المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 03

علي محمد الصلابي

صفحة ١٥ من ٢١

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لو كان محمَّدٌ (ص) كاتماً شيئاً ممَّا أُنزل عليه؛ لكتم هذه الاية تـَقُولُ لِّلَّذِّي أَنـْعَمَ الِلَُّّ عَلَيْهِّ وَأَنـْعَمْتَ عَلَيْهِّ أَمْسِّكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِّ الِلََّّ وَتخُْفِّي فيِّ نـَ فْسِّكَ مَا الِلَُّّ مُبْدِّيهِّ وَتخَْ شَى النَّاسَ وَالِلَُّّ أَحَقُّ أَنْ تخَْشَاهُ [37[ .]6/241) ، ومسلم177/288) ، والترمذي (3208.]) قال الشَّيخ عبد الرَّحمن السَّعديُّ في تفسيره للاية «أي: أنعم الله عليه عَلَيْهِّ وَأَنـْعَمْتَ عَلَيْه فقلت له ـ نصحاً له ، ومخبراً بمصلحته ، مقدماً لها على رغبتك ـ: أمسك عليك زوجك ، ولا تفارقها ، واصبر على ما جاءك منها ، واتَّق الله في أمورك عامَّة ، وفي أمر زوجك خاصَّة؛ فإن التَّقوى تحثُّ على الصَّبر ، وتأمر به. الَّذي أخفاه: أنه لو طلقها زيد؛ [»1034.]) قال سييِّد قطب: الَّذي أخفاه النَّبُّ (ص) في نفسه وهو يعلم أنَّ الله مبديه ، وهو ما أعلمه أنَّه سيفعله ، ولم يكن أمراً صريَاً من الله ، وإلا ما تردَّد فيه ، ولا أخَّره ، ولا حاول تأجيله ، ولجهر به في حينه مهما كانت العواقب؛ الَّتي يتوقَّعها من إعلانه ، ولكنَّه (ص) كان أمام ما أعلمه الله ، يتوجَّس في الوقت ذاته من مواجهته ، ومواجهة النَّاس به ، حتََّّ أذن الله بكونه ، فطلَّق زيدٌ زوجه في النيِّهاية ، وهو لا يفكر ، لا هو ، ولا زينب فيما سيكون بعد؛ لأنَّ العرف السَّائد كان يعدُّ زينب مطلقة ابنٍ لمحمَّد ، لا تحلُّ له1035.]) 3 ـ في قوله تعا عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِّ الِلََّّ وَتخُْفِّي فيِّ نـَفْسِّكَ مَا الِلَُّّ مُبْدِّيهِّ وَتخَْشَى النَّاسَ وَالِلَُّّ أَحَقُّ أَنْ تخَْشَاهُ فـَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنـْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِّكَي لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِّنِّينَ حَرَجٌ فيِّ أَزْوَاجِّ أَدْعِّيَ ائِّهِّمْ إِّذَا قَضَوْا مِّنـْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ الِلَِّّّ مَفْعُولاً[ 37] الصَّحابة غيره ، قال السُّهيلي«كان يقال: زيد بن محمَّد حتََّّ نزل وهُمْ لآِّباَئِّهِّمْ زيد بن حارثة ، وحرم عليه أن يقول: أن زيد بن محمَّد ، فلما نُزع عنه هذا الشَّرف ، وهذا الفخر ، وعلم الله وحشته من ذلك شرَّفه بخصيصةٍ لم يكن يخَُصُّ بها أحداً من أصحاب النَّبيِّ (ص) ، وهي: أنَّه سمَّاه في القران ، فقال تعالى: يعني: من الذيِّكر الحكيم؛ حتََّّ صار اسمه قران يُتلى في المحاريب ، نوَّه به غاية التَّنويه ، فكان في هذا تأنيسٌ له ،

عدد الصفحات ٢٢٦

وعوضٌ من الفخر بأبوَّة محمَّد (ص) له ، ألا ترى إلى قول أبييِّ بن كعب حين قال له النَّبُّ (ص) : «إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا »[3809) ، ومسلم799]) هنالك؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أُخبر: أنَّ الله تعالى ذكره ، فكيف بمن صار اسمه قرانً يُتلى مخلَّداً لا يبيد ، يتلوه أهل الدُّنيا؛ إذا قرؤوا القران ، وأهل الجنَّة أبداً ، لا يزال على ألسنة المؤمنين ، كما لم يزل مذكوراً على الخصوص عند ربيِّ العالمين؛ إذ القران كلام الله القويم ، وهو باقٍ لا يبيد ، فاسم زيد هذا في الصُّحف المكرَّمة ، المرفوعة المطهَّرة ، تذكره في التيِّلاوة السَّفرةُ الكرامُ البررة ، وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبيٍ من الأنبياء ، ولزيد بن حارثة تعويضاً من الله تعالى له بسبب ما نُزِّع منه1036.]) 4 ـ زواج النَّبيِّ (ص) بزينب بنت جحش رضي الله عنها كان بأمر ربيِّه ، وهو الَّذي زوَّجه إياَّها ، قال تعالَّذِّي أَنـْعَمَ الِلَُّّ عَلَيْهِّ وَأَنـْعَمْتَ عَلَيْهِّ أَمْسِّكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِّ الِلََّّ وَتخُْفِّي فيِّ نـَفْسِّكَ مَا الِلَُّّ مُبْدِّيهِّ وَتخَْشَى النَّاسَ وَالِلَُّّ أَحَقُّ أَنْ تخَْشَاهُ فـَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنـْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَ ا لِّكَي لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِّنِّينَ حَرَجٌ فيِّ أَزْوَاجِّ أَدْعِّيَائِّهِّمْ إِّذَا قَضَوْا مِّنـْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ الِلَِّّّ مَفْعُولاً [37.] وفي هذا شرفٌ عظيمٌ ، ومنقبةٌ جليلةٌ لزينب رضي الله عنها ، كانت تفاخر بها ـ وحقَّ لها ذلك ـ فعن أنسٍ رضي الله عنه ، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النَّبيِّ (ص) تقول: زوَّجَكُنَّ أهاليكنَّ ، وزوَّجني الله من فوق سبع سموات ، وفي روايةٍ أخرى: كانت تفخر على نساء النَّبيِّ (ص) ، وكانت تقول: إن الله أنكحني في السَّماء7420 و7421.]) ولعلَّ هذه المنقبة ، وهذا الشَّرف لزينب رضي الله عنها كان جزاءً لها حين أذعنت ، وخضعت لأمر رسول الله (ص) حين أمرها بالزَّواج من مولاه زيد بن حارثة ، وكانت لذلك كارهةً ، ثمَّ لمَّا علمت: أنَّ رسول الله (ص) يأمرها بذلك قبلت الزَّواج منه1037.]) 5 ـ في وليمته (ص) على زينب ع مةٌ من علامات نبوَّته ، ودلالةٌ من دلائلها ، وهي تكثير الطَّعام بدعوته ، وفي هذه الوليمة أيضاً كان نزول اية حجاب نساء النَّبيِّ (ص) ، وما شرع من اداب الضيِّيافة1038.]) فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: تزوَّج رسول الله (ص) ، فدخل بأهله ، قال: فصنعت أمي ي أمُّ سليم حيساً ، فجعلته في تـَوْرٍ1039]) بعثت بهذا إليك أميِّي ، وهي تقرئك السَّلام ، وتقول: إنَّ هذا لك منا قليلٌ يا رسول الله! قال: فذهبتُ

عدد الصفحات ٢٢٧

بها إلى رسول الله (ص) ، فقلت: إنَّ أميِّي تقرئك السَّلام ، وتقول: إنَّ هذا لك منا قليلٌ يا رسول الله! فقال: ضعه ، ثمَّ قال: اذهب ، فادْعُ لي فلانً ، وفلانً ، ومن لقيت ، وسمَّى رجالاً ، قال: فدعوت من سمَّى ، ومن لقيت ، قال: قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمئة. وقال لي رسول الله (ص) : «يا أنس! هات التـَّوْر ، قال: فدخلوا حتََّّ امتلأت الصُّفَّة ، والحُجرة ، فقال رسول الله (ص) : ليتحلَّق عشرةٌ عشرةٌ ، وليأكل كلُّ إنسان ممَّا يليه ، قال: فأكلوا حتََّّ شبعوا ، قال: فخرجتْ طائفةٌ ، ودخلت طائفةٌ ، حتََّّ أكلوا كلُّهم ، فقال لي: يا أنس! ارفع ، قال: فرفعت فما أدري حين وضع ت كان أكثر أم حين رفعت ، قال: وجلس طوائف منهم يتحدَّثون في بيت رسول الله (ص) ، ورسول الله (ص) جالسٌ ، وزوجته موليِّيةٌ وجهها إلى الحائط ، فَـثَـقُلُوا على رسول الله (ص) ، فخرج رسول الله (ص) على نسائه ، ثمَّ رجع ، فلمَّا رأوا رسول الله (ص) قد رجع؛ ظنَّوا أنََّّ م قد ثـَقُلُوا عليه5163) ، ومسلم1428/94 و95) ، والنسائي6/136]) ، فخرجوا كلُّهم ، وجاء رسول الله (ص) حتََّّ أرخى السيِّتر ، ودخل ، وأن جالس في الحُجرة ، فلم يلبث إلا يسيراً حتََّّ خرج عليَّ ، وأنزلت هذه الاية ، فخرج رسول الله (ص) وقرأها على النَّاس يـُؤْذَنَ لَكُمْ إِّلىَ طَعَامٍ غَيـْرَ نَظِّرِّينَ إِّنَهُ وَلَكِّنْ إِّذَا دُعِّيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِّذَا طَعِّمْتُمْ فَانـْتَشِّرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِّسِّينَ لحَِّ دِّيثٍ إِّنَّ ذَلِّكُمْ كَانَ يـُؤْذِّي النَّبَِّّ فـَيَسْتَحْيِّي مِّنْكُمْ وَالِلَُّّ لاَ يَسْتَحْيِّي مِّنَ الحَْقيِّ وَإِّذَا سَأَلْتُ مُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِّنْ وَرَاءِّ حِّجَابٍ ذَلِّكُمْ أَطْهَرُ لِّقُلُوبِّكُمْ وَقـُلُوبهِِّّنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تـُؤْ ذُوا رَسُولَ الِلَِّّّ وَلاَ أَنْ تـَنْكِّحُوا أَزْوَاجَهُ مِّنْ بـَعْدِّهِّ أَبَدًا إِّنَّ ذَلِّكُمْ كَانَ عِّنْدَ الِلَِّّّ عَظِّيمًا[53.] قال الجعد1040]) وحُجِّبنَْ نساءُ النَّبي (ص1428/94) ، والترمذي3218.]) وقد حَجَبَ رسول الله (ص) نساءه لنزول اية الحجاب التي قال المولى ـ عز وجل ـ فيها آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بـُيُوتَ النَّبِّيِّ إِّلاَّ أَنْ يـُؤْذَنَ لَكُمْ إِّلىَ طَعَامٍ غَيـْرَ نَظِّرِّينَ إِّنَهُ وَلَكِّنْ إِّذَا دُعِّيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِّذَا طَعِّمْتُمْ فَانـْتَشِّرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِّسِّينَ لحَِّدِّيثٍ إِّنَّ ذَلِّكُمْ كَانَ يـُؤْذِّي النَّبَِّّ فـَيَسْتَحْيِّي مِّنْكُمْ وَالِلَُّّ لاَ يَسْتَحْيِّي مِّنَ الحَْقيِّ وَإِّذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِّنْ وَرَاءِّ حِّجَابٍ ذَلِّكُمْ أَطْهَرُ لِّقُلُوبِّكُمْ وَقـُلُوبهِِّّنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تـُؤْذُوا رَسُولَ الِلَِّّّ وَلاَ أَنْ تـَنْكِّحُوا أَزْوَاجَهُ مِّنْ بـَعْدِّهِّ أَبَدًا إِّنَّ ذَلِّكُمْ كَانَ عِّنْدَ الِلَِّّّ عَظِّيمًا *إِّنْ تـُبْدُوا شَيـْئًا أَوْ تخُْفُوهُ فَإِّنَّ الِلََّّ كَانَ بِّكُليِّ شَيْءٍ عَلِّيمًا [53 ـ54.]

عدد الصفحات ٢٢٨

وقد كان نزول اية الحجاب من موافقات عمر رضي الله عنه ، روى البخاريُّ في صحيحه عن أنسٍ ، قال: قال عمر رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البرُّ ، والفاجر ، فلو أمرت أمهاتِّ المؤمنين بالحجاب! فأنزل الله اية الحجاب 4790.]) وبنزول هذه الاية كان تشريع الحجاب في الإسلام بالنيِّسبة لأزواج النَّبيِّ (ص) ، والمراد عدم إبداء شيءٍ من أجسامهنَّ للأجانب عنهنَّ ، وعدم محادثتهنَّ ، أو طلب شيءٍ منهن إلا من وراء حجاب ، أي: سِّترٍْ يكون بينه نَّ ، وبين غيرهنَّ ، ولمَّا نزلت قال الاباء ، والأبناء ، والأقارب لرسول الله (ص) : ونحن أيضاً نكلمهنَّ من وراء حجاب؟ فأنزل الله تعالى قولهوَانَِِّّّنَّ وَ لاَ أَبـْنَاءِّ أَخَوَاتهِِّّنَّ وَلاَ نِّسَائِّهِّنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيمَْانـُهُنَّ وَاتَّقِّينَ الِلََّّ إِّنَّ الِلََّّ كَانَ عَلَى كُليِّ شَيْءٍ شَهِّيدًا [55.] ونزل أيضاً في شأن نساء النَّبيِّ في أدب الخطاب والإقامة في البيوت قوله تعا النَّبِّيِّ لَسْتََُّ كَأَحَدٍ مِّنَ النيِّسَاءِّ إِّنِّ اتـَّقَيـْتََُّ فَلاَ تخَْضَعْنَ باِّلْقَوْلِّ فـَيَطْمَعَ الَّذِّي فيِّ قـَلْبِّهِّ مَرَضٌ وَقـُلْنَ قـَوْ لاً مَعْرُوفًا *وَقـَرْنَ فيِّ بـُيُوتِّكُنَّ وَلاَ تـَبـَرَّجْنَ تـَبـَرُّجَ الجَْاهِّلِّيَّةِّ الأُولىَ وَأَقِّمْنَ ال صَّلاَةَ وَآتِّينَ الزَّكَاةَ وَأَطِّعْنَ الِلََّّ وَرَسُولَهُ إِّنمََّا يُرِّيدُ الِلَُّّ لِّيُذْهِّبَ عَنْكُمُ الريِّجْسَ أَهْلَ الْبـَيْتِّ وَيُطَهيِّرَكُمْ تَطْهِّيرًا [32 ـ33.] وجمهور المفسيِّرين على أنَّ هذه الاية وإن كانت خطاباً لأزواج النَّبيِّ (ص فحكمها لجميع نساء الأمَّة ، وإنمَّا خصَّ نساء النَّبيِّ لمنزلتهنَّ ، وعظم فضلهنَّ ، ومكانتهنَّ من النَّب (ص 1041]) الإمام القرطبُّ في تفسيره«معنى هذه الاية: الأمر بلزوم البيت ، وإن كان الخطاب لنساء النَّبيِّ (ص فقد دخل غيرهنَّ فيه بالمعنى ، هذا لو لم يرد دليلٌ يخصُّ جميع النيِّساء ، كيف والشَّريعة طافحةٌ بلزوم النيِّساء بيوتهنَّ ، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورةٍ على ما تقدَّم من غير موضعٍ؟![»1042.]) وقد فصَّل ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه الكريم ما يتعلَّق بالنيِّساء المسلمات: من غضيِّ البص ر ، وحفظ الفروج ، وعدم إبداء مواضع الزيِّينة من عنقٍ ، وساقٍ ، وعضُدٍ ، وساعدٍ ، وشعرٍ ، ونحوها من العورة الظَّاهرة إلا للمحارم1043]) بالنيِّساء من احتجاب ، وتصوُّنٍ ، وتعفُّفٍ ، وعدم السُّفور ، والخلاعة ، والابتذال بما لا مزيد عليه(2.) هذه بعض الدُّروس ، والعبر استُخرجت من قصَّة زواج رسول الله (ص) من زينب بنت جحش ، وما واكب ذلك الزَّواج من نزول اياتٍ بييِّناتٍ في أحكام الحجاب ، وما شرع من اداب الضيِّيافة.

عدد الصفحات ٢٢٩

هذا وقد توفيِّيت زينت بنت جحش رضي الله عنها سنة عشرين من الهجرة ، وعمرها ثلاث وخُسون سنة ، وكانت كما أخبر النَّبُّ (ص) أوَّل نسائه لحاقاً به 1420) ، ومسلم (2452([])1044]) حديثاً1045])ب السيِّتَّـة خُسةُ أحاديث 1046]) على حديث1047])1048.]) * * * المبحث الثا «الان نغزوهم ، ولا يغزوننا » [4110) ، وأحمد4/262.]) كان (ص) يعمل حساب كليِّ القوى المجاورة ، ولا يغفل عن أييِّ قوَّة منها ، وقد صرَّح بعد غزوة الخندق بأنَّ الخطَّة القادمة هي غزو قريش؛ فقد تغيرت موازين القوى ، وأصبح المسلمون لهم القدرة على الهجوم أكثر مِّنْ قبل ، فسعى (ص) لبسط سيادة الدَّولة على ما تبقَّى من قوى حول المدينة ؛ لأنَّ ذلك له صِّلةٌ بالإعداد لغزو قريش في مرحلةٍ لا حقةٍ ، فقد قام (ص) خلال عامٍ واحدٍ ـ العام السَّادس ـ بغزوتين ، وأرسل أربع عشرة سريَّةً ، غير ما قام به في نَّاية العام الخامس الهجري ، وهذه الأعمال والتَّحرُّكات قصد منها المزيد من إنَّاك قوى قريش بإحكام الحصار ، وتقليم أظفارها من خلال اقتطاع كليِّ ما يمدُّها بالقوَّة من حلفائها1049]) الأحزاب ، وإفشال خططهم ، ورديِّهم كيد يهود بني قريظة في نحورهم ، فباشروا نشاطاً واسع النيِّطاق ضدَّ خصومهم على الجبهات كافة ، فقد ضييقوا الخناق الاقتصاديَّ على قريشٍ من جديدٍ ، كما نفَّذوا العديد من السَّرايا لمعاقبة المشركين في الأحزاب من جهةٍ ، أو للثأر من القبائل الَّتي كانت قد غدرت

عدد الصفحات ٢٣٠

بالدُّعاة ، أو نصبت الإسلام العداء ، وقد تمثَّل النشاط العسكريُّ الإسلاميُّ خلال هذه الفترة فيما يلي: أولاً: سريَّة محمَّد بن مسلمة إلى بني القرطاء: كانت العشائر النَّجديَّة من أجرأ العناصر البدويَّة الوثنيَّة على المسلمين؛ لأن النَّجديين أهل قوَّةٍ ، وبأسٍ ، وعددٍ غامرٍ ، وقد رأينا كيف أنَّ العمود الفقريَّ لقوَّات الأحزاب الضَّاربة كا ن من هذه القبائل النَّجديَّة؛ حيث كان رجال هذه القبائل الشَّرسة يشكيِّلون الأغلبيَّة السَّاحقة من تلك القوَّة الضَّاربة ، ستة الاف مقاتل من غطفان ، وأشجع ، وأسلم ، وفزارة ، وأسد ، كانت ضمن الجيوش الَّتي قادها أبو سفيان لحرب المسلمين ، فحاصرهم أهل المدينة. ولهذا فإنَّ أوَّل حملةٍ عسكريَّةٍ وجَّهها النَّبُّ (ص) لتأديب خصومه بعد غزوة الأحزاب هي تلك الحملة الَّتي جرَّدها على القبائل النَّجديَّة من بني بكر بن كلاب؛ الَّذين كانوا يقطنون القرطاء بناحية ضرية 1050])لمحرَّم عام خُس للهجرة ، وبعد الانتهاء مباشرة من القضاء على يهود بني قريظة وجَّه (ص1051]) عليهم محمَّد بن مسلمة لشنيِّ الغارة على بني القرطاء من قبيلة بكر بن كلاب ، وذلك في العاشر من محرَّم سنة (6 هـ1052]) حين غِّرَّةٍ ، فقتلوا منهم عشرةً ، وفرَّ الباقون ، وغنم المسلمون إبلَهم ، وماشيتهم ، وفي طريق عودتهم أسروا ثمُامةَ بن أَثال الحنفيَّ سييِّد بني حنيفة ، وهم لا يعرفونه ، فقدموا به المدينة ، وربطوه بساريةٍ من سواري المسجد ، فخرَج إليه النَّبُّ (ص) ، فقال: «ماذا عندك يا ثمُامة؟!»فقال: عندي خيرٌ يا محمد! إن تقتلني ، تقتل ذا دمٍ ، وإن تُنعم؛ تُنعم على شاكرٍ ، وإن كنت تريد المال؛ فسل منه ما شئت . فتركه حتََّّ كان الغد ، فقال: «ما عندك يا ثمُامة؟»فقال عندي ما قلت لك: إنْ تُنعم؛ تنعم على شاكرٍ. فتركه حتََّّ كان ب عد الغد ، فقال: «ما عندك يا ثمُامة؟»فقال: عندي ما قلت لك. فقال«أطلقوا ثمُامة»فانطلق إلى نَلٍ قريبٍ من المسجد ، فاغتسل ، ثمَّ دخل المسجد ، فقال: أشهد أن لا إله إ ، وأشهد أنَّ محمَّداً رسولُ الله ، يا محمد! والله! ما كان على الأرض وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهك ، فقد أصبح وجهُك أحبَّ الوجوه إليَّ ، والله! ما كان دينٌ أبغضَ إليَّ من دينك ، فأصبح دينك أحبَّ الديِّين إليَّ ، والله! ما كان بلـدٌ أبغضَ إليَّ من بلـدك ، فأصبح بلدُك أحبَّ البـلاد إلـيَّ ، وإنَّ خيلك أخذتني وأن أريد العُمرة ، فماذا ترى ؟ فبشَّر ه رسولُ الله (ص) ، وأمره أن يعتمر.

عدد الصفحات ٢٣١

فلمَّا قدم مكَّة؛ قال له قائل: صَبـَوْتَ؟ قال: لا والله! ولكنييِّ أسلمت مع محمَّدٍ رسول الله (ص) ، و والله لا يأتيكم من اليمامة حبَّةُ حنطةٍ حتََّّ يأذن فيها النَّبُّ (ص 462) ، ومسلم (1764/59([])1053.]) وقد بر بقسمه ممَّا دفع وجوه مكَّة إلى أن يكتبوا إلى رسول الله (ص) يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمُامة ليخليِّيَ لهم حمل الطَّعام 1054]) حربٍ معهم ، وكتب إلى سييِّد بني حنيفة ثمُامة «أن خَليِّ بين قومي وب ين ميرتهم»فامتثل ثمُامة أمر نبييِّه ، وسمح لبني حنيفة باستئناف إرسال المحاصيل إلى مكَّة ، فارتفع عن أهلها كابوس المجاعة1055.]) وفي هذه القصَّة دروسٌ ، وعبرٌ؛ منها 1 ـ جواز ربط الكافر في المسجد 2 ـ جواز المنيِّ على الأسير الكافر ، وتعظيم أمر العفو عن اسيء ، لأنَّ ثمُامة أقسم: أنَّ بغضه انقلب حبياً في ساعةٍ واحدةٍ ، لما أسداه النَّبُّ (ص) إليه من العفو والمنيِّ بغير مقابل. 3 ـ الاغتسال عند الإسلام كما فعل ثمُامة حين أسلم 4 ـ الإحسان يُزيل البُغض ، ويُنبت الحُب 5 ـ يشرع للكافر إذا أراد عمل خيرٍأسلم أن يستمرَّ في عمل ذلك الخير. 6 ـ الملاطفة لمن يُرجى إسلامه من الأسارى ، إذا كان في ذلك مصلحةٌ للإسلام ، ولاسيَّما مَنْ يتبعُه على إسلامه العددُ الكثيرُ مِّنْ قومه1056.]) 7 ـ الإسلام يُغيريِّ سلوك المؤمن حين يضع المسلم قدراته تحت الإسلام والمسلمين ، كم ا فعل ثمُامة بعدم إرساله القمح لأهل مكَّة إلا بإذنٍ من الرَّسول (ص) . 8 ـ ينبغي أن يخلع المؤمن على عتبة الإيمان وعند تركه للكفر كلَّ علاقاته السَّابقة ، ثمَّ يلتزم بأوامر ربي العالمين بعد إيمانه1057.]) ثانياً: سَرِّيَّة أبي عبيدة بن الجرَّاح إلى سيف البحر: تعتبر سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر استمراراً لسياسة النَّبيِّ (ص) العسكريَّة لإضعاف قريش، ومحاصرتها اقتصاديايً على المدى الطَّويل، فقد بعث (ص) أبا عبيدة ابن الجراح في ثلاثمئة راكبٍ قِّبَل السَّاحل؛ ليرصدوا عيراً لقريش ، وعندما كانوا ببعض الطَّريق فني الزَّ اد ، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش ،

عدد الصفحات ٢٣٢

فجُمع ، فكان قَدْرَ مِّزْوَدِّ تمرٍ ، يقوتهم منـه كلَّ يوم قليلاً قليلاً ، حتََّّ كان أخيراً نصيب الواحد منهم تمرةً واحدةً ، وقد أدرك الجنود صعوبـة الموقف ، فتقبَّلوا هـذا الإجراء بصدورٍ رَحْبَةٍ دون تذمُّرٍ ، أو ضجرٍ ، بل إنََّّم ساهوا في خطَّة قائدهم التَّقشُّفيَّة ، فصاروا يَاولون الإبقاء على التمرة أكبر وقتٍ ممكنٍ1058]) السَّرِّيَّة: (كنَّا نمصُّها كما يمصُّ الصَّبُّ ، ثمَّ نشرب عليها من الماء ، فتكفينا يومنا إلى الَّليل1059) ] ، وقد سـأل وهب بن كيسان جابراً رضي الله عنـه: ما تغني عنكم تمرةٌ؟ فقال: لقد وجدن فقدها ح فَنِّيَتْ4360) ، ومسلم1935/18.]) وقد اضطر ذلك الجيش إلى أكل ورق الشَّجر ، قال جابر رضي الله عنه: وكنَّا نضرب بعصييِّنا الخَبَط1060])لماء ، فنأكله 1061])«فسميِّي ذلك الجيش جيش الخَبَط[»1062]) السَّريَّة الشُّجاعة ، وهو رجلٌ من أهل بيت اشتُهر بالكرم ، فنحر للجيش ثلاث جزائر1063]) نحر ثلاث جزائر ، ر ثلاث جزائر ، ثمَّ إنَّ أبا عبيدة نَّاه 4361) ، ومسلم (1935/19.]) فبينما هم كذلك من الجوع ، والجهد الشَّديدين ، إذ زفر البحر زفرةً أخرج الله فيها حوتاً ضخماً ، فألقـاه على الشَّاطأى ، ويصف لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مقدار ضخامة هـذا الحوت العجيب ، فيقول: وانطلقنـا على ساحل البحر ، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضَّخم1064])1065]) قال: لا ، بل نحن رسل رسول الله (ص) وفي سبيل الله ، وقد اضطررتَ ، فكلُوا ، قال: فأقمنا عليـه شهراً ، ونحن ثلاثمئة حتََّّ سمَِّنيا ، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وَقْب 1066]) بالقِّلال1067])1068]) عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينيه ، وأخذ ضلعاً من أضلاعـه فأقامها ، ثمَّ رحَّل أعظمَ بعيرٍ منـا ، فمرَّ من تحتها 1069]) (ص1070])

عدد الصفحات ٢٣٣

«ما حبسكم؟»قلنا: كنا نتبع عيرات قريش ، وذكرن له من أمر الدَّابة1071])«هو رزقٌ أخرجه الله لكم ، فهل معكم من لحمه شيءٌ ، فتطعمون»قال: فأرسلنا إلى رسول الله (ص) منه ، فأكله4362) ، ومسلم1435/17([])1072.]) كانت هذه السَّريَّة على الأرجح قبل صلح الحديبية ، وليس في رجب سنة ثمانٍ كما ذكر ابنُ سعدٍ1073]): أنَّ الرَّسول (ص) لم يغزُ ، ولم يبعث سَرِّيَّةً في الشَّهر الحرام ، والثَّاني: أنَّ رجب سنة ثمانٍ هو ضمن فترة سريان صلح الحديبية1074.]) وذكر ابن سعدٍ ، والواقدي 1075]) حجر1076])ظاهره مافي الصَّحيح؛ لأنَّه يمكن الجمع بين كونَّم يتلقَّون عيراً لقريشٍ ، ويقصدون حيياً من جُهينة ، ويَتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم ، بل لحفظهم من جهينة ، ويقويِّي هذا الجمع ما عند مسلمٍ ، أنَّ البعث كان إلى أرض جُهينة (1935/21([])1077.]) و هذه القصَّة دروسٌ ، وعبرٌ؛ منها: 1 ـ حكمة أبي عبيدة رضي الله عنه حيث جمع الأزواد ، وسوَّى بين المجاهدين في التوزيع؛ ليستطيع تجاوز الأزمة بهم ، وذلك درسٌ تعلَّمه من رسول الله (ص) عمليياً أكثر من مرَّةٍ. 2 ـ كرمُ قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما في وقت عصيب ، ليس بيده يومها ما يخفيِّف عن الناس ، ففي رواية الواقدييِّ: أنَّ قيس بن سعد رضي الله عنه استدان هذه النُّوق من رجلٍ جُهَنيِّيٍ ، وأنَّ أبا عبيدة رضي الله عنه نَّاه قائلاً: تريد أن تخفر ذمَّتك ، ولا مال لك1078]) الريِّفق به1079.]) وقد بدأ قيس بن سعد ينحر ، وينحر حتََّّ نَّاه أبو عبيدة ، فقال له قيس بن سعد: يا أبا عبيدة! أترى أنَّ أبا ثابتٍ يقضي ديون النَّاس ، ويَمل الكلَّ ، ويطعم في المجاعة ، لا يقضي عنييِّ تمر القوم مجاهدين في سبيل 1080]) مع رجلٍ من جهينة على أن يشتري منه نوقاً ينحرها للجيش على أن يعطيه بدل ذلك تمراً بالمدينة ، وقد وافق الجهنيُّ على تلك الصَّفقة. عندما علم سعد بن عبادة بنهي أبي عبيدة لقيس بحجَّة: أنَّه لا مال له ، وإنمَّا المال لأبيه؛ وهب ابنه أربع حوائط أدنها يجَُذُّ منه خُسون وَسْقاً1081.])

عدد الصفحات ٢٣٤

3 ـ الحلال والحرام إنَّ المسلمين في هذه السَّرِّيَّة بلغ بهم الجوع غايته ، فكانت التَّمرة الواحدةُ طعامَ الرَّجل طوال يومٍ كامل في سفرٍ، ومشقَّةٍ، ويمرُّون وهم على تلك الحال من فقد التَّمر ، وأكل الخبط على الجهنييِّ ـ الَّذي اشترى منه قيس ـ أو على قومه، فما يخطر بفكرهم أن يغيروا عليهم لينتزعوا منهم طعامهم ، كما كانت الحال في الجاهليَّة؛ لأنََّّم اليوم ينطلقون بدين الله الَّذي جاء ليحفظ على النَّاس أموالهم ـ في جملة ما حفظ ـ وهم اليوم يفريِّقون بين الحلال ، والحرام الَّذي تعلَّموه من منهج ر بيِّ العا 1082.]) 4 ـ جواز أكل ميتة البحر وتدل القصَّة على جواز أكل ميتة البحر ، وأنََّّا لم تدخل في قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ وَالدَّمُ وَلحَْمُ الخِّْنْزِّيرِّ وَمَا أُهِّلَّ لِّغَيرِّْ الِلَِّّّ بِّهِّ وَالْمُنْخَنِّقَةُ وَالْمَوْقُ وذَةُ وَالْمُتـَرَديِّيَةُ وَالنَّطِّيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِّلاَّ مَا ذَكَّيـْتُمْ وَمَا ذُبِّحَ عَلَى النُّصُبِّ وَأَنْ تَسْتـَقْسِّمُوا باِّلأَزْلاَمِّ ذَلِّكُمْ فِّسْقٌ أَلْيـَوْمَ يَئِّسَ الَّذِّينَ كَفَ رُوا مِّنْ دِّينِّكُمْ فَلاَ تخَْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِّ الْيـَ وْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِّينَكُمْ وَأَتمَْمْتُ عَلَيْكُمْ نِّعْمَتيِّ وَرَضِّيتُ لَكُمُ الإِّسْلاَمَ دِّيناً فَمَنِّ اضْطُرَّ فيِّ مخَْمَصَةٍ غَيـْرَ مُتَجَانِّفٍ لإِّثمٍْ فَإِّنَّ الِلََّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ [3.] وقد قال تعا وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِّلسَّيَّارَةِّ وَحُريِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبـَريِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتـَّقُوا الِلََّّ الَّذِّي إِّلَيْهِّ تحُْشَرُونَ[96.] وقد صحَّ عن أبي بكرٍ الصيِّديِّيق ، وعبد الله بن عباسٍ ، وجماعةٍ من الصَّحابة رضي عنهم: (أنَّ صيد البحر ما صيد منه ، وطعامهُ ما مات فيه). وفي السُّنن عن ابن عمر مرفوعاً ، وموقوفاً: (أُحلَّت لنا ميتتان ، ودمان: فأمَّا الميتتان؛ فالسَّمك ، والجراد ، وأمَّا الدَّمان؛ فالكبِّد ، والطيِّحال 2/97) ، وابن ماجه 3218) ، والدارقط (4/271 و272]) الصَّحابي: (أُحِّلَّ لنا كذا ، وحُريِّم علينا) ينصرف إلى إحلال النَّبيِّ (ص) وتحريمه 1083]) أكل الرَّسول (ص) من لحم الحوت الَّذي تغذَّى منه المسلمون مدَّةً دليلاً على مشروعية أكل ميتة البحر1084]) يكن فيه مشقَّةٌ على المفتي ، وكان فيه طمأنينةٌ للمستفتي ، قاله النَّووي1085.]) 5 ـ بعض الأحكام الَّتي ذكرها الإمام النَّووي

عدد الصفحات ٢٣٥

قال النَّوويُّ: في هذا الحديثجواز صديِّ أهل الحرب ، واغتيالهم ، والخروج لأخذ مالهم ، واغتنامه ، وأنَّ الجيوش لابدَّ لها من أميرٍ يضبطها ، وينقادون لأمره ، ونَّيه ، وأنَّه ينبغي أن يكون الأمير أفضلَهم ، أو مِّنْ أفضلِّهم ، قالوا: ويستحبُّ للرُّفقة من النَّاس ، وإن قلُّوا أن يؤميِّروا أحدهم عليهم ، وينقادوا له ، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب للرُّفقة من المسافرين خلط أزوادهم ، ليكون أبركَ ، وأحسنَ في العشرة وألاَّ يختص بعضهم بأكلٍ دون بعضٍ ، والله أعلم 1086.]) ثالثاً: سرية عبد الرَّحمن بن عوفٍ إلى دومة الجندل كانت هذه السَّريَّة قد و جهت إلى أبعد مدىً وصلت إليه الجيوش النَّبويَّة في الجزيرة العربيَّة ، ودومة الجندل قريبة من تخوم الشَّام ، فهي أبعد ثلاثة أضعاف عن المدينة بعدها عن دمشق ، وهي تقوم في قلب الصَّحراء العربيَّة واسطة الصيِّلة بين الرُّوم في أرض الشَّام ، والعرب في الجزيرة ، وسكَّانَّا من قبيلة كلبٍ الكبرى ، وقد دخلوا في النَّصرانية نتيجة جوارهم ، وتأثُّرهم بجوار الرُّوم النَّصارى ، وهذه السَّرِّيَّة تدخل ضمن مخطَّط النَّبيِّ (ص) في احتكاكه مع الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة. وأمَّا أمير السَّرِّيَّة فهو عبد الرَّحمن بن عوف أحد العشرة المبشَّرين بالجنَّة ، ومن رجال الرَّعيل الأوَّل ، فقد كان أحد الدَّعائم الكبرى للدَّعوة الإسلاميَّة منذ دخوله فيها على يد الصيِّديِّيق رضي الله عنه. ومهمَّة هذه السَّرية ذات جانبين: مهمَّةٌ دعويَّةٌ ، ومهمَّةٌ حربيَّةٌ؛ لذلك انتدب لها عبد الرَّحمن بن عوف الَّ ذي تربََّ على محض الإسلام منذ أياَّمه الأو 1087.]) وعن هذه السَّريَّة حدَّثنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال: دعا رسول الله (ص) عبد الرحمن بن عوف ، فقال: «تجهَّز فإنييِّ باعثك في سرِّيَّةٍ في يومك هذا ، أو من غدٍ إن شاء »، قال ابن عمر فسمعت ذلك ، فقلت: لأدخلنَّ ، فلأُصليِّينَّ مع النَّبيِّ الغداة ، فلأسمعنَّ وصيته لعبد الرَّحمن بن عوف. قال: فغدوتُ ، فصلَّيت ، فإذا أبو بكرٍ ، وعمر رضي الله عنهما ، ونسٌ من المهاجرين فيهم عبد الرَّحمن بن عوف ، وإذا رسول الله (ص) قد كان أمَره أن يسير من اللَّيل إلى دومة الجندل ، فيدعوهم إلى الإسلام ، فقال رسول الله (ص) لعبد الرَّحمن: «ما خلَّفك عن أصحابك؟»قال ابن عمر: وقد مضى أصحابه في السَّحر ، فهم معسكرون بالجُرْف ، وكانوا سبعمئة رجلٍ ، فقال: أحببت يا رسول الله! أن يكون اخر عهدي بك ، وعليَّ ثياب سفري. قال: وعلى عبد الرَّحمن بن عوفٍ عمامةٌ قد لفَّها على رأسه ، قال ابن عمر: فدعاه النَّبُّ (ص) فأقعده بين يديه ، فنقض عمامته بيده ، ثمَّ عمَّمه بعمامةٍ سوداء ، فأرخى بين كتفيه منها ، ثمَّ قال: «هكذا

عدد الصفحات ٢٣٦

فاعتم يا بن عوف»قال: وعلى ابن عوف السَّيف مُتوشيِّحـه ، ثمَّ قال رسو ل الله (ص) : «اغزُ باسم الله ، وفي سبيل الله ، فقاتل من كفر بالله ، لا تـَغُلَّ ، ولا تغدر ، ولا تقتُل وليداً »قال ابن عمر رضي الله عنهما: ثمَّ بسط يده ، فقال: «يا أيها النَّاس! اتقوا خُساً قبل أن يَُلي بكم: ما نقص مكيالُ قومٍ إلا أخذهم الله بالسيِّنين ، ون قصٍ من الثَّمرات لعلَّهم يرجعون ، وما نكث قومٌ عهدهم إلا سلَّط الله عليهم عدوَّهم ، وما منع قوم الزَّكاة إلا أمسك الله عليهم قطر السَّماء ، ولولا البهائم لم يمُْطَرُوا، وما ظهرت الفاحشة في قومٍ إلا سلط الله عليهم الطَّاعون ، وما حكم قوم بغير اي القران إلا ألبسهم الله شيعاً ، وأذاق بعضهم بأس بعض[»1088.]) قال: فخرج عبد الرَّحمن حتَّ لحق أصحابه ، فسار حتَّ قدم دُومة الجندل ، فلمَّا حلَّ بها ، دعاهم إ الإسلام ، فمكث بها ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام ، وقد كانوا أوَّل ما قدم لا يعطونه إلا السَّيف ، فلمَّا كان اليوم الثَّالث أسلم الأصبغ بن عمروٍ الكلبُّ ، وكان نصرانيياً ، وكان رأسهم ، فكتب عبد الرحمن إلى النَّبيِّ (ص) يخبره بذلك ، وبعث رجلاً من جُهينة يقال له: رافع بن مكيث ، وكتب يخبر النَّب (ص) : أنَّه أراد أن يتزوَّج فيهم ، فكتب إليه النَّبيِّ (ص) أن يتزوَّج بنت الأصبغ تماضر ، فتزوَّجها عبد الرحمن ، وبنى بها ، ثمَّ أقبل بها ، وهي أمُّ أبي سلمة بن عبد الرَّحمن بن عوف ، وذكر الواقديُّ: أنَّ هذه السَّريَّة في شعبان سنة ستيٍ4/85([])1089.]) وفي هذه السَّريَّة دروسٌ ، وعبرٌ ، منها 1 ـ تواضع النَّبيِّ (ص) لأصحابه ، وشفقته عليهم ، حيث ألبس عبد الرَّحمن بن عوف عمامته بيده ، وهذا التَّواضع منه (ص) يرفع من معنويات الصَّحابة رضي الله عنهم ، ويدفعهم إلى بـذل المزيد من الطَّاقة في سبيل خدمـة هـذا الديِّين؛ لأنَّ التَّلاحم والمـودَّة بين القائـد و جنوده من أهـميِّ عوامل نجاح العمل ، وتحقيق الأهداف1090.]) 2 ـ كان جيش عبد الرَّحمن جيش مبادأى ، وعقيدةٍ ، فتحرَّك ضارباً في هذه الصَّحراء المترامية يَمل شرع الله إلى خلقه ، وهدي رسوله إلى أمَّته ، مستوعباً لمقاصد الجهاد ، وأحكامه ، فالجهاد ليس باسم محمَّد (ص) ، فهو عبد الله ، ورسوله ، ولا مكان لزعيمٍ ، أو أمَّه ، أو قبيلةٍ ، أو رايةٍ ، أو وطنٍ ، أو جيشٍ ، أو قوميَّةٍ بجوار هذه الرَّاية الخفَّاقة في هذا الوجود؛ راية الله تعالى. «اغزُ باسم »فحزب تعالى هو الَّذي يَيي هذه الصَّحراء الظَّمأى بغيث العق يدة الخالصة؛ عقيدة التَّوحيد 1091])

عدد الصفحات ٢٣٧

وهدفهم من هذا التحرُّك في سبيل الله وحدَه ، قال تعا رَبيِّ الْعَالَمِّينَ *لاَ شَرِّيكَ لَهُ وَبِّذَلِّكَ أُمِّرْتُ وَأَنَ أَوَّلُ الْمُسْلِّمِّينَ [ :162 ـ163.] قتالهم لمن كفر بالله وليس القتال على المبدأ الجاهليي وأحيانً عَلَى بَكْرٍ أَخِّيـْنَا إِّذَا مَا لمَْ نجَِّدْ إلاَّ أخَانَ أمَّا هذا الجيش القويُّ الفتي، فهو يمضي في الأرض قُدُماً؛ ليقاتل من كفر1092.]) 3 ـ ثمَّ نَّى رسول الله (ص) عبد الرَّحمن بن عوفٍ عن الغُلول ، وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها ، ونَّاه عن الغَدْر في العهود ، وعن قتل الوِّلْدان ، وتلك نماذج من الأدب الإسلامييِّ في الجهاد ، فالقتال نوعٌ من العنف ، والقسوة ، ولكنَّه بالنسبة للمسلمين؛ الَّذين طهَّر الله تعالى قلوبهم من الغليِّ ، والحسد أمرٌ عارضٌ لإحقاق الحقيِّ ، وإزهاق الباطل ، وحماية المحقيِّين من المبطلين ، وليس متأصيِّلاً في نفوسهم ، ولذلك كان محفوفاً بالاداب السَّامية الَّتي تجعل الإنسان الواحد جامعاً بين منتهى القوَّة ، والبطش ، ومنتهى الرَّحمة ، والعطف1093.]) 4 ـ كان عب د الرحمن بن عوف رضي الله عنه سييِّداً من سادات هذه الأمَّة ، وواحداً من أكبر دُعاتها ، فهو يملك من الحلم ، والحكمة ، والثَّقافة ، والتَّجربة ، والعبقريَّة ، والقِّدَم في الإسلام ، والبلاء فيه ما لا يملكه غيره ، ولهذا بذل كلَّ طاقاته لتحقيق الهدف الرَّئيسييِّ الأوَّل ، وهو الدُّخول في الإسلام ، وكان متريثاً هادياً خبيراً بالنُّفوس والقلوب ، فشحن كلَّ الإمكانت الفكريَّة ، والحركيَّة لإنجاح هذه المهمَّة العظمى ، وتكلَّل عمله بفضل الله تعالى بالنَّجاح الكبير ، وخاصَّة: أنَّ الجهد انصبَّ على إقناع الرَّئيس ، حسب ت وجيهات المصطفى (ص) . 5 ـ إنَّ إسلام سيد بني كلب في دومة الجندل الأصبغ بن عمرو على يد عبد الرَّحمن بن عوف ، يذكرن بجعفر بن أبي طالب الَّذي أسلم على يديه النَّجاشي ملك الحبشة ، ومصعب بن عمير بالمدينة حيث استجاب له سادات الأوس ، والخزرج وزعامتُهم للإسلام ، و هذه الشَّخصيَّات العُظمى الثلاثة هم من الرُّوَّاد الأوائل ، ومن المؤسيِّسين في المدرسة الإسلاميَّة الأولى بمكَّة المكرَّمة. هذا عبد الرَّحمن بن عوف الَّذي أصيب بواحدٍ وعشرين جرحاً (أي: في غزوة أحدٍ) أدَّت بعضها إلى أن يكون عنده عرجٌ من شدَّتها؛ يصنع ركائز العقيدة الإسلاميَّة بجيشه المظفَّر شمال الجزيرة العربيَّة وينضمُّ الكثيرون إلى الإسلام؛ لتغدو دومة الجندل موقعاً جديداً من المواقع الإسلاميَّة ، في هذه الأطراف النائية

عدد الصفحات ٢٣٨

، فلا غنى للمسلمين عن هذه القلعة ، وعن هذه الموقعة للمستقبل القريب في المواجهة مع العرب ، والرُّوم المناوئين للإسلام1094.]) وهذه أوَّل مرَّةٍ يَكم الإسلام خارج حدوده ، ويتعايش المسلمون ، والنَّصارى في دولةٍ واحدةٍ ، فالَّذين أسلموا تُطَبَّق عليهم أحكام الإسلام ، والَّذين بقوا على نصرانيتهم تؤخذ منهم الجزية ، وكان هذا الانفتاح تدريباً جديداً للصَّحابة على المجتمعات الجديدة الَّتي سينتقلون إليها فيما بعد ، وينساحون في العراق ، والشَّام ، وفي قلب فارس ، والرُّوم؛ ليعليِّموا النَّاس: أنَّ العقيدة تنبني من خلال الحوار ، لا من خلال السَّيف ، وأنَّ مبادأى الإسلام لها قوَّتها الذَّاتية الَّتي تشعُّ أنوارها على المجتمعات التي قد انغمست في الظَّلام البهيم1095.]) 6 ـ إنَّ زواج عبد الرَّحمن بن عوف من ابنة سيد بني كلب زعيم دومة الجندل يقويِّي الريوابط بين الزَّعيم المسلم الجديد بدومة الجندل ، وبين دولة الإسلام في المدينة ، ويربط مصيره بمصير دولة الإسلام ، ومصير الإسلام نفسه حين يشعر: أنَّ فلذة كبده مقيمةٌ في العرين الإسلامييِّ الَّذي أصبح يَنُّ له حنينه لأرضه ، وبلده( 1.) وقد كان (ص) يَرص على أن يتزوَّج هو وقادتُه ببنات سادة القبائل؛ لأنَّ ذلك كسبٌ كبيرٌ لدعوة الإسلام ، حيث تكون المصاهرة سبباً في القرب ، وامتصاص أسباب العداء ، ثمَّ الدُّخول في الإسلام1096.]) رابعاً: تأديب الغادرين: غزوة بني لحيان ، وغزوة الغابة ، وغيرها 1 ـ بعد رحيل الأحزاب انتقل المسلمون من دور الديِّفاع إلى دور الهجوم ، وأصبحوا يمسكون بأيديهم زمام المبادرة ، وحان الوقت لتأديب بني لحيان ـ الَّذين غدروا بخُِّبيب ، وأصحابه يوم الرَّجيع ـ وأَخْذِّ ثأر الشُّهداء ، فخرج إليهم في مئتي صحابييٍ ، في ربيعٍ الأوَّل ، أو جمادى الأولى سنة ستيٍ من الهجرة 1097.]) أ ـ تضليل العدوي كانت أرض بني لحيان من هُذيل تبعد عن المدينة أكثر من مئتين من الأميال ، وهي مسافةٌ بعيدة ، يلاقي مشاقاً كبيرة كلُّ مَنْ يريد قطعها ، ولكنَّ النَّبَّ (ص) كان حريصاً على الاقتصاص لأصحابه من الَّذين استُشْهدوا (غَدْراً) على يد هذه القبائل الهمجيَّة الَّتي لا قيمة للعهود عندها.

عدد الصفحات ٢٣٩

وكما هي عادة النَّبيِّ (ص) في تضليل العدويِّ الَّذي يريد مهاجمته ، اتجَّه بجيشه نحو الشَّمال ، بينما تقع منازل بني لحيان في أقصى الجنوب. وقد أعلن النَّبُّ (ص) قبل تحرُّكه نحو الشَّمال: أنَّه يريد الإغارة على الشَّام ، وحتََّّ أصحابه لم يعلموا: أنَّه يريد بني لحيان إلا عندما انحرف بهم نحو الجنوب ، بعد أن اتجَّه بهم متوغيِّلاً نحو الشَّمال حوالي عشرين ميلاً... في حركةٍ تمويهيَّةٍ ـ على العدويِّ ـ بارعةٍ. وكان تغيير خطيِّ سيره من الشَّمال إلى الجنوب عند مكانٍ يقال له: (البتراء) ، ففي ذلك المكان عطف بجيشه نحو الغرب حتََّّ استقام على الجادة مُنصبياً نحو الجنوب 1098.]) ب ـ فرار الليِّحيانييِّين قبل وصول النَّبيِّ (ص): كانت بنو لحيان على غاية التَّيقُّظ ، والانتباه ، فقد بثَّت الأرصاد ، والجواسيس في الطُّرق ليتحسَّسُوا لها ، ويتجسَّسُوا لذلك ، فما كاد النَّبُّ (ص) يقترب بجيشه من منازلهم حتََّّ انسحبوا منها فاريِّين ، وهربوا إ لى رؤوس الجبال ، وذلك بعد أن نقلت إليهم عيونَُّم خبر اقتراب جيش المسلمين من ديارهم. ولمَّا وصل النَّبُّ (ص) بجيشه عسكر في ديارهم ، ثمَّ بثَّ السَّرايا من رجاله ليتعقبوا هؤلاء الغادرين ، ويأتوا إليه بمن يقدرون عليه ، واستمرَّت السَّرايا النَّبويَّة في البحث والمطاردة يومين كاملين ، إلا أنََّّا لم تجد أيَّ أثرٍ لهذه القبائل الَّتي تمنَّعت في رؤوس تلك الجبال الشَّاهقة ، وأقام (ص) في ديارهم يومين لإرهابهم ، وتحديِّيهم ، وليظهر للأعداء مدى قوَّة المسلمين ، وثقتهم بأنفسهم ، وقدرتهم على الحركة ، حتََّّ إلى قلب ديار ا لعدويِّ متَّ شاؤوا1099.]) ج ـ إرهاب المشركين بمكَّة رأى النَّبُّ (ص) أن يغتنم فرصة وجوده بجيشه قريباً من مكَّة ، فقرَّر أن يقوم بمناورةٍ عسكريَّةٍ يرهبُ بها المشركين في مكَّة ، فتحرَّك بجيشه حتََّّ نزل به وادي عُسفَان 1100]) الصيِّدييق ، وأعطاه عشرة فوارس من أصحابه ، وأمره بأن يتحرَّك بهم نحو مكَّة ليبثَّ الذُّعر ، والفزع في نفوسهم ، فاتجَّه الصيِّديِّيق بالفرسان العشرة نحو مكَّة حتََّّ وصل بهم كُراع الغميم 1101]) مكانٌ قريب جداً من مكَّة ، فسمعت قريش بذلك، فظنَّت: أنَّ النَّب (ص) ينوي غزوها ، فانتابها الخوف، والفزع، والرُّعب ، وساد صفوفها الذُّعر ، هذا هو الَّذي هدف إليه النَّبُّ (ص) بهذه الحركة الَّتي كلَّف الصيِّديق أن يقوم بها.

عدد الصفحات ٢٤٠

أمَّا الصيِّديِّيق وفرسانه العشرة فبعد أن وصلوا كُراع الغميم ، وعلموا أنََّّم قد أحدثوا الذُّعر ، والفزع في نفوس أهل مكَّة عادوا سالمين إلى النَّبيِّ (ص) ، فتحرَّك بجيشه عائداً إلى المدينة 2/535 ـ 536) ، وابن سعد2/78 ـ80) ، والطبري في تاريخه2/595([])1102.]) د ـ الترَّحُّم على الشُّهداء عندما وصل النَّبُّ (ص) إلى بطن (غُرَان1103])حيث لقي الشُّهداءُ من أصحابه مصرعهم على أيدي الخونة مِّنْ هُذَيل؛ تـَرَحَّم على هؤلاء الشُّهداء ، ودعا لهم1104.]) 2 ـ غزوة الغابة1105:]) لم تكد تمضي ليالٍ قلائلُ على عودة رسول الله (ص) من غزوته لبني لحيان ، حتََّّ أغار عيينة بن حصن الفزاري في خيلٍ لغطفان ، كان عددها أربعين على لقاح (الإبل الحوامل ذوات الألبان) لرسول الله (ص) بالغابة ، وقتلوا ذرَّ بن أبي ذريٍ الغفاري ، وأسروا زوجته ليلى ، واستاقوا الإبل الَّتي كان عددها عشرين ، ولمَّا علم الرَّسول (ص) بخبر عُيـَيـْنَة؛ خرج في خُسمئةٍ من أصحابه في إثره ، بعد أ ن استخلف سعد بن عبادة في ثلاثمئة من قومه ، يَرسون المدينة 1106.]) وعند جبلٍ من ذي قـَرَد 1107]) الإبل1108.]) وقد أبدى سلمةُ بن الأكوع في هذه المعركة بطولةً ندرةً ، وخاصَّة قبل وصول كتيبة الفرسان النَّبويَّة؛ حيث كان من ضمن الرُّعاة في منطقة الغابة ، وظلَّ بمفرده يشاغل المغيرين ، ويراميهم بالنَّبل ، وكان من أعظم الرُّماة في عصره ، وقد استخلص مجموعةً من الإبل المنهوبة قبل قدوم كتيبة الفرسان1109.]) أمَّا المرأة التي أسرها المغيرون من غطفان وهي زوجة ابن أبي ذريٍ الَّذي قتله المشركون أثناء الغارة في الغابة ، فقد عادت سالمة إلى المدينة بعد أن تمكَّنت من الإفلات من القوم على ظهر نقةٍ تابعةٍ لرسول الله (ص) ، وقد نذرت إن نجَّاها الله ـ عزَّ وجلَّ ـ لتنحرنَّ تلك النَّاقة ، فلمَّا أخبرت النَّبَّ (ص) عن نذرها؛ تبسَّم ، وقال: «بئسما جزيتيها »أي: أنََّّا حملتك ، ونجت بك من الأعداء فيكون جزاؤها النَّحر؟ قال لها (ص) : لا نذر في معصية الله ، ولا فيما لا تملك 4/430) ، ومسلم1641) ، وأبو داود (3316([])1110.]) وقد عاد رسول الله (ص) إلى المدينة بعد أن أمضى خُس ليالٍ خارجها 1111.])

عدد الصفحات ٢٤١