعاالِلَُّّ وَعْدَهُ إِّذْ تحَُسُّونـَهُمْ بإِِّّذْنِّهِّ حَتََّّ إِّذَا فَشِّلْتُمْ وَتـَنَازَعْتُمْ فيِّ الأَمْرِّ وَعَصَيـْتُمْ مِّنْ بـَعْدِّ مَا أَرَاكُمْ مَا تحُِّبُّونَ مِّنْكُمْ مَنْ يُرِّ يدُ الدُّنـْيَا وَمِّنْكُمْ مَنْ يُرِّيدُ الآخِّرَةَ ثمَُّ صَرَفَكُمْ عَنـْهُمْ لِّيـَبـْتَ لِّيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَالِلَُّّ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِّنِّينَ [عمران 152.] هذه المعصية؛ الَّتي فات بها نصرٌ انعقدت أسبابُه ، وبدأت أوائله ، وهي معصيةٌ واحدةٌ ، والرَّسول (ص) بين أظهرهم ، فكيف بالمعاصي الكثيرة؟! ولهذا نقول: إنَّ المعاصي من اثارها: أنَّ الله يسليِّط

عدد الصفحات ١٠٠

بعض الظالمين على بعضٍ بما كانوا يكسبون ، ويفوتهم من أسباب النَّصر ، والعزَّة بقدر ما ظلموا فيه أنفسهم[»473.]) إنَّ طاعة ولييِّ الأمر أمرٌ ضروريٌّ ، تأتي بعد طاعة الله ورسوله. قال تعا وَأَطِّيعُوا الرَّسُولَ وَأُوليِّ الأَمْرِّ مِّنْكُمْ فَإِّنْ تـَنَازَعْتُمْ فيِّ شَيْءٍ فـَرُدُّ وهُ إِّلىَ الِلَِّّّ وَالرَّسُولِّ إِّنْ كُنـْتُمْ تـُؤْمِّنُونَ باِّلِلَِّّّ وَالْيَومِّ الآخِّرِّ ذَلِّكَ خَيـْرٌ وَأَحْسَنُ تأَْوِّيلاً [59.] قال العلماء«نزلت الاية في الرَّعية من الجيوش وغيرهم ، عليهم أن يطيعوا وُلاةَ الأمر ، الفاعلين لذلك ، في قَسْمهم وحكمهم ، ومغازيهم ، وغير ذلك [»474.]) إنَّ طاعة ولييِّ الأمر «أصلٌ عظيم من أصول الواجبات الديِّينية ، حتََّّ أدرجها الأئمَّة في جملة العقائد الإيمانيَّة[»475.]) ولها أهيِّيَّة في تربية الأمَّة ، وإقامة الدَّولة ، ويمكن أن نلخيِّص أهيِّيَّة الطَّاعة في النقاط الاتية: 1 ـ الامتثال لأمر الله ـ عزَّ وجلَّ ـ ، وطاعته فيما أمر. قال الله تعا وَأَطِّيعُوا الرَّسُولَ وَأُوليِّ الأَمْرِّ مِّنْكُمْ فَإِّنْ تـَنَازَعْتُمْ فيِّ شَيْءٍ فـَرُدُّوهُ إِّلىَ الِلَِّّّ وَالرَّسُولِّ إِّنْ كُ نـْتُمْ تـُؤْمِّنُونَ باِّلِلَِّّّ وَالْيَومِّ الآخِّرِّ ذَلِّكَ خَيـْرٌ وَأَحْسَنُ تأَْوِّيلاً [59.] 2 ـ إنَّ طاعة ولييِّ الأمر وسيلةٌ وليست غايةً؛ وسيلةٌ لإقامة شرع الله في الأرض ، وإحقاق الحقيِّ ، وإقامة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ لتحقيق خيرية هذه الأمَّة ، وإعلاء كلمة التَّوحيد ، وإفراد العبوديَّة لله ـ عزَّ وجلَّ ـ. 3 ـ اجتماع كلمة المسلمين؛ لأنَّ في الخلاف فساد أحوالهم ، في دينهم ، ودنياهم476.]) 4 ـ أن يستعينوا بها على إظهار دينهم ، وطاعة ربهيِّم 5 ـ إنَّ فيها سعادةَ الدُّنيا ولهذا كان من أصو ل مذهب أهل السُّنَّة والجماعة: أننا: «لا نرى الخروج على أئمَّتنا وولاة أمورن؛ وإن جاروا ، ولا ندعو عليهم ، ولا ننزع يداً مِّنْ طاعتهم ، ونرى طاعتهم مِّنْ طاعة الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وهي فريضةٌ ، ما لم يأمروا بمعصيةٍ ، وندعوا لهم بالصَّلاح ، والمعافاة[»477.]) سادساً: خطورة إيثار الدُّنيا على الاخرة وردت نصوصٌ عديدةٌ من اياتٍ ، وأحاديث ، تبينيِّ منزلة الدُّنيا عند الله ، وتصف زخارفها ، وأثرها على فتنة الإنسان ، وتحذيِّر من الحرص عليها. قال تعا

عدد الصفحات ١٠١

وَالْبَنِّينَوَالْقَنَاطِّيرِّ الْمُقَنْطَرَةِّ مِّنَ الذَّهَبِّ وَالْفِّضَّةِّ وَالخَْيْلِّ الْمُسَوَّمَةِّ وَالأَنـْعَامِّ وَالحَْرْثِّ ذَلِّكَ مَتَا عُ الحَْيَاةِّ الدُّنـْيَا وَالِلَُّّ عِّنْدَهُ حُسْنُ الْمَآب[عمران 14]يَا وَلاَ يـَغُرَّنَّكُمْ باِّلِلَِّّّ الْغَرُورُ[33.] وقد حذَّر الرَّسول الكريم (ص) أمَّته من الاغترار بالدُّنيا ، والحرص الشَّديد عليها في أكثر من موضعٍ ، وذلك لما لهذا الحرص من أثر سييِّءٍ على الأمَّة عامَّةً ، وعلى مَنْ يَملون لواء الدَّعوة خاصَّ ةً؛ ومن ذلك: عن أبي سعيدٍ الخُدرييِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ (ص) قال: «إنَّ الدُّنيا حُلْوَةٌ خَضِّرَةٌ ، وإن مستخلفُكم فيها ، فينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدُّنيا ، واتَّقوا النيِّساء؛ فإنَّ أوَّل فتنة بني إسرائيل كانت في النيِّساء»[2742) ، وأحمد (3/22) ، وابن حبان3221]) على الدُّنيا في غزوة أحدٍ قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: لمَّا هزم الله المشركين يوم أُحدٍ ، قال الرُّماة: «أدركوا النَّاس؛ ونبَّ الله؛ يسبقوكم إلى الغنائم؛ فتكون لهم دونكم »وقال بعضهم«لا نر478]) حتََّّ يأذن لنا النَّبُّ (ص [»479])[ عمران 152.] قال الطَّبريُّ: قولـه سبحانه: يعني الغنيمة. قال ابن أصحاب رسول الله (ص) يريد الدُّنيا حتَّ نزل فينا يوم أحدٍ480{ :]) مَنْ يُرِّيدُ الآخِّرَةَ إنَّ الَّذي حدث في أُحدٍ ، عبرةٌ عظيمةٌ للدُّعاة ، وتعليمٌ لهم بأنَّ حبَّ الدُّنيا قد يتسلَّل إلى قلوب أهل الإيمان ، ويخفى عليهم ، فيؤثر ون الدُّنيا ، ومتاعها على الاخرة ، ومتطلَّبات الفوز بنعيمها ، ويعصون أوامر الشَّرع الصَّريَة؛ كما عصى الرُّماة أوامر الرَّسول (ص) الصَّريَة بتأويلٍ ساقطٍ ، يرفعه هوى النَّفس ، وحبُّ الدُّنيا، فيخالفون الشَّرع ، وينسون المحكم من أوامره ، كلُّ هذا يَدث ، ويق ع من المؤمن؛ وهو غافلٌ عن دوافعه الخفيَّة ، وعلى رأسها حبُّ الدُّنيا ، وإيثارُها على الاخرة ، ومتطلَّبات الإيمان ، وهذا يستدعي من الدُّعاة التَّفتيش الدَّائم الدَّقيق في خبايا نفوسهم ، واقتلاع حبيِّ الدُّنيا منها ، حتََّّ لا تحولَ بينهم وبين أوامر الشَّرع ، ولا تُوقعهم في مخالفته بتأويلاتٍ ملفوفةٍ بهوى النَّفس، وتَلفُّتها إلى الدُّنيا، ومتاعها481.])

عدد الصفحات ١٠٢

سابعاً: التَّعلُّق والارتباط بالديِّين قال ابن كثير: لمَّا انَّزم مَنِّ انَّزم من المسلمين يوم أُحدٍ ، وقُتل مَنْ قُتِّل منهم ، ندى الشَّيطانُ: ألا إن محمَّداً قد قُتل ، ورجع ابنُ قميئةَ إلى المشركين ، فقال لهم: قتلتُ محمَّداً ، وإنمَّا كان قد ضرب رسولَ الله (ص) فشجَّه في رأسه ، فوقع ذلك في قلوب كثيرٍ من الناس ، واعتقدوا: أنَّ رسول الله (ص) قد قُتِّل ، وجَوَّزوا عليه ذلك ، كما قد قصَّ الله عن كثيرٍ من الأنبياء ـ عليه م السَّلام ـ فحصل ضعفٌ ، ووهنٌ ، وتأخُّرٌ عن القتال ، ففي ذلك أنزل الله تعا مَاتَ أَوْ قُتِّلَ انـْقَلَبـْتُمْ عَلَى أَعْقَابِّكُمْ وَمَنْ يـَنـْقَلِّبْ عَلَى عَقِّبـَيْهِّ فـَلَنْ يَضُرَّ الِلََّّ شَيـْئًا وَسَيَجْزِّي الِلَُّّ الشَّاكِّرِّينَ }*[عمران 144]482.]) وقد جاء في تفسير الاية السَّابقة«إنَّ الرُّسل ليست باقيةً في أقوامها أبداً ، فكلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت ، ومهمَّة الرَّسول تبليغ ما أُرسل به؛ وقد فعل ، وليس من لوازم رسالته البقاء دائماً مع قومه ، فلا خـلودَ لأحدٍ في هذه الدُّنيـا ، ثمَّ قال تعالى منكراً على مَنْ حصل له ضعفٌ لموت النَّبيِّ (ص) ، أو قتله، وقعدتَ عن الجهاد ، والانقلاب على الأعقاب يعني: الإدبار عمَّا كان رسول الله (ص) يقوم به من أمر الجهاد ومتطلَّباته ، الَّذينا ثابتين على دينهم ، متَّبعين رسوله حيياً ، أو ميتاً [»483.]) لقد كان من أسباب البلاء والمصائب الَّتي حدثت للمسلمين يوم أُحدٍ: أنََّّم ربطوا إيمانَّم ، وعقيدتهم ، ودعوتهم إلى الله لإعلاء كلمته ، بشخص رسول الله (ص) ، فهذا الرَّبط بين عقيدة الإيمان بالله ربيـاً معبوداً وحدَ ه ، وبين بقاء شخص النَّبيِّ (ص) خالداً فيهم خالطه الحبُّ المغلوب بالعاطفة ، الرَّبط بين الريِّسالة الخالدة وبين الرَّسول (ص) البشر؛ الَّذي يلحقه الموت كان من أسباب ما نل الصَّحابةَ رضي الله عنهم من الفوضى ، والدَّهشة ، والاستغراب ، ومتابعة الرَّسول (ص) أساس وجوب التأسيِّي به في الصَّبر على المكارِّه ، والعمل الدَّائب على نشر الريِّسالة ، وتبليغ الدَّعوة ، ونصرة الحقيِّ. وهذا التَّأسيِّي هو الجانب الأغرُّ من جوانب منهج رسالة الإسلام ، لأنَّه الديِّعَامَةُ الأولى في بناء مسيرة الدَّعوة لإعلاء كلمة الله ، ونشرها في افاق الأرض ، وعدم ربط بقاء الديِّين واستمرار الجهاد في سبيله ببقاء شخص النَّبيِّ (ص) في هذه الدُّنيا ، لا يلحقه فناءٌ بموتٍ ، أو قتلٍ ، وإيجاب متابعة الرَّسول (ص)

عدد الصفحات ١٠٣

والتأسيِّي به علماً ، وعملاً ها الوَشيجةُ العظمى لتماسك المجتمع المسلم ، ولا سيَّما الدُّعاة إ لى الله من أتباعه484.]) قال ابن القييِّم«إنَّ غزوة أحدٍ كانت مقديِّمةً ، وإرهاصاً بين يدي موت رسول الله (ص) ، فثبَّتهم ، ووبخَّهم على انقلابهم على أعقابهم؛ إن مات رسول الله (ص) ، أو قُتل ، بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه ، وتوحيده ، ويموتوا عليه ، أو يُقتلوا ، فإنَّم إنمَّا يعبدون ربَّ محمَّدٍ ، وهو لا يموت ، فلو مات محمَّد ، أو قُتل ، لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه ، وما جاء به ، فكلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت ، وما بُعِّثَ محمَّد (ص) ليخلَّد ، لا هو ، ولا هم ، بل ليموتوا على الإسلام والتَّوحيد ، فإنَّ الموت لابدَّ منه ، سواءٌ أمات رسول الله (ص) ، أم بقي ، ولهذا وبخَّهم على رجوع مَنْ رجع منهم عن دينه لمَّا صرخ الشَّيطان: إنَّ محمَّداً قد قُتل ، فقالوْ قُتِّلَ انـْقَلَبـْتُ مْ عَلَى أَعْقَابِّكُمْ وَمَنْ يـَنـْقَلِّبْ عَلَى عَقِّبـَيْهِّ فـَلَنْ يَضُرَّ الِلََّّ شَيـْئًا وَسَيَجْزِّي الِلَُّّ الشَّاكِّرِّينَ [ عمران 144.] والشَّاكرون هم الَّذين عرفوا قدر النيِّعمة ، فثبتوا عليها؛ حتََّّ ماتوا ، أو قُتِّلُوا ، فظهر أثرُ هذا العتاب ، وحك مُ هذا الخطاب يوم مات رسول الله (ص) ، وارتدَّ من ارتدَّ على عقبيه ، وثبت الشَّاكرون على دينهم ، فنصرهم الله ، وأعزَّهم ، وظفَّرهم بأعدائهم ، وجعل العاقبة لهم[»485.]) قال القرطب«فهذه الايـة من تَـتِّمَّـةِّ العتـاب مـع المنهزمين ، أي: لـم يكن لهم اـزام وإن قُـتل محمَّد، والنُّبوَّة لا تَدْرأ الموت ، والأديان لا تزول بموت الأنبياء[»486]) فالَّذين ظنُّوا مِّنْ قبل: أنَّ الإسلام قد انتهى بموت النَّبيِّ (ص) ، والَّذين يظنُّون: أنَّ ظهور الإسلام ، ودعوته متوقفٌ على شخصٍ بعينه ، فهؤلاء ، وأولئك قد أخطؤوا ، ولم يقديِّروا هذا الديِّين قدره ، ولم يوفوه حقَّه؛ لأنَّ ظهور هذا الديِّين ، وهيمنته على كليِّ الأديان ، هو قدر الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وسنته ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. قال تعاوَدِّينِّ الحَْقيِّ لِّيُظْهِّرَهُ عَلَى الديِّينِّ كُليِّهِّ وَلَوْ كَرِّهَ الْمُشْرِّكُونَ[33.] فسبب ظهور هذا الديِّين: أنَّه حقٌّ ، وأنَّه هدىً487.]) في غزوة أُحدٍ نزل التَّشريع الإلهيُّ بالعتاب على ما حدث منهم أثناء أحداث غزوة أُحد ، وعند موت الرَّسول (ص) جاء التَّطبيق؛ حيث «لمَّا تُوفييِّ رسولُ الله (ص) أقبل أبو بكرٍ الصيِّديِّيق رضي الله عنه على فرسٍ من مَسكنَه بالسُّنْحِّ ، حتََّّ نزل ، فدخل المسجد ، فلم يكليِّم الناسَ ، حتََّّ دخل على عائشة

عدد الصفحات ١٠٤

رضي الله عنها ، فتيمَّمَ488])489]) وجهه (ص) ، ثمَّ أكبَّ عليه ، فقبَّله ، وبكى ، ثمَُّ قال: بأبي أنت وأميِّي! والله! لا يجمع الله عليك موتتين ، أمَّا الموتةُ التي كُتِّبَتْ عليك ، فقدْ مُتَّها » وعن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال «إنَّ أبا بكر خرج ، وعمرُ يكليِّم النَّاسَ ، فقال: اجلس يا عمرُ فأبَ عمرُ أن يجلسَ ، فأقبل النَّاسُ إليه ، وتركوا عمرَ رضي الله عنه ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أمَّا بعدُ: مَنْ كان منكم يعبد محمَّداً (ص) فإنَّ محمَّداً قد م ات ، ومن كان منكم يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت. قال الله تعاتُمْ عَلَى أَعْقَابِّكُمْ وَمَنْ يـَنـْقَلِّبْ عَلَى عَقِّبـَيْهِّ فـَلَنْ يَضُرَّ الِلََّّ شَيـْئًا وَسَيَجْزِّي الِلَُّّ الشَّاكِّرِّينَ[عمران 144.] وقال: والله لكأنَّ الناسَ لم يعلموا: أنَّ الله أنزل هذه الاية حتََّّ تلاها أبو بكر ، فتلقَّاها منه النَّاسُ كلُّهم ، فما أسمعُ بشراً من النَّاس إلا يتلوها. فأخبرني سعيد بن المسييِّب: أنَّ عمر رضي الله عنه قال: والله! ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكرٍ رضي الله عنه تلاها ، فـَعَقِّرْتُ 490]) تُقلَّني رجلاي ، وحتََّّ أهويتُ إلى الأرض ، حين سمعتُه تلاها؛ علمت: أنَّ النَّبَّ (ص) قد مات » [4454.]) ثامناً: معاملة النَّبيِّ (ص) للرُّماة الَّذينأخطؤوا ، والمنافقين الَّذين انَذلوا: أ ـ الرُّماة: إنَّ الرُّماة الَّذين أخطؤوا الاجتهاد في غزوة أُحدٍ لم يخُْرِّجْهم الرَّسول (ص) خارج الصَّفيِّ ، ولم يقل لهم: إنَّكم لا تصلحون لشيءٍ من هذا الأمر بعدما بدا منكم في التَّجربـة من النَّقص ، والضَّعف ، بل قبـل ضعفهم هذا في رحمـةٍ ، وعفوٍ ، وفي سماحةٍ ، ثمَّ شمل ـ سبحانه وتعالى ـ برعايته وعفوه جميع الَّذين اشتركوا في هذه الغزوة ، رغم ما وقع مِّنْ بعضهم مِّنْ أخطاءٍ جسيمةٍ ، وما ترتَّب عليه مِّنْ خسائرَ فادحةٍ، فعفا ـ سبحانه وتعالى ـ عنهم عفواً غسل به خطاياهم ، ومحا به اثار تلك الخطايا. قال تعالأَمْرِّ وَعَصَيـْتُمْ مِّنْ بـَعْدِّ مَا أَرَاكُمْ مَا تحُِّبُّونَ مِّنْكُمْ مَنْ يُرِّيدُ الدُّنـْيَا وَمِّنْكُمْ مَنْ يُرِّيدُ الآخِّرَةَ ثمَُّ صَرَفَكُمْ عَنـْهُمْ لِّيـَبـْتَلِّيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَالِلَُّّ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِّنِّينَ [عمران 152.] وهناك أمرٌ مهمٌّ يتَّصل بهذا العفو، قد يترك أثراً في نفوسهم يعويِّقها بعض الشَّيء، ذلك هو موقف رسول الله (ص) ممَّا حدث منهم؛ إنََّّم يشعرون: أنَّ الرَّسول (ص) هو وحده الَّذي تحمَّل نتيجة تلك الأخطاء

عدد الصفحات ١٠٥

، فلابدَّ أن ينالوا منه عفواً؛ تطيب به نفوسهم ، وتتمُّ به نعمة الله عليهم؛ لهذا أمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ نبيَّه (ص) بأن يعفو عنهم ، وحثَّهُ على الاستغفار لهم ، كما أمره أن يأخذ رأيهم ، والاستماع إلى مشورتهم، ولا يجعل ما حدث صارفاً له عن الاستفادة من خبراتهم، ومشورتهم491.]) قال تعاعْفُ عَنـْهُمْ وَاسْتـَ غْفِّرْ لهَُمْ وَشَاوِّرْهُمْ فيِّ الأَمْرِّ فَإِّذَا عَزَمْتَ فـَتـَوَكَّلْ عَلَى الِلَِّّّ إِّنَّ الِلََّّ يَُِّبُّ الْمُتـَوَكيِّلِّينَ * }[عمران 159.] ب ـ انَذال ابن سلول المنافق كان هدف عبد الله بن سلول بانسحابه بثلاثمئةٍ من المنافقين ، أن يَُدث بلبلةً ، واضطر اباً في الجيش الإسلامييِّ؛ لتنهار معنوياَّته ، ويتشجَّع العدو ، وتعلو هَّته. وعملُه هذا ينطوي على استهانةٍ بمستقبل الإسلام ، وغدرٍ به في أحلك الظُّروف ، وقد حاول عبد الله بن حرام أن يمنعهم من ذلك الانَذال ، إلا أنََّّم رفضوا دعوتَه492]) تعا الجَْمْعَانِّ فَبِّإِّذْنِّ الِلَِّّّ وَلِّيـَعْلَمَ الْمُؤْمِّنِّينَ *وَلِّيـَعْلَمَ الَّذِّينَ نَفـَقُوا وَقِّيلَ لهَُمْ تـَعَالَوْا قَاتِّ لُوا فيِّ سَبِّيلِّ الِلَِّّّ أَوِّ ادْفـَعُوا قَالُوا لَوْ نـَعْلَمُ قِّتَالاً لاَتـَّبـَعْنَاكُ مْ هُمْ لِّلْكُفْرِّ يـَوْمَئِّذٍ أَقـْرَبُ مِّنـْهُمْ لِّلإِّيمَانِّ يـَقُولُونَ بأَِّفـْوَاهِّهِّمْ مَا لَيْسَ فيِّ قـُلُوبهِِّّمْ وَالِلَُّّ أَعْلَمُ بمَِّا يَكْتُمُونَ * لاَتـَّبـَعْنَاكُمْ هُمْ لِّلْكُفْرِّ يـَوْمَئِّذٍ أَقـْرَبُ مِّنـْهُمْ لِّلإِّيمَانِّ يـَقُولُونَ بأَِّفـْوَاهِّهِّمْ مَ ا لَيْسَ فيِّ قـُلُوبهِِّّمْ وَالِلَُّّ أَعْلَمُ بمَِّا يَكْتُمُونَ [آل عمران: 166 ـ167.] فبالرَّغـم من خطورة الموقف ، وحاجـة المسلمين لهذا العـدد لقلَّـة جيش المسلمين ، وكثرة جيش قريش ، إلا أنَّ الرَّسول (ص) ترك هؤلاء المنافقين ، وشأنَّـم ، ولم يُعِّرْهم أيَّ اهتمـامٍ ، واكتفى بفضح أمرهم أمام النَّاس 493]) من غزوته من حمراء الأسد، أراد ابن سلول أن يقوم كعادته لحثيِّ الناس على طاعة رسول الله (ص قال الإمام الزُّهريُّ: كان عبد الله بن أُبييٍ له مقامٌ يقومه كلَّ جمعة؛ لا ينكسر له شرفٌ في نفسه ، وفي قومه ، وكان فيهم شريفاً ، إذا جلس رسولُ الله (ص) يوم الجمعة وهو يخطب النَّاسُ؛ قام ، فقال: أيُّها النَّاسُ ، هذا رسولُ الله بين أظهركم ، أكرمكم الله به ، وأعزَّكم به ، فانصروه ، وعزيِّروه ، واسمعوا له ، وأطيعوا ، ثمَّ يجلس ، حتَّ إذا صنع يوم أُحد ما صنع ، ورجع النَّاس ، قام يفعل ذلك كما كان يفعله ، فأخذ المسلمون بثيابه مِّنْ نواحيه ، وقالوا: اجلس أي عدوَّ الله! واللهِّ لستَ لذلك بأهلٍ؛ وقد صنعتَ ما صنعتَ! فخرج يتخطَّى رقابَ النَّاس؛ وهو يقول: والله لكأنمَّا قلتُ بجَُراً 494])

عدد الصفحات ١٠٦

أمره ، فلقيه رجالٌ من الأنصار بباب المسجد ، فقالوا: ويلك! ما لك؟ قال: قمت أشديِّد أمره ، فوثب إليَّ رجال من أصحابه يجبذونني ، ويعنفونني ، لكأنمَّا قلت بجَُراً أن قمت أشديِّد أمره ، قالوا: ويلك! ارجعْ يستغفرْ لك رسول الله. قال: والله! ما أبغي أن يستغفر 495.]) تاسعاً«أُحد جبل يَُبُّنا ونحبُّه » عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: إنَّ النَّبَّ (ص) طَلَعَ لَه أُحُدٌ ، فقال «هذا جبلٌ يَُِّبُّنا ، ونحُبُّه » [4084) ومسلم1365.]) وهذا يدلُّ على دقَّة ش عور النَّبيِّ (ص) ؛ حيث قارن بين ما كسبه المسلمون من منعة التحصُّن ، والاحتماء بذلك الجبل ، وما أودعه الله تعالى فيه من قابليَّةٍ لذلك ، فعبرَّ عن ذلك بأرقى وشائج الصيِّلة ، وهي المحبَّة ، أفلا يُعتبر هذا الوجدان الحيُّ ، والإحساس المرهف مثلاً أعلى على التخلُّق بخلق الوفاء؟! ألا وإنَّ الَّذي يعترف بفضل الحجارة الصمَّاء ، ويُضفي عليها من الأخلاق السَّامية ما لا يتَّصف به إلا أفاضل العقلاء لجديرٌ به أن يعترف بأدنى فضلٍ يكون من بني الإنسان ، وإذا كان وفاؤه (ص) للجماد قد سمََا حتََّّ حاز أرقى العبارات وأرقَّها؛ ف أخْلِّقْ ببني الإنسان الأوفياء أن ينالوا منه أعظم مِّنْ ذلك ، فضلاً عمين تجمعه بهم الأخوَّة في الله تعا496.]) والحديث النَّبويُّ الشَّريف فيـه كثيرٌ من المعاني ؛ منها ما ذكـره الحميديُّ ، ومنها ما قاله الأستاذ صا الشَّامي؛ حيث قال: والإنسان كثيراً ما يربط بين المصيبة وبين مكانَّا ، أو زمانَّا ، وحتََّّ لا تنسحبَ هذه العادة ، وتستمر بعد أن جاء الإسلام ، كان هذا القول الكريم بيانً للحقيِّ ، وابتعاداً عن الطيِّيرَة ، والتَّشاؤم ، وذلك المعنى الذي يبقي الاثار السَّيئة في نفس الإنسان ، ولا شكَّ: أن المسلمين سيق فون على أُحدٍ ، يتذكرون تلك المعركة ، فحتََّّ لا يرتبطَ بفكرهم ذلك المعنى السَّيء ، بينَّ لهم: أن المكان ، والزَّمان مخلوقاتٌ لله ، لا علاقة لهما ، ولا أثر بما يَدث فيهما ، وإنمَّا الأمورُ بيد الله تعالى ، والاستشهادُ في سبيل الله كرامةٌ لصاحبه ، لا مصيبةٌ ، وهكذا تتساوى المفاهيم في إطارها الإيمانييِّ ، وإذا «أُحُدٌ»يُكرَمُ ، ويََُبُّ انطلاقاً من هـذا القول الكريم ، وكيف لا يُكرم وقـد اختاره الله ليثوي فيه حمزةُ ، وأصحابه ، ممَّن اختارهم الله في ذلك اليوم ، فجادوا بأنفسهم ابتغاءَ مرضاته؟497.]) عاشراً: الائكة في أُحدٍ:

عدد الصفحات ١٠٧

قال سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه: رأيتُ عن يمين رسول الله (ص) وعن شماله يوم أُحدٍ رجل عليهما ثيابُ بياضٍ ، يقاتلان عنه كأشديِّ القتال ، ما رأيتُهما قبلُ ، ولابعدُ ـ يعني: جبريلَ ، وميكائيلَ عليهما السَّلام ـ4054) ، ومسلم2306.]) وهذا خاصٌّ بالديِّفاع عن النَّبيِّ (ص) ؛ لأنَّ الله تكفَّل بعصمته من النَّاس ، ولم يصحَّ: أنَّ الملائكة قاتلت في أُحدٍ سوى هذا القتال ـ وإنْ وعدهم الله تعالى أنْ يمدَّهم ـ؛ لأنه جعل وعده معلقاً على ثلاثة أمورٍ: الصَّبر ، والتَّقوى ، وإتيان الأعداء من فو رهم ، ولم تتحقَّق هذه الأمور ، فلم يَصل الإمداد498.]) قال تعا {إِّذْ تـَقُولُ لِّلْمُؤْمِّنِّينَ أَلَن يَكْفِّيكُمْ أَن يمُِّدَّكُمْ رَبُّكُم بِّثَلاَثَةِّ آلاَفٍ ميِّنَ الْمَلآئِّكَةِّ مُنزَلِّينَ * بـَلَى إِّنْ تَصْبرُِّوا وَتـَتـَّقُوا وَيأْتُوكُمْ مِّنْ فـَوْرِّهِّمْ هَذَا يمُْدِّدْكُمْ رَبُّكُمْ بخَِّمْسَةِّ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلاَئِّكَةِّ مُ سَويِّمِّينَ[ عمران 124 ـ125.] حادي عشر: قوانين النَّصر والهزيمة من سورة الأنفال ، وال عمران تحدَّثت سورة الأنفال عن غزوة بدرٍ بشيءٍ من التَّفصيل ، وتحدَّثت سورة ال عمران عن غزوة أُحدٍ ، لكي تتعلَّم الأمَّة كثيراً من المفاهيم ، تتعلَّق بمفهوم القضاء والقدر ، ومفهوم الحياة والموت ، ومفهوم النَّصر والهزيمة ، ومفهوم الريِّبح والخسارة ، ومفهوم الإيمان والنيِّفاق ، ومفهوم المحنة والمحق... إلخ ، ومن المفاهيم الَّتي تعلَّمها الصَّحابة رضي الله عنهم من خلال أحداث بدرٍ ، وأحدٍ ، وسورتي الأنفال ، وال عمران قوانينُ النَّصر والهزيمة ، وهذه القوانين قد بيَّنتها الايات الكريمة ، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية: 1 ـ النَّصر ابتداءً وانتهاءً بيد الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وليس مُلْكاً لأحدٍ من الخلق ، يهبه الله لمن يشاء ، ويصرفه عمَّن يشاء ، مثله مثل الريِّزق ، والأجل ، والعملا النَّصْرُ إِّلاَّ مِّ نْ عِّنْدِّ الِلَِّّّ إِّنَّ الِلََّّ عَزِّيزٌ حَكِّيمٌ[10.] 2 ـ وحين يقديِّر الله تعالى النَّصر؛ فلن تستطيع قوى الأرض كلُّها الحيلولة دونه ، وحين يقديِّر الهزيمة؛ فلن تستطيع قوى الأرض أن تحول بينه وبين الأمَّة. قال تعا لاَ غَالِّبَ لَكُمْ وَإِّنْ يخَْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِّي يـَنْصُرُكُمْ مِّنْ بـَعْدِّهِّ وَعَلَى الِلَِّّّ فـَلْيـَتـَوَكَّلِّ الْمُؤْمِّنُونَ [عمران 160.] 3 ـ ولكنَّ هذا النَّصر له نواميسُ ثابتةٌ عند الله ـ عزَّ وجلَّ ـ نحن بحاجةٍ إلى فقهها ، فلابدَّ أن تكونالرَّاية خالصةً لله سبحانه عند الَّذين يمثيِّلون جنده. قال تعا

عدد الصفحات ١٠٨

وَيـُثـَبيِّتْ أَقْدَامَكُمْ [7] سبيله 4 ـ ووحدة ال صَّفيِّ ووحدة الكلمة أساسٌ في النَّصر. وتفريقُ الكلمة ، والاختلاف في الرأي دمارٌ وهزيمةٌ. قال تعا الصَّابِّرِّينَ [46.] 5 ـ وطاعة أمرِّ الله تعالى ، ورسوله (ص) وعدم الخروج عليها أساسٌ في النَّصر ، أمَّا المعصية؛ فتقود إلى الهزيمة. قال تعا مَعَ الصَّابِّرِّينَ[46.] 6 ـ وحب الدُّنيا ، والتَّهافت عليها يـُفْقدُ الأمَّة عون الله ، ونصره. قال تعا فيِّ الأَمْرِّ وَعَصَيـْتُمْ مِّنْ بـَعْدِّ مَا أَرَاكُمْ مَا تحُِّبُّونَ مِّنْكُمْ مَنْ يُرِّيدُ الدُّنـْيَا وَمِّنْكُمْ مَنْ يُرِّيدُ ا لآخِّ رَةَ[ عمران 152.] 7 ـ ونقص العدد والعُدَّة ليس هو سبب الهزيمة. قال تعالِلََّّ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[عمران 123.] 8 ـ ولكن لابدَّ من الإعداد الماديِّييِّ ، والمعنويي لمواجهة العدوي499]) اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قـُوَّةٍ وَمِّنْ رِّباَطِّ الخَْيْلِّ تـُرْهِّبُونَ بِّهِّ عَدُوَّ الِلَِّّّ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِّينَ مِّنْ دُونَِِّّّمْ لاَ تـَعْلَمُونـَهُمُ الِلَُّّ يـَعْلَمُهُمْ وَمَا تـُنْفِّقُوا مِّنْ شَيْءٍ فيِّ سَبِّيلِّ الِلَِّّّ يـُوَفَّ إِّلَيْكُمْ وَأَنـْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [60.] 9 ـ والثَّبات عند المواجهة ، والصَّبر عند الليِّقاء ، من العوامل الرَّئيسية في النَّصر. قال تعا الَّذِّينَ آمَنُوا إِّذَا لَقِّيتُمْ فِّئَةً فَاثـْبـُتُوا وَاذْكُرُو ا الِلََّّ كَثِّيرًا لَعَلَّكُمْ تـُفْلِّحُونَ [45] { [15.] 10 ـ ولا شيء يعين على الثبات والصَّبر عند الليِّقاء ، مثل ذكر الله الكثير ، باتجاه القلب إلى الله وحده منزيِّل النَّصر ، وطلب العون منه ، والتوكُّل عليه ، وعدم الاعتماد على العدد ، أو العدَّة ، أو الذَّات ، والتَّبرُّؤ من الحول ، والقوَّة ، هو عاملٌ أساسيٌّ من عوامل النَّصر500]) آمَنُوا إِّذَا لَقِّيتُمْ فِّئَةً فَاثـْبـُتُوا وَاذْكُرُوا الِلََّّ كَثِّيرًا لَعَلَّكُمْ تـُفْلِّحُونَ[45.] ثاني عشر: فضل الشُّهداء وما أعدَّه الله لهم من نعيمٍ مقيمٍ

عدد الصفحات ١٠٩

قال رسول الله (ص) : لما أُصيب إخوانُكم بأُحدٍ ، جعل اللهُ أرواحَهم في أجواف طيرٍ خُضْرٍ ، تَرِّدُ أنَّارَ الجنَّة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ في ظليِّ العرش ، فلمَّا وجدوا طيبَ مشربهم ، ومأكلهم ، وحُسْنَ مقيلهم ، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ، ولا يـَنْكُلُوا501]) وجلَّ ـ: أن أبليِّغهم عنكم ، فأنزل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ على رسوله (ص) هذه الايات1/266) ، وأبو داود2520) ، وأبو يعلى2331([])502.]) قال الله تعامْ يـُرْزَقُونَ *فَرِّحِّينَ بمَِّا آتاَهُمُ الِلَُّّ مِّنْ فَضْلِّهِّ وَيَسْتـَبْشِّرُونَ باِّلَّذِّينَ لمَْ يـَلْحَقُوا بهِِّّمْ مِّنْ خَلْفِّهِّمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِّمْ وَلاَ هُمْ يََْزَنُونَ *يَسْتـَبْشِّرُونَ بِّنِّعْمَةٍ مِّنَ الِلَِّّّ وَفَضْلٍ وَأَنَّ الِلََّّ لاَ يُضِّ يعُ أَجْرَ الْمُؤْمِّنِّينَ[عمران 169 ـ171.] وقد جاء في تفسير الايات السَّابقة ما رواه الواحديُّ عن سعيد بن جبير: أنَّه قال: لمَّا أُصيب حمزةُ بن عبد المطَّلب ، ومصعب بن عمير يوم أُحدٍ ، ورأوا ما رزقوا من الخير؛ قالوا: ليت إخوانَنا يعلمون ما أصابنا من الخير؛ كي يزدادوا في الجهاد رغبةً ، فقال الله تعالى: أن أبليِّغهم عنكم ، فأنزل الله تعا تحَْسَبنََّ الَّذِّينَ قُتِّلُوا{ وَأَنَّ الِلََّّ لاَ يُضِّيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِّنِّينَ503]) وروى مسلمٌ بسنده عن مسروقٍ ، قال: سألنا عبدَ الله بن مسعودٍ عن هذه الاية قُتِّلُوا فيِّ سَبِّيلِّ الِلَِّّّ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِّنْدَ رَبهيِِّّمْ يـُرْزَقُونَ [عمران 169.] قال: أمَا إنَّ قد سأَلْنا عن ذلك ، فقال«أرواحُهم في جوف طيرٍ خُضْرٍ ، لها قناديلُ معلَّقةٌبالعرش ، تسرح من الجنَّة حيث شاءت ، ثمَّ تأوي إلى تلك القناديل ، فاطَّلَعَ إليهم ربهُّم اطيِّلاعةً ، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أيَّ شيءٍ نشتهي؛ ونحن نَسْرَحُ من الجنَّة حيث شئنا؟! ففعل ذلك بهم ثلاثَ مراتٍ ، فلمَّا رأوا: أنَّم لن يـُتـْرَكُوا من أن يُسْألوا ، قالوا: يا ربيِّ! نريد أن تَـرُدَّ أرواحَنا في أجسادن؛ حتََّّ نـُقْتَلَ في سبيلك مرَّةً أخرى ، فلمَّا رأى أن ليس لهم حاجةٌ؛ تُرِّكُوا»[1887.]) ثالث عشر: الهجوم الإعلاميُّ على المشرك كان الإعلام في العهد النَّبوييِّ يقوم على الشيِّعر ، وكان شعراء الم شركين في بدرٍ في موقف الديِّفاع والريِّثاء ، وفي أُحدٍ حاول شعراء قريش أن يضخموا هذا النَّصر ، فجعلوا من الحبة قبَّةً ، وأمام هذا الكبرياء المزيَّف انبرى حسَّان بن ثابتٍ ، وكعب بن مالكٍ ، وعبد الله بن رواحة للرديِّ على حملات المشركين الإعلاميَّة؛ الَّتي قادها شعراؤهم؛ كهبيرة ابن أبي وهبٍ ، وعبد الله بن الزيِّبعرى ، وضرار بن الخطَّاب ، وعمرو بن العاص503.])

عدد الصفحات ١١٠

وكانت قصائد حسَّان كالقنابل على المشركين ، وقد أشاد بشجاعة المسلمين ، حيث استطاعوا أن يقتلوا حملةَ لواءِّ المشركين ، ويُوبيِّخ المشركين ، ويصفهم بالجبن حينما لم يستطيعوا حماية لوائهم ، حتََّّ كان في النيِّهاية بيد امرأةٍ منهم ، وولىَّ أشرافُهم، وتركوه ، وفي هذا الهجاء تذكيرٌ للمشركين بمواقف الذُّليِّ ، والجبن؛ الَّتي تعرَّضوا لها في بداية المعركة ، حتََّّ لا يغترُّوا بما حصل في نَّايتها من إصابة المسلمين. ولقد أصاب حسَّان من المشركين مقتلاً ، حينما عَيـَّرَهم بالتخليِّي عن الليِّواء ، وإقدام امرأةٍ منهم على حمله ، وهذا يتضمَّن وصفهم بالجُبنِّْ الشَّديد ، حيث أقدمتِّ امرأةٌ على ما نَكَلُوا عنه504.]) وممَّا قاله في شأن عَمرة بنت علقمة الحارثيَّة ، ورفعها الليِّواء إِّذَا عَ ضَلٌ سِّيـْقَتْ إِّلَيـْنَا كَأَنَّـهَا جِّدَايةُ شِّرْكٍ مُعْلِّماتِّ الحَواجِّب 505]) أقَمْنَا لهَُمْ طَعْناً مُبِّيراً مُنَكيِّلاً وحُزْنَهمُ بالضَّرْبِّ مِّنْ كليِّ جَانِّب 506]) فَلوْلاَ لِّوَاءُ الحَارِّثِّيَّةِّ أصْبَحُوا يُباعون في الأسْوَاقِّ بـَيْعَ الجَلائِّب507]) وعندما أخذ الليِّواءَ من الحارثيَّة غلامٌ حبشيٌّ لبني أبي طَلْحَةَ ـ وكان لواء المشركين قد أخذه صؤاب من الحارثيَّة ـ وقاتل به قتالاً عنيفاً قتل على أثره ، فرمى حسان بن ثابتٍ أبياته في هذا الموضوع ، فقال: فَخَرْتَُْ باِّلليِّواءِّ وَشَرُّ فَخْرٍ لِّوَاءٌ حِّينَْ رُدَّ إلى صُؤابِّ جَعَلْتُمْ فَخْرَكمْ فِّيْهِّ بِّعَبْدٍ وَأَلأمِّ مَنْ يَطَا عَفَر التـُّرَابِّ ظَنـَنـْتُمْ والسَّفِّيْهُ لَهُ ظُنُونٌ وَمَا إِّنْ ذَاكَ مِّنْ أَمْرِّ الصَّوَاب 508]) وممَّا قاله كعبُ بن مالكٍ رضي الله عنه في الرديِّ على بع ض شعراء قريش: أبْلِّغْ قـُرَيْشاً وَخَيـْرُ القَوْلِّ أَصْدَقُهُ والصيِّدْقُ عِّنْدَ ذَوِّي الألبابِّ مَقْبُولُ 509]) أَنْ قَدْ قـَتـَلْنَا بِّقَتْلاَنَ سَرَاتَكُمُ أَهْلَ الليِّوَاءِّ فَفِّيْمَا يَكْثـُرُ القِّيْلُ وَيـَوْمَ بَدْرٍ لَقِّيـْنَاكُمْ لَـنَا مَدَدٌ فِّيْهِّ مَعَ النَّصْرِّ مِّيْكَالٌ وَجِّبرِّْيْلُ إِّنْ تـَقْتـُلُونَ فَدِّيْنُ الحَْقيِّ فِّطْرَتـُنَا وَالقَتْلُ فيِّ الحَقيِّ عِّنْدَ الله تـَفْضِّيْلُ وَإِّنْ تـَرَوا أَمْرَن فيِّ رَأْيِّكُمْ سَفَهاً فـَرَأْيُ مَنْ خَالَفَ الإسْلاَمَ تَضْلِّيْلُ 510]) وَمِّنْ أعجب ما قرأت في ا لمعركة الإعلاميَّة بين المسلمين ، والمشركين محاولةُ ضرار بن الخطَّاب قبل إسلامه أن يفتخر ببدرٍ على اعتبار النَّصر كان لرسول الله (ص) والمهاجرين ، وفي ذلك قوله: فَإِّنْ تَظْفَرُوا فيِّ يـَوْمِّ بَدْرٍ فَإنمََّا بأَِّحمَْدَ أَمْسَى جَدُّكمْ وَهُوَ ظَاهِّرُ

عدد الصفحات ١١١

وَلنـَّفَرِّ الأخْيَارِّ هُمْ أَوْلِّيَاؤُهُ يََُامُوْنَ فيِّ اللأَّواءِّ وَالْمَوْتُ حَاضِّرُ يـُعَدُّ أَبُو بَكْرٍ وَحمَْزَةُ فِّيْهِّمُ وَبُدْ عَنْ عَلِّييٍ وَسْطَ مَنْ أَنْتَ ذاكرُ وَيُدْعَى أَبُو حَفْصٍ وَعُثْمَانُ مِّنـْهُمُ وَسَعْدٌ إِّذَا مَا كَانَ فيِّ الحَْرْبِّ حاضرُ أُولَئكَ لاَ مَنْ نَـتَّجَت مِّنْ دِّياَرِّها بـَنُو الأَوْسِّ والنَّجَّارِّ حِّينَْ تُـفَاخِّرُ 511]) وهكذا حوَّلها إلى لغة قبليةٍ ، تقوم على مفاهيم جاهليَّةٍ ، ولقد أجابه كعبٌ رضي الله عنه وفينا رسولُ الله والأوْسُ حَوْلَهُ لَهُ مَعْقِّلٌ مِّنـْهُمْ عَ زِّيـْزٌ وَنَصِّرُ وجمَْعُ بَنيِّ النَّجَّارِّ تحَْتَ لِّوَائِّهِّ يمُْسُونَ فيِّ المأذَى والنـَّقْعُ ثاَئِّرُ إلى أن قال: وَكَانَ رَسُوْلُ اللهِّ قَدْ قَالَ: أَقْبِّلُوا فَولَّوا وقالُوا: إنمَّا أَنْتَ سَاحِّرُ لأمْرٍ أرَادَ اللهُ أَنْ يـَهْلِّكُوا بِّهِّ ولَيْسَ لأَمْ رٍ حمََّه النَّارُ زَاجِّرُ كما أجابه بقوله: وَبِّيـَوْمِّ بَدْرٍ إِّذْ نـَرُدُّ وُجُوْهَهُمْ جِّبرِّْيْلُ تحَْتَ لِّوَائِّنَا وَمحَُمَّدُ وهو أفخرُ بيتٍ قالته العرب ـ كما قال صاحب العِّقد الفريد ـ 512.]) * * * الفصل العاشر أهمُّ الأحداث ما بين أحدٍ والخندق المبحث الأوَّل محاولات المشركين لزعزعة الدَّولة الإسلاميَّة

عدد الصفحات ١١٢

كانت غزوة أُحدٍ مشجيِّعةً لأعداء الدَّولة الإسلاميَّة على مواجهتها ، وساد الشُّعورُ لدى الأعراب المشركين بإمكان مناوشة المسلمين ، والتَّغلُّب عليهم ، واتجَّهت أنظار المشركين من الأعراب إلى غزو المدينة؛ لاستئصال شَأْفَتِّهم513]) خالد بن سفيان الهُذليُّ لجمع الحشود؛ لكي يهاجم بها المدينة ، وتجرَّأت عَضَل وقارَة514]) خداع المسلمين ، وقام عامر بن الطُّفَيل بقتل القُرَّاء الدعاة الامنين ، وحاولت يهود بني النَّضير أن تغتال رسولَ الله (ص) ، فتصدَّى لهذه المحاولات الماكرة الحبيبُ المصطفى (ص) بشجاعةٍ فائقةٍ ، وسياسةٍ ماهرةٍ ، وتخطيطٍ سليمٍ ، وتنفيذٍ دقيقٍ. أولاً: طمع بني أسدٍ في الدَّولة الإسلاميَّة: بلغت النَّبَّ (ص) بواسطة عيونه المنبثة في الجزيرة العربيَّة أخبارُ الاستعدادات الَّتي قام بها بنو أسدِّ بن خزيمة بقيادة طُلَيْحة الأسدييِّ من أجل غزو المدينة؛ طمعاً في خيراتها ، وانتصاراً لشركهم ، ومظاهرةً لقريش في عدوانَّا على المسلمين ، فسارع النَّبُّ (ص) إلى تشكيل سريةٍ من مئةٍ وخُسين رجلاً من المهاجرين ، والأنصار ، وأمَّر عليهم أبا سلمة بن عبد الأسد515]) وقال له: سِّرْ حتََّّ تنزلَ أرض بني أسد ، فأغرْ عليهم قبل أن تتلاقى عليك جموعُهم 516]) إليهم أبو سلمةَ في المحرَّم517])فرُّوا مِّنْ وجهه؛ فأخذها ، ولم يلقَ عناءً في تشتيت أعداء الإسلام ، وعاد إلى المدينة مظفَّراً. وأبو سلمةَ يعدُّ من السَّابقين إلى الإيمان ، ومن خيرة الرَّعيل الأوَّل ، وقد عاد من هذه الغزوة متعباً؛ إذ نـَفَر جرحُه الَّذي أصابه في (أُحدٍ) فلم يلبث حتََّّ مات 518.]) ونلحظ في هذه السَّريَّة عدَّة أمورٍ؛ منها: الديِّقَّة في التَّخطيط الحربييِّ عند النَّبيِّ (ص) ؛ حيث فرَّق أعداءه قبل أن يجتمعوا ، فذهلوا لمجيء سريَّة أبي سلمة؛ وهم يظنُّون: أنَّ المسلمين قد أضعفتهم وقعة أُحدٍ ، وأذهلتْهم عن أنفسهم ، فأُصيب المشركون بالرُّعب من المسلمين ، ووَهَنتْ عزيمتُهم ، وانشغلوا بأنفسهم عن مهاجمة المدينة. وتظهر دقَّة المسلمين في الرَّصد الحربييِّ ، واختيارهم التَّوقيت الصَّحيح ، والطَّريق المناسبة؛ حيث وصلوا إلى الأعداء قبل أن يعلموا عنهم أيَّ شيءٍ رغم بـُعْدِّ المسافة ، وكان هذا هو أهمُّ عوامل نجاح المسلمين في هذه السَّريَّة ، وتركت هذه السَّريَّة في نفوس الأعداء شعوراً مؤثيِّراً على معنوياَّتهم ، ألا وهو قناعتهم بقدرة المسلمين على الاستخفاء ، والقيام بالحروب الخاطفة المفاجئة ، الَّتي تجعلهم

عدد الصفحات ١١٣