المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 03

علي محمد الصلابي

صفحة ٣ من ٢١

فنزل تحت شجرة ، ونشر ثيابه لتجفَّ ، واستطاع دُعثور أن ينفرد برسول الله (ص) بسيفه ، فقال محمد ! من يمنعك منييِّ اليوم ؟ قال: الله. ودفع جبريل صدره ، فوقع السَّيف من يده ، فأخذ ه رسول الله (ص) ، فقال: من يمنعك منييِّ؟ قال: لا أحد! وأن أشهد ألا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً رسول الله ، واللهِّ لا أكثرُ عليك جمعاً أبداً! فأعطاه رسول الله (ص) سيفه ، فلمَّا رجع إلى أصحابه؛ قالوا: ويلك! ما لك؟ فقال: نظرت إلى رجلٍ طويلٍ ، فدفع صدري ، فوقع ت لظهري ، فعرفت: أنَّه مَلَكٌ ، وشهدت أنَّ محمَّداً رسول الله ، واللهِّ لا أكثر عليه جمعاً: وجعل يدعو قومه إلى الإسلام3/168 ـ169([])128.]) ونزل في ذلك قول الله تعامْ إِّذْ هَمَّ قـَوْمٌ أَنْ يـَبْسُطُوا إِّلَيْكُمْ أَيْدِّيـَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِّيـَهُمْ عَنْكُمْ وَاتـَّقُوا الِلََّّ وَعَلَى الِلَِّّّ فـَلْيـَتـَوَكَّلِّ الْمُؤْمِّنُونَ [11.] 4 ـ غزوة بحَْران129:]) كانت هذه الغزوة في شهر جمُادى الأولى من السَّنة الثالثة للهجرة ، وقد خرج النَّبُّ (ص) في ثلاثمئةٍ من المسلمين؛ حتََّّ بلغ بحَْرَانَ بين مكَّة ، والمدينة ، يريد قتال بني سُلَيم ، فوجدهم قد تفرَّقوا ، فانصرف عنهم ، وعاد إلى المدينة بعد أن أمضى خارجها عَشْرَ ليالٍ130.]) ونلحظ في هذه الغزوات قدرة القيادة الإسلامية على رصد تحرُّكات العدويِّ ، ومعرفة قوَّته ، وخططه ، ومدده؛ لكي تحطيِّم هذه التَّجمُّعات المناوئة للدَّولة الإسلاميَّة الفتيَّة قبل أن يستفحل أمر هذه القبائل ، وتصبح خطراً على المدينة. وهذه الغزوات في هذه الصَّحراء المترامية الأطراف كانت دوراتٍ تدريبيةً ت ربويَّةً للصَّحابة الكرام ، وسعدت سرايا الصَّحابة بقيادة النَّبيِّ (ص) لها ، فقد كانت تلك الدَّورات العمليَّة التَّدريبيَّة القتاليَّة الترَّبويَّة مستمرةً ، وتمتدُّ من خُسة أيام إلى شهر ، تتمَّ فيها الحياة الجماعيَّة، ويتربََّ جنود الإسلام، على السَّمع ، والطَّاعة ، والتَّدريب المتقن ، ويكتسبون خبراتٍ جديدةً تساعدهم على تحطيم الباطل ، وتقوية الحقيِّ. لقد كان المنهاج النَّبويُّ الكريم يهتمُّ بتربية الصَّحابة في ميادين النيِّزال ، ولا يـَغْفُلُ عن المسجد النَّبوييِّ ودوره في صقل النُّفوس، وتنوير العقول ، وتهذيب الأخلاق من خلال وجود المربييِّ العظيم (ص) ، الَّذي أصبحت تعاليمُه تشعُّ في أوساط المجتمع من خلال القُدوة ، والعبادة الخاشعة للهِّ ـ عزَّ وجلَّ ـ ؛ فالمنهاج النبويُّ الكريم جمع بين الدَّورات المسجديَّة الترَّبويَّة، والدَّورات العسكريَّة الترَّبويَّة المكثَّف ة؛ لكي

عدد الصفحات ٣٤

يـَقْوَى المجتمع الجديد، وتـُرَصُّ صفوفُه، ويكسب الخبرات؛ لكي يقوم بنشر الإسلام الافاق131.]) 5 ـ سرية زيد بن حارثة إلى القَرْدَة أصبح مشركو مكَّة بعد هزيمتهم في بدرٍ يبحثون عن طريقٍ أخرى لتجارتهم للشَّام ، فأشار بعضهم إلى طريق نجدٍ العراق ، وقد سلكوها بالفعل ، وخرج منهم تجَُّار ، فيهم أبو سفيان بن حرب ، وصفوان بن أميَّة ، وحويطب بن عبد العُزَّى ، ومعهم فضَّةٌ ، وبضائع كثيرةٌ ، بما قيمته مئة ألف درهمٍ ، فبلغ ذلك رسول الله (ص) بواسطة أحد أفراد جهاز الأمن الإسلامييِّ ، يُدعى سليط بن النُّعمان رضي الله عنه132]) القَرْدَة ، وهو ماء من مياه نجدٍ ، ففرَّ رجالها مذعورين ، وأصاب المسلمون العِّيرَ وما عليها ، وأسروا دليلَها فُرات بن حَيَّان؛ الَّذي أسلم بين يدي النَّبيِّ (ص) ، و عادوا إلى المدينة ، فخَمَّسَهَا رسولُ الله (ص) ، ووزَّع الباقي بين أفراد السَّرِّيَّـة133.]) ثانياً: غزوة بني قـَيـْنُـقَـاع134:]) ذكر الزُّهريُّ: أنََّّا وقعت في السَّنة الثَّانية للهجرة ، وذكر الواقديُّ ، وابن سعدٍ: أنَّا وقعت يوم السَّبت للنيِّصف من شوال من السَّنة الثَّانية135]) وسيرته على أنََّّا وقعت بعد معركة بدرٍ؛ إذ لم يلتزم يهود بني قينقاع بالمعاهدة الَّتي أبرمها الرَّسول (ص معهم ، ولم يوفوا بالتزاماتهم الَّتي حدَّدتها ، ووقفوا من الرَّسول (ص) والمسلمين مواقفَ عدائيَّةً ، فأظهروا الغضب ، والحسد عندما انتصر المسلمون في بدرٍ ، وجاهروا بعداوتهم للمسلم136.]) وقد جمعهم النَّبُّ (ص) في سوقهم بالمدينة ، ونصحهم ، ودعاهم إلى الإسلام ، وحذَّرهم أن يصيبهم ما أصاب قريشاً في بدرٍ137])لنَّبَّ (ص) بالتَّحديِّي ، والتَّهديد ، رغم ما يُفترض أن يلتزموا به من الطَّاعة ، والمتابعة لبنود المعاهدة الَّتي جعلتهم تحت رئاسته ، فقد جابهوه بقولهم: « يا محمد! لا يغرنَّك من نفسك أنَّك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً ، لا يعرفون القتال ، إنَّك لو قاتلتنا لعرفت: أنَّ نحن النَّاس ، وأنَّك لم تلقَ مثلنا[»138.]) وهكذا بدأت الأزمة تتفاعل؛ إذ لم يكن في جوابهم ما يشير إلى الالتزام ، والاحترام؛ بل على العكس؛ فإنََّّم قد أظهروا رُوحاً عدائيَّةً ، وتحديِّياً ، واستعلاءً ، واستعداداً للقتال ، فأنزل الله ـ سبحانه و تعالى ـ فيهم قوله تعا

عدد الصفحات ٣٥

كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فيِّ فِّئـَتـَينِّْ الْتـَقَتَا فِّئَةٌ تـُقَاتِّلُ فيِّ سَبِّيلِّ الِلَِّّّ وَأُخْرَى كَافِّرَةٌ يـَرَوْنـَهُمْ مِّثـْلَيْه مْ رَأْيَ الْعَينِّْ وَالِلَُّّ يـُؤَييِّدُ بِّنَصْرِّهِّ مَنْ يَشَاءُ إِّنَّ فيِّ ذَلِّكَ لَعِّبـْرَةً لأُُِّوليِّ الأَبْصَار [آل عمران: 12 ـ13.] 1 ـ الأسباب المباشرة للغزوة لمَّا انتصر المسلمون في بدرٍ ، وقال رسول الله (ص) لليهود ما قال؛ أضمرت بنو قينقاع نقض العهد الَّذي بينهم وبين المسلمين ، وأخذوا يتحيَّنون الفرصة السَّانحة لمناوشة المسلمين ، حتََّّ جاءتهم فرصتُهم الحقيرة الدَّنيئة؛ عندما جاءت امرأةٌ من العرب بجَِّلَبٍ 139]) وجلست إلى صائغٍ يهودييٍ ، فجعلوا يُريدونَّا على كَشْف وجهها ، فأبت ، فعمد الصَّائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلمَّا قامت انكشفت سَوْءَتهُا ، فضحكوا بها ، فصاحت ، فوثب رجلٌ من المسلمين على الصَّائغ فقتله ـ وكان يهوديايً ـ وشدَّت اليهود على المسلم ، فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون ، فوقع الشَّرُّ بينهم ، وبين بني قينقاع140.]) فحين علم رسول الله (ص) بذلك ، سار إليهم على رأس جيشٍ من المهاجرين ، والأنصار ، وذلك يوم السَّبت للنيِّصف من شوَّال من السَّنة الثَّانية للهجرة141]) حمزة بن عبد المطلب رضي عنه ، واستخلف (ص) على المدينة أبا لُبَابَةَ بن عبد المنذر العمري142])143]) أمره الله تعالى في قولهنَّ الِلََّّ لاَ يَُِّبُّ الخَْائِّنِّينَ [58.] 2 ـ ضرب الحصار عليهم وحين علم اليهود بمقدَمه (ص) ؛ تحصَّنوا في حصونَّم ، فحاصرهم النَّبُّ (ص) خُسَ عَشْرَةَ ليلةً ـ كما ذكر ابن هشام ـ144])واضطروا للنُّزول على حكمه (ص) ، فقد فاجأهم (ص) بأسلوب الحصار ، فأربكهم ، وأوقعهم في حيرةٍ من أمرهم؛ بعد أن قطع عنهم كلَّ مددٍ ، وجمَّد حركتهم ، فعاشوا في سجنٍ؛ ممَّا جعلهم في النيِّهاية ييأسون من المقاومة ، والصَّبر ، فبعد أن كانوا يهديِّدون رسول الله (ص) ، وبأنََّّم قوم يختلفون بأساً ، وشدَّةً عن مشركي قريش ، إذا بهم يضطرون للنُّزول على حكم رسول الله (ص 145]) فكانوا يكتَّفون أكتافاً ، واستعمل رسول الله (ص) على كتافهم المنذر بن قدامة السَّلمي الأوسي146.])

عدد الصفحات ٣٦

3 ـ مصير يهود بني قينقاع : حاول ابن سلول زعيم المنافقين أن يَلَّ حلفاءه مِّنْ وثاَقِّهِّم ، فعندما مرَّ عليهم قال: حُلُّوهم ، فقال المنذر: أتحلُّون قوماً ربطهم رسول الله (ص) ؟! والله لا يَلُّهم رجلٌ إلا ضَرَبْتُ عنقَه 147]) عبد الله بن أُبييِّ بن سلول أن يتراجع عن أمره ، ويلج أ إلى استصدار الأمر من النَّبيِّ (ص) بفكيِّ أسرهم 148]) قال: فأبطأ عليه رسول الله (ص) ، فقال: يا محمد! أحسن في مواليَّ ، قال: فأعرض عنه ، فأدخل ابن أُبييٍ يده في جيبِّ درعِّ رسولِّ الله (ص) ، فقال له رسول الله (ص) : «أرسل »وغضب رسول (ص) ، حتََّّ رأوا لوجهه ظُللاً 149])«ويَك! أرسل »، قال: لا والله ، لا أرسلك ح تحُسِّن في مواليَّ؛ أربعمئـة حاسرٍ 150])، تحصدهم في غـداة واحدة؟ إنييِّ والله امرؤ أخشى الدَّوائر! فقال رسول الله (ص) : «هم لك»[ في تاريخه2/480) ، والواقدي في مغازيه 1/177 ـ178) ، والبيهقي في الدلائل3/174) ، وابن هشام (3/51 ـ52([])151.]) فخلَّى رسولُ الله (ص) سبيلَهم، ثمَّ أمر بإج لائهم، وغنم رسول الله (ص) والمسلمون ما كان لديهم من مالٍ، وقد تولىَّ جمع أموالهم ، وإحصاءها محمَّد بن مسلمة رضي الله عنه 152]) سلول أن يَديِّث رسولَ الله (ص) في يهود بني قينقاع؛ لكي يُقرَّهم في ديارهم ، فوجد على باب رسول الله (ص) عُويم بن ساعدة الأنصاريَّ الأوسيَّ، فردَّه عويم، وقال: لا تدخل حتََّّ يأذن رسول الله (ص) لك، فدفعه ابن أُبييٍ، فغلَّظ عليه عويم، حتََّّ جَحَش 153]) الجدارُ، فسال الدَّم154.]) ويظهر في هذا الخبر ، فقه النَّبيِّ (ص) السيِّياسيُّ في تعامله مع ابن سل ول ، حيث لبََّ طلبه ، فلعلَّ هذا الموقف يغسل قلبه ، ويزيل الغشاوة عنه ، فتتمُّ هدايته ، فقال له: «هم لك»، ولعلَّ الَّذين يسيرون وراء زعامة ابن أُبييٍ يَصْلُحون بصلاحه ، فيتماسك الصَّفُّ ، ويلتحم؛ فلا يتأثر مِّنْ كيد أعداء الإسلام155.]) وهناك بُعدٌ اخر؛ ح يث حرص (ص) أن يتفادى حدوث فتنةٍ في مجتمع المؤمنين؛ حيث إنَّ بعض الأنصار حديثو عهدٍ بالإسلام ، ويخُشى أن يؤثيِّر فيهم رأس المنافقين عبد الله بن أبييٍ لسمعته الكبيرة فيهم156]) ،

عدد الصفحات ٣٧

وإظهاراً لحقيقة الرَّجل من خلال تصرُّفاته ، ومواقفه عند مَنْ يجهلها ، ومِّنْ ثمََّ يفرُّ النَّاس مِّنْ حوله ، و يتعاطفون معه ، وقد حقَّق هذا الأسلوب نجاحاً باهراً ، فقد ظهرت حقيقة ابن سلولٍ لجميع النَّاس؛ حتََّّ أقرب النَّاس إليه ، ومنهم ولده عبد الله ، فكانوا بعدها إذا تكلَّم؛ أسكتوه ، وتضايقوا من كلامه157]) 4 ـ تبرُّؤ عبادة بن الصَّامت منهم لمَّا نقضت العهدَ بنو قينقاع ، سار عُبادة بن الصَّامت أحد بني عوف ـ لهم من حلف بني قينقاع مثل الَّذي لهم من عبد الله بن أُبييٍ ـ لرسول الله (ص) ، وخلعهم إليه ، وتبرَّأ إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وإلى رسوله (ص) من حلفهم ، وقال: يا رسول الله! أتولىَّ الله ورسولَه (ص) ، والمؤمنين ، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفيار ، وولايتهم158.]) ولمَّا تقرَّر جلاء بني قينقاع ، أمر رسولُ(ص) عُبادة بن الصَّامت أن يجُليَهم ، فجعلت قينقاع تقول: يا أبا الوليد! من بين الأوس والخزرج ـ ونحن مواليك ـ فعلت هذا بنا؟ قال لهم عبادة: لمَّا حاربتم جئتُ رسولَ الله (ص) ، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنييِّ أبرأ إليك منهم، ومن حلفهم، وكان ابن أُبييٍ ، وعبادة بن الصَّامت منهم بمنزلةٍ واحدةٍ في الحلف ، فقال عبد الله بن أُبييٍ: تبرَّأتَ من حلف مواليك؟! ما هذا بيدهم عندك ، فذكَّره مواطن قد أبـْلَوْا فيها ، فقال عبادة: يا أبا الحُبَاب! تغيرَّت القلوب ، ومحا الإسلام العهود ، أما والله! إنك لمُعْصِّمٌ بأمرٍ سنرى غيَّه غداً ، فقالت قينقاع: يا محمد! إنَّ لنا دَيْناً في النَّاس ، قال النَّبُّ (ص) : «تعَجَّلوا ، وضعوا»وأخذهم عبادة بالرَّحيل ، والإجلاء ، وطلبوا التنفُّس ، فقال لهم: ولا ساعةً من نَّارٍ ، لكم ثلاث لا أزيد عليها ، هذا أمر رسول الله (ص) ، ولو كنت أن ما نفَّستكم ، فلمَّا مضت ثلاث ، خرج في اثارهم حتََّّ سلكوا إلى الشَّام ، وهو يقول: الشَّرف الأبعد ، الأقصى ، فالأقصى ، وبلغ خلف الذُّباب ثمَّ رجع ، ولحقوا بأذرعاتٍ159.]) وهكذا خرج بنو قينقاع من المدينة صاغرين ، قد ألقَوا سلاحَهم ، وتركوا أموالهم غنيمةً للمسلمين ، وهم كانوا من أشجع يهود المدينة ، وأشديِّهم بأساً ، وأكثرهم عدداً وعُـدَّةً ؛ ولذلك لاذت القبائل اليهوديَّـة بالصَّمت ، والهدوء ، فترةً من الزَّمن بعد هـذا العقاب الرَّادع ، وسيطـر الرُّعب على قلوبهـا ، وخُضِّدَتْ شوكتُها160.]) 5 ـ الايات الَّتي نزلت في موالاة ابن سلول لليهود ، وبراءة عُبادة بن الصَّامت منهم:

عدد الصفحات ٣٨

قال تعاوَمَنْ يـَتـَوَلهَُّمْ مِّنْكُمْ فَإِّنَّهُ مِّنـْهُمْ إِّنَّ الِلََّّ لاَ يـَهْدِّي الْقَوْ مَ الظَّالِّمِّينَ *فـَتـَرَى الَّذِّينَ فيِّ قـُلُوبهِِّّمْ مَرَضٌ يُسَارِّعُونَ فِّيهِّمْ يـَقُولُونَ نََْشَى أَنْ تُصِّيبـَنَا دَائِّرَةٌ فـَعَسَى الِلَُّّ أَنْ يأَْتيَِّ باِّلْفَتْحِّ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِّنْدِّهِّ فـَيُصْبِّحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فيِّ أَنـْفُسِّهِّمْ نَدِّمِّينَ *وَ يـَقُولُ الَّذِّينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِّ الَّذِّينَ أَقْسَمُوا باِّلِلَِّّّ جَهْدَ أَيمَْانَِِّّّمْ إِّنـَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِّطَتْ أَعْمَ الهُُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِّرِّينَ *ياَأَيـُّهَا الَّذِّينَ آمَنُوا مَنْ يـَرْتَدَّ مِّنْكُمْ عَنْ دِّينِّهِّ فَسَوْفَ يأَْتيِّ الِلَُّّ بِّقَ وْمٍ يَُِّبـُّهُمْ وَيَُِّبُّونَهُ أَذِّلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِّنِّينَ أَعِّزَّةٍ عَلَى الْكَافِّرِّينَ يجَُاهِّدُونَ فيِّ سَبِّيلِّ الِلَِّّّ وَلاَ يخََافُونَ لَوْمَةَ لاَئِّمٍ ذَلِّكَ فَضْلُ الِلَِّّّ يـُؤْتِّيهِّ مَنْ يَشَاءُ وَالِلَُّّ وَاسِّعٌ عَلِّيمٌ *إِّنمََّا وَلِّيُّكُمُ الِلَُّّ وَرَسُولُهُ وَالَّذِّينَ آمَنُوا الَّذِّينَ يُقِّيمُونَ الصَّلاَةَ وَيـُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِّعُونَ *وَمَنْ يـَتـَوَلَّ الِلََّّ وَرَسُولَهُ وَالَّذِّينَ آمَنُوا فَإِّنَّ حِّزْبَ الِلَِّّّ هُمُ الْغَالِّبُونَ [51 ـ56.] قال ابن عطيَّة في هذه الايات: لمَّا انقضت بدرٌ ، وشجر أمر بني قينقاع؛ أراد رسول الله (ص) قتلهم ، فقام دونَّم عبدُ الله بن أبييِّ بن سلول ـ وكان حليفاً لهم ـ وكان لعبادة بن الصَّامت من حلفهم مثل ما لعبد الله ، فلمَّا رأى عُبادة منزع رسول الله (ص) ، وما سلكتْه اليهود من المشاقَّة لله ، ولرسوله (ص) ؛ جاء إلى النَّبيِّ (ص) ، فقال: يا رسول الله! إنييِّ أبرأُ إلى الله من حلف يهود ، وولائهم ، ولا أُوالي إلا الله ، ورسولَه ، وقال عبدُ الله بن أُبييٍ: أما أن فلا أبرأ من ولاء يهود ، فإنييِّ لابدَّ لي منهم ، إنييِّ رجلٌ أخاف الدَّوائر161.]) إنَّ الفرق واضحٌ بين ابن سلول الَّذي انغمس في النيِّفاق ، وبين عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه الَّذي تربََّ على المنهاج النَّبوييِّ ، فَصَفَتْ نفسه ، وتطهَّر قلبُه ، وقوي إيمانه ، وتنوَّر عقله ، فتخلَّص من اثار العصبية الجاهليَّة ، والأهواء ، والمصالح الذَّاتية ، وقدم مصلحة الإسلام على كليِّ مصلحةٍ ، فكان مثلاً حيياً للمسلم الصَّادق المخلص لعقيدته162.]) ثالثاً: تصفية المُحَريِّضين على الدَّولة الإسلاميَّة ، ومقتل كعب بن الأشرف إنَّ خطر المحريِّضين على الفتنة لا يقلُّ عن خطر الَّذين يشهَرون السُّيوف لقتال المسلمين؛ إذ لولا هؤلاء المحريِّضون لما قامت الفتنة؛ لذلك أخذ رسولُ الله (ص) يتتبَّع هؤلاء المحريِّضين ، ويقتُلهم؛ إطفاءً لنار الفتنة ، وتمكيناً للحقيِّ ، وقد قَتل منهم خلقاً بعد موقعة بدرٍ 163]) أ ـ عصماء بنت مَرْوان: الَّتي كانت تحريِّض على النَّبي (ص) ، وتعيب الإسلام ، فقد أقدم عُمَيـْرُ بـنُ عدييٍ الخُطميُّ رضي الله عنـه على قتلها ، وحين سأل النَّبَّ(ص) بعد ذلـك عمَّا إذا كـان عليـه شيء ؟ قال له النَّبُّ (ص) : «نصرت الله ورسولـه يا عم »، ثمَّ قال«لا ينتطح فيها عنزان »[

عدد الصفحات ٣٩

البغداديريخه (13/99)، وكشف الخفاء 3137]) ، وجهر بالإسلام منهم مَنْ كـان يستخفي164.]) ب ـ مقتل أبي عفكٍ اليهوديي كان أبو عفك شيخاً كبيراً من بني عمرو بن عوف ، وكان يهوديايً ، يَُريِّض على رسول الله (ص) ويقول الشيِّعر ، فقال رسول الله (ص) : «من لي بهذا الخبيث؟»فخرج له الصَّحابيُّ سالم بن عُمَيرٍْ ، فقتله165.]) وأهمُّ حدثٍ في تصفية المحريِّضين على الدَّولة ما بين بدرٍ ، وأُحدٍ هو مقتل كعب بن الأشرف جـ مقتل كعب بن الأشرف: ينتسب كعب بن الأشرف إلى بني نـَبْهان من قبيلة طييِّ ء ، وكان أبـوه قد أصاب دماً في الجاهليَّة ، فقدم المدينة ، وحالف يهود بني النَّضير ، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق ، فولدت له كعباً166]) شاعراً، نصب الإسلام العداء، وقد غاظه انتصار المسلمين على قريشٍ في معركة بدرٍ، فسافر إلى مكَّةَ يهجو النَّبَّ (ص) ، ويَريِّض قريشاً على الثأر لقتلاهم ، الَّذين كان ينوح عليهم ، ويبكيهم في شعره ، ويدعو إلى القضاء على الرَّسول (ص) ، والمسلم167]) من الشيِّعر في قتلى بدرٍ من المشرك طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِّمُهْلَكِّ أَهْلِّهِّ وَلِّمثْلِّ بَدْرٍ تَسْتَهِّ لُّ وتدْمَعُ قُتِّلَتْ سُرَاةُ الناس حَوْلَ حِّيَاضِّهِّمْ لا تـَبـْعَدُوا إِّنَّ المُلُوكَ تُصَرَّعُ كَمْ قَدْ أُصِّيب بهَِّا من ابـْيَضَ مَاجِّدٍ ذِّي بهَجَةٍ تأْوِّي إِّلَيْهِّ الضُّيَّعُ ويـَقُولُ أَقـْوَامٌ أُذَل 168]) إنَّ ابنَ الأشْرَف ظَلكَعْباً يجَْزَعُ صَدَقُوا فـَلَيْتَ الأَرْضَ سَاعَةَ قـُتيِّلُوا ظَلَّتْ تَسُوْخُ بأَهْلِّهَا وتَصَدَّعُ نـُبيِّئْتُ أَنَّ بَنيِّ كِّنَانَةَ كُلَّهُمْ خَشَعُوا لِّقَوْلِّ أَبيِّ الولِّيْدِّ وَجُديِّعُوا 169]) واستمرَّ كعب بن الأشرف في أذيَّة رسول الله (ص) بالهجاء ، وتشجيع قريشٍ لمحاربة المسلمين ، واستغواهم على رسول الله (ص) ، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله، أدينُنا أحبُّ إلى الله أم دين محمَّدٍ ، وأصحابه؟ قال: أنتم أهدى منهم سبيلاً170]) رسول الله (ص) ، معلناً بعداوتهوهجائه171.])

عدد الصفحات ٤٠

ولمَّا قدم المدينة؛ أعلن معاداة النَّبيِّ (ص) ، وشرع في هجائه ، وبلغت به الوقاحة والصَّلَفُ172]) يمتدَّ لسانه إلى نساء المسلمين ، وشَبَّب بأميِّ الفضل بنت الحارث رضي الله عنها زوجة العبَّاس عميِّ النَّب (ص) ، فقال فيها: أَذَاهِّبٌ أَنْتَ لمَْ تحَْلُلْ بمَِّنـْقَبَةٍ وتاَرِّكٌ أَنْتَ أمَّ الفَضْلِّ بالحَرَمِّ صَفْرَاءُ رَادِّعَةٌ لَوْ تـُعْصَرُ انـْعَصَرتْ مِّنْ ذِّي القَوارِّيْرِّ والحِّنَّاء والكَتَم173]) إحْدَى بَنيِّ عَامِّرٍ هَامَ الفؤادُ بها وَلَوْ تَشَاءُ شَفَتْ كَعْباً مِّنَ السَّقَمِّ لمَْ أَ رَ شمَْسَاً بِّلَيْلٍ قـَبـْلَهَا طَلَعَتْ حَتََّّ تَـبَدَّتْ لَـنَا فيِّ لَيـْلَةِّ الظُّلَم 174]) 1 ـ حسَّان بن ثابت لابن الأشرف بالمرصاد كان رسولُ الله (ص) يَثُّ حسَّانً للتصديِّي لكعب بن الأشرف ، فكان (ص) يـُعْلِّم حسَّانً أين نزل ابن الأشرف في مكَّة؟ فعندما نزل على المطَّلب بن أبي وَدَاعة بن ضبيرة السَّهمي وزوجته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص ، فأبلغ (ص) حسَّان بن ثابت بذلك ، فهجاهم لإيوائهم ابن الأشرف ، فلمَّا بلغ عاتكة بنت أسيد هِّجَاءُ حسان ، نبذت رحل اليهودييِّ كعب بن الأشرف ، وقالت لزوجها: مالنا ولهذا اليهودييِّ؟ ألا ترى ما يصنع بنا حسَّان؟175.]) وتحوَّل كعب إلى أنسٍ اخرين ، وكان كلَّما تحوَّل إلى قومٍ ، دعا رسولُ الله (ص) حسانً ، وأخبره أين نزل ابن الأشرف ، فيهجو مَنْ نزل عندهم ، فيطردونه ، وظلَّ يلاحقه حتََّّ لفظه كلُّ بيتٍ هناك ، فعاد إلى المدينة را غماً بعد أن ضاقت في وجهه السُّبل ينتظر مصيره المحتوم ، وجزاءه الَّذي يستحقُّه176.]) كانت الحرب الإعلاميَّة التي شَنَّها حسَّان ضدَّ كعب بن الأشرف ، قد حققت أهدافها؛ وهذه بعض الأبيات الَّتي قالها حسَّان بن ثابت رضي الله عنه في الرديِّ على كعب بن الأشرف: أبَ ـكَى لِّكَعْبٍ ثمَُّ عُل 177]) مِّنْهُ وَعَاشَ مجَُدَّعَاً لاَ يَسْمَعُ؟ وَلَقَدْ رأَيْتُ بِّبَطْنِّ بَدْرٍ مِّنـْهُمُ قـَتـْلَى تَسُحُّ لهََا العُيُونُ وتَدْمَعُ فَابْكِّ فـَقَدْ أَبْكَيْتَ عَبْدَاً رَاضِّعاً شِّبْهَ الكُلَيْبِّ إِّلىَ الكُلَيْبةِّ يـَتـْ بَعُ وَلَقد شَفَى الرَّحمْنَ مِّنَّا سَييِّداً وأَهَانَ قـَوْماً قَاتـَلُوهُ وَصُريِّعُوا وَنجَا وأفـْلَتَ مِّنـْهُمُ مَنْ قـَلْبُه شَغِّفٌ يَظَلُّ لخَِّوْفِّهِّ يـَتَصَدَّعُ 178]) 2 ـ جزاء ابن الأشرف

عدد الصفحات ٤١

لقد قام اليهوديُّ ابن الأشرف بجرائمَ كثيرةٍ ، وخيانتٍ عديدةٍ ، وإساءاتٍ متعديِّدةٍ لرسول الله (ص) ، وللمسلمين ، والمسلمات القانتات العابدات ، وكلُّ جريمة من هذه الجرائم تـُعَدُّ نقضاً للعهد ، تستوجب عقوبة القتل ، فكيف إذا اجتمعت هذه الجرائم كلُّها في هذا اليهودييِّ الشيِّريِّير؟ 179.]) إنَّ ابن الأشرف بهجائه للنَّبيص) ، وإظهاره التَّعاطُفَ مع أعداء المسلمين ، ورثاءِّ قتلاهم ، وتحريضِّهم على المسلمين ، يكون قد نقض العهد ، وصار محارباً مهدورَ الدَّم؛ ولذلك 180]) النَّبُّ (ص) بقتله ، وقد فَصَّلَ البخاريُّ خبر مقتله ، فقد روى في صحيحه بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال رسول الله (ص) : «مَنْ لكعب بن الأشرف؛ فإنَّه قد اذى الله ورسوله؟ »، فقام محمَّد بن مسلمة ، فقال: يا رسول الله! أتحبُّ أن أقتله؟ قال: «نعم» قال: فائذن لي أن أقول شيئاً قال: «قل» فأتاه محمَّد بن مسلمة181])سألنا صدقةً، وإنَّه قد عَنَّان182]) قد أتيتك أستسلفُك ، قال: وأيضاً والله لَتَمَلُّنَّهُ! قال: إنَّ قد اتَّبعناه ، فلا نحبُّ أن ندعه حتََّّ ننظر إ أي شيء يصير شأنه ، وقد أردن أن تسلفنا وَسْقاً ، أو وَسْقَين. فقال: نعم ، أرهنوني. قالوا: أيُّ شيءٍ تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنُك نساءن ، وأنت أجمل العرب؟ قال: فأرهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءن ، فيُسَبُّ أحدُهم ، فيقال: رُهن بِّوَسْقٍ ، أو وَسْقَينِّْ! هذا عارٌ علينا ، ولكن نرهنك الَّلأْمَةَ ، قال سفيان: يعني: السيِّلاح. فواعده أن يأتيه ، فجاء ليلاً ، ومعه أبو نئلة ، وهو أخو كعب من الرَّضاعة ، فدعاهم إلى الحصن ، فنزل إليهم ، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه السَّاعة؟ فقال: إنما هو محمَّد بن مسلمة ، وأخي أبو نئلة. قالت: أسمع صوتاً كأنَّه يقطر منه الدَّم.

عدد الصفحات ٤٢

قال: إنمَّا هو أخي محمَّدبن مسلمة ، ورضيعي أبو نئلة ، إنَّ الكريم لو دُعي إلى طعنةٍ بليلٍ ، لأجاب. وجاء محمَّد بن مسلمة برجل183]) رأيتموني استمكنتُ من رأسـه ، فدونكُم ، فاضربـوه ، فنزل منهم متوشحاً ، وهو يـَنـْ فُحُ منه ريح الطيِّيب. قال: ما رأيت كاليوم ريَاً! ـ أي: أطيب ـ؛ أتأذن لي أن أشمَّ رأسك؟ قال: نعم! فشمَّه ، ثمَّ أشمَّ أصحابه ، ثمَّ قال: أتأذن لي؟ قال: نعم ، فلمَّا استمكن منه ، قال: دونكم؛ فقتلوه ، ثم أتَوا النَّبَّ (ص) ، فأخبروه (4037) ، ومسلم (1801.]) وجاء في السيِّيرة النَّبوية لابن هشام: أنَّ محمَّد بن مسلمة مكث ثلاثة أيام بعد أن استعد لقتل كعب بن الأشرف ، لا يأكل ، ولا يشرب إلاَّ ما يـُعْلِّقُ به نفسَه ، فذُكِّرَ ذلك لرسول الله (ص) ، فدعاه ، فقال له: «لمَِّ تركت الطَّعام والشَّراب؟» فقال: يا رس ول الله! قلت لك قولاً لا أدري: هل أَفِّينََّ لك به ، أم لا؟! فقال رسول الله (ص) : «إنمَّا عليك الجَهْد» فقال: لابدَّ لنا من أن نقول. قال«قولوا ما بدا لكم»[3/58.]) وجاء في السيِّيرة النَّبويَّة عن ابن إسحاق بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنه ما: أنَّ النب (ص) مشى معهم إلى بقيع الغرقد ، ثمَّ وجَّههم ، فقال: «انطلقوا على اسم الله ، اللَّهم أَعِّنْهم»[ (3/59.]) دروسٌ وعبرٌ * إنَّ في مقتل كعب بن الأشرف ، دروساً ، وعبراً ، وفوائد في فقه النَّبيِّ (ص) في تعامله مع خصوم الإسلام ، والدَّولة الإسلاميَّة ، فقد اتَّضح أنَّ عقوبة النَّاقض للعهد القتل ، وهذا ما حكم به النَّبُّ (ص) ، وعقوبة المُعَاهَدِّ الَّذي يَشْتُمُ الرَّسولَ (ص) ، ويؤذيه بهجاءٍ ، أو غيره هي القتل ، وهذا ما كان لابن الأشرف ، ويؤخذ من هذا: أنَّ شاتَ الرَّسول (ص) سواءٌ أكان معاهداً ، أو غيره ، تُضْرب عنقه عقوبةً له ، وقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميَّة في تفصيل هذه الأحكام ، في كتابه القييِّم: «الصارم المسلول على شاتَ الرَّسول (ص)»

عدد الصفحات ٤٣

* يؤخذ من طريقة تنفيذ حكم الرَّسول (ص) باليهودييِّ ابن الأشرف: أنَّ الحُكْمَ قد تقتضي المصلحة العامَّة للمسلمين أن يـُنـَفَّذ سرياً ، ويتأكَّد هذا؛ إن كان يترتَّب على تنفيذه بغير هذه الصُّورة السيِّريِّيَّة ، فتنةٌ ، أو خطرٌ قد يكليِّف المسلمين باهظاً184]) الإسلام ، ومحاربي الدَّولة الإسلاميَّة ، لا يقتصر على مواجهتهم في ميدان المعارك ، وإنمَّا يتعدَّى ذلك إلى كليِّ عملٍ تحصل به النيِّكاية بالأعداء؛ ما لم يكن إثماً ، وقد يوفيِّر القضاء على رجلٍ له دوره البارز في حرب المسلمين جهوداً كبيرة ، وخسائر فادحةً يتكبَّدها المسلمون. وهذا مشروطٌ بالأمن من الفتنة ، وذلك بأن يكون للمسلمين شوكةٌ ، وقوَّةٌ ، ودولةٌ ، بحيث لا يترتَّب على نوعيَّة هذا العمل فتكٌ بالمسلمين ، واجتثاث الدُّعاة من بلدانَّم ، وإفسادٌ في مجتمعاتهم 185 ]) ، وقد أخطأ بعض المسلمين في العالم الإسلامييِّ ، وتعجَّل الصيِّدام المسلَّح ، واستدلُّوا على ما ذهبوا إليه بمثل هذه الحادثة ، ولا حجَّة لهم فيها؛ لأنَّ ذلك كان بالمدينة ، وللمسلمين شوكةٌ ، ودولةٌ ، أمَّا هم فليس لهم دولةٌ ، ولا شوكةٌ ، ثمَّ إنَّ ذلك كان إعزازاً للديِّين ، وإرهاباً للكافرين ، وكانت كلُّها مصالح لا مفسدة معها ، أمَّا ما يَدث في فترات الاستضعاف من هذه الحوادث ، فإنََّّا يعقبها من الشَّريِّ ، والفساد ، واستباحة دماء المسلمين ، وأعراضهم ، وأموالهم ما لا يخفى على بصيرٍ186.]) إنَّ النَّبَّ (ص) لم يقم بمحاولة تصفيةٍ لأييِّ أحدٍ من المشركين في مكَّة؛ مع القدرة على قتل زعماء الشيِّرك كأبي جهلٍ، وأميَّـة بـن خلف ، وعتبـة ، ولو أشار إلى حمزةَ ، أو عمرَ بذلـك ، أو غيرهم من الصَّحابـة ، لقاموا بتنفيذ ذلك ، ولكنَّ الهدي النَّبويَّ الكريم ، يعليِّمنا: أنَّ فقه قتل زعماء الكفر يَتاج إلى شوكةٍ ، وقوَّةٍ ، كما أنَّ هذا الفقه يَتاج إلى فتوى صحيحةٍ من أهلها، واستيعاب فقه المصالح، والمفاسد ، وهذا يَتاج إلى علماءَ راسخين؛ حيث تتشابك المصالح في عصرن ، وحيث للرَّأي العام دوره الكبير في قرارات الدُّول ، وحيث احتمالات توسُّع الأضرار187.]) * ونلحظ قيمة الكلمة عند الصَّحابة رضي الله عنهم ، في موقف محمَّد بن مسلمة رضيعنه ، بعد أن أعطى كلمة لرسول الله (ص) ، يتعهَّد فيها بقتل اليهودي ابن الأشرف ، ثمَّ إبطاؤه في ذلك؛ أعيته الحيلة بقيام صعوباتٍ في سبيل تحقيق ما وعد ، حيث امتنع عن الطَّعام ، والشَّراب ، وأصابه الغمُّ ، والحزن ، لأنَّه قال قولاً يخشى ألاَّ يستطيع الوفاء به. ونلاحظ في مجتمعاتنا المعاصرة: أنَّ كثيراً من النَّاس يعطون عهوداً ، ومواثيق ، ولا يقديِّرون قيمتها ، ويخفِّرون ذمَّتهم ،

عدد الصفحات ٤٤

ويتراجعون عن عهودهم ، ومواثيقهم ، وتبقى حِّبرْاً على ور قٍ ، فهؤلاء ليسوا أصحاب مبادأى ، ومواقف يـُبـْتـَغَى بها وجه الله؛ بل هم أصحاب مصالح ، ومنافع ، يخُشى عليهم أن يعبدوها من دون الله. إنَّ أصحاب الدَّعوات ، يؤثِّرون أن تندقَّ أعناقهم ، وأن تَضْوَى188]) على أن يتراجعوا عن كلماتهم و عهودهم ومواثيقهم؛ يستعذبون الموت والعذاب في سبيل عقائدهم وإسلامهم189.]) * في قول رسول الله (ص «إنمَّا عليك الجَهْدُ»[190]) النصر لا يأتي إلا بعد بذل الجَهْدِّ ، والصَّبر عند الابتلاء ، قال تعا أَنـْبَاءِّ الْغَيْبِّ نُوحِّيهَا إِّلَيْكَ مَا كُنْتَ تـَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قـَوْمُكَ مِّنْ قـَبْلِّ هَذَا فَاصْبرِّْ إِّنَّ الْعَاقِّبَةَ لِّلْمُتَّقِّينَ [49.] وعلى المسلم أن يـُفَريِّغ كلَّ ما في وُسْعِّهِّ؛ من جهدٍ فكرييٍ ، وطاقةٍ جسميَّةٍ في سبيل تحقيق ما وعد ، ثمَّ يتوكَّل على الله بعد ذلك في النتائج191.]) * وفي قوله (ص«قولوا ما بدا لكم»[192]) في الأحوال العاديَّة كفرٌ ، ومِّنْ هنا تعرفُ: أنَّه مِّنْ أجل تحقيق المهاميِّ العسكريَّة ، فلا حدود للكلام الَّذي يقال؛ ولكن تأتي هنا مسألةٌ أخرى ، وهي ما إذا كان النَّجاح في المهاميِّ العسكرية يقتضي أفعالاً لا تجوز ، أو يقتضي ترك فرائض؛ فما العمل؟ المعروف: أنَّه ليس هناك من الذُّنوب أعظم من الكفر ، والشرك ، فإذا جاز التَّظاهر بالكفر لذلك ، فمن باب أولى جواز غير ه ، على أن يتأكَّد طريقاً للوصول إلى الهدف ، أو يغلب الظَّنُّ على ذلك ، على أن يقتصر فيه على الحديِّ الَّذي لابدَّ منه ، سواءٌ أكانت الوسيلة تأخير فريضةٍ ، أم ارتكاب محظورٍ؛ على أنَّ هذا ، وهذا مقيَّدانِّ بالفتوى، فهناك محظوراتٌ لا يصحُّ فعلُها بحالٍ، كالزيِّ نى، والليِّواط193.]) هناك بعض القضايا تحتاج لأهل الفتوى المؤهَّلين لأن يفتوا فيها ، خصوصاً في الظُّروف الاستثنائيَّة ، والحالات الاضطراريَّة ، وفي المحكات السيِّياسيَّة ، والعسكريَّة؛ لأنََّّا تحتاج إلى الموازنت ، والفتاوى الاستثنائيَّة؛ الَّتي لا يستطيعها كلُّ إنسانٍ ، فالأحكام الأصليَّة ليست مجهولةً ، وإنمَّا الأحكام الاستثنائيَّة الَّتي تقتضيها الظُّروف الاستثنائيَّة تحتاج إلى علماءَ ربانييِّين ، وفقهاءَ راسخين ، لهم القدرة على فهم مقاصد الشَّريعة ، وواقعهم الَّذي يعيشون فيه194.]) * وفي قوله (ص«قولوا ما بدا لكم»فقهٌ عظيمٌ يوضيِّحه قوله (ص«الحرب خَدْعَةٌ»[ (3029) ، ومسلم1740([])195.])

عدد الصفحات ٤٥

* قوله (ص«انطلقوا على اسم الله ، اللهم أَعِّنْهم»[ الجهاد«انطلقوا على اسم»والدُّعاء لهم بالتَّوفيق ، والعون: «اللَّهم أعنهم»كلُّ ذلك كان حافزاً على الثَّبات ورافعاً للمعنوياَّت ، فلم يعبؤوا بقوَّة ابن الأشرف ، ومَنْ حوله من النَّاس؛ لأنََّّم استشعروا معيَّة الله لهم ، ودعاء الرَّسول (ص) ربَّه بإعانتهم ، وتحقيق مسعاهم. ونلحظ في الهدي النَّبوييِّ الأخذ بجميع الأسباب الماديِّيَّة ، والتَّخطيط السَّديد ، ولا يُنسى جانب الدُّعاء النَّبوييِّ الكريم ، فإنَّم لم يغفلوا الأسباب الموصلة بهم إلى نجاح مقصودهم؛ لأنَّ المسلم مأمورٌ بالجمع بين التوكُّل على الله تعالى ، والأخذ بالأسباب الَّتي شرعها الله سبحانه196]) كانت خطَّة محمَّد بن مسلمة مع إخوانه محكمةً ، وأتقنوا فقه سنَّة الأخذ بالأسباب ، فقد كانت الأسباب الَّتي ساعدت على نجاح الخطَّة ، كالتالي: ـ إنَّ أبا نئلةَ كان أخاه من الرَّضاعة ، وهو يطمئنُّ إليه ، ولا يتوجَّس منه خيفةً. ـ وفي بعض الريِّوايات: طمأن أبو نئلة كعبَ بن الأشرف ، وأدخل الأنس إلى قلبه بمناشدته في الشيِّعر قبل أن يَديِّثه عن حاجته. ـ ولم يَديِّثه عن حاجته حتَّ أخرج كعباً من حصنه ، وظلُّوا يتحدَّثون ساعةً ، حتََّّ اطمأنَّ إليهم ، وكان ذلك من سبل التَّوفيق ، ولو بقي أولئك هناك لربما كشف الأمر؛ فحديثُهم معه على انفرادٍ كان في غاية التوفيق. ـ تظاهرهم بالنَّيل ، والتَّبرُّم ، والتَّظلُّم من الرَّسول (ص) طمأن كعب بن الأشرف. ـ فكرة رهن السيِّلاح كانت في غاية التَّوفيق ، حتََّّ يكون اصطحابهم للسيِّلاح غيرَ مريبٍ ، ولا يبعث على الريِّيبة؛ ذلك لأنََّّم أحضروا ما سير هنونه إلى كعب ، وفي الوقت نفسه يستطيعون أن يستخدموا هذا السيِّلاح في أي وقت التقوا به فيه. ـ أخذ الموعد من كعب بن الأشرف كان إحكاماً في الخطَّة؛ بحيث يتسنىَّ لهم في أييِّ وقتٍ من اللَّيل أن يأتوه ، ويطرقوا عليه الباب؛ دون أن يشكَّ فيهم ، وفي نيَّتهم. ـ اطمئنانُ ابن الأشرف إلى أبي نئلة ، ومحمَّد بن مسلمة جعله يخرج في وقتٍ لا يخرج فيه الإنسان من بيته عادةً؛ تحسُّباً لقتال عدويٍ على حين غِّرَّة ، وغفلةٍ197.]) ـ إن خطَّة إبعاد ابن الأشرف عن بيته ، إلى مكانٍ يخلو به فيه دون رقيبٍ ، أو نصيرٍ كانت موفَّقةً

عدد الصفحات ٤٦

ـ استدراج أبي نئلة لابن الأشرف ، وشمُّه طيب رأسه ، وإمساكُه بشَعْرِّهِّ ليشمَّه ، كان موفقاً ، وتـَقْدِّمَةً ليمسك بهذا الرَّأس الخبيث ، ويتمكَّن منه ، لتكون الفرصةُ سانحةً لتنفيذ حكم الله في هذا اليهودييِّ اللَّع198.]) ـ وتظهر قدرة الصَّحابة الفائقة في الحفاظ على السيِّريِّيَّة ، وذلك في كتمان هذه الخطَّة مع كثرة مَنْ في المدينة من اليهود ، والمنافقين ، ومع تأخُّر تنفيذها ، وكون النَّبيِّ (ص) عرض هذا الأمر في مشهدٍ من الصحابة ، وجرت فيه مشورةٌ ، وهذا دليلٌ على قوة إيمان هؤلاء الصَّحابة ، وإخلاصهم لدينهم199.]) وقام هؤلاء المغاوير 200]) ، ورسول الله (ص) معهم بإحساسه الكبير ، ومشاعره الفيَّاضة ، فقد كانوا يقومون بتنفيذ العمليَّة بعقولهم ، وأجسامهم ، ورسولُ الله (ص) يتولىَّ قيادتها العلي ا بالاتيِّصال بالله تعالى ، ودعائه لهم بالنَّصر والإعانة201.]) 3 ـ أثر مقتل اليهودي ابن الأشرف على اليهود انتشر خبر مقتل ابن الأشرف في المدينة ، فأسرع أحبار اليهود إلى رسول الله (ص) يشتكون ويَتجُّون على ما فعله أصحابـه ، فلم يََْفَلِّ النَّبُّ (ص) بهم ؛ بل أكَّد مقتله ، الَّذي كان نتيجةً حتميَّةً لموقفه المعادي ، وقد أوقعت هذه الحادثة الرُّعب في نفوس اليهود جميعهم ، فلم يعد أحدٌ من عظمائهم يجرؤ على الخروج من حصنه ، كما لم يعد أحدٌ من يهود المدينة إلا ويخاف على نفسه من المسلم202])يد المعاهدة ، وكان لمقتل كعب بن الأشرف أثرٌ عميقٌ في نفوسهم ، فمضوا يكيدون للإسلام ـ كما سيتبينَّ من الأحداث ـ وَمِّنَ الجدير بالـذيِّكر أنَّ الرسول (ص) لم يؤاخـذ بني النَّضيـر بجَرِّيرَة203]) وجدَّد المعاهدة معهم[204]) هو زجرهم ، وإرهابهم ، وقتل أهل الفتَ فيهم ، ومطاردتهم؛ لأنََّّم أهل شرورٍ ، لا يتخلَّصون منها ، و يتوقَّفون عنها205.]) رابعاً: بعض المناسبات الاجتماعيَّة أ ـ زواج النَّبيِّ (ص) بحفصةَ بنت عمر:

عدد الصفحات ٤٧

قال عمر رضي الله عنه حين تأيمَّت206]) من أصحاب رسول الله (ص) ، فتوفي بالمدينة ـ «أتيتُ عثمانَ بن عفَّان ، فعرضت عليه حفصةَ بنتَ عمر ، فقال: سأنظر في أمري ، فلبثتُ لياليَ ، ثمَّ لقيني فقال: قد بدا لي ألاَّ أتزوجَ يومي هذا. قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصيِّديِّيقَ ، فقلتُ: إن شئتَ زوجتُك حفصةَ بنت عمرَ ، فصمت أبو بكرٍ الصيِّديِّيـق ، فلم يرجع إليَّ شيئـاً ، وكنت أوجدَ عليـه منييِّ على عثمان. فلبثتُ لياليَ ، ثمَّ خطبها رسولُ الله (ص) ، فأنكحتُها إياَّه ، فلقيني أبو بكرٍ ، فقال: لعلَّك وجدت عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة ، فلم أرجع إليك شيئاً؟ قال عمرُ: قلتُ: نعم ، قال أبو بكر: فإنَّه لم يمنعْني أن أَرْجِّعَ إليك فيما عرضتَ عليَّ ، إلا أنييِّ كنتُ علمتُ: أنَّ رسولَ الله (ص) قد ذكرها ، فلم أكن لأ فشيَ سرَّ رسولِّ الله (ص) ، ولو تركها رسولُ الله (ص) ؛ قبلتُها»[5122) ، والبيهقي في الدلائل3/158.]) ب ـ زواج علييٍ رضي الله عنه بفاطمةَ رضي الله عنها قال عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: خُطِّبَتْ فَاطِّمَةُ إلى رسول الله (ص) ، فقالت مولاةٌ لي: هل علمت: أنَّ فاطمة قد خُطِّبَتْ إلى رسول الله (ص) ؟ قلت: لا! قالت: فقد خُطِّبَتْ فما يمنعك أن تأتيَ رسولَ الله (ص) ، فيزوجَك ، فقلت: وعندي شيءٌ أتزوَّج به! فقالت: إنَّك إن جئت رسول الله (ص) ؛ زَوَّجَكَ. قال: فوالله ما زالت ترجيني حتََّّ دخلتُ على رسول الله ( ص) ، فلمَّا أن قعدتُ بين يديه؛ أفحمت ، فوالله ما استطعت أن أتكلَّم جلالةً وهيبةً. فقال رسول الله (ص) : «ما جاء بك؟ ألك حاجة؟ »فسكتُّ ، فقال «لعلك جئت تخطب فاطمة؟»فقلت: نعم! فقال«وهل عندك من شيءٍ تستحلُّها به؟ »فقلت: لا والله يا رسول فقال: «ما فعلت دِّرْعٌ سَلَّحْتُكَها؟ فوالذي نفس علييٍ بيده! إنََّّا لحَُطَمِّيَّةٌ 207]) دراهم »، فقلت: عندي ، فقال «قد زوجتُكها ، فابعث إليها بها ، فاستحلَّها بها »فإنََّّا كانت لَصَداقُ فاطمةَ بنتِّ رسول الله (ص 3/160([])208]) جهَّز رسول (ص) فاطمة في خَُِّيلٍ209])210])211]) عنها212.])

عدد الصفحات ٤٨

وهكذا كانت حياتهم في غاية البساطة بعيدةً عن التعقيد ، وهي إلى شظف العيش أقرب منها إ رغده 213])يدة فاطمة ، وتعبها ، وموقف رسول الله (ص) منها عندما طلبت إليه أن يعطيها خادماً من السَّبْ ، فقد جاء في مسند الإمام أحمد: «قال عليٌّ لفاطمةَ ذات يومٍ: والله! لقد سَنـَوْتُ 214]) فاذهب ، فاستخدميه215 ])، فقالت: أن والله قد طحَنْتُ حتََّّ مجلت يدي 216]) (ص) فقال«ما جاء بك أيْ بُـنَـيَّة؟»قالت: جئت لأسليِّم عليك ، واسْتَحْيَتْ أن تسأله ، ورجعت ، فقال: ما فعلتِّ؟ قالت: اسْتَحْيـَيْتُ أن أسأله ، فأتينا جميعاً ، فقال عليٌّ: يا رسول الله! والله ! لقد سنوتُ حتََّّ اشتكيتُ صدري ، وقالت فاطمة: قد طحنتُ حتََّّ مجلت يداي ، وقد جاءك الله بسبٍ ، وسعةٍ ، فأخدمنا ، فقال رسول الله (ص) : «والله! لا أُعْطيكما ، وأدعُ أهلَ الصُّفة تطوى217])نَّم»، فرجعا ، فأتاها النَّبُّ (ص) ؛ وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطت رؤوسهما ، تكشفت أقدامُهما، وإذا غطَّيا أقدامهما؛ تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: «مكانكما»، ثمَّ قال«ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ » قالا: بلى! فقال«كلماتٌ علَّمنيهنَّ جبريلُ عليه السلام ، فقال: «تُسَبيِّحَانِّ في دبر كليِّ صلاةٍ عشراً ، وتحمدان عشراً ، وتكبران عشراً ، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين ، وكبريِّا أربعاً وثلاثين »[1/106 ـ107([])218.]) وهكذا كان الهدي النَّبويُّ في تربية أهل بيته ، وأقرئه ، فلقد أخفقت مساعي السَّيدة فاطمة ، وعلييٍ رضي الله عنهما للحصول على خادم؛ لأنَّ السَّبَْ يريد ـ عليه الصَّلاة والسلام ـ أن يبيعه ، وينفق ثمنه على أهل الصُّفَّة؛ الَّذين يتلوَّون من الجوع ، فهم أيضاً من خاصَّة رسول الله (ص) مثل علييٍ، وفاطمة، والطَّعام مقدَّم على الخدمة219]) بالفتَّ عليي، فيصبح خليفةَ المسلمين، فإذا به من اثار هذه التربية يترفَّع عن الدُّنيا وزخارفها، وبيده كنوز الأرض ، وخيراتها؛ لأن ذكر الله يملأ قلبه ، ويغمر و جوده ، ولقد حافظ على وصيَّة رسول الله (ص) له ، وقد حدَّثنا عن ذلك ، فقال: فوالله ما تركتهُنَّ منذ علَّمنيهنَّ ، فسأله أحد أصحابه: ولا ليلة صفين؟! فقال: ولا ليلة صفي220!])

عدد الصفحات ٤٩