المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 03

علي محمد الصلابي

صفحة ٦ من ٢١

(3/251 ـ252)، ومجمع الزوائد6/113])380]) قدم ولده على عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ ، فسأله: من أنت؟ فقال له مرتجلاً أن ابْنُ الَّذي سَالَتْ عَلَى الخَديِّ عَيـْنُهُ فـَرُدَّتْ بكَفيِّ المُصْطَفى أَحْسَنَ الرَّديِّ فـَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ لأَوَّلِّ أَمْرِّهَا فـَيَا حُسْنـَهَا عَيْناً وَياَ حُسْنَ ما رديِّ فقال عمر بن عبد العزيز عند ذلك: تِّلْكَ المَكَارِّمُ لا قـَعْبَان 381]) شيْبا بمَاءٍ فـَعَادَا بـَعْدُ أَبـْوَا ثمَّ وصله ، فأحسن جائزته382.]) 2 ـ مقتل أُبييِّ بن خلف كان أُبيَُّ بن خلف يـَلْقَى رسولَ الله (ص) بمكَّة ، فيقول: يا محمد! إنَّ عندي العَوْذ؛ فرساً أعْلِّفُه كلَّ يوم فـَرَقاً383])رسول الله (ص «بل أن أقتلـك إن شاء»فلمَّا كان يـوم أُحد ، وأُسند رسولُ الله (ص) في الشيِّعْب؛ أدركه أُبيَُّ بن خلف ، وهو يقول: أي محمد! لا نجوتُ إن نجوتَ! فقال القوم: يا رسول الله! أيعطفُ عليه رجلٌ منا؟ فقال رسول الله (ص) : «دَعُوه»، فلمَّا دن ، تناول رسولُ الله (ص) الحَرْبَةَ من الحارث بن الصيِّمَّة ، فلمَّا أخذها رسولُ الله (ص) منه انتفض بها انتفاضة تطايَرن عنه تطايرَ الشَّعراء 384]) عنقه طعنةً تدأدأ385])لى قريش وقد خَدَشَهُ في عنقه خَدشاً غ كبيرٍ ، فاحتقَنَ الدَّم ، قال: قتلني والله محمدٌ! قالوا له: ذهب والله فؤادك! والله إنْ بك من بأسٍ ، قال: إنَّه قد كان قال لي بمكَّة: أن أقتلُك ، فو الله! لو بَصَق عليَّ؛ لقتلني ، فمات عدوُّ الله بسَرفٍ386 ]) وهم قافلون به إلى مكَّة2/518 ـ519) ، والواقدي المغازي ( 1/251) ، وابن سعد2/46) ، والبيهقي في الدلائل3/211 و258([])387.]) وفي هذا الخبر مَثَلٌ رفيعٌ على شجاعة رسول الله (ص) ، فقد كان أُبي بن خلف مُدَجَّجاً بالسيِّلاح ، ومتدريِّعاً بالحديد الواقي ، ومع ذلك استطاع رسولُ الله (ص) أن يطعنه بالرُّمح من فـُرْجَةٍ صغيرة في عنقه بين الديِّرْع ، والبيضة ، وهذا يدلُّ على قدرة رسول الله (ص) القتاليَّة ، ودقَّته في إصابة الهدف. وفي هذا الخبر معجزةٌ للنَّبيِّ (ص) ، فقد أخبر أُبـَيياً بأنه سوف يقتله بمشيئ ة الله ، وتََّ ذلك ، وفي الخبر عبرةٌ في إيمان المشركين بصدق النَّبيِّ (ص) ، وأنه إذا قال شيئاً؛ وقع ، فقد كان أُبيُّ بن خلف على يقينٍ بأنَّه سيموت من تلك الطَّعنة ، ومع ذلك لم يدخلوا في الإسلام لعنادهم ، وعبادة أهوائهم388.])

عدد الصفحات ٨٢

وقد خلَّد حسَّانُ بن ثابت هذه الحادثة في شعره فقال: لَقَدْ وَرِّثَ الضَّلاَلَةَ عَنْ أَبِّيْهِّ أُبيٌَّ يـَوْمَ باَرَزَهُ الرَّسُولُ أتيْتَ إِّلَيْهِّ تحَْمِّلُ رِّمَّ عَظْمٍ وَتـُوْعِّدُهُ وَأَنْتَ بِّهِّ جَهُوْلُ 389]) * * * المبحث الثالث أحداث ما بعد المعركة أولاً: حوار أبي سفيان مع الرَّسول (ص) وأصحابه: قال البرَاءُ رضي الله عنه: وأشرفَ أبو سفيان ، فقال: أفي القوم محمَّدٌ؟ فقال رسولُ الله (ص) : « لا تجيبوه»فقال: أفي القوم ابنُ أبي قُحَافَةَ؟ قال«لا تجيبوه»فقال: أفي القوم ابنُ الخطَّاب؟ فقال: إن هؤلاء القوم قُتلوا ، فلو كانوا أحياءً لأجابوا فلم يملك عمرُ رضي الله عنه نفسَه ، فقال: كذبتَ يا عدوَّ الله! أبقى اللهُ عليك ما يخُزيك. قال أبو سفيان: اعْلُ هُبَلُ 390])«أجيبوه» قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا«الله أعلى وأجل»قال أبو سفيان: لنا العُزَّى. ولا عُزى لكم. فقال النَّبُّ (ص) : «أجيبوه»قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا«اللهُ مولان ، ولا مولى لكم»قال أبو سفيان: يومُ بيوم بدر ، والحرب سِّجَالٌ ، وتجدون مُثلةً لم امُرْ بها ، ولم تَسُؤْ 4043) ، والبيهقي الدلائل (3/268([])391])ال عمر: لا سواء! قتلان في الجنَّة ، وقتلاكم في النَّار » [1/463([)392])6/110.]) كان في سؤال أبي سفيان عن رسول الله (ص) ، وأبي بكرٍ ، وعمر رضي الله عنهما دلالةٌ واضحةٌ على اهتمام المشركين بهؤلاء دون غيرهم؛ لأنَّه في علمهم أنََّّم أهل الإسلام ، وبهم قام صَرْحُهُ ، وأركان دولته ، وأعمدة نظامه ، ففي موتهم يعتقد المشركون: أنَّه لا يقوم الإسلام بعدهم.

عدد الصفحات ٨٣

وكان السُّكوت عن إجابة أبي سفيان أوَّلاً؛ تصغيراً له ، حتََّّ إذا انتشى ، وملأه الكِّبرْ؛ أخبروه بحقيقة الأمر ، وردُّوا عليه بشجاعةٍ393.]) وفي هذا يقول ابن القييِّم في تعليقه على هذا الحوار: فأمرهم بجوابه عند افتخاره بالهته ، وبشركه؛ تعظيماً للتَّوحيد ، وإعلاماً بعزَّة من عَبَدَهُ المسلمون ، وقوَّة جانبه ، وأنَّه لا يـُغْلَبُ ، ونحن حزبُه ، وجندُه ، ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمَّد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ بل روي: أنَّه نَّاهم عن إجابته ، وقال: «لا تجيبوه»؛ لأنَّ كلْمَهم لم يكن برد في طلب القوم ، ونرُ غيظهم بعدُ متوقيِّدةٌ ، فلمَّا قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كُفيتُموهم؛ حمي عمر بن الخطَّاب ، واشتد غضبه ، وقال: كذبت يا عدوَّ الله! ف كان في هذا الإعلام من الإذلال ، والشَّجاعة ، وعدم الجبن ، والتَّعرُّف إلى العدويِّ في تلك الحال ما يؤذنَّم بقوَّة القوم ، وبسالتهم ، وأنََّّم لم يهِّنوا ، ولم يَضْعُفُوا ، وأنَّه ، وقومَه جديرون بعدم الخوف منهم ، وقد أبقى الله لهم ما يسوؤهم منهم ، وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثَّلاثة وهلةٌ بعد ظنيِّه ، وظنيِّ قومه: أنََّّم قد أُصيبوا من المصلحة ، وغيظ العدويِّ ، وحزبه ، والفتيِّ في عَضُده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحداً ، واحداً ، فكان سؤاله عنهم ، ونعيُهم لقومه اخر سهام العدويِّ ، وكيده ، فصبر له النَّبُّ (ص) حتََّّ استوفي كيده ، ثمَّ انتدب له عمر ، فردَّ بسهام كيده عليه ، وكان ترك الجواب عليه أحسن ، وذكره ثانياً أحسن ، وأيضاً: فإنَّ في ترك إجابته حين سأله عنهم إهانةً له ، وتصغيراً لشأنه ، فلمَّا مَنـَّتْهُ نفسهُ موتهم ، وظنَّ: أنَّم قد قُتلوا ، وحصل له بذلك من الكبر ، والأشر394]) لقول النَّبيِّ (ص«لا تجيبوه»فإنَّه إنمَّا نَّى عن إجابته حين سأل: أفيكم محمَّد؟ أفيكم فلان؟ ولم يـَنْهَ عن إجابته حين قال: أما هؤلاء فقد قُتلوا، وبكليِّ حالٍ ، فلا أحسنَ مِّنْ ترك إجابته أولاً ، ولا أحسنَ مِّنْ إجابته ثانياً395.]) ثانياً: تفقد الرَّسول (ص) الشُّهداء بعد أن انسحب أبو سفيان من أرض المعركة ، ذهب الرَّسول (ص) ليتفقَّد أصحابه رضي الله عنهم ، فمرَّ على بعضهم ، ومنهم حمزةُ بن عبد المطَّلب ، ومُصْعَب بن عُمَيرٍ ، وحنظلةُ بن أبي عامرٍ ، وسعد بن الرَّبيع ، والأُصَيرِّْمُ ، وبقيَّة الصحابة رضي الله عنهم ، فلمَّا أشرف عليهم رسول الله (ص) قال: «أن شهيدٌ على هؤلاء ، إنَّه ما من جَرِّيح يجُْرَح في الله ، إلا والله يبعثه يوم القيامة يَدْمَى جُرْحُهُ؛ اللَّونُ لونُ

عدد الصفحات ٨٤

دمٍ ، والريِّيح ريح المسك ، انظروا أكثر هؤلاء جمعاً للقران ، فاجعلوه أمام أصحابه في الق »[ تخريجه وقال جابر بن عبد الله في رواية البخارييِّ: إنَّ النَّبَّ (ص) كان يجمع بين الرَّجلين من قـَتـْلَى أُحدٍ في ثوبٍ واحد ، ثمَّ يقول: «أيُّهم أكثرُ أخذاً للقران؟ »فإذا أُشِّيرَ له إلى أَحدٍ؛ قدَّمه في اللَّحْدِّ ، وقال «أن شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة»، وأمر بدفنهم بدمائهم ، ولم يُصَليِّ عليهم ، ولم يـُغَسَّلُوا4079) ، وأبو داود3138) ، والترمذي1036) ، والنسائي4/62) ، وابن ماجه (1514.]) وأمر رسولُ الله (ص) أن يدفنوا حيثُ صُرِّعوا ، وأُعيد مَنْ أُخذ؛ ليدفن داخل المدينة (4/79.]) ولمَّا رأى رس ولُ الله (ص) حمزةَ بن عبد المطلب وقد مُثيِّل به؛ حزن حزنً شديداً ، وبكى حتََّّ نشغ396])397])«لولا أن تحزن صفيَّة ، ويكون سنةً من بعدي؛ لتركتُه حتََّّ يكون في بطون السيِّباع ، وحواصل الطَّيـر ، ولئن أظهرني الله على قريشٍ في موطن من المواطن؛ لأمثلنَّ بثلاثين رجلاً منهم »فلمَّا رأى المسلمون حُزْنَ رسول الله (ص) وغيظه على مَنْ فعل بعميِّه ما فعل ، قالوا: والله! لئن أظفرن الله عليهم يوماً من الدَّهر ، لنمثلنَّ بهم مُثلَةً لم يمَُثيِّلْهَا أحدٌ من العرب 3/128) ، وأبو داود3136) ، والترمذي (1016) ، والحاكم3/196) ، وابن أبي شيبة (14/391 ـ392([])398]) بِّهِّ وَلَئِّنْ صَبـَرْتَُْ لهَُوَ خَيـْرٌ لِّلصَّابِّرِّينَ[126.] لقد ارتكب المشركون صوراً من الوحشيَّة ، حيث قاموا بالتَّمثيل بقتلى المسلمين ، فبقروا بطون كثيرٍ من القتلى ، وجَدَعُوا أنوفَهم ، وقطعوا الاذان ، ومذاكير بعضهم399]) (ص) وأصحابه ، واستجابوا لتوجيه المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ فعفا ، وصبر ، وكَفَّر عن يمينه ، ونَّى عن المُثـْلَةِّ. روى ابن إسحاق بسنده عن سمَُرة بن جُنْدب ، قال: ما قام رسولُ الله (ص) في مقامٍ قطُّ ففارقه ، حتََّّ يأمرن بالصَّدقة ، وينهان عن المُثـْلَة3/102.]) ثالثاً: دعاء الرَّسول (ص) يوم أُحدٍ صليى رسولُ الله (ص) بأصحابه الظُّهر قاعداً لكثرة ما نزف من دمه ، وصلَّى وراءه المسلمون قعوداً ، وتوجَّه النَّبُّ (ص) بعد الصَّلاة إلى الله بالدُّعاء ، والثَّناء على ما نلهم من الجَهْد ، والبلاء ، فقال

عدد الصفحات ٨٥

لأصحابه«استووا حتََّّ أُثني على ربييِّ ـ عزَّ وجل »، فصاروا خلفه صفوفاً ، ثمَّ دعا بهذه الكلمات الدَّالة على عمق الإيمان 400])«اللَّهمَّ! لك الحمدُ كلُّه ، اللَّهُمَّ لا قابضَ لِّمَا بَسطتَ ، ولا باسط لما قبضت ، ولا هادي لما أضلَلْتَ ، ولا مُضِّلَّ لمَنْ هديت ، ولا مُعْطِّيَ لِّمَا مَنـَعْتَ ، ولا مانع لما أعطيتَ ، ولا مُقَريِّب لما باعدْتَ ، ولا مُبْعِّد لما قرَّبْتَ. اللَّهُمَّ! ابسطْ علينا من بركاتك ، ورحمتك ، وفضلك ، ورزقك. الليهُمَّ! إنييِّ أسألك النَّعيم المُقيم؛ الَّذي لا يََُول ، ولا يزول. اللَّهُمَّ! إنييِّ أسألك النَّعيم يوم الغلبة ، والأمنَ يوم الخوف. اللَّهُمَّ! عائذٌ بك من شريِّ ما أعطيتنا ، وشريِّ ما منعتنا. اللَّهُمَّ! حَبيِّبْ إلينا الإيمان ، وزييِّنه في قلوبنا ، وكريِّه إلينا الكفر والفسوق ، والعصيان ، واجعلنا من الرَّاشدين. اللَّهُمَّ توفَّنا مسلمين ، وأحينا مسلمين ، وألحقنا بالصَّالحين غيرَ خزايا ، ولا ندمين ، ولا مفتونين. اللَّهُمَّ! قاتل الكفرة الَّذين يكذيِّبون رُسُلَكَ ، ويصدُّون عن سبيلك ، واجعلْ عليهم رجزكَ ، وعذابك. اللَّهُمَّ قاتل الكفرة الَّذين أوتوا الكتاب ، إله الخَلْق »[3/424) ، والبزار ( 1800) ، والطبراني في المعجم4549) ، والبخاري في الأدب المفرد 699) ، ومجمع الزوائد (6/121 ـ122])401.]) وهذا أمرٌ عظيم ، شرعه رسول الله (ص) لأمَّته ، لكي يطلبوا النَّصر ، والتَّوفيق من ربيِّ العالمين ، وب لأمَّته: أنَّ الدُّعاء مطلوبٌ في ساعة النَّصر ، والفتح ، وفي ساعة الهزيمة؛ لأنَّ الدُّعاء مُخُّ ا لعبادة ، كما أنَّه من أقوى الأسباب في دفع المكروه ، وحصول المطلوب ، ويجعل القلوب متعليِّقة بخالقها ، فينزل عليها السَّكينة ، والثَّبات ، والاطمئنان ، ويمدُّها بقوَّةٍ رُوحيَّةٍ عظيمةٍ ، فترتفع المعنويات نحو المعالي ، وتتطلَّع إلى ما عند الله تعالى. في أعقاب المعركة ، يتَّخذ النَّبُّ (ص) أُهْبـَتَهُ ، وينظيِّم المسلمين صفوفاً ، لكي يـُثْنيَِّ على ربيِّه ـ عزَّ وجلَّ ـ إنَّه لموقفٌ عظيمٌ ، يجَُليِّي إيمانً عميقاً ، ويكشف عن العبودية المطلقة لربيِّ العالمين الفعَّال لما يريد ، فهو القابض ، والباسط ، والمعطي ، والمانع ، لا رادَّ ، ولا مُعَقيِّب لحُكْمِّه. إنَّ هذا الموقف من أعظم مواقف العبوديَّة الَّتي تسمو بالعابدين ، وتجلُّ المعبود كأعظم ما يكون الإجلال ، والإكبار ، وأبرز ما يكون الحَمْدُ والثَّناء402.]) رابعاً: معرفة وِّجْهَةِّ العدو بعد أن انسحب جيش المشركين من أرض المعركة أرسل رسولُ الله (ص) عليَّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه بعد الغزوة مباشرة ، وذلك لمعرفة اتجيِّاه العدويِّ ، فقال له: «اخرج في اثار القوم ، وانظر ماذا

عدد الصفحات ٨٦

يصنعون ، وما يريدون؟ فإن كانوا قد جَنـَّبُوا الخيلَ403])404[ ]) المغازي 1/298) ، والطبري في تاريخه2/527) ، والبيهقي في الدلائل3/282]) مكَّة ، وإن ركبوا الخيل ، وساقوا الإبل ، فهم يريدون المدينة ، والَّذي نفسي بيده! إن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ، ثمَّ لأنجزنََّّم»قال عليٌّ: فخرجت في أثرهم أنظرُ ماذا يصنعون ، فجَنَّبوا الخيل ، وامتطوا الإبل ، ووجَّهوا إلى مكَّة405]) وفي هذا الخبر عدَّة دروسٍ ، وعبرٍ؛ منها: يقظة الرَّسول (ص) ، ومراقبتُه الدَّقيقة لتحرُّكات العدويِّ ، وقدرته (ص) على تقدير الأمور ، و ظهور قوَّته المعنويَّة العالية؛ ويظهر ذلك في استعداده لمقاتلة المشركين لو أرادوا المدينة ، وفيه ثقة النَّبيِّ (ص) بعلييٍ رضي الله عنه ، ومعرفته بمعادن الريِّجال ، وفيه شجاعة علييٍ رضي الله عنه؛ لأنَّ هذا الجيش لو أبصره ما تورَّع عن محاولة قتله406.]) ونلحظ: أنَّ النَّبَّ (ص) أقام في أرض المعركة بعد أن انتهت؛ تفقَّد خلالها الجرحى، والشُّهداء ، وأمر بدفنهم ، ودعا ربَّه ، وأثنى عليه سبحانه ، وأرسل عليياً ليتتبَّع خبر القوم؛ كلُّ ذلك من أجل أن يَافظ على النَّصر الذي أحرزه المسلمون في غزوة أُحُدٍ ، وهذا من فقه سنن الله تعالى في الحروب والمعارك ، فقد جعل سبحانه من سننه في خلقه أن جعل للنَّصر أسباباً ، وللهزيمة أسباباً ، فمن أخذ بأسباب النَّصر ، وصدق التَّوكُّل على الله ـ سبحانه وتعالى ـ حقيقة التوكُّل؛ نل النَّصر بإذن الله ـ عزَّ وجل ـ ، كما قال تعاالِلَِّّّ الَّتيِّ قَدْ خَلَتْ مِّنْ قـَبْلُ وَلَنْ تجَِّدَ لِّسُنَّةِّ الِلَِّّّ تـَبْدِّيلاً [23.] ويتجلَّى فقه النَّبيِّ (ص) في ممارسة سنَّة الأخذ بالأسباب ، في غزوة حمراء الأسد خامساً: غزوة حمراء الأسد: نجد في بعض الريِّوايات: أنَّ النَّبَّ (ص) تابع أخبار المشركين بواسطة بعض أتباعه، حتََّّ بعد رجوعهم إلى مكَّة ، وبلغه مقالـة أبي سفيان يلوم فيها جنده لكونَّم لم يشفوا غليلهم من محمَّد ، وجنده ، فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: لمَّا انصرف أبو سفيان والمشركون من أُحدٍ ، وبلغوا الرَّوْحاء 407]) قال أبو سفيان: لا محمَّداً قتلتُم ، ولا الكواعب أردفتُم ، شرٌّ ما صنعتم! فبلغ ذلك رسول الله (ص) [11632) ، ومجمع الزوائد6/121]) الرَّسول (ص) أعداءه حتََّّ بعد انتهاء المعركة؛ وذلك لكي يطمئنَّ على عدم مباغتته م له. وعندما سمع ما كانت تعزم عليه قريش من العودة إلى المدينة ، خرج بمن حضره يوم أُحُدٍ من المسلمين دون غيرهم إلى حمراء الأسد.

عدد الصفحات ٨٧

قال ابن إسحاق: كان يوم أُحُد يوم السَّبت للنيِّصف مِّنْ شوَّال ، فلمَّا كان الغدُ من يوم الأحد لست عشرة ليلةً مضت من شوَّال؛ أذَّ ن مؤذنُ رسولِّ الله (ص) في النَّاس بطلب العدويِّ ، وأذَّن مؤذيِّنه ألاَّ يخرجنَّ معنا أحَدٌ إلا مَنْ حضر يومنا بالأمس ، فاستأذنه جابر بن عبد الله في الخروج معه ، فأذن له ، وإنمَّا خرج مُرْهِّباً للعدويِّ ، وليظنُّوا أنَّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن طلب عدويِّهمابن هشام (3/107 ) ، والبيهقي في الدلائل3/314([])408]) الَّذين أُصيبوا بالجروح؛ فهذا رجلٌ من بني عبد الأشهل يقول: شهدت أُحُداً أن ، وأخٌ لي ، فرجعنا جريََين ، فلما أذَّن مؤذيِّن رسول الله (ص) بالخروج في طلب العدويِّ؛ قلت لأخي ـ أو قال لي ـ: أتفوتُنا غزوةٌ مع رسول الله (ص) ؟ والله ما لنا من دابةٍ نـَرْكَبُها ، وما منا إلا جريحٌ ثقيلٌ ، فخرجنا مع رسول الله (ص) ، وكنت أيسرَ جُرْحاً منه ، فكان إذا غُلب؛ حملته عُقبةً ومشى عُقبةً (فترةً) ، حتََّّ انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون409.]) وسار رسول الله (ص) إلى حمراء الأسد ، واقترب بجنوده من جيش المشركين ، فأقام فيه ثلاثة أيام يتحدَّى المشركين ، فلم يتشجَّعوا على لقائه ، ونزاله ، وكان رسول الله (ص) قد أمرَ بإشعال النيِّيران، فكانوا يشعلون في وقتٍ واحد خُسمئة نر 410.]) وأقبل مَعبدُ بن أبي معبد الخزاعيُّ إلى رسول الله (ص) فأسلم ، فأمره أن يلحق بأبي سفيان ، فيخذيِّله ، فلحقه بالرَّوحاء ـ ولم يعلم بإسلامه ـ فقال: ما وراءك يا معبد؟! فقال: محمَّدٌ وأصحابه ، فقد تحرَّقوا411])قد ندم من كان تخلَّف عنهم من أصحابهم. فقال: ما تقول؟! فقال: ما أرى أن ترتحل حتََّّ يطلع أوَّل الجيش من وراء هذه الأكمة412]) عن ذلك ، ووالله! لقد حملني ما رأيتُ على أن قلتُ فيه أبياتاً من شعرٍ: قال: وما قلتَ؟ قال: قلتُ: كَادَتْ تـُهَدُّ مِّنَ الأصْوَاتِّ رَاحِّلَتي إِّذْ سَالَتِّ الأرْضُ بالجُرْد 413]) تـَرْدِّي414])415]) عِّنْدَ الليِّقَاءِّ وَلاَ مِّيْلٍ416])417]) فَظَلْتُ أَعْدُو أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِّلَةً لمَّا سمََوْا بِّرَئِّيْسٍ غَيرِّْ مخَْذُوْلِّ فـَقُلْتُ: وَيْلَ ابْنِّ حَرْبٍ مِّنْ لِّقَائِّكُمُ إِّذَا تـَغَطْمَطَت418]) إنييِّ نَذِّيـْرٌ لأَهْلِّ البَسْلِّ ضَاحِّيَةً لِّكُليِّ ذِّيْ إِّرْبَةٍ مِّنـْهُ مْ وَمَعْقُوْلِّ

عدد الصفحات ٨٨

مِّنْ جَيْشِّ أَحمَْدَ لاَ وَخْشٍ 419]) وَلَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ باِّلقِّيْل420]) فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، وحاول أبو سفيان أن يغطيِّي انسحابه هذا بشنيِّ حربٍ نفسيَّة على المسلمين ، لعلَّه يُرهبهم ، فأرسل مع رَكْبِّ ع بد القيس ـ وكانوا يريدون المدينة للْمِّيـْرَة421]) في الدلائل3/315 ـ317) ، وابن هشام3/108 ـ110]) أنَّ أبا سفيان وجيشـه قد أجمعوا على السَّير إليه ، وإلى أصحابه ليستأصلهم من الوجود ، وواعد أبو سفيان الرَّ كبَ أن يعطيهم زبيباً عندما يأتونـه في سوق عُكَاظ ، ومرَّ الرَّكبُ برسول الله (ص) وهو بحمراء الأسـد ، فأخبروه بالَّذي قاله أبو سفيان ، فقال هو والمسلمون: حسبنا اللهُ ، ونِّعْمَ الوكيلُ422.]) واستمرَّ المسلمون في معسكرهم ، واثرت قريش السَّلامة ، والأوبةَ 423]) ذلك عاد المسلمون إلى المدينة بروحٍ قويَّةٍ متوثيِّبةٍ ، غسلت عَارَ الهزيمة ، ومسحت مغبَّةَ 424]) ، فدخلوها أعزةً رفيعي الجانب ، عبثوا بانتصار المشركين ، وهزُّوا أعصابهم ، وأحبطوا شماتة المنافقين ، واليهود في المدينة ، و أشار القران الكريم إلى هذه الحرب الباردة ، وسجَّل ظواهرها425]) تعا426:]) {الَّذِّينَ اسْتَجَابُواْ لِلِّّيِّ وَالرَّسُولِّ مِّن بـَعْدِّ مَآ أَصَابـَهُمُ الْقَرْحُ لِّلَّذِّينَ أَحْسَنُوا مِّنـْهُمْ وَاتـَّقَوْا أَجْرٌ عَظِّيمٌ * الَّذِّينَ قَالَ لهَُمُ النَّاسُ إِّنَّ النَّاسَ قَدْ جمََعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فـَزَادَهُمْ إِّيمَانً وَقَالُوا حَسْبـُنَا الِلَُّّ وَنِّعْمَ الْوَكِّيلُ * فَانـْقَلَبُوا بِّنِّعْمَةٍ مِّنَ الِلَِّّّ وَفَضْلٍ لمَْ يمَْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتـَّبـَعُوا رِّضْوَانَ الِلَِّّّ وَ الِلَُّّ ذُو فَضْلٍ عَ ظِّيمٍ *إِّنمََّا ذَلِّكُمُ الشَّيْطَانُ يخَُويِّفُ أَوْلِّيَاءَهُ فَلاَ تخََافُوهُمْ وَخَافُونِّ إِّنْ كُنـْتُمْ مُؤْمِّنِّينَ [آل عمران: 172 ـ 175] أخلف وعده للرَّسول (ص) بألاَّ يقاتل ضدَّه عندما منَّ عليه ببدرٍ ، وأطلقه ، فعاد فقاتل في أُحدٍ ، وقد حاول أبو عزَّة أن يتخلَّص من القتل ، وقال: يا رسول الله! أقِّلْ427]) (ص«لا والله! لا تمسح عارضيك428]) مرَّتين ، اضرب عنقه يا زُبيرُ!»[2/43) ، والبيهقي في السنن الكبرى429( ])9/65) ، وفي دلائل النبوة (3/280 ـ281])«لا يـُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ واحدٍ مرَّتين»[6133) ، ومسلم2998([])430])ر هذا الحديث مثلاً ، ولم يسمع قبل ذلك. ويعد هذا العمل من قبيل السيِّياسة الشَّرعية؛ لأنَّ هذا الشَّاعر من المفسدين في الأرض ، الدَّاعين إلى الفتنة ، ولأنَّ في المنيِّ عليه تمكيناً له من أن يعود حرباً على المسلمين.

عدد الصفحات ٨٩

ولم يُـؤْسَرْ من المشركين سوى أبي عزَّةَ الجُ مَحيي431.]) وأمَّا عدد القتلى من المسلمين في أُحدٍ؛ فقد انجلت المعركة عن سبعين شهيداً من المسلمين ، ويؤييِّد هذا تفسير قوله تعا أَنـْفُسِّكُمْ إِّ نَّ الِلََّّ عَلَى كُليِّ شَيْءٍ قَدِّيرٌ [عمران 165] أُحدٍ. قال ابن عطيَّة ـ رحمه الله ـ: وكان المشركون قد قتلوا منهم سبعين نفراً ، وكان المسلمون قد قتلوا من المشركين ببدرٍ سبعين ، وأسروا سبع432.]) أمَّا عدد الَّذين قُتلوا يوم أُحدٍ من المشركين ، فكان اثنين وعشرين قتيلاً433.]) كان خروج رسول الله (ص) لملاحقة المشركين في غزوة حمراء الأسد ، يهدف إلى تحقيق مجموعة من المقاصد المهمَّة؛ منها: 1 ـ ألاَّ يكون اخر ما تنطوي عليه نفوس الَّذين خرجوا يوم أُحدٍ هو الشُّعور بالهزيمة. 2 ـ إعلامهم: أنَّ لهم الكرَّة على أعدائهم متََّ نفضوا عنهم الضَّعف ، والفشل ، واستجابوا لدعوة الله ، ورسوله (ص) . 3 ـ تجرئة الصَّحابة على قتال أعدائهم 4 ـ إعلامُهم: أنَّ ما أصابهم في ذلك اليوم ، إنمَّا هو منحةٌ ، وابتلاءٌ اقتضتها إرا دة الله ، وحكمتُه ، وأنََّّم أقوياء ، وأنَّ خصومهم الغالبين في الظَّاهر ضعفاء434.]) كما أنَّ في خروج النَّبيِّ (ص) إلى حمراء الأسد إشارةً نبويَّـةً إلى أهيِّيَّة استعمال الحرب النَّفسيَّة للتأث على معنويات الخصوم؛ حيث خرج (ص) بجنوده إلى حمراء الأسد ، وم كث فيها ثلاثة أياَّمٍ ، وأمر بإيقاد النيِّيران ، فكانت تُشاهدُ من مكانٍ بعيدٍ ، وملأت الأرجاء بأنوارها ، حتََّّ خُييِّل لقريش: أنَّ جيش المسلمين ذو عددٍ كبير لا طاقة لهم به ، فانصرفوا؛ وقد ملأ الرُّعب أفئدتهم435.]) قال ابن سعد «ومضى رسولُ الله (ص) بأصحابه حتََّّ عسكروا بحمراء الأسد ، وكان المسلمون يوقِّدون تلك اللَّيالي خُسمئة نرٍ حتََّّ تُرى من المكان البعيد ، وذهب صوت معسكرهم ، نيرانَّم في كليِّ وجهٍ؛ فكبَتَ اللهُ تعالى بذلك عدوَّهم [»436.]) سادساً: مشاركة نساء المسلمين في معركة أُحدٍ كانت غزوة أحدٍ أوَّل معركة في الإسلام تشارك فيها نساءُ المسلمين ، وقد ظهرت بطولاتُ الـنيِّساء ، وصدق إيمانَّنَّ في هذه المعركـة ، فقد خرجن لكي يسقين العطشى ، ويداوين الجرحى ، ومنهنَّ مَنْ

عدد الصفحات ٩٠

قامت برديِّ ضربات المشركين المُوَجَّهة للرَّسول (ص) ، وممَّن شاركن في غزوة أحدٍ: أمُّ المؤمن عائشة بنت أبي بكر الصيِّديِّيق، وأمُّ عمارة ، وحمَْنَة بنت جَحْشٍ الأسديَّة ، وأمُّ سَلِّيط ، وأمُّ سُلَيْم ، ونسوةٌ من الأنصار1809 و1810 و1811.]) قال ثعلبة بن أبي مالكٍ رضي الله عنه: إنَّ عمر بن الخطاب قَسَمَ مُرُوطاً بين نساءٍ من نساء أهل المدينة، فبقي منها مِّرطٌ جييِّدٌ، فقال له بعض مَنْ عنده: يا أمير المؤمنين! أعطِّ هذا بنت رسول الله الَّتي عندك ـ يريدون أمَّ كلثوم بنتَ علييٍ ـ فقال عمر رضي الله عنه: أم سَليط أحقُّ به. وأمُّ سليط من نساء الأنصار ممَِّّن بايع رسولَ الله (ص) . قال عمر: فإنَّا كانت تـُزْ فِّرُ437]) [2881 ،4071.]) أ ـ سقي العطشى من المجاهدين عن أنسٍ رضي الله عنه قال: «لمَّا كان يوم أُحدٍ ، انَّزمَ النَّاسُ عن النَّبيِّ (ص) ، قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكرٍ ، وأمَّ سُلَيم ، وإنََّّما لمشميِّرتان ، أرى خَدَمَ سُوقِّهنَّ تـَنـْقُزَان438]) تنقلان القربَ ـ على متونَّما ، ثمَّ تـُفْرغَانِّهِّ في أفواه القوم ، ثمَّ ترجعان ، فتملانَّا ، ثمَّ تجيئان ، فتُفرغَانه في أفواه القوم»[2880.]) وقال كعب بن مالكٍ رضي الله عنه «رأيتُ أمَّ سُلَيم بنت ملحان ، وعائشة ، على ظهورها القِّرَبُ ، يَملانَّا يوم أُحدٍ ، وكانت حمَْنَةُ بنت جحشٍ تسقي العطشى ، وتداوي الجرحى ، وكانت أمُّ أيمن تسقي الجرحى » ب ـ مداواة الجرحى ، ومواساة المصاب عن أنسِّ بن مالكٍ رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله (ص) يغزو بأميِّ سُلَيم ، ونسوةٍ من الأنصار معه؛ إذا غزا ، فيسقين الماءَ ، ويداوين الجرحى1810.]) وأخرج عبد الرَّزاق عن الزُّهرييِّ: كان النيِّساء يشهدن مع النَّبيِّ (ص) المشاهد ، ويسقين المقاتلة ، ويداوين الجرحى 439]) (ص) نسقي القوم، ونداوي الجرحى، ونردُّ القتلى إلى المدينة2882]) القوم ، ونَدمُهم ، ونردُّ الجرحى ، والقتلى إلى المدينة2883.]) وعن أبي حازمٍ: أنَّه سمع سهل بن سعدٍ رضي الله عنه وهو يسأل عن جرح رسول الله (ص) ، فقال: أما والله! إنييِّ لأعرفُ مَنْ كان يغسلُ جُرحَ رسول الله (ص) ، ومن كان يسكب الماء ، وبما دُوويَ. قال:

عدد الصفحات ٩١

كانت فاطمةُ رضي الله عنها بنتُ رسول الله (ص) تغسلُه ، وعليٌّ يسكب الماء بالمجنيِّ ، فلمَّا رأت فاطمة: أنَّ الماء لا يزيدُ الدَّم إلا كثرةً؛ أخذت قطعةً من حصيرٍ ، فأحرقتها ، وألصقتها ، فاستمسك الدَّم4075) ، ومسلم1790.]) ج ـ الديِّفاع عن الإسلام ورسوله (ص) بالسَّيف لم تقاتل المشركين يوم أُحدٍ إلا أمُّ عُمارة نُسَيبة المازنيَّة رضي الله عنها ، وهذا ضَمْرَةُ بن سعيدٍ يَدث عن جدَّته ، وكانت قد شهدت أُحداً تسقي الماء ، قالت: سمعت النَّبَّ (ص) يقول: لَمُقَامُ نُسَيْبة بنتِّ كعبٍ اليوم خيرٌ من مُقام فلانٍ ، وفلان ، وكان يراها تُقاتل يومئذٍ أشدَّ القتال ، وإنََّّا لحاجزةٌ ثوبها على وسطها ، حتََّّ جُرِّحَتْ ثلاثة عشرَ جرحاً ، ف لمَّا حضرتها الوفاة كنت فيمن غسَّلها ، فعددت جراحها جُرْحاً جُرْحاً ، فوجدتها ثلاثة عشر جرحاً. وكانت تقول: إنييِّ لأنظرُ إلى ابن قميئة وهو يضربها على عاتقها ـ وكان أعظم جراحها ، لقد داوته سنةً ـ ثم نَدَى منادي النَّبيِّ (ص) : إلى حمراء الأسد! فشدَّت عليها ثيابها ، فما استطاعت من نزف الدَّم ، ولقد مكثنا ليلنا نكميِّد الجراح حتََّّ أصبحنا ، فلمَّا رجع رسول الله (ص) من الحمراء ، ما وصل إلى بيته حتََّّ أرسل إليها عبدَ الله بن كعبٍ الماز440])بُّ (ص بذلك441.]) وقد علَّق الأستاذ حسين الباكريُّ على مشاركة نُسَيبة بنت كعب في القتال ، فقال «وخروج المرأة للقتال مع الريِّجال لم يثبت في ذلك منه شيءٌ غيرُ قصَّة نُسَيبة؛ وقتال نسيبة إنمَّا كان اضطرارييـاً؛ حين رأت: أنَّ رسول الله (ص) أصبح في خطرٍ حين انكشف عنه النَّاس ، فأمُّ عُمارة إذاً كانت في موقفٍ أصبح حمَْلُ السيِّلاح فيه واجباً على مَنْ يقدر على حمله؛ رجلاً كان ، أو امرأةً [»442.]) وعلَّق الدُّكتور أكرم ضياء العمري على الاثار الدَّالة على مشاركة النيِّساء في أحدٍ بقوله«وهذه الاثار تدلُّ على ج واز الانتفاع بالنيِّساء عند الضَّرورة ، لمداوة الجرحى ، وخدمتهم؛ إذا أُمِّنَتْ فتنتهُنَّ مع لزومهنَّ السيِّتر ، والصيِّيانة ، ولهنَّ أن يُدافعْنَ عن أنفسهن بالقتال؛ إذا تعرَّض لهنَّ الأعداء ، مع أنَّ الجهاد فرضٌ على الريِّجال وحدهم ، إلا إذا داهم العدوُّ ديار ا لمسلمين ، فيجب قتاله من الجميع رجالاً ، ونساء[»443.]) وأمَّا الأستاذ محمَّد أحمد باشميل؛ فقد قال«وقد كانت معركة أُحدٍ أوَّل معركةٍ في الإسلام قاتلت فيها المرأة المسلمة المشركين ، ومن الثَّابت: أنَّ امرأةً واحدةً فقط اشتركت في هذه المعركة ، وهي تدافع عن

عدد الصفحات ٩٢

رسول الله (ص) ، كما أنَّه من الثَّابت أيضاً: أنَّ المرأة الَّتي اشتركت في معركة أحدٍ لم تخرج بقصد القتال ، فهي لم تكن مجنَّدةً فيها كالريِّجال؛ وإنمَّا خرجت لتنظر ما يصنع النَّاس لتقوم بأيَّة مساعدةٍ يمكنها القيام بها للمسلمين؛ كإغاثة الجرحى بالماء ، وما شا به ذلك ، يضاف إلى هذا أنَّ هذه المرأة الَّتي خاضت معركة أُحدٍ ، هي امرأةٌ قد تخطَّت سِّنَّ الشَّباب ، كما أنََّّا لم تخرج إلى المعركة إلاَّ مع زوجها ، وابنيها ، الَّذين كانوا من الجند الَّذين قاتلوا في المعركة ، يضاف إلى هذا الرَّصيد الهائل؛ الَّذي لديها من المناعة الخُلقيَّة والترَّبية الديِّينيَّة ، فلا يقاس على هذه الصَّحابية الجليلة ، مجنَّدات هذا الزَّمان ، الَّلائي يرتدين لباس الميدان ، وعنصر الإغراء ، والفتنة هو أهمُّ عنصرٍ يتميَّزن به ، ويَرصن على إظهاره للريِّجال؛ فأين الثـَّرَى مِّنَ الثـُّرَياَّ؟! كذلك رجال ذلك العصر لا يقاس عليهم أحدٌ من رجال هذا الزَّمان ، من نحية الشَّهامة ، والاستقامة ، والعفَّة والرُّجولة ، فكلُّ المحاربين الَّذين اشتركت معهم المرأة في معركة أُحدٍ ، كانوا صفوة الأمَّة الإسلاميَّة ، ورمز نبلها ، وشهامتها ، وعنوان رجولتها ، واستقامتها ، فلا يصحُّ مطلقاً جعل اشتراك تلك المرأة في معركة أُحدٍ قاعدةً تقاس عليها (من النَّاحية الشَّرعيَّة) إباحة تجنيد المرأة في هذا العصر ، لتقاتل بجانب الرَّجل (كعنصر أساسٍ من عناصر الجيش) فالقياس في هذه الحالة قياسٌ مع الفارق ، وهو قياسٌ باطلٌ قطعاً [»444]). سابعاً: دروس في الصَّبر تقديِّمها صحابيَّاتٌ للأمَّة أ ـ صفية بنت عبد المطَّلب رضي الله عنها: لمَّا استُشهد أخوها حمزةُ بن عبد المطَّلب رضي الله عنه في أُحدٍ ، وجاءت لتنظر إليه؛ وقد مَثَّلَ به المشركون ، فجدعوا أنفه ، وبقروا بطنه ، وقطعوا أذنيه ، ومذاكير ه ، فقال رسول الله (ص) لابنها الزُّبير بن العوَّام: «الْقَها ، فأَرْجعها؛ لا ترى ما بأخيها»فقال لها: يا أُمَّه! إنَّ رسول الله (ص) يأمرك أن ترجعي ، قالت: ولمَِّ؟ وقد بلغني: أنَّه قد مُثيِّلَ بأخي ، وذلك في الله ، فما أرضان بما كان من ذلك! لأحتسبنَّ ، ولأصبر نَّ إن شاء الله. فلمَّا جاء الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه إلى رسول الله (ص) فأخبره بذلك ، قال: «خَليِّ سبيلها »فأتته ، فنظرت إليه ، فصلَّت عليه ، واسترجعت445])446.]) ب ـ حمَْنَةُ بنت جحش رضي الله عنها

عدد الصفحات ٩٣

لمَّا فرغ رسول (ص) من دفن أصحابه رضي الله عنهم ، ركب فرسه ، وخرج المسلمون حوله راجعين إلى المدينة ، فلقيته حمَْنَةُ بنت جحشٍ ، فقال لها رسول الله (ص) : يا حمنةُ! احتسب! قالت: مَنْ يا رسول الله؟! قال: أخاك عبدَ الله بن جحشٍ ، فاسترجعت ، واستغفرت له ، ثمَّ قال لها رسولُ الله (ص) : احتسب! فقالت: مَنْ يا رسول الله؟! قال: خالك حمزة بن عبد المطَّلب ، قالت: إن لله وإن إليه راجعون ، غفر الله له ، هنيئاً له الشهادة. ثمَّ قال لها: احتسب ! قالت: مَنْ يا رسول الله؟ قال: زوجُك مصعب بـن عُمَيرٍْ ، قالت: واحزنـاه ! وصاحت ، ووَلْوَ لَتْ. فقال رسول الله (ص) : «إنَّ زوج المرأة منها لبمكانٍ»؛ لمَا رأى من تـَثـَبُّتِّها عند أخيها ، وخالها ، وصياحها على زوجها 1590)، والطبري في تاريخه 2/532)، والبيهقي في الدلائل (3/301)، وابن هشام3/104]) رسول الله! ذكرت يـُتْمَ بنيه ، فراعني ، فدعا لها رسول الله (ص) ، ولوَلدِّها أن يَسن الله تعالى عليهم من الخَلَف447])448]) بن طلحة أوصل النَّاس لولدها 449.]) ج ـ المرأة الديِّينارية رضي الله عنها: قال سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه: مرَّ رسول الله (ص) بامرأةٍ من بني دينار ، وقد أُصيب زوجُها ، وأخوها ، وأبوها مع رسول الله (ص) بأُحدٍ ، فلمَّا نـُعُوا لها؛ قالت: فما فعل رسولُ الله (ص) ؟ قالوا: خيراً يا أمَّ فلان! هو بحمد الله كما تحبيِّ ين ، قالت: أَرُونيه حتََّّ أنظرَ إليه ، فأُشير لها إليه ، حتََّّ إذا رأته؛ قالت: كلُّ مصيبةٍ بعدَك جَلَلٌ 450[ .])1/292) ، والطبري في تاريخه (2/533) ، والبيهقي في الدلائل2/302) ، وابن هشام3/105]) الإيمان في نفوس المسلمين! د ـ أمُّ سعد بن مُعاذٍ ، وهي كبشةُ بنت عبيد الخزرجيَّة رضي الله عنها: خرجت أمُّ سعد بن معاذ تعدو نحو رسولِّ الله (ص) ، ورسولُ الله (ص) واقفٌ على فرسه ، وسعد بن معاذ اخذٌ بعنَان451]) (ص) : مرحباً بها ، فدنت حتََّّ تأمَّلت رسولَ الله ، فقالت: أما إذ رأيتك سالماً؛ فقد أشوت 452]) رسول الله (ص) بعمرو بن معاذٍ ابنها ، ثمَّ قال: يا أمَّ سعد! أبشري ، وبشيِّري أهليهم: أنَّ قتلاهم قد ترافقوا في الجنَّة جميعاً ـ وهم اثنا عشر ر جلاً ـ وقد شُفيِّعوا في أهليهم. قالت: رضينا يا رسول الله! ومن

عدد الصفحات ٩٤

يبكي عليهم بعد هذا؟! ثمَّ قالت: ادعُ يا رسولَ الله! لمن خُليِّفوا. فقال رسول الله (ص «الليهُم أذهب حُـزن قلوبهم ، واجْبُـرْ مصيبتهم ، وأحسن الخَلَفَ على من خُليِّفُوا »[1/315 ـ 316.]) * * * المبحث الرَّابع بعض الدُّروس ، والعبر ، والفوائد لقد وصف القران الكريم غزوة أُحدٍ وصفاً دقيقاً ، وكان التَّصويرُ القرانيُّ للغزوة أقوى حيويَّة ، ووضوحاً من الريِّوايات الَّتي جاءت في الغزوة ، كما أنَّ أسلوب الايات المطمئنة ، المبشيِّرة ، واللاَّئمة ، والمسكيِّنة ، والواعظة كان رائعاً ، وقويايً ، فبينَّ القران الكريم نفوس جيش النَّبيِّ (ص) ، وهذا تمََيـُّزٌ لحديث القران عن الغزوة ، ينفرد به عمَّا جاء في كتب السيِّيرة ، فسلَّط القران الكريم الأضواء على خفايا القلوب؛ الَّتي ما كان المسلمون أنفسُ هم يعرفون وجودها في قلوبهم ، والنَّاظر عموماً في منهج القران في التَّعقيب على غزوة أُحدٍ يجد الديِّقَّة ، والعمق ، والشُّمول. يقول سييِّد قطب: «الديِّقَّة في تناول كليِّ موقفٍ ، وكليِّ حركةٍ ، وكليِّ خالجةٍ ، والعمق في التَّدسُّس إلى أغوار النَّفس ، ومشاعرها ال دَّفينة ، والشُّمول لجوانب النَّفس ، وجوانب الحادث. كما نجد الحيويَّة في التَّصوير ، والإيقاع ، والإيَاء ، بحيث تتماوجُ المشاعر مع التَّعبير ، والتَّصوير تماوجاً عميقاً عنيفاً ، ولا تملك أن تقف جامدةً أمام الوصف والتَّعقيب؛ فهو وصفٌ حيٌّ ، يستحضر المشاهِّدَ كما لو كانت تتحرَّك ، ويشيع حولها النَّشاط المؤثيِّر ، والإشعاع النَّافذ ، والإيَاء المُثِّيرْ [»453.]) إنَّ حركة النَّبيِّ (ص) في تربية الأمَّة ، وإقامة الدَّولة ، والتَّمكين لدين الله ، يعتبر انعكاساً في دنيا الحياة لمفاهيم القران الكريم، الَّتي سيطرت على مشاعره، وأفكاره، وأحاسيسه (ص) ، ولذلك نجد أنَّ النَّبَّ (ص) في علاجه لأثر الهزيمة في أُحدٍ تابعٌ للمنهج القرانييِّ الكريم ، ونحاول تسليط الأضواء على بعض النُّقاط المهمَّة في هذا المنهج:

عدد الصفحات ٩٥

أولاً: تذكير المؤمنين بالسُّنن ودعوتهم للعلويِّ الإيما قال تعاقَدْ خَلَتْ مِّنْ قـَبْلِّكُمْ سُنَنٌ فَسِّيرُوا فيِّ الأَرْضِّ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِّبَةُ الْمُكَذَّبِّينَ * هَذَا بـَيَانٌ لِّلنَّاسِّ وَهُدىً وَمَوْعِّظَةٌ لِّلْمُتَّقِّينَ *وَلاَ تهَِّنُوا وَلاَ تحَْزَنُوا وَأَنـْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِّنْ كُنـْتُمْ مُؤْمِّنِّينَ [عمران 137 ـ139.] إنَّ المتأميِّل في هذه الايات الكريمة يجد: أنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يترك المسلمين لوساوس الشَّيطان محنة غزوة أحدٍ ، بل خاطبهم بهذه الايات؛ الَّتي بعث بها الأمل في قلوبهم ، وأرشدهم إلى ما يقويِّيهم ، ويثبيِّتهم ، ويمسح بتوجيهاته دموعهم ، ويخفيِّف عنهم الامهم454.]) قال القرطبُّ: هو تسلية من الله تعالى للمؤمن455.]) ففي الايات السَّابقة دعوةٌ للتأمُّل في مصير الأمم السَّابقة؛ الَّتي كذَّبت دعوة الله تعالى ، وكيف جرت فيهم سنَّته على حسب عادته ، وهي الإهلاك ، والدَّمار؛ بسبب كفرهم ، وظلمهم ، وفسوقهم عن أمره. وجاء التَّعبير بلفظ: «كيف»الدَّال على الاستفهام ، المقصود به تصوير حالة هؤلاء المكذيِّبين؛ ال تدعو إلى التعجُّب ، وتثير الاستغراب ، وتغرس الاعتبار والاتيِّعاظ في قلوب المؤمنين؛ لأنَّ هؤلاء المكذيِّبين مكَّن الله لهم في الأرض ، ومنحهم الكثير من نعمه ، ولكنَّهم لم يشكروه عليها ، فأهلكهم بسبب طُغيانَّم456.]) وفي قوله تعالى: دعاهم إلى ترك الجبن ، والتَّخلُّص من الوهن ، وعدم الحزن ، لأنََّّم هم الأعْلَوْن بسبب إيمانَّم. ثانياً: تسلية المؤمنين وبيان حكمة الله فيما وقع يوم أُحدٍ: قال تعاوَلِّيـَعْلَمَ الِلَُّّ الَّذِّينَ آمَنُوا وَيـَتَّخِّذَ مِّنْكُمْ شُهَدَاءَ وَالِلَُّّ لاَ يَُِّبُّ الظَّالِّمِّينَ *وَلِّيُمَحيِّصَ الِلَُّّ الَّذِّينَ آمَنُوا وَيمَْ حَقَ الْكَافِّرِّينَ *أَمْ حَسِّبـْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَْنَّةَ وَلَمَّا يـَعْلَمِّ الِلَُّّ الَّذِّينَ جَاهَدُوا مِّنْكُمْ وَيـَعْلَمَ ال صَّابِّرِّينَ * مِّنْكُمْ وَيـَعْلَمَ الصَّابِّرِّينَ * وَلَقَدْ كُنـْتُمْ تمََنـَّوْنَ الْمَوْتَ مِّنْ قـَبْلِّ أَنْ تـَلْقَوْهُ فـَقَدْ رَأَيـْتُمُوهُ وَأَنـْتُمْ تـَنْظُرُونَ [آل عمران: 140 ـ143.] بينَّ لهم: أنَّ الجروح ، والقتلى يجب ألاَّ تؤثيِّر في جديِّهم ، واجتها دهم في جهاد العدويِّ؛ وذلك لأنَّه كما أصابهم ذلك؛ فقد أصاب عدوَّهم مِّثـْلُه من قبل ذلك ، فإذا كانوا مع باطلهم ،

عدد الصفحات ٩٦

وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب ، فبِّأنْ لا يلحقُكم الفتورُ مع حسن العاقبة ، والتمسُّك بالحقيِّ أو 457.]) وقال صاحب الكشَّاف: والمعإن نلوا منكم يوم أُحدٍ؛ فقد نِّلتُم منهم قبله يوم بدرٍ ، ثمَّ لم يُضْعِّفْ ذلك قلوبهَم ، ولم يثبيِّطْهم عن معاودتكم بالقتال ، فأنتم أولى ألاَّ تضعفوا 458.]) عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: إنَّه كان يوم أُحد بيوم بدرٍ ، قُتل المؤمنون يوم أُحدٍ ، واتخَّذ اللهُ منهم شهداءَ ، وغلب رسولُ الله (ص) يوم بدرٍ المشركين ، فجعل الدَّولة عليهم 459.]) وجواب الشَّرط في قوله تعا إِّنْ يمَْسَسْكُمْ قـَرْحٌ }...محذوفٌ ، والتَّقدير: إن يمسكم قرح؛ فاصبروا عليه ، واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم ، فقد مسَّهم قرحٌ مثلُه قبل ذلك. وعبرَّ عمَّا أصاب المسلمين في أُحدٍ بصيغة المضارع «يمسسكم»لقربه من زمن الحال، وعمَّا أصاب المشركين بصيغة الماضي لبـُعْدِّهِّ؛ لأنَّ ما أصابهم كان في غزوة بدرٍ. وقوله: { بيانٌ لسنَّة الله الجاريةكونه ، وتسليةٌ للمؤمنين عمَّا أصابهم في أُحدٍ460.]) وقوله{: قال القرطبُّ: معناه: وإنمَّا كانت هذه المداولة؛ ليرَى المؤمن مِّنَالمنافق ، فيميزَ بعضَهم من بعضٍ461.]) وقوله{: قال ابن ك ثير: يعني: يـُقْتـَلُون في سبيله ، ويـَبْذلون مُهَجَهُمْ في مرضاته462.]) ثمَّ ختم سبحانه الاية الكريمة بقوله ثمَّ ذكر ـ سبحانه ـ حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين في غزوة أحدٍ ، فقال آمَ نُوا وَيمَْحَقَ الْكَافِّرِّينَ بمعنى الابتلاء ، والاختبار. وقوله: من وليختبر الله الَّذين صدقوا الله ، ورسوله ، فيبتليهم بإزالة المشركين منهم ، حتََّّ يتبينَّ المؤمن منهم المخلص الصَّحيح الإيمان من المنافق463.]) وقال ابن كثير: قوله: أي: يكفيِّر عنهم من ذنوبهم وإلاَّ رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أُ صيبوا به.

عدد الصفحات ٩٧