وهذه الغزوة تعتبر من أكبر الغزوات التأديبيَّة الَّتي قادها رسول الله (ص) بنفسه ضدَّ أعراب نجد بعد غزوة الأحزاب ، وبني قريظة ، وقبل غزوة خي 1112]) قـَرَد لتأديب المشركين ، فنجت بعض هذه السَّرايا ، وتعثر بعضُها الاخر ، وكان أبرزها سريـة عكَّاشـة بن محصن الأسـدييِّ؛ التي عُرفت بسريَّة الغَمْر1113]) سنة ستيٍ من الهجرة ، إلى بني أسد ، فوصلت إلـى موضعٍ يقال لـه: الغَمْر ، فوجدت القوم قد هربوا ، وتفرَّقوا في الجبال القريبـة ، فأغار عكَّاشـة ، وأصحابه على نعمٍ لهم ، فغنموا مئتي بعير ، وعادوا إلى المدينة1114.]) ومن أبرزها أيضاً سريَّة محمَّد بن مسلمة الأنصارييِّ إلى ذي القَصَّة 1115]) وعُوال ، ومنعهم من الإغارة على سرح المدينة ، وفي شهر ربيع الثَّاني سنة ستيٍ من الهجرة خرج محمَّد بن مسلمة في عشرةٍ من المسلمين حتََّّ وردوا عليهم ليلاً ، فأحدق بهم القوم وهم مئة رجل ، فتراموا ساعةً من الليل ، ثمَّ حملت عليهم الأعراب بالريِّماح فقتلوهم ، ووقع محمَّد بن مسلمة جريَاً ، ولم يتمكَّن من العودة إلا بعد أن مرَّ به رجلٌ من المسلمين ، فحمله حتََّّ ورد به المدينة 1116.]) وعلى الأثر بعث رسول الله (ص) أبا عبيدة عامر بن الجراح في أربعين رجلاً إلى منازلهم ، فلم يجدوا أحداً ، ولكنَّهم غنموا بعض نعمهم ، فساقوها ، وعادوا بها إلى المدينة1117.]) وفي شهر جمُادى الأولى من السَّنة نفسها كانت سريَّة زيد بن حارثة الثَّانية إلى العيص 1118 في ]) سبعين ومئة راكب؛ لاعتراض قافلةٍ لقريش كانت مقبلةً من الشَّام ، فأدركها ، وأخذها ، وما فيها ، وأسر بعض أفرادها ، كان منهم أبو العاص بن الرَّبيع زوج زينب بنت رسول الله (ص) ، وأمُّه هالة بنت خويلد أخت خديجة زوجة رسول الله (ص) ، والمغيرة بن معاوية بن أبي العاص 1119]) سنة ستيٍ من الهجرة خرجت سريَّةٌ بقيادة علييِّ بن أبي طالبٍ لتأديب بني سعد بن بكر الَّذين جمعوا النَّاس لإمداد يهود خيبر ، وقد بعثه رسول الله (ص) في مئةٍ من المسلمين ، فأغار عليهم ، وغنم بعض نـَعَمِّهم ، وعاد بها إلى المدينة1120.]) كانت هذه السَّريَّة تأديباً لكليِّ مَنْ تُسَويِّل له نفسه مساعدة اليهود في بغيهم المتوقع ، حيث علمت تلك القبائل: أنَّ عين المدينة يقظة لكليِّ ما يدور حولها ، وأنَّ جميع التَّح رُّكات كانت تحت المراقبة 1121]) الحربيُّ السَّليم ، وذلك بقطع الطَّريق على تجمُّع الأعداد الكبيرة حتََّّ بالإمدادات الصَّغيرة 1122.])
عدد الصفحات ٢٤٢إنَّ حركة السَّرايا ، والبعوث الَّـتي كان يقودها رسول الله (ص) ترشـد المسلمين إلى أهيِّية متابعة أخبار الأعداء ، وجمع المعلومات عنهم ، فقد كانت المعلومات تتجمَّع عند رسول الله (ص) من مصادر متعديِّدة: سراياه الاستطلاعيَّة ، المسلمين المتخـفيِّين المتعاطفين مع المسلمين ، المعاهدين ، الفراسة واستكشاف ما وراء السُّطور ، المهم: أنَّ رسول الله (ص) ما كان يفاجأ بتامرٍ داخلييٍ ، أو تهديدٍ خارجييٍ ، وهذا يجعل المسلمين في عصرن أمام قضيَّةٍ يجب أن يعطوها كامل الاعتبار ، مع ملاحظة الضَّوابط الشَّرعية1123.]) خامساً: سرية كُرْز بن جابر الفهري إلى العُرنيي قدِّم على رسول الله (ص) جماعةٌ من عُكَل 1124])1125]) الـسَّـادس الهجـري1126]) أهل ريف ، واستوخُوا المدينة ، فأمر لهم رسول الله (ص) بذودٍ1127])عٍ ، وأمرهم أن يخرجوا فيه ، فيشربوا من ألبانَّا ، ويتمسَّحوا بأبوالها ، فانطلقـوا حتََّّ إذا كانوا نحيـة الحَرَّة؛ كفـروا بعـد إسلامهم ، وقتلوا راعيَ النَّبيِّ (ص) ، واستـاقوا الـذَّود ، فبلغ النَّبَّ (ص) خبرُهم ، فبعث الطَّلب في اثارهم 1128])يهم ، فأمر بهم ، فسملوا أعينهـم ، وقطعـوا أيديهم ، وأرجلهم ، وتُركوا في نحية الحرَّة حتََّّ ماتوا على حالهم. قال قتادة راوي الحديث: بلغنا: أنَّ النب (ص) بعد ذلك كان يَثُّ على الصَّدقة ، وينهى عن المُثـْلَة 4192([])1129.]) وقال أبو قلابة في حديثه« :هؤلاء قومٌ سرقوا ، وقتلوا ، وكفروا بعد إيمانَّم ، وحاربوا الله ورسولَه (ص [»1130.]) قال الجمهور: إنَّ الاية يـُقَتـَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تـُقَطَّعَ أَيْدِّيهِّمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِّنْ خِّلاَفٍ أَوْ يـُنـْفَوْا مِّنَ الأَرْضِّ ذَلِّكَ لهَُمْ خِّزْيٌ فيِّ الدُّنـْيَا وَلهَُمْ فيِّ الآخِّرَةِّ عَذَابٌ عَظِّيمٌ [33]1131]) وقيلت أسباب أخرى في نزولها 1132.]) وعلى كليِّ حالٍ فا لعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ، فهذا الحكم باقٍ حتََّّ يومنا هذا ، وأدلُّ دليلٍ على ذلك ما أجمع عليه المسلمون من وجود حكم الحرابة في الإسلام ، سواء كانت الاية نزلت في الكفَّار ، أم في المسلمين ، وهذه الاية نزلةٌ في المشركين ، كما في البخارييِّ ، فدلَّ ذلك على أنَّ العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
عدد الصفحات ٢٤٣وكون المُثـْلَة منسوخةً ، أو منهياً عنها ، وأنَّ النَّبَّ (ص) سمل أعين العُرنييِّين لا يستدلُّ بـه في هذه القضيَّة ؛ لكون العُرنييِّين سملوا أعين الرُّعـاة ، فصار سمل النَّبيِّ (ص) لهم قصاصاً لا مُثـْلَةً(1133.]) إنَّ حادثة العُرَنييِّين ترتَّب عليها تنفيذ حكم الحرابة ، ونزول اياتٍ بيناتٍ في هذا الحكم ، فقد حصر المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ جزاء المحاربين في أربعة أمورٍ ، وكان ذلك الحصر بأقوى أدوات الحصر ، ثمَّ إنَّه وصف هؤلاء المحاربين بأوصافٍ يشمئزُّ منها كلُّ عا قل ، ذلك أنَّه وصفهم بأنَّم حاربوا الله تعالى ، ورسوله (ص) ، وأنََّّم يريدون إفساد الأرض بتخويف سكَّانَّا ، وتقتيلهم ، وسلبهم ، ونَّب ممتلكاتهم ظلماً ، وجوراً لا مستند لهم ، ولا باعث إلا الإفساد ، والطُّغيان ، فكانت رحمةُ الله تعالى الرَّحيم بهم وبغيرهم مِّنْ خ لقه مقتضيةً الحكم عليهم بواحدٍ من أمورٍ أربعةٍ ، وهي: القتل ، أو الصَّلب ، أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف ، أو الإبعاد عن مخالطة العامَّة وعزلهم عنها بالنَّفي والتَّغريب؛ حتََّّ لا تتكرَّر منهم تلك الجرائم الشَّنيعة ، وحتَّ يرتدع غيرُهم عن ارتكاب مثل هذا الجر م الشَّنيع ، ولكي يطهيِّرَهم ما يوقع بهم من عقابٍ من الذُّنوب ، والاثام؛ إن هم تابوا ، ورجعوا إلى رشدهم ، وصوابهم. ثمَّ إنَّ هؤلاء لهم ذِّلَّـةٌ ، ومهانةٌ في الحياة الدُّنيا لأذيَّتهم المسلمين ، وقد علَّل تعالى لحوق تلك الرَّذيلة بهم مدَّة الحياة الدُّنيا بسبب ما اقترفوه من جريمة الحرابة ، وباقيةٌ معهم إلى يوم القيامة؛ لكون الرَّب جلَّ وعلا أعدَّ لهؤلاء في الاخرة عذاباً عظيماً. ثمَّ استثنى جلَّ وعلا من هؤلاء مَنْ أنب إليه ، ورجع في أسلوبٍ حكيم مؤثيِّرٍ داعٍ إلى رجوعهم ، وتوبتهم من هذه الجريمة المنكرة ، فلقد ع فا عنهم تعالى إذا ما رجعوا وجاؤوا تائبين قبل القدرة عليهم؛ لكون تلك التَّوبة مظنَّةً لصدقهم في توبتهم ، ورجوعهم عن غييِّهم؛ لأنََّّم رجعوا قبل القدرة عليهم. وبتقييد العفو عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم يفهم: أنََّّم إن قدر عليهم قبل التَّوبة؛ لا ينالون من العفو ما ينالونه لو تابوا قبل القدرة عليهم ، وهذا نوعٌ من العلاج في غاية الدقَّة ، والإنصاف ، وفيه من الحفز على التَّقليل من هذه الجريمة ، وتركها ما لا يخفى على ذي عقلٍ لبيب. وكذلك الشَّأن في جميع أساليب القران الكريم العلاجيَّة ، كلُّها توافق الذَّوق السَّليم ، والعقل الرَّاجح المتَّزن المتمتيِّع بصفاء الفطرة السَّليمة. ثمَّ ختم تعالى الايتين الكريمتين بأنَّه غفورٌ رحيمٌ لمن تاب منهم ، وأصلح ، فلا يقنط أحدٌ من رحمته الواسعة ، ولا يَول بين العبد ورحمة ربيِّه ، ومغفرته عظيمُ ذنبه ، وجسيم خطئه ، ما لم يقارف شِّرْكاً . وفي
عدد الصفحات ٢٤٤الجملة فقد عالجت الايات القرانيَّة الحرابة في المجتمع الإسلامييِّ علاجاً لا مزيد عليه ، وذلك واضحٌ ممَّا يلي: 1 ـ وصف المحارِّب بأنَّه محاربٌ لله تعالى ، ولرسوله (ص 2 ـ عظم الجزاء المترتيِّب على الحَرابة أيَّـاً كان هو 3 ـ مكانتُه الدَّنيئة في الدنيا ، والاخرة؛ إن لم يتب. 4 ـ يظهر علاج القران الكريم لهذه الجريمة الشَّنعاء بفتحه باب التَّوبة لمتعاطيها على مصراعيه؛ ح يكون سدُّه في وجهه حافزاً له على التَّمادي في جرمه ، والاستمرار في عتـُويِّه1134.]) قال تعارِّبُونَ الِلََّّ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فيِّ الأَرْضِّ فَسَادًا أَنْ يـُقَتـَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تـُقَطَّعَ أَيْدِّيهِّمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِّنْ خِّلاَفٍ أَوْ يـُنـْفَوْا مِّنَ الأَرْضِّ ذَلِّكَ لهَُمْ خِّزْيٌ فيِّ الدُّنـْيَا وَلهَُمْ فيِّ الآخِّرَةِّ عَذَابٌ عَظِّيمٌ *إِّلاَّ الَّذِّينَ تاَبُوا مِّنْ قـَبْلِّ أَنْ تـَقْدِّرُوا عَلَيْهِّمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الِلََّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ [33 ـ34.] وهكـذا كانت حركـة بنـاء المجتمـع ، وإقامـة الدَّولـة متشابكـةً فـي قضاياهـا العسكريَّة ، والسيِّياسيَّة ، والاجتماعيَّـة ، والأخلاقيَّـة ، والاقتصاديَّـة. * * * المبحث الثَّالث تصفية المحريِّضين على الدَّولة أولاً: سرية عبد الله بن عتيك لقتل سلاَّم بن أبي الحُقيْق: كان أبو رافع سلاَّم بن أبي الحُقَيْق من يهود بني النَّضير كثير التَّحريض على الدَّولة الإسلاميَّة ، حتََّّ إنَّه جعل لغطفان ومن حوله من قبائل مشركي العرب الجعل العظيم إن هي قامت لحرب رسول الله (ص) ، وشاع أمر أبي رافعٍ ، وانتشر ، وكان ممَّن ألَّب الأحزاب على رسول الله (ص) ، وأصبح تحريضه على دولة الإسلام من الأخطار الَّتي يجب أن يوضع لها الحد1135.]) 1 ـ توجُّه السرية إلى خيبر ، ودخولها:
عدد الصفحات ٢٤٥فبعث رسول الله (ص) إلى أبي رافعٍ اليهودييِّ رجالاً من الأنصار ، فأمَّرَ عليهم عبد الله بن عتيك ، وكان أبو رافع في حصنٍ له ، فلمَّا دنوا منه ، وقد غربت الشَّمس وراح النَّاس بسرحهم ، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإنييِّ منطلقٌ ، ومتلطيِّفٌ للبوَّاب لعليِّي أن أدخل ، فأقبل حتََّّ دن من الباب ، ثمَّ تقنَّع بثوبه كأنه يقضي حاجةً ، وقد دخل النَّاس ، فهتف به البواب: يا عبد الله! إن كنت تريد أن تدخل؛ فادخل فإنييِّ أريد أن أغلق الباب ، فدخلتُ ، فكمنتُ ، فلمَّا دخل الناس أغلق الباب ، ثمَّ عَلَّقَ الأغاليق (أي: المفاتيح) على وديٍ (أي: وتد) ، قال ابن عتيك: فقمت إلى الأقاليد (المفاتيح) فأخذتهُا ، ففتحت الباب1136.]) 2 ـ تنفيذ العقوبة بحقيِّ أبي رافع ولمَّا دخل أبو عتيك رضي الله عنه ومن معه من أفراد سريَّته إلى داخل الحصن؛ أخذوا ينتظرون الفرصة المناسبة لقتل هذا اليهودييِّ الخبيث أبي رافعٍ. وقد جاء في البخارييِّ: أنَّ عبد الله بن عتيك أدرك نفراً من أصحاب أبي رافعٍ يسمرون عنده ، وكان في علالي له (أي: غرفة) ، فكمنت (أي: اختبأت) حتََّّ ذهب عنه أهلُ سمََرِّه ، ولمَّا ذهبوا صعِّد إليه. وكلَّما دخلَ باباً أغلقَه عليه من الدَّاخل حتَّ لا يَول أحدٌ بينه وبين تنفيذ العقوبة بحقيِّ أبي رافع ، فانتهى إلى أبي رافع فإذا هو في بيتٍ مظلمٍ وسط عياله لا يدري أين هو من البيت ، قال ابن عتيك: فقلت: يا أبا رافع! قال: مَنْ هذا؟ قال ابن عتيك: فأهويتُ نحو الصَّوت فأضربه ضربةً بالسَّيف؛ وأن دَهِّشٌ فما أغنيتُ شيئاً (أي: لم أقتله). وصاح ، فخرجت من البيت ، فأمكثُ غير بعيدٍ ثمَّ دخلتُ إليه. فقلت: ما هذا الصَّوت يا أبا رافع؟! قال: لأميِّك الويلُ! إنَّ رجلاً في البيت ضربني قـَبْلُ بالسَّيف. قلت: فأضربه ضربةً أثخنته ، ولم أقتله ، ثمَّ وضعت ضبيب السَّيف في بطنه حتَّ أخذ في ظهره ، فعرفت أنييِّ قتلته. فجعلت أفتح الأبواب باباً باباً ، حتََّّ انتهيت إلى درجةٍ له ، فوضعت رجلي وأن أرى أنييِّ قد انتهيتُ إلى الأرض ، فوقعتُ في ليلةٍ مقمرةٍ ، فانكسرتْ ساقي ، فعصبتُها بعمامةٍ ، ثمَّ انطلقت حتََّّ جلست على الباب ، فقلت: لا أخرج اللَّيلة حتََّّ أعلم أقتلته؟ فلمَّا صاح الديِّيك قام النَّاعي على السُّور ،
عدد الصفحات ٢٤٦فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز ، فانطلقتُ إلى أصحابي ، فقلت: النَّجاءَ ، فقد قتل الله أبا رافعٍ ، فانتهيت إلى النَّبيِّ (ص) ، فحدَّثته ، فقال لي: «ابسط رجلك »فبسطت رجلي ، فمسحها ، فكأنََّّا لم أشتكها قط4039.]) وفي روايةٍ أخرى للبخارييِّ قال عبد الله بن عتيك: قلت: يا أبا رافع! قال: مَنْ هذا؟ قال: فعمدت نحو الصَّوت ، فأضربه ، وصاح فلم تـُغْنِّ شيئاً ، ثمَّ جئت كأنييِّ أغيثه. فقلت: مالك يا أبا رافع؟! وغيرَّت صوتي ، فقال: ألا أعجبك ، لأميِّك الويلُ! دخل عليَّ رجلٌ فضربني بالسَّيف. قال: فعمدت له أيضاً فأضربه أخرى ، فلم تـُغْنِّ شيئاً ، فصاح ، وقام أهله ، ثمَّ جئتُ وغيرَّتُ صوتي كهيئة المُغيث ، فإذا هو مستلقٍ على ظهره ، فأضع السَّيف في بطنه ثمَّ أنك فأىُ عليه ، حتََّّ سمعتُ صوت العَظْم 4040.]) وقد ذكرت كتب السيِّيرة: أنَّ امرأة أبي رافع حينما ضُرِّب بالسَّيف صاحت؛ فأراد قتلها، ثمَّ كف عن ذلك؛ لأنَّ رسول الله (ص) قد نَّاهم عن قتل النيِّساء، والصيِّبيان 1137]) يرطن بلغة اليه ود ، وأنَّه استخدمها مع زوجة أبي رافعٍ اليهودييِّ ، وأهل بيته. ويذكر كُتَّاب السيِّيرة: أنَّ سرية ابن عتيك كلَّها شاركت في ضرب أبي رافع ، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهم ادَّعى: أنَّ ضربته كانت هي القاضية على أبي رافعٍ ، فقال رسول الله (ص) : «عجيِّلوا بأسيافكم »، فأتوا بأسيافهم ، فنظر إليها ، ثمَّ قال: «هذا قتله»، وهو سيف عبد الله بن أُنيس ، هذا أثر الطَّعام سيف عبد الله بن أُنيس4039 و4040) ، وابن سعد2/91 ـ92) ، والبيهقي السنن الكبرى (9/10 ـ81) ، وعبد الرزاق في المصنف 5/407 ـ410) ، وابن هشام3/286 ـ 288.]) وقد يتوهَّم القارأى الكريم أنَّ هناك تناقضاً بين رواية البخارييِّ ، ورواية كتب السيِّيرة الأخرى؛ الَّتي تقول إنَّ الضربة القاضية كانت من عبد الله بن أُنيس ، والحقُّ: أنَّه ليس كذلك؛ ذلك لأنَّ عبد الله بن عتيك يخبر عن نفسه وأنَّه غلب على ظنيِّه: أنَّه هو القاتل ، وأنَّه قد حكى عن دوره في ضرب اليهودييِّ أبي رافعٍ ، ولا يعني هذا أنَّ غيره لم يشارك في قتله؛ إذ لم ينفِّ هو مشاركة غيره له في قتل أبي رافع ، والريِّوايات يفسيِّر بعضها بعضاً ، ويشرح بعضُها بعضاً ، والريِّوايات تذكر: أنَّ كلَّ واحد من أفراد ال سَّريَّة كان يدَّعي أنَّ ضربته هي القاضية والمميتة لأبي رافعٍ.
عدد الصفحات ٢٤٧وقد نظر رسول الله (ص) في دعواهم ، وفحص سيوفهم ، وحكم بعد ذلك بأنَّ الضَّربة القاضية كانت بسيف عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه؛ لظهور أثر الطَّعام عليه ، أي: أنَّ هذا السَّيف قد دخل جوف أبي رافع ومزَّق أحشاءه ، وقطَّع أمعاءه ، وخلط غذاءه في جوفه1138.]) وقد ذكرت كتب السيرة أسماء سريَّة عبد الله بن عتيك ، وهم: مسعودُ بن سنان ، وعبدُ الله بن أُنيس ، وأبو قتادة الحارث بن ربعي ، وخُزاعي بن أسود1139.]) وفي هذه السَّريَّة دروسٌ ، وعبرٌ كثيرةٌ؛ منها 1 ـ أنَّ كلَّ أعضاء هذه السَّريَّة كانوا من الخزرج ، فقد حرصوا على أن ينافسوا إخوانَّم من الأوس الَّذين قتلوا كعب بن الأشرف ، فقد كانوا كفرسي رهانٍ في المسابقة في الخيرات ، فهم لا يتنافسون على اغتنام مظاهر الحياة الدُّنيا من المال ، والمناصب ، وإنمَّا يتسابقون إلى الفوز بمرضاة النَّبيِّ (ص) الَّتي مالها رضوانُ الله تعالى ، والسَّعادة الأخرويَّة1140.]) قال كعب بن مالك: وكان ممَّا صنع الله تعالى به لرسوله (ص) : أنَّ هذين الحيين من الأنصار: الأوس ، والخزرج كان يتصاولان مع رسول الله (ص) تصاول الفحلين ـ يعني: يتسابقان في خدمته ـ لا يصنع الأوس شيئاً فيه عن رسول الله (ص) غناءً إلا قالت الخزرج: والله! لا تذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله (ص) ، وفي الإسلام ، قال: فلا ينتهون حتََّّ يوقعوا مثلها ، وإذا فعلت الخزرج شيئاً؛ قالت الأوس مثل ذلك3/286.]) 2 ـ فائدةُ تعلُّم لغةِّ العدويِّ: فقد استطاع عبد الله بن عتيك أن يصعد إلى حصن أبي رافع ، وأن يخاطب امرأته ، وأن يدخل بيته مطمئناً؛ لأنَّه خاطبه بلغته لغة اليهود في ذلك الوقت ، ويؤخذ من ذلك استحباب تعلُّم لغة غير المسلمين لا سيَّما الأعداء منهم ، وخاصَّة لأولئك العسكريين الَّذين يذهبون لمهمَّات استطلاعيَّة تجمع أخبار العدو ، وتزويِّد القيادة بها ، والقيادة ترسم1141.]) 3 ـ عناصر نجاح خطَّة ابن عتيك في قتل أبي رافعٍ اليهودييِّ: ذهابُه وحدَه ، فقد قرر أن يذهب وحيداً إلى الحصن ، ويَاول أن يدخله ، ومن ثمََّ يفتيِّش عن طريقة يُدخل بها أفراد سريَّته ، وتصرُّفه العادي الَّذي لم يلفت انتباه أحدٍ من الحرَّاس ، وقدرته على التَّمويه على الحارس ، وإيهامه: أنَّه يقضي حاجته ، وهذا منع الحارس من النَّظر إليه ، وتفحُّصه ، وتفرُّسه في وجهه ، ومراقبة حركة الحارس الدَّقيقة بعد دخول الحصن ، وإغلاقه ، فقد كمن في مكانٍ لم يشعر به الحارس ، وراقب الحارس حتََّّ وضع مفتاح
عدد الصفحات ٢٤٨الحصن في مكانٍ معينَّ ، وتابعه حتََّّ انصرف ، وأخذ المفتاح ، وأصبح يستخدمه كيفما يشاء ، و أييِّ وقتٍ شاء 1142.]) 4 ـ عناية الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بأوليائه المؤمنين ، فهذا الص حابيُّ الجليل استمرَّ بعونٍ من الله تعالى يمشي ، ويبذل طاقته حتََّّ بعد أن أصيبت رجله ، وكأنَّه لا يشكو من علَّةٍ ، حتََّّ إذا انتهت مهمَّته تماماً ، وأصبح غير محتاجٍ لبذل الجهد؛ عاد إليه الألم ، وحمله أصحابه ، فلمَّا حدَّث النَّبَّ (ص) خبره؛ قال له: «ابسُطْ رجلك »قال: فبسطت رجلي ، فمسحها ، فكأنََّّـا لم أشـتَـكِّهَا قط4039.]) 5 ـ فوائد من القصَّة استخرجها ابن حجر ، حيث قال: وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز اغتيال المشرك الَّذي بلغته الدَّعوة ، وأصرَّ ، وقتل من أعان على رسول الله (ص) بيده ، أو ماله ، أو لسانه. وجواز التَّجسُّس على أهل الحرب ، وتطلُّب غرَّتهم ، والأخذ بالشدَّة في محاربة المشركين ، وجواز إبهام القول للمصلحة ، وتعرُّض القليل من المسلمين للكثير من المشركين ، والحكم بالدَّليل ، والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته ، واعتماده عل ى صوت النَّاعي بموته ، والله أعلم1143.]) 6 ـ وجود عبد الله بن أُنيس جندياً في هذه السَّريَّة ، وليس أميراً فيها له دلالتُه الكبرى عملية الترَّبية والتَّعليم ، فهو العقبُّ ، البدريُّ ، المصليِّي للقبلتين؛ فهو من السَّابقين الأوَّلين من الأنصار ، وليس عبد الله بن أُنيس نكرةً في مجال الجهاد والبطولات ، فلا بدَّ أن نذكر: أنَّه السَّريَّة وحده الَّذي ابتعثه رسول الله (ص) لاغتيال سفيان بن خالد الهُذلي في أطراف مكَّة ، وهو الَّذي كان يعدُّ العدَّة لغزو المدينة ، وهو الَّذي نجح نجاحاً باهراً في مهمَّته تلك ، و قتله في فراشه ، وداخل خيمته ، وأعجز قومه هرباً ، وعاد منتصراً مظفَّراً ، فهو مليءٌ بالمجد ، ومع ذلك فلم يكن أمير المجموعة ، إنمَّا كان أحد أفرادها ، وهو يَمل هذا التَّاريخ المشرق في سجلاته عند ربيِّه ـ عزَّ وجلَّ ـ قبل أن يكون عند النَّاس. وهو درسٌ تربويٌّ خالدٌ قد استوعبه أصحاب النَّبيِّ (ص) ، وهذا النَّوع من التربية لا مثيل له في عالم الأرض، فالَّذي يَكم في الجيوش تسلسل الرُّتب، حتَّ إنَّ الرتبة الواحدة يَكم بها المتقـديِّمُ المستجدَّ، وعلـى المستجـديِّ السَّمع ، والطَّاعة للمتقديِّم؛ ولو بأشهرٍ ، وبهذا المنطق لا يجوز أن يتقدَّم على عبد الله بن أُنيسٍ أحدٌ ، ولكنَّها الترَّبية النَّبويَّة العظيمة الَّتي خطَّها النَّبُّ (ص) في أكثر من موقعٍ؛ لتجعل هذا الجيل يتعلَّم من سابقه ، ويتدرَّب على يديه ، فطالما أرسل (ص) سرايا فيها أبو بكرٍ ، وعمر جنديين عاديين في غمار الجنود1144.])
عدد الصفحات ٢٤٩ثانياً: سريَّة عبد الله بن رواحة إلى اليُسير بن رِّزَام اليهوديي بلغ رسول الله (ص) أنَّ اليسير بن رِّزام أمير اليهود بخيبر بعد سلام بن أبي الحُقَيق أخذ في جمع يهود الشَّمال ، وتحريضهم على رسول الله (ص) ، ولم يكتفِّ بذلك ، بل بدأ بتأليب قبائل غطفان ، وجمعها لقتال رسول الله (ص) ، وحين علم رسول الله (ص) ما يبييِّته اليهود له من الخديعة ، والمكر ، رأى (ص) أن يتأكَّد من ذلك قبل أن يقدم على أمرٍ ما ، فأرسل عبد الله بن رواحة في نفرٍ من المسلمين ، رواداً يكتشفون ما تخبئه يهود ، ومن لَفَّ لفَّها من مشرك ي العرب 1145.]) وقد تأكَّدت المخابرات النَّبويَّة من أمر اليُسَيرْ بن رِّزَام ، وكان هذا كافياً لقيام النَّبيِّ (ص) ببعث سريَّةٍ ثلاثين راكباً ، عليهم عبد الله بن رواحة ، وفيهم عبد الله بن أُنيس ، فأتوه ، فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله (ص) ليستعملك على خيبر ، فلم يزالوا به حتََّّ تبعهم في ثلاثين رجلاً ، مع كليِّ رجلٍ منهم رديفٌ من المسلمين ، وكان هو رديف عبد الله بن أنيس على بعيره ، حتََّّ إذا كانوا بَقرقَرة ثيار على ستَّة أميالٍ من خيبر ، ندم اليُسَيرْ على مسيره إلى رسول الله (ص) ، فأهوى بيده على سيف رديفه ابن أُنيس ، ففطن له ، فاقتحم به ، ثمَّ ضربه بالسَّيف ، فقطع رجله ، وضربه اليُسَير بمِِّّخْرَشٍ 1146])1147]) فأمَّه1148]) على رجليه ، فلمَّا قدِّم ابن أُنيس على رسول الله (ص) ؛ تفل على شجَّته ، فلم تَقِّحْ ، ولم تؤذه هشام (3/266 ـ267([])1149.]) وكانت هذه السَّريَّة في شوال سنة ستيٍ من الهجرة 1150.]) وفي هذه السَّريَّة دروسٌ ، وعبرٌ؛ منها 1 ـ كانت الخطَّة النَّبويَّة هي محاولة إيقاف نَّر الدَّم بين اليهود والمسلمين ابتداءً ، فقد كان دور عبد الله بن رواحة في هذا الاتجاه ، غير أنَّ الحقد اليهوديَّ الَّذي أشرب قلوبهم ، والسُّمَّ الَّذي ينفثونه على المسلمين ، هو الَّذي غلب اخر الأمر ، وأفسد الخطَّة كلَّها ، فقد حاولوا الغدر بالمسلمين ، فوقعت الدَّائرة عليهم. 2 ـ إنَّ البأس في الحرب ما لم يكن غليظاً ، وشديداً؛ فلن يَسم المواجهة مع العدويِّ ، وسيجعل الحرب تفني كلَّ شيء ، وتأكل كلَّ شيءٍ ، فلا بدَّ من بثيِّ الرَّهبة ، والرُّعب في قلب العدويِّ ، ولا بدَّ من
عدد الصفحات ٢٥٠الشيِّدَّة معه حين لا يجدي الحوار ، أو المناقشة ، ولا بدَّ من الغلظة الَّتي تشعر العدوَّ: أنَّ مَنْ يقاتله لا يخشى في الله لومة لائم. 3 ـ شهد العامُ السَّادس من الهجرة تصعيداً عنيفاً في عمليَّات المواجهة مع العدو ، ولا يكاد يمرُّ شهرٌ دون سريَّةٍ ، أو سريَّتين تضرب في الصَّحراء ، وتفضُّ جمعاً ، أو تحطيِّم عدوياً ، أو تغتال طاغوتاً ، فقد كان شعار المرحلة: «الان نغزوهم ولا يغزوننا »[ باسم الله ، يَمل المبادأى الخالدة ، والقيم العليا يقديِّمها للخلق كافَّةً ، ويزيح كلَّ طاغوتٍ يَول دون وصول هذه المبادأى ، ونشهد حزب الله في أفراده جميعاً ، والَّذين تلقوا أعلى مستويات الترَّبية الخلقية ، والفكريَّة ، والعسكريَّة ، والسياسيَّة كيف ينفيِّذون هذا المنهج ، وكيف يكون واقعُهم ترجمةً عمليَّةً وحيَّةً لمبادئهم ، وكيف يتقدَّمون ليتصدَّروا مرحلةً جديدةً تبدأ معالمها ، وملامحها مع صلح الحديبية1151.]) * * * الفصل الثَّالث عشر الفتح المبين (صلح الحديبية) [2731 و2732) ، وأحمد4/324 ـ326) ، والطبراني في المعجم الكب20/16) برقم (14) ، وابن هشام3/321 ـ333) ، والبيهقي في الدلائل4/99 ـ108.]) المبحثالأوَّل تاريخه ، وأسبابه ، ومخرج رسول الله (ص) إلى مكَّة أولاً: تاريخه ، وأسبابه: في يوم الإثنين الأوَّل من ذي القعدة سنة (6 هـ1152]) بأصحابـه إلى مكَّـة ؛ لأداء العمرة1153])رأى رؤ
عدد الصفحات ٢٥١منامه ـ وهو في المدينة ـ ، وتتلخَّص هذه الرُّؤيا في أنَّ النَّبَّ (ص) رأى: أنَّه قد دخل مكَّة مع أصحابه المسلمين محرماً مؤديِّياً للعمرة ، وقد ساق الهدي معظيِّماً للبيت مقديِّساً له ، فبشر النَّب (ص) أصحابه ، ففرحوا بها 1154])د طال عهدُهم بمكَّة ، والكعبة؛ الَّتي رضعوا حبَّها ، ودانوا بتعظيمها ، وما زادهم الإسلام إلا ارتباطاً بها ، وشوقاً إليها ، وقد تاقت نفوسهم إلى الطَّواف حولها ، وتطلَّعت إليه تطلُّعاً شديداً ، وكان المهاجرون أشدَّهم حنيناً إلى مكَّة ، فقد ولدوا ، ونشؤوا فيها ، وأحبُّوها حبياً شديداً ، وقد حيل بينهم وبينها ، فلمَّا أخبرهم رسول الله (ص) بذلك تهيَّؤوا لتلك الزيارة العظيمة1155]) قريش عن البيت الحرام ، وكانت استخبارات المدينة قد علمت بأمر التَّحالف العسكرييِّ الَّذي عقد بين قريش في جنوب المدينة المنوَّرة وخيبر في شمالها ، وكان هدف هذا التَّحالف جعل الدولة الإسلاميَّة بين طرفي الكماشة ، ثمَّ إطباق فكَّيها عليها ، وإنَّاء الوجود الإسلامي فيها ، فقد حان الوقت لكسر ذلك التَّحالف سياسيياً ، فقد كانت الكعبة في نظر العرب قاطبةً ليست ملكاً لقريش ، بل هي تراث أبيهم إسماعيل ، ولهذا فليس من حقيِّ قريش أن تمنع من زيارتها مَنْ تشاء ، وتجيز مَنْ تشاء ، فإذاً من حقيِّ محمَّد (ص) وأصحابه زيارةُ الكعبة 1156.]) وانتشر خبر خروج رسول الله (ص) بين قبائل العرب ، و كان انتشار الخبر له أثرٌ في الرأي العاميِّ ، وخصوصاً بعدما أكَّد رسول الله (ص) : أنَّه لا يريد حرباً ، وإنمَّا يريد أن يعتمر ، ويعظيِّم شعائر الله ، وحقَّق هذا الفعل الكريم مكاسب إعلاميَّةً رفيعة المستوى ، وقد كان هدف النَّبيِّ (ص) معلناً: ألا وهو زيارة بيت الله الحرام؛ لأداء العمرة ، فتجرَّد هو وأصحابه من المخيط ، ولبسوا ثياب الإحرام ، وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة بعد أن قلَّد الهدي ، وأشعره1157.]) وقد كان (ص) على جانبٍ كبير من الحيطة ، والحذر ، فقد أرسل بشر بن سفيان الخزاعيَّ عيناً له1158])يديه طليعة استكشافيَّةً مكوَّنةً من عشرين رجلاً ، وفي ذلك يقول الواقدي «دعا رسول الله (ص) عبَّاد بن بِّشر فقدَّمه أمامه طليعةً في خيل المسلمين عشرين فارساً ، وكان فيها رجالٌ من المهاجرين ، والأنصار [»1159]) يمكن أن يفاجأ بها ، ـ وأيضاً ـ فقد كانت مهمَّة هذه الطليعة استكشاف خبر العدوي1160.]) وأخذ (ص) بمشورة عمر في ذي الحليفة عندما قال له: يا رسول الله! تدخل على قومٍ هم لك أهل حربٍ بغير سلاحٍ ، ولا كراعٍ؟ فبعث النَّبُّ (ص) إلى المدينة من يَمل له الكراع ، والسيِّلاح 1161 ])
عدد الصفحات ٢٥٢وكان قصده (ص) من ذلك الاستعداد لهؤلاء الأعداء؛ الَّذين يملكون من السيِّلاح ، والعتاد ما يستطيعون به إلحاق الأذى بالمسلمين ، والنَّيل منهم 1162]) بالأسباب من هديه الكريم الَّذي جعله لأمَّته لتقتدي به من بعده (ص) ؛ لما في ذلك من المصالح الكثيرة ، ولما فيه من درء مكايد الأعداء؛ الَّذين يتربَّصون بالمسلمين الدَّوائر(3.) ثانياً: وصول النَّب (ص) إلى عُسْفَان لمَّا وصل رسول الله (ص) إلى عسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبُّ الخزاعيُّ ، فقال: يا رسول الله! هذه قريش قد سمعت بمسيرك؛ ومعها العُوذُ المطَافِّيلُ1163]) تدخلها عليهم عَنـْوَةً أبداً ، فقال رسول الله (ص«يا ويح1164]) ماذا عليهم لو خلُّوا بيني وبين سائر النَّاس؟ فإن أصابوني؛ كان الَّذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام؛ وهم وافرون1165]) إني لا أزال أجاهدهم على الَّذي بعثني الله له ، أو تنفرد هذه السَّالفة1166.»]) وقد استشار (ص) أصحابه لمَّا بلغه خبر استعداد قريش لصديِّه عن دخول البيت الحرام ، وعرض (ص) على الصَّحابة رضي الله عنهم المشورة في هذا الأمر على رأيين يَملان العزم ، والتَّصميم: 1 ـ الميل إلى عيال وذراري الأحابيش الَّذين خرجوا لمعاونة قريش على مقاتلة المسلمين وصديِّهم عن البيت. 2 ـ قصد البيت الحرام فمن صدَّه عنه قاتله حتََّّ يتمكن من تحقيق هدفه 1167]) المشورة في هذا الأمر على الصَّحابة؛ تقدَّم أبو بكر الصيِّديِّيق برأيه الَّذي تدعمه الحجَّة الواضحة ، حيث أشار على رسول الله (ص) بترك قتالهم ، والاستمرار على ما خرج له من أداء العمرة؛ حتََّّ يكون بدء القتال منهم ، فاستحسن النَّبُّ (ص) هذا الرَّأي ، وأخذ به ، وأمر النَّاس أن يمضوا في هذا السَّبيل1168]) الخوف بِّعُسْفَان ثالثاً: الرَّسول (ص) يغيريِّ الطَّريق ، وينزل بالحديبية: ولمَّ ا بلغ رسول الله (ص) : أنَّ قريشاً قد خرجت تعترض طريقه ، وتنصب كميناً له ولأصحابه بقيادة خالد بن الوليد ، وهو لم يقريِّر المصادمة ، رأى أن يغيريِّ طريق الجيش الإسلامي تفادياً للصيِّدام مع
عدد الصفحات ٢٥٣المشركين ، فقال: مَنْ رجلٌ يخرج بنا على طريقٍ غير طريقهم؛ الَّتي هم بها ؟ فقال رجلٌ مِّنْ أسلم: أن يا رسول الله! فسلك بهم طريقاً وعراً بين شعاب شَقَّ على المسلمين السَّير فيه ، حتََّّ خرجوا إلى أرضٍ سهلة عند منقطع الوادي ، وعند ذلك قال رسول الله (ص) للناس: «قولوا: نستغفر الله ، ونتوب إليه»فقالوا ذلك فقال: «والله إنََّّا الحطة الَّتي عُرِّضت على بني إسرائيل ، فلم يقولوها1169.»]) فأمر رسول الله (ص) النَّاس أن يسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحَمْشِّ في طريق تخرجه إلى ثنية المرار ، فهبط الحديبية من أسفل مكَّة ، فسلك الجيش ذلك الطريق بخفَّة ودون أن يشعر به أحد ، فما نظر خالدٌ إلا وقَ ـتـَرَةُ (غبرة) جيش المسلمين قد ثارت ، فعاد مسرعاً هو ومن معه إلى مكَّة يَُذيِّر أهلها ، ويأمرهم بالاستعداد لهذا الحدث المفاجأى 1170]) الإسلامي بالحديبية ، حيث تعرَّضت مكَّة للخطر ، وأصبحت مهدَّدة من المسلم ديداً مباشراً1171.]) يقول اللواء محمود شيت خطَّاب في هذا الدَّرس الرائع: لم تكن حركة المسلمين على هذا الطريق خوفاً من قوَّات الجيش ، فالَّذي يخاف من عدويِّه لا يقترب من قاعدته(2) الأصليَّة ، وهي مركز قوَّاته ، بل يَاول الابتعاد عن قاعدة العدو الأصليَّة؛ حتََّّ يُطيل خط مواصلات العدويِّ ، وبذلك يزيد من صعوباته ، ومشاكله ، ويجعل فرصة النَّصر أمامه أقلَّ من حالة الاقتراب من قاعدته الأصليَّة1172.]) وقد جاء في كتاب (اقتباس النيِّظام العسكرييِّ في عهد الرَّسول (ص) ) ما يُبينيِّ الحكمة من تغيير الطُّرق ما نصُّه: ويؤخذ من اتخيِّاذ الأدلَّة والتَّحوُّل إلى الطُّرق الامنة: أنَّ القيادة الواعية البصيرة تسلك في سيرها بالجيش طرقاً بعيدةً عن المخاطر، والمهالك ، وتتجنَّب الدُّروب التي تجعل الجيش خاضعاً تحت تصرُّفات العدويِّ ، وهجماته1173.]) رابعاً«ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكنْ حبسها حابسُ الفيل » وعندما اقترب الرَّسول (ص) من الحديبية بركت نقتُه القصواء ، فقال الصَّحابة رضي الله عنهم: خلأت القصواء1174])«ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخُِّلُقٍ ، ولكن حبسها حابس الفيل»ثمَّ قال«والَّذي نفسي بيده! لا يسألونني خطَّةً يعظيِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياَّها1175 .»])ثمَّ زجرها ، فوثبت ، ثمَّ عدل عن دخول مكَّة ، وسار حتََّّ نزل بأقصى الحديبية على ثمدٍ ـ بئر ـ قليل الماء ، وما لبثوا أن نزحوه ، ثمَّ اشتكوا إلى رسول الله (ص) العطش
عدد الصفحات ٢٥٤،فانتزع سهماً من كنانته ، ثمَّ أمرهم أن يجعلوه فيه ، فجاش لهم بالريِّييِّ ، فارتووا جميعاً1176]) روايةٍ: أنه جلس على شفة البئر ، فدعا بماءٍ ، فمضمض ، ومجَّ في البئر1177]) يكون الأمران معاً وقعا ، كما ذكر ابن حجر 1178])ذكره الواقدي 1179]) وعروة1180]) فألقاه فيها ، ودعا ، ففارت 1181.]) وفي بروك نقة رسول الله (ص) ، وقَسَمِّه بعد ذلك دروسٌ ، وعبرٌ ، منها 1 ـ كلُّ شيءٍ في هذا الكون يسمر الله ، ومشيئته ، ولا يخرج في سيره عن مشيئته ، وإرادته ، فتأمَّل في نقة رسول الله (ص) أين بركت ، وكيف كره الصَّحابة بروكها ، وحاولوا إنَّاضها لتستمرَّ في سيرها ، فيستمرُّوا في سيرهم إلى البيت العتيق مهما كانت النَّتائج ، ولكنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ أرا د غير ذلك1182.]) 2 ـ وقد استنبط ابن حجرٍ العسقلانيُّ ـ رحمه الله ـ فائدةً جليلةً من قوله (ص «حبسها حابس الفيل[»1183]) الخاصَّة؛ لأنَّ أصحاب الفيل كانوا على باطلٍ محضٍ ، وأصحاب ه ذه النَّاقة كانوا على حقيٍ محضٍ ، لكن جاء التشبيه من جهة إرادة الله منع الحرم مطلقـاً ، أمَّا مِّنْ أهل الباطل ؛ فواضحٌ ، وأمَّا مِّنْ أهل الحقيِّ فللمعنى الَّذي تقدَّم ذكره 1184.]) 3 ـ ومن الفوائد: أن المشركين ، وأهل البدع والفجور ، والبُغاة ، والظَّلمة إذا طلبوا أمراً يعظيِّمون فيه حرمةً من حرمات الله تعالى؛ أُجيبوا إليه ، وأُعْطُوه ، وأُعِّينوا عليه؛ وإن مُنعوا غيره ، فيعانون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى ، لا على كفرهم وبغيهم ، ويمُنعون ممَّا سوى ذلك ، فكلُّ من التمس المعاونة على محبوبٍ مُرْضٍ له أجيب إ لى ذلك كائناً مَنْ كان ، ما لم يترتَّب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوضٌ للهِّ أعظم منه، وهذا من أدقيِّ المواضيع، وأصعبها، وأشقيِّها على النُّفوس 1185.]) 4 ـ إنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ ، جلَّت قدرتُه ، وعزَّت عظمتُه قضى ألا يكون قتالٌ بين المسلمين ، والمشركين من أهل مكَّة في هذه الغزوة بالذَّات لحِّكَمٍ ظهرت فيما بعدُ؛ منها: أ ـ إنَّ دخول المسلمين بالقوَّة يعني: أن تحدث مذابح ، وتـَزْهَقَ أرواحٌ كثيرةٌ ، وتُسفَك دماءٌ غزيرةٌ من الطَّرفين ، وهذا أمرٌ لم يُرِّدْه البارأى سبحانه ، وكان لمصلحة الفريقين: المؤ منين ، والمشركين.
عدد الصفحات ٢٥٥ب ـ إنَّ من المحتمل أن ينال الأذى ، والقتل ، والتَّشريد على أيدي المؤمنين بعض المستضعفين من إخوانَّم المسلمين في مكَّة؛ الَّذين يخُفون إسلامهم خوفاً من قومهم ، وهذا فيه ما فيه من المعرَّة الَّتي لا يليق بمسلمٍ أن يقع فيها. قال سبحانه الَّذِّينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِّ الْمَسْجِّدِّ الحَْرَامِّ وَالهَْدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يـَبـْلُغَ محَِّلَّهُ وَلَوْلاَ رِّجَالٌ مُؤْمِّنُونَ وَنِّسَاءٌ مُؤْمِّنَاتٌ لمَْ تـَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُوهُمْ فـَتُصِّيبَكُمْ مِّنـْهُمْ مَعَرَّةٌ بِّغَيرِّْ عِّلْمٍ لِّيُدْ خِّلَ الِلَُّّ فيِّ رَحمَْتِّهِّ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تـَزَيـَّلُوا لَعَذَّبـْنَا الَّذِّينَ كَفَرُوا مِّنـْهُمْ عَذَاباً أَلِّيمًا [25.] ج ـ لقد سبق في علم الله ـ عزَّ وجلَّ ـ: أنَّ هؤلاء الَّذين يقفون اليوم صاديِّين رسول الله (ص) ، وأصحابه رضي الله عنهم عن المسجد الحرام هم الَّذين سيفتح الله قلوبهم إلى الإسلام ، وسيفتح الله على أيديهم بلاداً كثيرةً ، حين يَملون هذه الريِّسالة للنَّاس ، وينيرون ظلمة الطَّريق للمُدْ1186.]) خامساً: السَّفارة بين الرَّسول (ص) ، وقريش بذل رسول الله (ص) ما في وُسْعِّه؛ لإفهام قريش: أنَّه لا يريد حرباً معهم ، وإنمَّا يريد زيارة البيت الحرام ، وتعظيمه ، وهو حقٌّ للمسلمين ، كما هو حقٌّ لغيرهم ، وعندما تأكَّدت قريش من ذلك أرسلت إليه مَنْ يفاوضه ، ويتعرَّف على قوَّة المسلمين ، ومدى عزمهم على القتال؛ إذا أُلجئوا إليه ، وطمعاً في صديِّ المسلمين عن البيت بالطُّرق السيِّلميَّة من جهةٍ ثالثةٍ 1187.]) 1 ـ رَكْـبٌ من خزاعـة بقيـادة بُـدَيْـل بن ورقـاء جاء بُدَيْل بن وَرْقَاء في رجالٍ من خُزاعة ، وكانت خزاعة عَيـْبَةَ 1188]) أهل تهامة ، وبيَّنوا: أنَّ قريشاً تعتزم صدَّ المس لمين عن دخول مكة، فأوضح لهم الرَّسول (ص) سبب مجيئه ، وذكر لهم الضَّرر الَّذي وقع على قريش من استمرار الحرب ، واقترح عليهم أن تكون بينهم هدنةٌ إلى وقتٍ معلومٍ حتََّّ يتَّضح لهم الأمر ، وإن أبوا؛ فلا مناص من الحرب ، ولو كان في ذلك هلاكه ، فنقلوا ذلك إلى قريشٍ ، وقالوا لهم: يا معشر قريش! إنَّكم تعجَلون على محمَّدٍ ، إنَّ محمداً لم يأتِّ لقتال ، وإنمَّا جاء زائراً هذا البيت. فاتهَّموهم ، وخاطبوهم بما يكرهون ، وقالوا: وإن كان إنمَّا جاء لذلك؛ فلا والله! لا يدخلها علينا عَنـْوَةً أبداً ، ولا تتحدَّث بذلك العرب1189]) السيِّياسيَّة في عرضه على مشركي مكَّة الهدنة ، والصُّلح؛ لأنَّ في ذلك فوائدَ كثيرةً ، منها أ ـ بالهدنة يضمن حياد قريش ، ويعزلها عن أييِّ صراعٍ يَدث في الجزيرة العربيَّة ، سواءٌ كان هذا الصيِّراع مع القبائل العربية الأخرى ، أم مع اليهود؛ ذلك العدوُّ اللَّئيم الغادر؛ الَّذي يتربَّص بالمسلمين الدَّوائر.
عدد الصفحات ٢٥٦ب ـ حرص الرَّسول (ص) على أن يبقى باب الاتيِّصال مفتوحاً بينه ، وبين قريشٍ ، ليسمع منهم ، ويسمعوا منه بواسطة الرُّسل ، والسُّفراء ، وفي هذا تقريبٌ للنُّفوس وتبريدٌ لجويِّ الحرب ، وإض عافٌ لحماسهم نحو القتال. ج ـ حرصُه (ص) على أن تُدْرِّك خزاعةُ بقيادة بُديلٍ ، والرَّكبُ الَّذي معه: أن حليفهم قويٌّ ، فتزداد ثقتُهم به ، وحلفهم له ، ولبني هاشم من قبل الإسلام ، فقد بقي ، ولم يـُلْغَ ، وتأكَّد في صلح الحديبية. د ـ إنَّ العقلاء الَّذين يفكيِّرو ن بعقولهم حين يسمعون كلام الرَّسول (ص) ، وأنَّه جاء معظماً للبيت؛ والمشركون يردُّونه ، وهو يصرُّ على تعظيمه سيقف هؤلاء بجانبه ، ويتعاطفون معه ، فيقوى مركزُه ، ويضعُف مركز قريشٍ الإعلاميُّ ، والديِّينيُّ في نفوس النَّاس. هـ إنَّ مشركي مكَّة لم يطمئنُّوا إلى كلام بُديلٍ الَّذي نقله إليهم؛ ذلك لأنََّّم يعلمون: أنَّ خُزاعة كانت عَيـْبَةَ نُصْحٍ لرسول الله (ص) ، ويشعرون بوديِّ خُزاعة للرَّسول (ص) ، والمسلم 1190.]) و ـ ويؤخذ من جواب رسول الله (ص) لبُديل بن ورقاء حسنُ التلطُّف للوصول إلى الطَّاعات ، وإن كانت غير و اجبةٍ ما لم يكن ذلك ممنوعاً شرعاً؛ لأنَّ النَّبَّ (ص) أجاب المشركين لمَّا طلبوا منه ، ولم يُظهر لهم ما في النُّفوس من البغض ، والكراهية لهم لطفاً منه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ فيما يؤميِّل مِّنَ البلوغ إلى الطَّاعة؛ الَّتي خرج من أجلها1191.]) 2 ـ سفارة عروة بن مسعودٍ الثَّقفييِّ: لم تقبل قريش ما نقله بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخُزاعيُّ عن رسول الله (ص) ؛ من أنَّه جاء زائراً للبيت ، ولم يأتِّ مقاتلاً ، واتهَّمتهم ، بل وأسمعتهم ما يكرهون ، فاقترح عليهم عروةُ بن مسعودٍ الثَّقفي أن يقابل الرَّسول (ص) ، ويسمع منه ، ثمَّ يأتيهم بالخبر اليق1192]) فقال: ... فقام عروةُ بن مسعودٍ فقال: أيْ قومِّ ، ألستم بالوالدِّ؟ قالوا: بلى! قال: أولستُ بالولد؟ قالوا: بلى! قال: فهل تتَّهموني؟ قالوا: لا! قال: ألستم تعلمون أنييِّ استنفرت أهل عكاظ 1193]) ، فلما بـَلَّحُوا1194]) عرض عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقبلوها ، ودعوني اتِّهِّ ، قالوا: ائته. فأتاه ، فجعل يكليِّم النَّب (ص) ، فقال النَّبُّ (ص) نحَْواً من قوله لبُدَيْلٍ ، فقال عُرْوَةُ ع ند ذلك: أيْ محمَّدُ! أرأيت إن استأصلت أمر قومك ، هل سمعت بأحدٍ من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإنييِّ والله لا أرى وجوهاً ، وإنييِّ لأرى أشواباً1195])1196 ])
عدد الصفحات ٢٥٧