وكان كما وصفـه ضرار بـن ضمرة في مجلس معاويـة «يستوحش من الدُّنيا، وزهرتها ، ويستأنس باللَّيل ، وظلمته ، كان والله! غزيرَ العَبـْرَة ، طويل الفكرة ، يقليِّب كفَّه ، ويخاطب نفسه ، يُعجبُه من اللباس ما قصر ، ومن الطَّعام ما جَشِّبَ 221([»....])222.]) * * * الفصل التَّاسع غزوة أُحدٍ223]) المبحث الأوَّل أحداث ما قبل المعركة أولاً: أسباب الغزوة: كانت أسباب غزوة أحدٍ متعددةً؛ منها: الديِّينيُّ ، والاجتماعيُّ ، والاقتصاديُّ ، والسيِّياسيُّ. 1 ـ السَّبب الديِّي قد أخبر المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ: أنَّ المشركين ينفقون أموالهم في الصديِّ عن سبيل الله ، وإقامة العقبات أمام الدَّ عوة الإسلاميَّة ، ومَنْعِّ النَّاس من الدُّخول في الإسلام ، والسَّعي للقضاء على الإسلام ، والمسلمين ، ودولتهم الناشئة. قال تعاونـَهَا ثمَُّ تَكُونُ عَلَيْهِّ مْ حَسْرَةً ثمَُّ يـُغْلَبُونَ وَالَّذِّينَ كَفَرُوا إِّلىَ جَهَنَّمَ يَُْشَرُونَ [36.]
عدد الصفحات ٥٠قال الطَّبري«يصرفون أموالهم ، وينفقونَّا؛ ليمنعوا النَّاس عن الدُّخول في الإسلام[»224.]) وقال ابن كثيرٍ«أخبر تعالى: أنَّ الكفار ينفقون أموالهم؛ ليصدُّواعن اتيِّباع طريق الحقيِّ [»225.]) وقال الشَّوكا«والمعنى: أنَّ غرض هؤلاء الكفـار في إنفاق أموالهم ، هو الصَّدُّ عن سبيل الحقيِّ ، بمحاربة رسول الله (ص) ، وجمع الجيوش لذلك [»226.]) من هذا يظهر: أنَّ أهم أسباب غزوة أحدٍ ، هو السَّبب الديِّينيُّ؛ الَّذي كانمن أهداف قريشٍ للصَّديِّ عن سبيل الله واتيِّباع طريق الحقيِّ ، ومنع النَّاس من الدُّخول في الإسلام ، ومحاربة الرَّسول (ص) ، والقضاء على الدَّعوة الإسلاميَّة227.]) 2 ـ السَّبب الاجتماعي كان للهزيمة الكبيرة في بدرٍ ، وقتل السَّادة ، والأشراف من قريشٍ ، وَقْ عٌ كبيرٌ من الخزي ، والعار الَّذي لحق بهم ، وجعلهم يشعرون بالمذلَّة ، والهزيمة؛ ولذلك بذلوا قُصَارَى جهدهم في غسل هذه الذيِّلَّة ، والمهانة ، الَّتي لصقت بهم؛ ولذلك شرعوا في جمع المال لحرب رسول الله (ص) فور عودتهم من بدرٍ. قال ابـن إسحاق: «لما أُصيب يوم بـدرٍ من كفـار قريش أصحابُ القَليب ، ورجع فـَلُّهُم إلى مكَّةَ ، ورجع أبو سفيان بِّعِّيرِّهِّ ، فأوقفها بدار النَّدوة ـ وكذلك كانوا يصنعون ـ ، فلم يَريِّكها ، ولا فرَّقها ، فطابت أنـفس أشرافهم أن يجهيِّزوا منها جيشاً لقتال رسول الله (ص) ، مشى عبدُ الله بن أبي ربيعة ، وعكرمةُ بن أبي جهل ، والحارث بن هشام ، وحويطب بن عبد العزَّى ، وصفوان بن أميَّة في رجالٍ من قريش ممَّن أصيب اباؤهم ، وأبناؤهم ، وإخوانَّم يوم بدرٍ ، فكلَّموا أبا سفيان بن حربٍ ، ومن كانت لـه في تلـك العير من قريـش تجارةٌ ، فقالوا: يا معشرَ قريش! إنَّ محمَّ داً قد وتـَرَكُمْ228]) فأعينون بهذا المال على حربه ، فلعلَّنا ندرك منه ثأرن بمن أصاب منا ، فقال أبو سفيان: أن أول من أجاب إلى ذلك[»229.]) ودعا جُبـَيـْرُ بـن مُطْعم غلاماً له حبشيياً ، يقال له: وَحْشيٌّ ، يقذف بحربـة لـه قَذْفَ الحبشة ، قلَّما يخطأى بها ، فقال له: اخرج مع النَّاس ، فإن أنت قتلت حمزة عمَّ محمَّد بعميِّي طُعَيْمةَ بن عدييٍ ، فأنت عتيقٌ230.]) 3 ـ السَّبب الاقتصادي كانت حركة السَّرايا الَّتي تقوم بها الدَّولة الإسلاميَّة ، قد أثَّرت على اقتصاد قريشٍ ، وفرضت عليهم حصاراً اقتصاديايً قويايً ، وكان الاقتصاد المكيِّيُّ قائماً على رحلتي الشيِّتاء ، والصَّيف؛ رحلة الشيِّتاء إلى
عدد الصفحات ٥١اليمن ، وتحُمل إليها بضائعُ الشَّام ، ومحاصيلُها ، ورحلة الصَّيف إلى الشَّام ، تحمل إليها محاصيل اليمن ، وبضائعها ، وقَطْعُ أحدِّ جناحي هاتين الريِّحلتين ضرٌّ للجناح الاخر؛ لأنَّ تجارتهَم إلى الشَّام قائمةٌ على سلع اليمن ، وتجارتهم إلى اليمن قائمةٌ على سلع الشَّام231.]) قال تعا أَطْعَمَهُمْ مِّنْ جُوعٍ وَآمَنـَهُمْ مِّنْ خَوفٍ[1 ـ4. ] ويشير إلى هذا قول صفوان بن أميَّة«إنَّ محمداً ، وأصحابه قد عوزوا علينا متاجرن ، فما ندري كيف نصنع بأصحابه ، وهم لا يبرحون السَّاحل ، قد وادعهم232]) أين نسلك ، وإن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا ، ونحن في ديارن هذه ، ما لنا بها بقاء ، وإنمَّا نزلناها على التيِّجارة إلى الشَّام في الصيف ، وفي الشيِّتاء إلى الحبشة [»233.]) 4 ـ السَّبب السيِّياسي أخذت سيادة قريش في الانَّيار بعد غزوة بدرٍ ، وتزعزع مركزها بين القبائل بوصفها زعيمةً لها ، فلا بدَّ من رديِّ الاعتبار ، والحفاظ على زعامتها؛ مهما كلَّفها الأمر من جهودٍ ، ومالٍ وضحايا. هذه أهمُّ الأسباب الَّتي جعلت قريشاً تبادر إلى المواجهة العسكريَّة ضدَّ الدَّولة الإسلاميَّة بالمدينة234.]) ثانياً: خروج قريش من مكَّة إلى المدينة استكملت قريش قواها في يوم السَّبت ، لسبع خلون من شوال ، من السَّنة الثَّالثة من الهجرة235 ]) ، وعَبَّأَتْ جيشها المكوَّن من ثلاثة الاف مقاتل ، مستصحبين معهم النيِّساء ، والعبيد ، ومَنْ تبعها من القبائل العربيَّة المجاورة ، فخرجت قريشٌ بحديِّها ، وحديدها وأحابيشها236]) وأهل تهامة ، وخرجوا بالظُّعُن237]) فخرج أبو سفيان ـ و هو قائد النَّاس ـ بهندٍ بنت عُتبة بن ربيعةَ238]) خلف بِّبـَرْزَةَ بنت مسعودٍ الثَّقفية ، وخرج عكرمة بن أبي جهل بأميِّ حكيمٍ بنت الحارث بن هشام بن المغيرة ، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمةَ بنت الوليد بن المغيرة239]) فأقبلوا حتََّّ نزلوا ببطن السَّبخة من قناة ، على شفير الوادي ممَّا يلي المدينة 240.])
عدد الصفحات ٥٢كانت التَّعبئة القرشيَّة قد سبقتها حملةٌ إعلاميَّة ضخمةٌ ، تولىَّ كِّبـْرَهَا أبو عزَّة عمرو بن عبد الجُمَحِّيُّ، وعمرو بن العاص، وهبيرة المخزوميُّ، وابن الزيِّبعرى، وقد حقَّقت نتائج كبيرةً 241]) وبلغت النَّفقات الحربيَّة لجيش قريش خُسين ألف دينارٍ ذهباً242.]) ثالثاً: الاستخبارات النَّبويَّة تتابع حركة العدوي كان العبَّاس بن عبد المطلب ، يرقب حركات قريش، واستعداداتها العسكريَّة ، فلمَّا تحرك هذا الجيش؛ بعث العباسُ ر سالةً عاجلةً إلى النَّبيِّ (ص) ، ضمَّنها جميع تفصيلات الجيش ، وأسرع رسولُ العبَّاس بإبلاغ الريِّسالة ، وجَدَّ في السَّير؛ حتََّّ إنَّه قطع الطريق بين مكَّة والمدينة ـ الَّتي تبلغ مسافتها خُسمئة كيلو متراً ـ في ثلاثة أيام ، وسَلَّمَ الريِّسالة إلى النَّبيِّ (ص) ، وهو في مسجد قُباء243.]) كان النَّبُّ (ص) يتابع أخبار قريش بدقَّةٍ بواسطة عميِّه العبَّاس. قال ابن عبد البري«وكان رضي الله عنه يكتب أخبار المشركين إلى رسول الله (ص) ، وكان المسلمون يتقوَّون به بمكَّة ، وكان يَبُّ أن يقدم على رسول الله (ص) ، فكتب إل يه رسول الله (ص) : أنَّ مقامك في مكَّة خيرٌ [»244.]) كانت المعلومات الَّتي قدَّمها العبَّاس لرسول الله (ص) دقيقةً؛ فقد جاء في رسالته «إنَّ قريشاً قد أجمعت المسيرَ إليك ، فما كنت صانعاً إذا حلُّوا بك فاصنعه ، وقد توجَّهوا إليك ، وهم ثلاثة الاف ، وقادوا مئتي فرس ، وفيهم سبعمئة دارع ، وثلاثة الاف بعيرٍ ، وأوعبوا 245]) السيِّلاح [»246.]) وقد احتوت هذه الريِّسالة على أمورٍ مهمَّة؛ منها 1 ـ معلومات مؤكَّدة عن تحرُّك قوَّات المشركين نحو المدينة 2 ـ حجم الجيش ، وقدراته القتاليَّة ، وهذا يعين على وضع خطَّةٍ تواجه هذه القوَّات الزَّاحفة. لم يكتفِّ النَّبُّ (ص) بمعلومات المخابرات المكيَّة؛ بل حَرَصَ على أن تكون معلوماتُه عن هذا العدويِّ متجددةً مع تلاحق الزَّمن ، وفي هذا إرشادٌ لقادة المسلمين ، بأهيِّيَّة متابعة الأخبار الَّتي يتولَّد عنها وضع خططٍ ، واستراتيجيَّا ت نفعةٍ؛ ولذلك أرسل (ص) الحُبَابَ بن المنذر بن الجموح إلى قريشٍ يستطلع الخبر ، فدخل بين جيش مكَّة ، وحزَرَ247]) (ص«ما رأيتَ؟ »قال: رأيتُ يا رسول الله! عدداً ، حزرتهم ثلاثة الاف يزيدون قليلاً ، أو ينقصون قليلاً ، والخيل مئتا فرسٍ ، ورأيت دروعاً ظاهرة حزرتها سبعمئة درعٍ ، قال: «هل رأيتَ ظُعُناً؟ »قال رأيتُ النيِّساء معهنَّ الديِّفاف ، والأكبار 248])«أَرَدْنَ أن يَريِّضْنَ القوم ،
عدد الصفحات ٥٣ويُذَكيِّرْنـَهُمْ قتلى بدرٍ ، هكذا جاءني خبرهم ، لا تذكر من شأنَّم حرفاً ، حسبنا اللهُ ونعم الوكيلُ ، اللَّهم! بك أجولُ ، وبك أصولُ [»249.]) كما أرسل (ص) أنساً ، ومؤنساً ابني فَضالة يـَتـَنَصَّتان250])251]) قاربت المدينة ، وأرسلت خَيـْلَها ، وإبلَها ترعى زروع يثرب المحيطة بها ، وع ادا ، فأخبراه بخبر القوم252.]) وبعد أن تأكَّد من المعلومات حَرَصَ (ص) على حصر تلك المعلومات على المستوى القيادييِّ؛ خوفاً من أن يؤثيِّر هذا الخبر على معنويات المسلمين قبل إعداد العُدَّة؛ ولذلك حين قرأ أُبيُّ بن كعب رسالة العبَّاس؛ أمره (ص) بكتمان الأمر ، و عاد مسرعاً إلى المدينة ، وتبادل الرَّأي مع قادة المهاجرين ، والأنصار في كيفية مواجهة الموقف ، وكان (ص) قد أطلع سييِّد الأنصار سعدَ بن الرَّبيع على خبر رسالة العبَّاس فقال: والله! إنييِّ لأرجو أن يكون خيراً ، فاستكتمه إياَّه؛ فلمَّا خرج رسول الله (ص) من عند سعدٍ؛ قالت له امرأته: ما قال لك رسول الله؟ فقال لها: لا أمَّ لكِّ! أنت وذاك. فقالت: قد سمعتُ ما قال لك! فأخْبـَرَتْهُ بما أسَرَّ به الرَّسول (ص) ، فاسترجع سعدٌ ، وقال: يا رسول الله! إنييِّ خفت أن يفشو الخبر ، فترى أنييِّ أن المفشي له؛ وقد اسْتَكْتَمْتَني إياَّ ه ، فقال رسول الله (ص) : «خليِّ عنها [»253.]) وفي هذه الحادثة ، درسٌ بالغٌ للعسكرييِّين ، وتحذيرٌ لهم من إطلاع زوجاتهم على أسرارهم العسكريَّة ، وخططهم ، وأوامرهم ، وينبغي الحذر من إفشاء مثل هذه الأسرار؛ لأنَّ إفشاءها يهديِّد الأمَّة ، ومستقبلها بكارثةٍ كبرى. إنَّ تاريخ الأمم والشُّعوب في القديم ، والحديث يَديِّثنا: أنَّ كثيراً من الهزائمِّ ، والماسي ، والالام ، قد حَلَّت بكثيرٍ من الأمم نتيجة لتسرُّب أسرار الجيوش إلى أعدائها عن طريق زوجةٍ خائنةٍ ، أو خائنٍ في ثوب صديقٍ ، أو قريبٍ في الظَّاهر عدوي في الحقيقة ، وا لواقع254.]) رابعاً: مشاورته (ص) لأصحابه رضي الله عنهم بعد أن جمع (ص) المعلومات الكاملة عن جيش كفَّار قريشٍ ، جمع أصحابه رضي الله عنهم ، وشاورهم في البقاء في المدينة والتَّحصُّن فيها ، أو الخروج لملاقاة المشركين ، وكان رأي النَّبيِّ (ص) البقاء في المدينة ، وقال: «إنَّ في جُنَّة حصينةٍ ، فإن رأيتم أن تقيموا ، وتَدَعُوهم حيث نزلوا ، فإن أقاموا؛ أقاموا بشري مُقامٍ ، وإن دخلوا علينا؛ قاتلناهم فيها [»255])
عدد الصفحات ٥٤الله (ص256])تتهم بدرٌ قالوا: يا رسول الله! اخرج بنا إ أعدائنا. قال ابن كثير: «وأبَ كثيرٌ من النَّاس إلا الخروج إلى العدويِّ ، ولم يتناهوا إلى قول رسول الله (ص) ، ورأيه ، ولو رضُوا بالَّذي أمرهم كان ذلك ، ولكن غلب القضاء والقدر ، وعامَّة مَنْ أشار عليه بالخروج رجالٌ لم يشهدوا بدراً ، قد علموا الَّذي سبق لأهل بدرٍ من الفضيلة[»257.]) وقال ابن إسحاق: فلم يزلِّ النَّاسُ برسول الله (ص) الَّذين كان من أمرهم حُبُّ لقاء القوم ، حتََّّ دخل رسولُ الله (ص) بيته ، فلبس لأمَتَهُ 258]) ، وعرضتم بغيره ، فاذهب يا حمزة! فقل لنبيِّ الله (ص) : «أمرن لأمرك تـَبَعٌ»، فأتى حمزةُ ، فقال له نبَّ الله! إنَّ القوم تلاوموا ، فقالوا: أمرُن لأمرك تبع ، فقال رسول الله (ص) : «إنَّه ليس لنبيٍ إذا لبس لأمته أن يضعها؛ حتََّّ يقاتل »[3/351) ، وعبد الرزاق في المصنف ( 5/364 ـ365) ، وابن سعد (2/38) ، والبيهقي في الدلائل3/208) ، ومجمع الزوائد6/107([])259.]) كان رأيُ مَنْ يرى الخروج إلى خارج المدينة مبنيَّاً على أمورٍ؛ منها 1 ـ أنَّ الأنصار قد تعاهدوا في بيعة العقبة الثَّانية ، على نصرة الرَّسول (ص) ، فكان أغلبُهم يرى: أنَّ المكوث داخل المدينة ، تقاعسٌ عن الوفاء بهذا العهد. 2 ـ أنَّ الأقليَّة من المهاجرين ، كانت ترى: أنََّّا أحقُّ من الأنصار بالديِّفاع عن المدينة ، ومهاجمة قريش ، وصديِّها عن زروع الأنصار. 3 ـ أنَّ الَّذين فاتتهم غزوة بدر كانوا يتحرقون شوقاً من أجل ملاقاة الأعداء؛ طمعاً في الحصول على الشَّهادة في سبيل الله. 4 ـ أنَّ الأكثرين كانوا يـَرَوْنَ: أنَّ في محاصرة قريشٍ للمدينة ، ظفراً يجب ألا تحَْلُم به ، كما توقَّعوا: أن وقت الحصار سيطول أمده ، فيصبح المسلمون مهدَّدين بقطع المؤن عنهم260.]) أمَّا رأي مَنْ يرى البقاء في المدينة فهو مبنيٌّ على التَّخطيط الحربييِّ ا 1 ـ إنَّ جيش مكَّةَ لم يكن موحَّدَ العناصر؛ وبذلك يستحيل على هذا الجيش البقاء زمناً طويلاً؛ إذ لابد من ظهور الخلاف بينهم. إن عاجلاً ، أو اجلاً. 2 ـ إنَّ مهاجمة المدن المُص مَّمة على الديِّفاع عن حياضها ، وقلاعها ، وبيضتها أمرٌ بعيد المنال؛ وخصوصاً إذا تشابه السيِّلاح عند كِّلا الجيشين ، وقد كان يوم أحدٍ متشابهاً.
عدد الصفحات ٥٥3 ـ إنَّ المدافعين إذا كانوا بين أهليهم؛ فإنََّّم يستبسلون في الديِّفاع عن أبنائهم ، وحماية نسائهم ، وبناتهم ، وأعراضهم. 4 ـ مشاركة النيِّساء ، والأبناء في القتال ، وبذلك يتضاعف عدد المقاتل 5 ـ استخدام المدافعين أسلحةً لها أثر في صفوف الأعداء؛ مثل الأحجار وغيرها ، وتكون إصابة المهاجمين في متناولهم261.]) من الواضح: أنَّ الرَّسول (ص) ، عوَّد أصحابه على التَّصريح بارائهم عند مشاورته لهم؛ حتََّّ ولو خالفت رأيه ، فهو إنمَّا يشاورهم فيما لا نصَّ فيه؛ تعويداً لهم على التَّفكير في الأمور العامَّة ، ومعالجة مشكلات الأمَّة ، فلا فائدة من المشورة إذا لم تقترن بحرية إبداء الرَّأي ، ولم يَدث أن لام الرَّسولُ (ص) أحداً؛ لأنه أخطأ في اجتهاده ، ولم يوفَّق في رأيه ، وكذلك فإنَّ الأخذ بالشُّورى مُلْزِّمٌ للإمام ، فلابدَّ أن يُطبيِّق الرَّسول (ص) التَّوجيه القراا غَلِّيظَ الْقَلْبِّ لاَنـْفَضُّوا مِّنْ حَوْلِّكَ فَاعْفُ عَنـْهُمْ وَاسْتـَغْفِّرْ لهَُمْ وَشَاوِّرْهُمْ فيِّ الأَمْرِّ فَإِّذَا عَزَمْتَ فـَتـَوَكَّلْ عَلَى الِلَِّّّ إِّنَّ الِلََّّ يَُِّبُّ الْمُتـَوَكيِّلِّينَ[عمران 159] يظهر الوعي السيِّياسيُّ عند الصَّحابة رضي الله عنهم ، فرغم أنَّ لهم إبداءَ الرَّأي ، إلا أنَّه ليس لهم فرضه على القائد ، فحسبهم أن يبينوا رأيهم ، ويتركوا للقائد حرية اختيار ما يترجَّح لديه من الاراء ، فلمَّا رأوا أنََّّم ألحوا في الخروج ، وأنَّ الرسول (ص) عزم على الخروج بسبب إلحاحهم ، عادوا فاعتذروا إليه ، لكن الرَّسول الكريم (ص) علَّمهم درساً اخر هو من صفات القيادة النَّاجحة ، وهو عدم التردُّد بعد العزيمة والشُّروع في التنفيذ ، فإنَّ ذلك يزعزع الثيِّقة بها ، ويغرس الفوضى بين الأتباع262.]) كان النَّبُّ (ص قد عزم على الخروج ، وقد أعلن حالة الطَّوارأى العامَّة ، وتجهَّز الجميع للقتال ، وأَمْضَوْا ليلتهم في حذرٍ؛ كلٌّ يصحب سلاحه ، ولا يفارقه حتََّّ عند نومه ، وأمر (ص) بحراسة المدينة ، واختار خُسين من أشدَّاء المسلمين ، ومحاربيهم بقيادة محمَّد بن مسلمة رضي الله عنه ، واهتمَّ الصحابة بحراسة رسول الله (ص) ، فبات سعد بن معاذ ، وأُسَيْد بن حضير ، وسعد بن عبادة ، في عدَّةٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم ليلة الجمعة ، مُدَجَّجِّينَ بالسيِّلاح على باب المسجد ، يَرسون رسول الله (ص263. ]) خامساً: خروج جيش المسلمين إلى أحدٍ
عدد الصفحات ٥٦أ ـ من الأسباب المهمَّة الَّتي اتخَّذها (ص) لملاقاة أعدائه اختيارُه لوقت التحرُّك ، والطَّريق التي تناسب خطَّته ، فقد تحرَّك بعد منتصف اللَّيل ، حيث يكون الجوُّ هادئاً ، والحركة قليلةٌ ، وفي هذا الوقت بالذَّات يكون الأعداء ـ غالباً ـ في نومٍ عميق؛ لأنَّ الإعياء ، ومشقَّة السَّفر قد أخذا منهم مجهوداً كبيراً. ومن المعروف: أنَّ مَنْ نم بعد تعبٍ يكون ثقيلَ النَّوم ، فلا يشعر بالأصوات العالية ، والحركة الثَّقيلة. قال الواقديُّ ـ رحمه الله ـ: ونم رسول الله (ص) حتَّ أدلج ، فلمَّا كان في السَّحَر؛ قال: «أين الأدلاَّ ءُ؟264([»])265.]) ثمَّ إنَّه (ص) اختار الطَّريق المناسب الَّذي يسلكه حتََّّ يصل إلى أرض المعركة ، وذكر صفةً ينبغي أن تتوافر في هذا الطَّريق ، وهي السيِّريِّيَّة ، حتََّّ لا يرى الأعداء جيش المسلمين ، فقال (ص) لأصحابه: «مَنْ رجلٌ يخرج بنا على القوم مِّنْ كَ ثَبٍ266]) »، فأبدى أبو خيثمة رضي الله عنه استعداده قائلاً: أن يا رسولَ الله! فنفذ به في حَرَّةِّ بني حارثة وبين أموالهم ، حتََّّ سلك به في مالٍ لربعي بن قـَيْظييٍ ـ وفي رواية ابن هشام: لمربع بن قَيظييٍ ـ ، وكان رجلاً منافقاً ضرير البصر ، فلمَّا أحس برسول الله (ص) ومن معه من المسلمين ، قام يَثي في وجوههم الترُّاب ، وهو يقول: إن كنتَ رسولَ الله فلا أُحلُّ لك أن تدخل حائطي. وقد ذُكر: أنَّه أخذ حفنةً من ترابٍ بيده ، ثمَّ قال: والله! لو أعلم: أنييِّ لا أصيب بها غيرك يا محمد! لضربتُ بها وجهك ، فابتدره القوم: ليقتلوه ، فقال (ص) : لا تقتلوه؛ فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر ، وقد بَدَرَ إليه سعدُ بن زيدٍ أخو بني عبد الأشهل 267]) عنه ، فضربه بالقوس في رأسه ، فشجَّه 1/218) ، والطبري في تاريخه (2/506) ، وابن هشام3/69.]) ولا شك في أنَّ مروره (ص) بين الأشجار ، والبساتين ، يدلُّنا على حرصه (ص) على الأخذ بالاحتياطات الأمنيَّة المناسبة في أثناء السَّير؛ لأنَّ الطُّرق العامَّة تكشف للأعداء عن مقدار قوَّات المسلمين ، وهذا أمرٌ محذورٌ ، فالرَّسول (ص) علَّ م الأمَّة الأخذ بالسيِّريِّيَّة من حيث المكان ، ومن حيث الزَّمان؛ لئلا يستطيع الأعداء معرفة قوَّاتهم ، فيضعوا الخطط المناسبة لمجابهتها ، وبذلك يذهب تنظيم القادة ، وإعدادهم لجيوشهم في مهبيِّ الريِّياح. وفي هذا الخبر تطبيقٌ عمليٌّ لتقديم المصلحة العامَّة على الم صلحة الخاصَّة ، إذا تعارضت المصلحتان؛ فالرَّسول (ص) حينما مرَّ بالجيش في أرض المنافق مربع بن قـَيْظييٍ ، وترتَّب على ذلك إفساد المزرعة؛ مرَّ
عدد الصفحات ٥٧ولم يعبأ بذلك؛ لأنَّ في ذلك مصلحة الجيش باختصار الطَّريق إلى أُحدٍ ، فبينَّ (ص) أنَّ ما يكون به مصلحةٌ للديِّين مقدَّ مٌ على ما سواه من المصالح الأخرى ، فهنا تعارضت مصلحتان: مصلحةٌ عامَّةٌ ، ومصلحةٌ خاصَّة ، ومصلحة الديِّين في هذا الموقف مصلحةٌ عامَّةٌ ، وهي مقدَّمة على المصلحة الخاصَّة ، وهي مصلحة المال268.]) وقد رتَّب الشَّارع الحكيم مقاصد الشَّرع في تحقيق المنافع لعباده؛ مِّنْ حفظ دينهم ، ونفوسهم ، وعقولهم ، ونسلهم ، وأموالهم ، طبقَ ترتيبٍ معينٍَّ فيما بينها 269]) وأهيِّيتها ، وجدن: أنَّ هذه الكليِّيات متدريِّجةٌ حسب الأهيِّيَّة: الديِّين ، والنَّفس ، والعقل ، والنَّسل ، والمال ، فما يكون به حفظ الديِّين مقدَّمٌ على ما يكون به حفظ النَّفس عند تعارضهما ، وما يكون به حفظ النَّفس مقدَّمٌ على ما يكون به حفظ العقل ، وما يكون به حفظ النَّسل مقدَّم على ما يكون به حفظ المال ، والترَّتيب بهذا الشَّكل من هذه الكليِّيات يَظى باتفاق العلماء 270.]) إنَّ العلماء المتعميِّقين في دراسة السيِّيرة النَّبويَّة ، والهدي النَّبوييِّ الكريم قد استنبطوا قواعدَ مهمَّة في تقد المصلحة العامَّة على المصلحة الخاصَّة؛ ومنهم: الشَّاطبُّ ، والعزُّ بن عبد السَّلام ، فقد قال الشَّاطبُّ: «الضَّابط في ذلك: التَّوازن بين المصلحة والمفسدة ، فما رُجيِّح منها؛ غُليِّب ، وإن استويا؛ كان محلَّ إشكال. وخلافٌ بين العلماء قائم من مسألة انَرام المناسبة تلزم راجحةً أو مساويةً [»271.]) وقال العزُّ بن عبد السَّلام «وتقديم المصالح الرَّاجحة على المرجوحة محمودٌ حسنٌ ، ودرء المفاسد الرَّاجحة على المفاسد المرجوحة محمودٌ حسنٌ ، اتَّفق الحكماء على ذلك ، وكذلك الشَّرائع ، فإن تساوت الرُّتب؛ تخيريِّ ، وإن تفاوتت الرُّتب؛ استعمل الترَّجيح عند عرفانه [»272.]) وقال في موضع اخر«والضَّابط: أنه مهما ظهرت المصلحة الخالية عن المفاسد؛ يسعى في تحصيلها ، ومهما ظهرت المفاسد الخالية عن المصالح؛ يسعى في درئها [»273.]) ب ـ انسحاب المنافق ابن سلول بثلث الجيش عندما وصل جيش المسلمين الشَّوْط274]) بحجَّة: أنَّه لن يقع قتالٌ مع المشركين ، ومعترضاً على قرار القتال خارج المدينة ، قائلاً: أطاع الولدان ، ومن لا رأي له ، أطاعهم ، وعصاني ، علام نقتلُ أنفسنا؟275]) التَّمرُّد ، أن يَدث بلبلةً ، واضطراباً في الجيش الإسلامييِّ ، لتنهار معنوياتُه ، ويتشجَّع العدوُّ ، وتعلو هَّته ، وعمله هذا ينطوي على خيانةٍ عظمى ، وبـُغْضٍ للإسلام والمسلمين ، وقد اقتضت حكمة الله أن
عدد الصفحات ٥٨يمحيِّص الله الجيش؛ ليظهر الخبيث من الطَّييِّب؛ حتََّّ لا يختلطَ المخلص بالمُغْرض ، والمؤمن بالمنافق276.]) قال تعالَيْهِّ حَتََّّ يمَِّيزَ الخَْبِّيثَ مِّنَ الطَّييِّبِّ وَمَا كَانَ الِلَُّّ لِّيُطْلِّعَكُمْ عَلَى الْغَيْب[عمران 179.] فالجبن ، والنُّكوص ها اللَّذان كشفا عن طوية المنافقين ، فافتضحُوا أمام أنفسهم وأمام النَّاس قبل أن يفضَحهم القران277.]) ج ـ موقف عبدالله بن عمرو بن حَرَام من انَذال المنافقين: حاول عبد الله بن حرام رضي الله عنه إقناع المنافقين بالعودة ، فأبوا ، فقال: يا قوم! أذكيِّركم الله ألا تخذلوا قومكم ، ونبيَّكم عندما حضر من عدويِّهم؛ فقالوا: لو نعلم أنَّكم تقاتلون؛ لما أسلمناكم ، ولكنَّا لا نرى أنه يكون قتالٌ ، فلمَّا استعصوا عليه ، وأبوا إلا الانصراف عنهم؛ قال: أبعدَكم اللهُ أعداءَ الله ، فسيغني الله عنكم نبيَّه278.]) وفي هؤلاء المنخذلين نزل قول الله تعاؤْمِّنِّ ينَ *وَلِّيـَعْلَمَ الَّذِّينَ نَفـَقُوا وَقِّيلَ لهَُمْ تـَعَالَوْا قَاتِّلُوا فيِّ سَبِّيلِّ الِلَِّّّ أَوِّ ادْفـَعُوا قَالُوا لَوْ نـَعْلَمُ قِّتَالاً لاَتـَّبـَعْنَاكُمْ هُمْ لِّلْكُفْرِّ يـَوْمَئِّذٍ أَقـْرَبُ مِّنـْهُمْ لِّلإِّيمَانِّ يـَقُولُونَ بأَِّفـْوَاهِّهِّمْ مَا لَيْسَ فيِّ قـُلُوبهِِّّمْ وَالِلَُّّ أَعْلَمُ بمَِّا يَكْتُمُونَ [ عمران 166 ـ167.] د ـ بنو سلمة ، وبنو حارثة ولمَّا رجع ابن أُبي بن سلول ، وأصحابُه؛ هَّت بنو سلمةَ ، وبنو حارثة أن ترجعا ، ولكنَّ الله ثبَّتهما ، وعصمهما ، وفي ذلك نزل قوله سبحانه فـَلْيـَتـَوَكَّلِّ الْمُؤْمِّنُو نَ[عمران 122] وبني حارثة ، وما أحبُّ أنَّيا لم تنزل ، والله يقول [عمران 122[ .] (4051.]) لقد أثَّر موقف المنافقين في نفوس طائفتين من المسلمين ، ففكروا في العودة إلى المدينة ، ولكنَّهم غالبوا الضَّعف الذي ألمَّ بهم ، وانتصروا على أنفسهم بعد أن تولاَّهم الله تعالى ، فدفع عنهم الوهن ، فثبتوا مع المؤمنين. وقد ظهر رأيان في أوساط الصَّحابة تجاه موقف ابن سلول:
عدد الصفحات ٥٩الأوَّل: يرى قتل المنافقين الَّذين خذلوا المسلمين بعودتهم ، وانشقاقهم عن الجيش. الثَّاني: لا يرى قتلهم. وقد بين القران الكريم موقف الفريق 279]) {فَمَا لَكُمْ فيِّ الْمُنَافِّقِّينَ فِّئـَتـَينِّْ وَالِلّيُ أَرْكَسَهُمْ بمَِّا كَسَبُوا أَتُرِّيدُونَ أَنْ تـَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الِلَُّّ وَمَنْ يُضْلِّلِّ الِلَُّّ فـَلَنْ تجَِّدَ لَهُ سَبِّيلاً }* [ 88.] هـ الاستعانة بغير المسلم عندما وصل رسول الله (ص) إلى مكان يُدعى الشَّيخين ، رأى كتيبةً لها صوتٌ وجَلَبَةٌ ، فقال: ما هذه؟ فقالوا: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أُبي بن سلول من يهود ، فقال (ص) : «لا نستنصر بأهل الشيِّرك على أهل الشيِّرك [»280]) الاستنصار بهم281.]) و ـ رَدُّ النَّبيِّ (ص) بعض الصَّحابة لصغر سنيِّهم: ردَّ النبُّ (ص) في معسكره بالشَّيخين جماعةً من الفتيان لصغر أعمارهم؛ إذ كانوا في سن الرَّابعة عشرة ، أو دون ذلك؛ منهم: عبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت ، وأسامة بن زيد ، وزيد بن أرقم ، والبراء بن عازب ، وأبو سعيد الخدري؛ بلغ عددهم أربعة عشر صبيي اً ، وقد ثبت أنَّ ابن عمر كان منهم282 ]) ، وأجاز منهم رافع بن خديج لمَّا قيل له: إنَّه رامٍ ، فبلغ ذلك سمَُرَةَ بن جُنْدب ، فذهب إلى زوج أميِّه مريِّي بن سنان بن ثعلبة ـ عميِّ أبي سعيد الخدرييِّ ، وهو الذي ربََّ سمَُرَة في حِّجْرِّه ـ يبكي ويقول له: يا أبتِّ! أج از رسولُ الله (ص) رافعاً ، وردَّني ، وأن أصرع رافعاً ، فذهب زوج أميِّه إلى النَّبيِّ (ص) ، وأخبره بذلك، فالتفت النَّبُّ (ص) إلى رافع، وسمَُرَةَ، فقال لهما: تصارعا ، فصرع سمرة رافعاً ، فأجازه كما أجاز رافعاً ، وجعلهما من جنده ، وعسكر كتائبه ، ولكليٍ منهما مجالُه ، واختصاصُه283.]) ونلحظ: أنَّ رسول الله (ص) أجاز رافعاً ، وسمَرة لامتيازٍ عسكرييٍ امتازوا به على أقرانَّما ، وردَّ صغار السيِّنيِّ خشية ألاَّ يكون لهم صبرٌ على ضرب السُّيوف ، ورمي السيِّهام ، وطعن الريِّماح ، فيفرُّوا من المعركة إذا حمي الوطيس284]) فيُحْدِّث فرارُهم خلخلةً في صفوف المسلم285.]) ونلحظ: أنَّ المجتمع الإسلاميَّ يضجُّ بالحركة ، ويسعى للشَّهادة ، شيوخاً ، وشباباً؛ حتََّّ الصبيانُ يُقبلون على الموت ببسالةٍ ، ورغبةٍ في الشَّهادة ، تبعث على الدَّهشة ، دون أن يجبرهم قانون التَّجنيد ، أو تدفع بهم قيادةٌ إلى ميدان القتال ، وهذا يدلُّ على أثر المنهج النَّبوييِّ الكريم ،
عدد الصفحات ٦٠في تربية شرائح الأمَّة المتعديِّدة ، على حبيِّ الاخرة ، والترفُّع عن أمور الدُّنيا سادساً: خطَّة الرَّسول (ص) لمواجهة كفار مكَّة: أ ـ وَضَعَ الرَّسول (ص) خطَّةً محكمةً لمواجهة الم شركين من قريشٍ؛ حيث اختار الموقع المناسب ، وانتخب مَنْ يصلح للقتال ، وردَّ من لم يكن صالحاً ، واختار خُسين منهم للريِّماية ، وشدَّد الوصيَّة عليهم ، وقام بتقسيم الجيش إلى ثلاث كتائب ، وأعطى الليِّواء لأحد أفراد الكتيبة ، وهذه الكتائب هي: 1 ـ كتيبة المهاجرين وأعطى لواءها مصعب بن عميرٍ رضي الله عنه. 2 ـ كتيبة الأوس من الأنصار: وأعطى لواءها أُسيد بن حضيرٍ رضي الله عنه 3 ـ كتيبة الخزرج من الأنصار: وأعطى لواءها الحُباب بن المنذر رضي الله عنه286.]) ب ـ وكان من هديه (ص) أن يَُريِّض أصحابه على قتال الأعداء ، ويَث هم على التَّحليِّي بالصَّبر في ميادين القتال ، لكي تتقوى رُوحهم المعنويَّة ، ويصمدوا عند ملاقاة أعدائهم ، ومن ذلك ما فعله يوم أُحدٍ ، وفي ذلك يقول الواقديُّ: «ثمَّ قام رسولُ الله (ص) ، فخطب النَّاس «يا أيها الناس! أُوصيكم بما أوصاني الله في كتابه؛ من العمل بطاعته ، والتَّناهي عن محارمه ، ثمَّ إنَّكم اليوم بمنزل أجرٍ ، وذُخْرٍ؛ لمن ذكر الَّذي عليه ، ثمَّ وطَّن نفسه له على الصَّبر ، واليقين ، والجديِّ ، والنَّشاط ، فإنَّ جهاد العدو شديدٌ كربُه ، قليلٌ من يصبر عليه إلا من عزم الله رشدَه ، فإنَّ الله مع مَنْ أطاعه ، وإنَّ الشَّيطان مع مَنْ عصاه ، فافتتحُوا أعمالكم بالصَّبر على الجهاد ، والتمِّسوا بذلك ما وعدكم الله ، وعليكم بالَّذي امركم؛ فإنييِّ حريصٌ على رشدكم ، فإنَّ الاختلاف ، والتَّنازع ، والتَّثبيط ، من أمر العجز ، والضَّعف ، ممَّا لا يَبُّ الله ، ولا يعطي ع ليه النَّصر ، ولا الظَّفر[»287.]) ويتَّضح من هذه الخُطبة عدَّةُ أهدافٍ؛ منها 1 ـ الحثُّ على الجديِّ ، والنَّشاط في ميدان الجهاد 2 ـ الحثُّ على الصَّبر عند قتال الأعداء 3 ـ بيان مساوأى الاختلاف ، والتَّنازع288.]) إنَّ هذا الهدي المبارك الَّذي سَنَّهُ(ص) يعليِّمنا حقائق ثابتةً ، وهي: أنَّ الجيوش مهما عظم تسليحها ، وتنظيمها ، فإنَّ ذلك لا يغني شيئاً إلا إذا حملته نفوسٌ قويَّةٌ ، تحرص على الموت أشدَّ مِّنْ حرصها على الحياة ، وهذا يكون بتعبئة الجنود بالموعظة والتَّوجيه ، وغرس حبيِّ الجهاد ، والشَّهادة في نفو سهم.
عدد الصفحات ٦١ج ـ أدرك الرَّسول (ص) أهيِّية جبل أحد لحماية جيش المسلمين ، فعندما وصل جيش المسلمين إ جبل أحد؛ جعل الرَّسولُ (ص) ظهورَهم إلى الجبل ، ووجوههم إلى المدينة ، وانتقى خُسين من الرُّماة تحت إمرة عبد الله بن جُبـَيرٍْ289])لجبل أحد ، وذلك حتََّّ يمنع التفاف جيش المشركين حول جيش المسلمين ، وأصدر أوامره إليهم قائلاً: «إن رأيـْتُمون تخَطَفُنا الطَّيرُ؛ فلا تَبرحُوا مكانَكم هذا حتََّّ أُرسلَ إليكم ، وإن رأيتمون هزمنا القومَ ، وأوطَأْنَهُم فلا تـَبرْحُوا حتََّّ أُرْسلَ إليكم»[اري 3039) ، وأحمد4/293) ، وأبو داود2662.]) وقال رسول الله (ص) للجيش «لا تبرحوا حتََّّ أوذنكم »، وقال«لا يقاتلنَّ أحدٌ حتََّّ امره بالقتال » وقال لأمير الرُّماة«انضحِّ الخيلَ عنا بالنـَّبْل؛ لا يأتون مِّنْ خَلفنا ، واثبت مكانك إن كانت لنا ، أو علينا»[2/507) ، والواقدي في المغازي 1/225) ، والبيهقي في الدلائل (3/227) ، وابن هشام3/70])«الزموا مكانكم ، لا تبرحوا منه ، فإذا رأيتمون نَّْزِّمُهُمْ حتََّّ ندخل عسكرهم؛ فلا تفارقوا مكانكم ، وإن رأيتمون نُقتل؛ فلا تغيثون ، و لا تدفعوا عنَّا ، وارشقوهم بالنـَّبْل؛ فإنَّ الخيل لا تقدم على النَّبل ، إن لن نزال غالبين ما مكثتم مكانكم ، الليهمَّ إنييِّ أُشهدك عليهم[»290.]) سيطر المسلمون على المرتفعات ، وتركوا الوادي لجيش مكَّة ليواجه أُحداً ، وظهره إلى المدينة ، وأصبحت مهمَّة الرُّ ماة في النقاط التالية: احتلال الموقع ، حماية المسلمين من الخلف ، صدُّ الخيل عن المسلم291.]) د ـ تسوية الصُّفوف ، وتنظيم الجيش؛ تقدَّم رسولُ الله (ص) أصحابه ، وصفَّهم على هيئة صفوف الصَّلاة ، وجعل رسولُ الله (ص) يمشي على رجليه ، يُسويِّي تلك الصُّفوف ، و يبويِّأى أصحابه للقتال ، يقول: تقدَّم يا فلان! وتأخر يا فلان! فهو يقويِّمهم... حتََّّ استوت الصُّفوف292]) أخذ الرَّسول (ص) بهذا الأسلوب؛ لأنَّه أبلغ في قتال الأعداء293.]) هـ عدمالقتال إلا بأمرٍ من القائد: قال الطَّبريُّ: «فجعل ظهره ، وعسكره إلى أحدٍ ، وقال: لا يقاتلن أحدٌ حتََّّ نأمره بالقتال [»294.]) وفي هذا التَّوجيه فائدةٌ مهمَّةٌ ، وهي توحيد القيادة والمسؤوليَّة؛ لأنَّه (ص) أدرى بالمصلحة
عدد الصفحات ٦٢* * * المبحث الثَّا في قلب المعركة 295]) أولاً: بدء القتال واشتداده ، وبوادر الانتصار للمسلم في بداية القتال ، حاول أبو سفيان أن يُوجِّدَ شرخاً ، وتصدُّعاً في جبهة المسلمين المتماسكة ، فأرسل إلى الأنصار يقول: «خَلُّوا بيننا وبين ابن عميِّنا ، فننصرف عنكم ، فلا حاجة بنا إلى قتالكم»فردُّوا عليه بما يكره 296.]) ولمَّا فشلت المحاولة الأولى؛ لجأت قريش إلى محاولةٍ أخرى ، عن طريق عميلٍ خائن من أهل المدينة ، وهو أبو عامر الرَّاهب ، حيث حاول أبو عامر الرَّاهب أن يستزل بعض الأنصار ، فقال: يا معشرَ الأوس! أن أبو عامر! قالوا: فلا أنعم اللهُ بك عيناً يا فاسق! فلمَّا سمع ردَّهم عليه؛ قال: لقد أصاب قومي بعدي شرٌّ ، ثمَّ قاتلهم قتالاً شديداً ، ورماهم بالحجارة297.]) وبدأ القتال بمبارزةٍ بين علييِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه ، وطلحةَ بن عثمان حامل لواء المشركين يوم أُحدٍ ، يقول صاحب السيِّيرة الح لبية: خرج طلحةُ بن عثمان ، وكان بيده لواء المشركين ، وطلب المبارزة مراراً ، فلم يخرج إليه أحدٌ ، فقال: يا أصحابَ محمد! إنَّكم تزعمون أنَّ الله ـ تعالى ـ يُعجلنا بسيوفكم إلى النَّار ، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنَّة ، فهل أحدٌ منكم يعجلني بسيفه إلى النَّار ، أو أعجله بسيفي إلى الجنَّة؟ فخرج إليه عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه ، فقال له عليٌّ رضي الله عنه: والَّذي نفسي بيده! لا أفارقك حتَّ يعجلك الله بسيفي إلى النَّار ، أو يعجلني بسيفك إلى الجنَّة ، فضربه عليٌّ فقطع رِّجْلَهُ ، فوقع على الأرض ، فانكشفت عورتُه ، فقال: يا بن عميِّي! أنشدك الله ، والرَّحم! فرجع عنه ،
عدد الصفحات ٦٣ولم يجهز عليه ، فكبرَّ رسولُ الله (ص) . وقال بعض الصَّحابة لعلييٍ: أفلا أجهزت عليه؟! قال: إنَّ ابن عميِّي نشدني الرَّحم حين انكشفت عورتُه ، فاستحييتُ منه 298.]) والتحم الجيشان ، واشتدَّ القتال ، وشرع رس ولُ الله (ص) يشحذ هم أصحابه ، ويعمل على رفع معنوياتهم ، وأخذ سيفاً ، وقال: «مَنْ يأخذُ منييِّ هذا؟ »فبسطوا أيديهم ، كلُّ إنسان منهم يقول: أن ، أن. قال: «فمن يأخذه بحقيِّه؟»قال: فأحْجَمَ القومُ ، فقال سمَِّاكُ بنُ خَرَشَةَ أبو دُجَانة: وما حقُّه رسولَ الله ؟! قال: «أن تضرب به العدوَّ حتََّّ ينح »، قال: أن اخذه بحقيِّه. فدفعه إليه وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب ـ أي يمشي مشية المتكبريِّ ـ ، وحين راه رسول الله (ص) يتبختر بين الصَّفَّينِّ قال: «إنََّّا لمشيَةٌ يُبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن »، وأخذه ، و فلق به هامَ المشرك (3/123) ، ومسلم2470) ، والحاكم3/556) ، والبيهقي في الدلائل3/232.]) وهذا الزُّبير بن العوَّام يصف لنا ما فعله أبو دجانة يوم أُحدٍ ، قال: وجدت في نفسي حين سألتُ رسول الله (ص) السَّيْفَ ، فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة ، وقلت: أن ا بن صفيَّة عمَّتِّه ، ومِّنْ قريشٍ ، وقد قمتُ إليه ، وسألته إياَّه قـَبـْلَه ، فأعطاه أبا دُجانة ، وتركني ، والله! لأنظرنَّ ما يصنع ، فاتبعته ، فأخرج عصابةً له حمراء ، فعصب بها رأسه ، فقالت الأنصار: أخرج أبو دُجانة عِّصَابة الموت ـ وهكذا كانت تقول له إذا تعصَّب بها ـ ، فخرج؛ وهو يقول: أنَّ الَّذي عاهَدَني خَلِّيْلي وَنحَْنُ بالسَّفْحِّ لَدَى النَّخِّيْلِّ ألا أقومَ الدَّهرَ في الكَيُّول299]) أضْرِّبْ بِّسَيْفِّ اللهِّ والرَّسُول 300]) فجعل لا يـَلْقى أحداً إلا قتله ، وكان في المشركين رجلٌ لا يَدعُ لنا جريَاً إلا ذفَّف301]) فجعل كلُّ واحدٍ منهما يدنو من صاحبه ، فدعوتُ الله أن يجمع بينهما ، فالتقيا ، فاختلفا ضربتين ، فضرب المشركُ أبا دجانة ، فاتَّقاه بدَرَقَتِّه ، فعضَّت بسيفه ، و ضربه أبو دُجانة فقتله ، ثمَّ رأيتُه قد حمل السَّيف على مَفْرِّق رأس هند بنت عُتبة ، ثمَّ عدل السَّيف عنها ، فقلت: الله ورسولُه أعلم. قال ابن إسحاق: قال أبو دُجانة: رأيت إنسانً يخَْمش302])303]) فلمَّا حملتُ عليه الس يفَ؛ وَلْوَلَ ، فإذا امرأةٌ ، فأكرمتُ سيفَ رسول الله أن أضرب به امرأةً (3/73) ، والبيهقي في الدلائل3/233([])304.]) ثانياً: مخالفة الرُّماة لأمر الرَّسول (ص
عدد الصفحات ٦٤استبسل المسلمون في مقاتلة المشركين ، وكان شعارُهم: أمِّتْ.... أمِّتْ ، واستماتوا في قت الٍ بطولييٍ ملحمييٍ ، سجَّل فيه أبطال الإسلام صوراً رائعةً من البطولة ، والشَّجاعة 305]) روائعَ بطولاتِّ حمزةَ بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير ، وأبي دُجانةَ ، وأبي طلحة الأنصارييِّ ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وأمثالهم كثيرٌ 306])لمون الانتصار في الجولة الأولى من المعركة 307.]) وفي ذلك يقول الله ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه العزيز إِّذَا فَشِّلْتُمْ وَتـَنَازَعْتُمْ فيِّ الأَمْرِّ وَعَصَيـْتُمْ مِّنْ بـَعْدِّ مَا أَ رَاكُمْ مَا تحُِّبُّونَ مِّنْكُمْ مَنْ يُرِّيدُ الدُّنـْيَا وَمِّنْكُمْ مَنْ يُرِّيدُ الآخِّرَةَ ثمَُّ صَرَفَكُمْ عَنـْهُمْ لِّيـَبـْتَلِّيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَالِلَُّّ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِّنِّينَ [عمران 152.] ولما رأى الرُّماةُ الهزيمةَ الَّتي حلت بقريشٍ ، وأحلافها ، ورأوا الغنائم في أرض المعركة؛ جذبهم ذلك إلى ترك مواقعهم؛ ظنَّـاً منهم: أنَّ المعركة انتهت ، فقالوا لأميرهم عبد الله بن جُبيرٍ: «الغنيمة أي قـَوْم! الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جُبـَيرٍْ: أنَسِّيتُم ما قال لكم رسولُ الله (ص) ؟ قالوا: واللهِّ لنأتينَّ النَّاسَ فلنُصيبنََّ من الغنيمة»[3039.]) ثمَّ انطلقوا يجمعون الغنائم ، ولم يعبؤوا بقول أميرهم ، ووصف ابن عباس رضي الله عنهما حالة الرُّماة ذلك الموقف ، فقال: «فلمَّا غنم النَّبُّ (ص) ، وأباحوا عسكر المشرك ، أكبَّ الرُّماة جميعاً ، فدخلوا في المعسكر ينهبون ، وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله (ص) ، فهم هكذا ـ وشبك بين أصابع يديه ـ ، والتبسوا ، فلمَّا أخلَّ الرُّماة تلك الخَلَّة الَّتي كانوا فيها ، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النَّبيِّ (ص) ، فضرب بعضهم بع ضاً ، والتبسوا ، وقُتل من المسلمين نسٌ كثير »[ (1/287 ـ288.]) ورأى خالد بن الوليد ـ وكان على خيَّالة المشركين ـ ، الفرصة سانحةً ليقوم بالالتفاف حول المسلمين ، ولمَّا رأى المشركون ذلك ، عادوا إلى القتال من جديدٍ، وأحاطوا بالمسلمين من جهتين ، وفقد المسلمون مواقعهم الأولى ، وأخذوا يقاتلون بدون تخطيطٍ ، فأصبحوا يقاتلون متفريِّقين ، فلا نظام يجمعهم ، ولا وحْدَة تشملهم ، بل لم يعودوا يمييِّزون بعضهم ، فقد قـَتـَلُوا اليَمانَ ـ والد حُذيفة بن اليَمان ـ خطأً [4065) ، وابن هشام3/129])
عدد الصفحات ٦٥