حربيياً خطيراً، فأبو لبابة لم يَاول التَّكتُّم على ما بدر منه ، والظُّهور أمام رسول الله (ص) والمسلمين بمظهر الرَّجل الذي أدى مهمَّته بنجاحٍ ، وأنَّه لم يَصل منه شيءٌ من المخالفات ، وكان بإمكانه أن يخفي هذا الأمر ، حيث لم يطَّلع عليه أحد من المسلمين ، وأن يستكتم اليهود أمره ، ولكنَّه تذكَّر رقابة الله عليه ، وعلمه بما يُسِّرُّ ، ويُعلن ، وتذكَّر حقَّ رسول الله (ص) العظيم عليه ، وهو الَّذي ائتمنه على ذلك السيِّريِّ ، ففزع لهذه الزَّلَّة فزعاً عظيماً( 1) ، وأقرَّ بذنبه ، واعترف به ، وبادر إلى العقوبة الذَّاتيَّة التلقائيَّة ، دون انتظار التَّحقيق ، وتوقيع العقوبة الواجبة: إنََّّا صورةٌ تطبيقيَّةٌ لقوله تعا عَلَى الِلَِّّّ لِّلَّذِّينَ يـَعْمَلُونَ السُّوءَ بجَِّهَالَةٍ ثمَُّ يـَتُوبُونَ مِّنْ قَرِّيبٍ فَأُولَئِّكَ يـَتُوبُ الِلَُّّ عَلَيْهِّمْ وَكَانَ الِلَُّّ عَلِّيمً ا حَكِّيمًا[17.] إنََّّا صورةٌ فريدةٌ لتوقيع العقوبة من الإنسان نفسِّه على نفسِّه... ولا يفعل ذلك إلا أهل الإيمان ، وما ذلك إلا مِّنْ اثار الإيمان العميق الرَّاسخ ، الَّذي لا يرضى لصاحبه أن يخالطه إثمٌ ، أو فسوقٌ. وقد فرح الصَّحابة ، وفرح النَّبُّ (ص) نفسه بتوبة الله على أبي لبابة ، وتسابقوا إلى تهنئته ، حتََّّ كانت أمُّ سلمة زوج النَّبيِّ (ص) هي الَّتي بادرت بالتهنئة بعد الإذن ، فبشَّرته بقبول الله توبته972.]) وقد أنزل الله تعالى في أبي لبابة قوله تعاا الِلََّّ وَالرَّسُولَ وَتخَُونُوا أَمَانَتِّكُمْ وَأَنـْتُمْ تـَعْلَمُونَ[27.] ونزل في توبته قوله تعا يـَتُوبَ عَلَيْهِّمْ إِّنَّ الِلََّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ [102([]973.]) عاشراً: من فضائل سعد بن معاذٍ رضي الله عنه ظهرت لسعد بن معاذ رضي الله عنه في هذه الغزوة فضائل كثيرةٌ ، تدلُّ على فضله ، ومنزلته عند الله ورسوله (ص) ؛ منها: ـ استجابة الله تعالى لدعائه عندما قال: (اللَّهمَّ إنَّك تعلم: أنَّه ليس أحدٌ أحبَّ إليَّ أن أجاهدهم فيك من قومٍ كذَّبوا رسولك (ص) ، وأخرجوه ، اللَّهم! فإن بقي من حرب قريش شيءٌ؛ فأبقني له حتََّّ أجاهدهم فيك) وقد استُجيب دعاؤه فتحجَّر جرحُه ، وتماثل للشيِّفاء 974]) قريظة ، وجعل رسولُ الله (ص) الحكم في هم إليه ، فحكم فيهم بالحقيِّ ، ولم تأخذه في الله لومةُ لائم ، وهذا دليلٌ على تجرُّد قلبه للهِّ تعا975.])
عدد الصفحات ٢١٠ومن إكرام رسول الله (ص) له قوله للأنصار عندما جاء سعدٌ للحكم في بني قريظة «قوموا إ سيدكم »[3043 و4122) ، ومسلم1768/64([])976.]) وهذا تكريمٌ لسعدٍ ، وتقديرٌ لشجاعته ، حيث سمَّاه سييِّداً ، وأمر بالقيام له977.]) وعندما نفَّذ حكم الله في يهود بني قريظة؛ رفع سعدٌ يده يدعو الله ثانيةً ، يقول: اللَّهمَّ! فإنييِّ أظنُّ أنَّك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ـ يعني قريشاً والمشركين ـ فإنْ كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجر جرحي ، واجعل موتتي فيها 978]) اللَّيلة ، ومات رحمه979!]) ومن خلال دعائه الأوَّل ، والثَّاني نلحظ هذا الدُّعاء العجيب ، دعاء العظماء ، الَّذين يعرفون: أن رسالتهم في الحيا ة ليست الاستشهاد فقط؛ بل متابعة الجهاد إلى اللَّحظة الأخيرة ، فهو المسؤول عن نصرة الإسلام في قومه ، وأمَّته980.]) ونرى من سيرته: أنَّه لو أقسم على الله؛ لأبرَّه ، فهو وجيهٌ في السَّموات ، والأرض ، فقد شاءت إرادة المولى ـ تعالى ـ أن يعيد الأمر في بني قريظ ة كلَّه إليه ، وأن يطلب بنو قريظة أن يكون الحُكْمُ فيهم لسعدِّ بن معاذٍ رضي الله عنه. إنَّه لا يَرص كثيراً على الحياة ، بعد انتهاء الجهاد ، وانتهاء المسؤوليَّة ، وتأدية الأمانة المنوطة به في قيادة قومه لحرب الأحمر والأسود من النَّاس ، فإذا انتهت الحرب ، ووُ ضِّعت بين المسلمين ، وقريش ، وشفى غيظ قلبه في الحكم في بني قريظة ، وبدأ قطف الثيِّمار للإسلام ، فلا ثمرة أشهى عنده من الشَّهادة (فافجر جرحي ، واجعل موتتي فيه981.]) وقد تحقَّقت اماله ، فقد أصدر حكمه في بني قريظة ، وشهد مصرع حلفاء الأمس أعداء اليوم ، وهاهو جرحُه ينفجر982.]) وعندما انفجر جرحه نقله قومُه ، فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم ، وجاء رسول الله (ص فقال: «انطلقوا»، فخرج وخرج معه الصَّحابة ، وأسرع حتَّ تقطَّعت شسوع نعالهم ، وسقطت أرديتهم ، فشكا إليـه أصحابـه ذلك ، فقال النَّبُّ (ص) : «إنيي أخاف أن تسبقنا الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة»، فانتهى إلى البيت ، وهو يُغسل ، وأمُّه تبكيه ، وتقول وَيْلُ أميِّ سَعْدٍ سَعْدا حَزَامَةً وَجَديا
عدد الصفحات ٢١١فقال: كلُّ نئحةٍ تكذب إلا أمَّ سعدٍ»، ثمَّ خرج به قال: يقول له القوم: ما حملنا يا رسول الله! ميتاً أخف علينا منه! قال: «وما يمنعه أن يخفَّ ، وقد هبط من الملائكة كذا وكذا ، ولم يهبطوا قطُّ قبل يومهم قد حملوه معكم»[3/264)، والألباني في الصحيحة1158([])983.]) وقد جاء في النَّسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عددُ الملائكة الَّذين شاركوا في تشييع جنازة سعد ، فقد قال (ص) : «هذا العبد الصَّالح الَّذي تحرَّك له العرش ، وفُتحت له أبواب السَّماء ، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة ، لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك ، لقد ضُمَّ ضمَّة ، ثمَّ أفرج عنه»[ (4/101([])984]) وها هو رسول الله (ص) يوديِّع سعداً كما رَوَى عبد الله بن شدَّاد: دخل رسول الله (ص) وهو يكيد نفسه ، فقال: «جزاك الله خيراً من سييِّد قومٍ ، فقد أنجزت ما وعدته ، ولينجزك الله ما وعدك شيبة (5/322) و12/145([])985.]) لقد أثنى النَّبُّ (ص) على هذا العبد الصَّالح بعد موته كثيراً أمام الصَّحابة؛ ليتعرَّف النَّاس على أعماله الصَّالحة ، فيتأسَّوا به986])«اهتزَّ عرشُ الرَّحمن لموت سعد بن معاذ » [3803) ، ومسلم2466/123 و124.]) وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أُهْدِّيَتْ لرسول الله (ص) حلَّةُ حريرٍ ، فج عل أصحابه يلمسونه ، ويعجبون من لينها ، فقال: «أتعجبون من لين هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنَّة خيرٌ منها ، وألين»[3802) ، ومسلم2468/126.]) ومع كليِّ هذه الماثر، والمحاسن، والأعمال الجليلة الَّتي قدَّمها لخدمة دين الله ، فقد تعرَّض لضمَّة الق : لما انتهوا إلى قبر سعدٍ رضي الله عنه نزل فيه أربعةٌ: الحارث بن أوس ، وأُسَيْد بن الحضير ، وأبو نئلة سلكان ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، ورسول الله (ص) واقفٌ ، فلمَّا وضع في قبره تغيرَّ وجه رسول الله (ص) ، وسبَّح ثلاثاً ، فسبَّح المسلمون؛ حتََّّ ارتجَّ البقي ع ، ثمَّ كبرَّ ثلاثاً ، وكبرَّ المسلمون ، فسئل عن ذلك فقال: «تضايق على صاحبكم القبر ، وضمَّ ضمَّةً لو نجا منها أحدٌ؛ لنجا هو ، ثمَّ فرَّج عنه»[987.]) إنَّ هذا الصَّحابيَّ الجليل قد استُشْهِّدَ وهو في ريعان شبابه ، فقد كان في السَّابعة والثلاثين من عمره يوم وافته منيته ، وهذا يعني أنَّه قاد قومه إلى الإسلام ، وهو في الثلاثين من عمره... فقد كانت هذه
عدد الصفحات ٢١٢السيِّيادة في العشرينات من عمره ، وقبل أن يكون على مشارف الثلاثين ، وإنمَّا تتفجَّر الطَّاقات الكامنة ، والمواهب بعد سنيِّ الأربعين ، الَّتي هي غاية الأَشُديِّ. قـال تعاصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتََّّ إِّذَا بـَلَغَ أَشُدَّهُ وَبـَلَغَ أَرْبَعِّينَ سَنَةً قَالَ رَبيِّ أَوْزِّعْنيِّ أَنْ أَ شْكُرَ نِّعْمَتَكَ الَّتيِّ أَنـْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِّدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالحًِّا تـَرْضَاهُ وَأَصْلِّحْ ليِّ فيِّ ذُريِّيَّتيِّ إِّنييِّ تـُبْتُ إِّلَيْكَ وَإِّنييِّ مِّنَ الْمُسْلِّمِّينَ [15.] فأيُّ طرازٍ هذا الَّذي حفل تاريخه بهذه الماثر ، واستبشر أهل السَّمواتِّ بقدومه ، واهتزَّ عرش الرَّحمن فرحاً لوفاته من دون خلق الله أجمع988]) حسن الوجه ، أعين ، حسن الليِّحية989]) حادي عشر: مقتل حيي بن أخطب ، وكعب بن أسد: 1 ـ مقتل حيي بن أخطب النَّضْرِّيي روى عبد الرزَّاق في مصنَّفه بالسَّند إلى سعيد بن المسييِّب.... فذكر بعض خبر الأحزاب ، وقريظة... إلى أن قال: فلمَّا فضَّ الله جموع الأحزاب؛ انطلق ـ يعني: حيي ـ حتََّّ إذا كان بالرَّوحاء ذكر العهد ، والميثاق الَّذي أعطاهم ، فرجع حتَّ دخل معهم ، فلمَّا أقبلت بنو قريظة أتي به مكتوفاً بعدُ ، فقال حُيَيٌّ للنَّبيِّ (ص) : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ، ولكنَّه من يخَْذِّلِّ اللهُ يخُْذَل ، فأمر به النَّبُّ (ص) ، فَضُرِّبَتْ عنقُه 9737) ، وابن هشام (3/252) ، والبيهقي في دلائل النبوة (4/23([])990.]) ثمَّ إنَّه أقبل على النَّاس قبل تنفيذ حكم الإعدام ، وقال لهم: أيُّها النَّاس! إنَّه لابأس بأمر الله ، كتابٌ وقَدَرٌ ، وملحمةٌ كتبها الله على بني إسرائيل ، ثمَّ جلس ، فضربت عنقُه991.]) وفي مقتل حييي بن أخطب دروسٌ ، وعبرٌ؛ منها: أ ـ لا يَيق المكر السَّييِّأى إلا بأهله: فقد ألَّب القبائل العربيَّة ، واليهوديَّة على محاربة الإسلام ، ونبييِّه (ص) ، وأقنع بني قريظة بضرورة نقض العهد مع الرَّسول (ص) وطعنه من الخلف ، فجعل اللهُ كيدَه في نحره ، وكبته ، وفي ال نيِّهاية قادته محاولاتُه إلى حتفه. إنَّ الله لا يُهمِّل الظَّالمين ، ولكن يمُهِّلُهم ويَستدرِّجُهم ، حتََّّ إذا أخذهم؛ أخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر ، فكان أخذه أليماً شديداً ، قال (ص) : «إنَّ الله ليملي للظَّالمِّ حتََّّ إذا أخذه لم يـُفْلِّتْهُ »[
عدد الصفحات ٢١٣(4686([])992 َّثم ]) تلا قوله تعا شَدِّيدٌ[102.] ب ـ التَّجلُّد في مواطن الشيِّدَّة لقد تجلَّد حييٌّ وتقدَّم لتضرب عنقه؛ حتََّّ لا يشمت فيه شامتٌ ، وهو يعرف: أنَّه على باطلٍ ، ظالمٌ لنفسه ، قد أوردها موارد الهلاك ، ومع هذا يموت على ذلك ، والعزَّة بالإثم تأخذه إلى جهنَّم وبئس المصير؛ لأنَّه يعبد هواه ، ولم يعبد ربَّه ، قال تعا عِّلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سمَْعِّ هِّ وَقـَلْبِّهِّ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِّهِّ غِّشَاوَةً فَمَنْ يـَهْدِّيهِّ مِّنْ بـَعْدِّ الِلَِّّّ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [ 23.] ج ـ مَنْ يخَْذُلِّ اللهَ يخُذَل إنَّ الله تعالى إذا خذل أحداً؛ فليس له نصيرٌ يمنعه ، أو يدفع عنه ، قال سبحانه: {إِّن يَنصُرْكُمُ الِلّيُ فَلاَ غَالِّبَ لَكُمْ وَإِّن يخَْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِّي يَنصُرُكُم ميِّن بـَعْدِّهِّ وَعَلَى الِلّيِّ فـَلْيـَتـَوَكيِّلِّ الْمُؤْمِّنُونَ }[عمران 160.] كما أنَّ عداوة حُيَييٍ للرَّسول (ص) باعثها الحسد والحقد ، ولذلك عبر حُيَّيٌّ صراحةً: أنَّ الله لم يكن معه يوماً من الأيام ، بل كان حُيَيٌّ في شقيِّ الشَّيطان عدوياً لأولياء الرَّحمن ، يشاقق الله ، فالله خاذلُه ، ومُسْلِّمُه لكليِّ ما يؤذيه ، ويُتعبه ، ولا توج د قوَّةٌ في الأرض ، ولا في السَّماء تنصره ، وتحول بينه وبين الهزيمة؛ لأنَّ إرادة الله هي النَّافذة ، وقدَره هو الكائن ، لا رادَّ لقضائه ، لا يعجزِّه شيءٌ في الأرض ، ولا في السَّماء993]) هُوَ وَإِّنْ يمَْسَسْكَ بخَِّيرٍْ فـَهُوَ عَلَى كُليِّ شَيْءٍ قَدِّيرٌ [17.] 2 ـ مقتل كعب بن أسد القرظيي وجيء برئيس بني قريظة ، كعب بن أسد ، وقبل أن يَضْرِّب رسول الله (ص) عنقه جرى بينه وبين كعبٍ الحوار التَّالي: قال رسول الله (ص) : «كعبُ بن أس دٍ؟» قال كعبُ بن أسدٍ: نعم يا أبا القاسم قال رسول الله (ص) : «ما انتفعتم بنصح ابن خراشٍ لكم ، وكان مصديِّقاً بي ، أما أمركُم باتيِّباعي ، وإنْ رأيتمُوني تقرئوني منه السَّلام؟»
عدد الصفحات ٢١٤قال كعب: بلى ، والتَّوراةِّ يا أبا القاسم! ولولا أن تعيريِّني يهود بالجزع من الس يف لاتَّبعتُك ، ولكنييِّ على دين يهود. فأمر رسول الله (ص) بضرب عنقه ، فضربت 994.]) وممَّا ترويه كتب السيِّيرة النَّبويَّة عن يهود بني قريظة: أنََّّم كانوا يرسلون طائفةً تلو طائفةٍ؛ لتضرب أعناقهم ، وقد سألوا زعيمهم كعب بن أسد ، فقالوا: يا كعب! ما تراه يُصنع بنا؟ قال: أفي كليِّ موطنٍ لا تعقلون؟ ألا ترون الدَّاعي لا يـَنْزِّع ، وأنَّه مَنْ ذهب به منكم لا يـَرْجِّع؟ هو والله! القتل (3/252) ، والبيهقي في دلائل النبوة4/23([])995.]) ونلحظ في خبر مقتل كعب بن أسدٍ: أنَّه كان متعصيِّباً ليهوديته ، وهو يعلم بُطنَّا ، وأنَّه على علمٍ بصدق رسالة رسولنا (ص) ، ولكنَّه لم يؤمن ، ولم يدخل الإسلام خوفاً من أن تعيريِّه يهود بأنَّه جزع من السَّيف ، فعدم إيمانه ، وبقاؤه على الكفر كان نتيجة ريائه ، وحبيِّه للثناء ، وخوفه من ذميِّه ، وتعييره ، وهذا دليلٌ على السَّفه ، والحُمْقِّ ، وخذلان الله لهذا اليهودييِّ المخادِّع996.]) ثاني عشر: شفاعة ثابت بن قيس في الزَّبِّير بن باطا ، وسلمى بنت قيس في رفاعة بن سمََوْءل 1 ـ شفاعة ثابت بن قيس في الزَّبير بن باطا أقبل ثابت بن قيس بن شمَّاس إلى رسول الله (ص) ، فقال: هب لي الزَّبِّير اليهوديَّ أَجْزِّهِّ فقد كانت له عندي يدٌ يوم بعاثٍ ، فأعطاه إياَّه ، فأقبل ثابتٌ حتََّّ أتاه فقال: يا أبا عبد الرحمن! هل تعرفني؟ فقال: نعم ، وهل يـُنْكِّرُ الرَّجل أخاه؟! قال ثابت: أردت أن أجْزِّيكَ اليوم بيدٍ لك عندي يوم بُعاث ، قال: فافعل؛ فإنَّ الكريم يجزي الكريم ، قال: قد فعلت ، قد سألت رسول الله (ص) ، فوهبك لي ، فأطلق عنك إساره ، فقال الزَّبِّير: ليس لي قائدٌ ، وقد أخذتَ امرأتي ، وابني ، فرجع ثابتٌ إلى رسول الله (ص) فاستوهبه امرأتَه ، وبنيه ، فوهبهم له ، فرجع ثابتٌ إلى الزَّبِّير ، فقال: ردَّ إليك رسول الله (ص) امرأتك وبنيك ، فقال الزَّبِّير: حائط لي فيه أعذق ، وليس لي ولا لأهلي عيش إلا به ، فرجع ثابت إلى رسول الله (ص) ، فوهبه لـه ، فرجع ثابت إلى الزَّبِّير ، فقال: قد ردَّ إليك رسول الله (ص) أهلك ، ومالك ، فأسلِّم؛ تسلَمْ ، قال: ما فعل الجليسان997])ل ثابتٌ: قد قُتِّلوا ، وفُرِّغَ منهم ، ولعلَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يكون أبقاك لخير ، قال الزَّبِّير: أسألك بالله يا ثابت! وبيدي التي عندك يوم بُعاثٍ إلا ألحقتني بهم ، فليس في العيش خيرٌ بعدهم ، فذكر ثابت ذلك لرسول الله (ص) فأمر بالزَّبِّير ، فقُتِّلشام (3/253 ـ254) ، والبيهقي في دلائل النبوة4/23 ـ24([])998.])
عدد الصفحات ٢١٥2 ـ شفاعة سلمى بنت قيس في رفاعة بن سمََوْءَلٍ القرظيي كانت سلمى بنت قيس ، وكنيتها أمُّ المنذر أخت سليط بن قيس ، وكانت إحدى خالات رسول الله (ص) ، قد صلَّت معه القبلتين ، وبايعتْه بيعة النيِّ ساء ، سألته رفاعة بن سمََوْءَل القرظيَّ ، وكان رجلاً قد بلغ ، فلاذ بها ، وكان يعرفهم قبل ذلك ، فقالت: يا نبَّ الله! بأبي أنت وأميِّي! هب لي رفاعة ، فإنَّه قد زعم أنَّه سيصليِّي ، ويأكل لحم الجمل ، فوهبه لها ، فاسْتَحْيـَتْهُ3/255([])999.]) وهذا الخبر دليلٌ على أنَّ الإسلام يكرم المرأة ، ويعتبر شفاعتها! هذه هي معاملة المرأة في هذا الديِّين ، إنَّه يكرمها ، ويساعدُها ، ويشجيِّعها على فعل ا 1000.]) ثالث عشر: من أدب الخلاف في اختلاف الصَّحابة في فهم كلام رسول الله (ص) : «أَلاَ لاَ يُصَليِّينَ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة» [1) فبعضهم فهم منه المراد الاستعجال ، فصَّلى العصر لمَّا دخل وقتُه ، وبعضهم أخذ بالظَّاهر ، فلم يصليِّ إلا في بني قريظة؛ ولم يعنيِّف النَّبُّ (ص) أحداً منهم ، أو عاتبه ، ففي ذلك دلالةٌ مهمَّةٌ على أصلٍ من الأصول ال شَّرعية الكبرى ، وهو تقدير مبدأ الخلاف في مسائل الفروع ، واعتبار كليٍ من المتخالفين ، معذوراً ، ومثاباً ، كما أنَّ فيه تقريراً لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشَّرعيَّة ، وفيه ما يدلُّ على أنَّ استئصال الخلاف في مسائل الفروع الَّتي تنبع من دلالاتٍ ظنيِّ يَّةٍ أمرٌ لا يمكن أن يُتصوَّر أو يتم1001.]) إنَّ السَّعي في محاولة القضاء على الخلاف في مسائل الفروع معاندةٌ للحكمة الرَّباَّنيَّة ، والتدبير الإلهي في تشريعه ، عدا أنَّه ضربٌ من العبث الباطل؛ إذ كيف تضمن انتزاع الخلاف في مسألة ما دام دليلها ظنيِّيياً محتملاً؟ ولو أمكن ذلك أن يتمَّ في عصرن ، لكان أولى العصور به عصر رسول الله (ص) ، ولكان أولى النَّاس بألا يختلفوا هم أصحابُه ، فما بالهم اختلفوا مع ذلك كما رأيت1002]) السابق من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث نبوي أو اية من كتاب الله ، كم ا لا يعاب من استنبط من النص معنى يخصصه ، وفيه أيضاً أن المختلفين في الفروع من المجتهدين ، لا إثم على المخطأى؛ فقد قال (ص) : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد أخطأ فله أجرٌ »[7352) ، ومسلم1716.]) وحاصل ما وقع: أنَّ بعض الصَّحابة حملوا النَّهي على حقيقته ، ولم يبالوا بخروج الوقت ـ وقت الصَّلاة ـ توجيهاً لهذا النَّهي الخاصيِّ على النَّهي العاميِّ عن تأخير الصَّلاة عن وقتها 1003.])
عدد الصفحات ٢١٦وقد علَّق الحافظ ابن حجر على هذه القصَّة ، فقال: ثمَّ الاستدلال بهذه القصَّة على أنَّ كل تهدٍ مصيبٌ على الإطلاق ليس بواضحٍ ، وإنمَّا فيه ترك تعنيف من بذل وسعه ، واجتهد ، فيستفاد منه عدم تأثيمه ، وحاصل ما وقع في القصَّة: أنَّ بعض الصَّحابة حملوا النَّصَّ على حقيقته ، ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحاً للنَّهي الثَّاني على النَّهي الأوَّل ، وهو ترك تأخير الصَّلاة عن وقتها ، واستدلُّوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب بنظير ما وقع في تلك الأيام بالخندق ، والبعض الاخر حملوا النَّهي على غير الحقيقة ، وأنَّه كنايةٌ على الحثيِّ ، والاستعجال ، والإسراع إلى بني قريظة ، وقد استدلَّ به الجمهور على عدم تأثيمِّ من اجتهد ، لأنَّه (ص) لم يعنيِّف أحداً من الطَّائفتين ، فلو كان هناك إثمٌ؛ لعنَّف مَنْ أَثمَِّ1004.]) رابع عشر: توزيع غنائم بني قريظة ، وإسلام ريَانة بنت عمرو 1 ـ توزيع غنائم بني قريظة: جمع صحابة رسول الله (ص) الغنائم الَّتي خلَّفها بنو قريظة ، فكانت كما يلي: من السُّيوف ألفاً وخُسمئة سيفٍ ، ومن الريِّماح ألفي رمحٍ ، ومن الدُّروع ثلاثمئة درعٍ ، ومن الترُّوس ألفاً وخُسمئة ترساً ، وجحفةً ، كما تركوا عدداً كبيراً من الشيِّياه ، والإبل ، وأثاثاً كثيراً ، وانيةً كثيرةً ، ووجد المسلمون دننً من الخمر ، فوزعت الغنائم ، وهي الأموال المنقولة ، كالسيِّلاح ، والأثاث ، وغيرها بين المحاربين من أنصارٍ ، ومهاجرين ممَّن شهدوا الغزوة ، فأعطى أربعة أخُاس الغنائم لهم؛ إذ جعل للفَرَسِّ سهمين ، وللرَّاجل سهماً ، فالفارس يأخذ ثلاثة أسهم له ولفرسه ، وغير الفارس يأخذ سهماً واحداً له ، والخمس المتبقيِّي هو سهم الله ورسولِّه (ص) المقرَّر في كتابه تعا1005.]) وأما ما وجده رسول الله (ص) والمسلمون من الخمر عند بني قريظة؛ فقد أراقوه ، ولم يأخذوا منه شيئاً ، ولم ينتفعوا به كذلك ، وقد أسهم رسول الله (ص) لسويد بن خلاَّد الَّذي قتلته المرأة اليهودية بالرَّحى ، وأعطى سهمه لورثته 1006])1007]) استجاب رسول الله (ص) للنيِّساء اللَّواتي حضرن، ولم يسهم لهنَّ، منهنَّ: صفية بنت عبد المطلب، وأم عمارة ، وأمُّ سليط، وأمُّ العلاء ، والسُّميراء بنت قيس ، وأمُّ سعد بن معاذ( 3). وأمَّا الأموال غ المنقولة كالأراضي ، والديِّيار؛ فقد أعطاها رسول الله (ص) للمهاجرين دون الأنصار ، وأمر المهاجرين أن يردُّوا إلى الأنصار ما أخذوه منهم من نَيلٍ وأرض ، وكانت على سبيل العارية، ينتفعون بثمارها 1008])الأراضي والديِّيار تَطَأُوهَا وَكَانَ الِلَُّّ عَلَى كُليِّ شَيْءٍ قَدِّيرًا [27.]
عدد الصفحات ٢١٧قال الأستاذ محمَّد دَرْوَزَةَ: أمَّا عبارة فقد قال المفسرون: إنََّّا أرضأُوهَا بشرى سابقة لفتحها ، غير أنَّ الذي تلهم روح الاية ومضمونَّا على ما يتبادر لنا: أنََّّا أرض لبني قريظة بعيدةٌ عن مساكنهم ، الت إلى المسلمين دون حربٍ ، أو حصارٍ ، ونتيجةً للمصير الذي صار إليه أصحابهُا1009.]) هذا وقد أرسل رسول الله (ص سعد بن عبادة رضي الله عنه بالخمس من الذُّريِّيَّة ، والنيِّساء إلى الشَّام فباعها ، واشترى بالثَّمن سلاحاً ، وخيلاً ليستعين به المسلمون في معاركهم مع الأعداء من يهود ومشركين ، وكذلك بعث إلى نجدٍ سعد بن زيد ، فباع سبياً ، واشترى سلاحاً1010.]) 2 ـ إسلام ريَانة رضي الله عنها: وكان من بين السَّب ريَانةُ بنت عمرو بن خناقة إحدى نساء بني عمرو من بني قريظة ، قد أراد الرَّسول (ص) أن يتزوَّجها بعد أن تسلم ، فتردَّدت ، وبقيت وقتاً على دينها ، ثمَّ شرح الله صدرها للإسلام ، فأسلمت ، فبعثها إلى بيت أميِّ منذر بنت قيس حتََّّ حاضت ثمَّ طهرت ، فجاءها ، وخيرَّها: أيعتقها ، ويتزوجها ، أو تكون في ملكه (ص) ؟ فاختارت أن تكون في ملكه رضي الله عنها 1011.]) خامس عشر: الإعلام الإسلاميُّ في غزوة الأحزاب قام شعراء الصَّحابة بدورهم الجهادييِّ ، فقالوا قصائد رائعةً ، وضَّحُوا بها موقف الم سلمين في غزوة الأحزاب ، نقتطف أبياتاً منها كنماذج لهذه القصائد ، فَمِّنْ ذلك قول كعب بن مالكٍ أخي بني سلمة: وَسَائِّلَةٍ تُسَائِّلُ مَا لَقِّيـْنَا وَلَوْ شَهِّدَتْ رأَتـْنَا صَابِّرِّيـْنَا صَبـَرْنَ لاَ نَرى للهِّ عِّدْلاً عَلَى مَا نَبـَنَا مُتـَوَكيِّلِّينَا وكان لَـنَا النَّبُِّّ وَزِّيـْرَ صِّدْقٍ بِّهِّ نـَعْلُو البرَِّيَّةَ أَجمَْعِّيـْنَا نـُقَاتِّلُ مَعْشَرَاً ظَلَمُوا وَعَقُّوا وَكَانُوا بالعَدَاوَةِّ مُرْصِّدِّيـْنَا1012]) نـُعَالجُِّهُمْ إِّذَا نـَهَضُوا إِّلَيـْنَا بِّضَرْبٍ يـُعْجِّلُ المُتَسَريِّعِّيـْنَا تـَرَانَ فيِّ فَضَافِّضَ سَابِّغَاتٍ كغُدْرَانِّ المَلا مُتَسَرْبِّلِّيـْنَا1013]) إلى أن قال لِّنـَنْصُرَ أَحمَْداً واللهَ حتََّّ نَكُوْنَ عِّبَادَ صِّدْقٍ مخُْلِّصِّيـْنَا ويـَعْلَم أَهْلُ مَكَّةَ حِّينَْ سَارُوا وأَحْزَابٌ أَتَوا مُتَحَزيِّبِّيـْنَا بأنَّ الله لَيْسَ لَهُ شَرِّيْ كٌ وأَنَّ اللهَ مَوْلىَ المُؤْمِّنِّيـْنَا
عدد الصفحات ٢١٨فإِّمَّا تـَقْتُلوا سَعْداً سَفَاهاً فإنَّ الله خَيـْرُ القَادِّرِّيـْنَا سَيُدْخِّلُه جِّنانً طَييِّبَاتٍ تَكُوْنُ مُقَامَةً للصَّالحِّْيَنا كَمَا قَدْ رَدَّكم فَلاًّ شَرِّيْداً بِّغَيْظِّكُمُ خَزَاياَ خَائِّـبِّـيـْنَا خَزَايا لمَْ تنَالُوا ثمََّ خَيرْاً وَكِّدْتَُْ أَنْ تَكُونُوا دَامِّرِّيـْنَا بِّرِّيْحٍ عَاصِّفٍ هَبَّت عَلَيْكُمْ فَكُنـْتُمْ تحَْتـَهَا مُتكميِّهِّيـْنَا1014]) وقال كعبُ بن مالكٍ رضي الله عنه في قصيدةٍ طويلةٍ يردُّ فيها على عبد الله بن الزيِّبـَعْرَى ومَوَاعِّظَ مِّنْ رَبيِّنا نـُهْدَىَ بها بِّلِّسَانِّ أَزْهَرَ طَييِّبِّ الأَثوَابِّ عُرِّضَتْ عَلَيـْنَا فاشْتـَهَيـْنَا ذِّكْرَها مِّنْ بـَعْـدِّ ما عُرِّضَتْ عَـلَى الأَحْزَابِّ حِّكَماً يـَرَاهَا المُجْرِّمُون بِّزَعْمِّهِّمْ حَرَجاً1015]) جاءتْ سَخِّيـْنَةُ كَيْ تـُغَالِّبَ رَبـَّهَا فـَلَيـُغْلَبنََّ مُغَالِّبُ الغَلاَّبِّ قال ابن هشام: حدَّثني مَنْ أثق به ، قال: حدثني عبد الملك بن يَي بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ، قال: لمَّا قال كعب بن مالكٍ رضي الله عنه: جَاءَتْ سَخِّيـْنَةُ كَيْ تـُغَالِّبَ رَبـَّهَا فـَلَيـُغْلَبنََّ مُغَالِّبُ الغَلاَّبِّ قال له رسول الله (ص) : «لقد شكرك الله يا كعب! على قولك هذا »[3/273.]) * * * الفصل الثَّاني عشر ما بين غزوة الأحزاب ، والحديبية مِّنْ أحداثٍ مهمَّة المبحث الأوَّل زواج النَّب (ص) بزينب بنت جح ش رضي الله عنها
عدد الصفحات ٢١٩ومع استمرار حركة السَّرايا ، وبناء الدَّولة ، وبسط هيبتها في الجزيرة العربيَّة ، كانت حركة البناء التَّشريعييِّ ، والاجتماعييِّ للأمَّة الإسلاميَّة تتكامل ، فنظام التَّبنييِّ يُهدَم، والحجاب يُفرض ، وأدب الولائم يقرَّر ، وضرورة الالتزام بطاعة الله ورسوله يُؤكَّد على وجوبها ، وتحُارَب الأعراف الَّتي تعارض شرع الله تعالى ، ففي زواج رسول الله (ص) بالسَّيدة زينب بنت جحش حكمٌ ، ودروسٌ ، وعبرٌ بقيت خالدةً على مريِّ العصور ، وكريِّ الدُّهور ، وتوالي الأزمان ، وهذه قصَّة أميِّ المؤمنين زينب بنت جحشٍ رضي الله عنها: أولاً: اسمها ، ونسبها: هي زينت بنت جحش بن رئاب بن يعمر الأسديَّة ، أخت عبد الله بن جحش ، وحمنة بنت جحش رضي الله عنهم. أمُّها: أميمةُ بنت عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصييٍ عمَّة رسول الله (ص) ، وأخت حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه 1016]). يقال: كان اسمها: برَّة ، فسمَّاها النَّبُّ (ص) زينب ، وكانت تكنى أمَّ الحكم1017.]) وكانت زينب رضي الله عنها من المهاجرات الأول ، ورعةً صوَّامة قوَّامة ، كثيرة الخير والصَّدقة، فعن عائشة أميِّ المؤمنين رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله (ص) : «أسرعكنلحاقاً بي أطولكنَّ يداً » قالت: فكنَّ يتطاولن أيتهنَّ أطول يداً ، قالت: فكانت أطولنا يداً زينب لأنََّّا كانت تعمل بيدها ، وتصدَّق»[1420) ومسلم2452.]) وقد مدحتها السَّيدة عائشة رضي الله عنها كثيراً ، وقالت في حقيِّها: لم أر امرأةً قطُّ خيراً في الديِّين من زينب ، وأتقى للهِّ ، وأصدق حديثاً ، وأوصل للرَّحم ، وأعظم صدقةً ، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الَّذي تَصَدَّقُ به ، وتـَقَرَّبُ به إلى الله تعالى ، ما عدا سَوْرةً من حِّدَّةٍ كانت فيها تُسْرِّعُ منها الفيئةَ1018[ .])2442) ، والنسائي7/64 ـ 66.]) ثانياً: زواجها من زيد بن حارثة رضي الله عنه أراد الرَّسول (ص) أن يَطيِّم تلك الفوارق الطَّبقيَّة الموروثة في الأمَّة المسلمة من عادات الجاهليَّة؛ ليكون النَّاس سواسيةً كأسنان المشط ، لا فضل لأحدٍ على أحد إلا بالتَّقوى ، وكان الموالي ـ وهم الذين جرى عليهم الريِّقُّ ، ثمَّ تحرَّروا ـ طبقةً أدنى من طبقة السَّادة ، ومن الموالي كان زيد بن حارثة مولى رسول الله (ص) الَّذي أعتقه ، ثمَّ تبناه ، فرأى رسول الله (ص) أن يزويِّج زيداً من شريفةٍ من بني أسد ، وهي ابنة
عدد الصفحات ٢٢٠عمَّته زينب بنت جحش رضي الله عنها؛ ليبطل تلك الفوارق الطبقيَّة بنفسه في أسرته ، وكانت هذه الفوارق من العمق ، والعنف بحيث لا يَطيِّمها إلا فعلٌ واقعيٌّ من رسول الله (ص) ؛ لتتَّخذ منه الأمَّةُ المسلمة أسوةً ، وقدوةً ، وتسير البشرية على هداه في هذا الطَّريق ، وأيضاً لعلَّ من الحكمة في هذا الزَّواج: أنَّه كان مقدمةً لتشريعٍ اخر ، لا يقلُّ أهيِّيَّةً في حفظ توازن المجتمع ، وحماية الأسرة عن الأوَّل ، وإن لم تظهر هذه الحكمة في بداية الأمر(1.) انطلق رسول الله (ص) ليخطب على فتاه زيد بن حارثة رضي الله عنه ، فدخل على زينب بنت جحش الأسديَّة رضي الله عنها ، فخطبها ، فقالت: لست بناكحته ، فقال رسول الله (ص) : «بلى فانكحيه»، قالت: يا رسول الله ! أؤامر في نفسي؟ فبينما ها يتحادثان أنزل الله تعالى هذه الاية { أَمْرِّهِّمْ وَمَنْ يـَعْصِّ الِلََّّ وَرَسُولَهُ فـَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِّيناً[36.] فقالت: يا رسول الله! قد رضيتَه لي زوجاً؟ قال«نعم»قالت: لا أعصي رسول الله (ص) ، وقد زوَّجتُه نفسي22/11) ، والدر المنثور5/609.]) وكان زيد بن حارثة إذ ذاك لا يزال يُدعى زيد بن محمَّد ، فتزوَّجها زيد ، وأصدقها في هذا الزَّواج عشرة دننير ، وستين درهاً ، وخُاراً ، وملحفةً ، ودرعاً ، وخُسين مدَّاً من طعامٍ ، وعشرة أمدادٍ من تمرٍ1019.]) ثالثاً: طلاق زيد لزينب رضي الله عنها شاءت حكمة الله تعالى ألا يتوافق زيدٌ ، وزينب في زواجهما ، وأصبحت حياة الزَّوجين لا تطاق ، وصمَّم زيدٌ على فراق زوجه زينب ، وكان قبل ذلك يشتكي لرسول الله (ص) من عدم استطاعته البقاء مع زينب ، ورسول الله (ص) يأمره بإمساك زوجه مع تقوى الله في شأنَّا ، حتََّّ أذن الله بالطَّلاق ، فطلَّقها زيدٌ ، وانفصمت العلاقة بينهما بعد أن قضى زيد وطره ، وبعد أن مكث معها ما يقرب من سنةٍ ، قال ابن كثير: فمكثت عنده قريباً من سنةٍ ، أو فوقها ، ثمَّ وقع بينهما (يعني: الخلاف) فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله (ص) ، فجعل رسول الله (ص) يقول له: «أمسك عليكزوجك ، واتَّق الله»[3/150) ، والترمذي3212.]) لم يبقَ لزيد رغبةٌ في إبقاء العلاقة الزَّوجيَّة معها؛ لأنَّه كان كريم النَّفس ، لا يريد أن يبني سعادته ، وراحته على شقاء الاخرين ، وتعاستهم ، والإضرار بهم ، ولهذا صمَّم على الفراق ، وعدم الإضرار بها؛ لأنََّّا
عدد الصفحات ٢٢١كانت تعيش في قلقٍ ، واضطرابٍ ، وانتهى زواج زيد ب ن حارثة رضي الله عنه بزينب بنت جحش على هذا الوضع دون أييِّ تدخُّلٍ خارجييٍ بينهما ، ووقع ذلك الطَّلاق بمحض اختياره ، وإرادته ، وقد كان رسول الله (ص) ينهاه عن ذلك ، ويأمره بتقوى الله ، وإمساك زوجته 1020]) أن ذكر هذا السبب«ذكر ابن أبي حاتَ ، وابن جريرٍ اثاراً عن بعض السَّلف رضي الله عنهم أحببنا أن نضرب عنها صفحاً لعدم صحَّتها ، فلا نوردها[»1021.]) رابعاً: الحكمة من زواج رسول الله (ص) من زينب رضي الله عنها كانت عادة التَّبنييِّ متغلغلةً في نفوس النَّاس ، ومشاعرهم ، وليس من السَّهل التغلُّ ب عليها ، وإلغاء الاثار المترتيِّبة عليها ، كانت هذه العادة في صدر الإسلام في مكَّة ، وفي أوَّل الهجرة إلى المدينة ، ثمَّ شاء الله تعالى ، فنزلت الايات في نفي أن يكون الأدعياء أبناء لمن ادَّعاهم في الحقيقة ، وإنمَّا ذلك حسب دعوى المدَّعي فقط ، وذلك لا يغيريِّ من الواقع شيئاً ، فقال تعا جَوْفِّهِّ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِّي تُظَاهِّرُونَ مِّنـْهُنَّ أُمَّهَاتِّكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِّيَاءَكُمْ أَبـْنَاءَكُمْ ذَلِّكُمْ قـَوْلُكُمْ بأَِّفـْوَاهِّكُمْ وَالِلَُّّ يـَ قُولُ الحَْقَّ وَهُوَ يـَهْدِّي السَّبِّيلَ [4.] ثمَّ أمر ـ تبارك وتعالى ـ برديِّ نسبهم إلى ابائهم في الحقيقة ، فهذا من العدل ، والقسط ، والبريِّ ، فقال تعاإِّخْوَانُكُمْ فيِّ الديِّينِّ وَمَوَالِّيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِّيمَا أَخْطَأْتَُْ بِّهِّ وَلَكِّنْ مَا تـَعَمَّدَتْ قـُلُوبُكُمْ وَكَانَ الِلَُّّ غَفُورًا رَحِّيمًا [5.] فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إنَّ زيد بن حارثة رضي الله عنهمولى رسول الله (ص) ما كنَّا ندعوه إلا زيد بن محمَّد ، حتََّّ نزل القران 4782.]) ولم يجعل الله تعالى عدم معرفتهم لابائهم الحقيقيين مبرراً لإبقاء تبنيِّيهم لهم ، بل حرم التَّبني في هذه الحالة ، وأخبر أنََّّم حينئذٍ إخوانَّم ، ومواليهم ، فقال تعا تـَعْلَمُوا آباَءَهُمْ فَإِّخْوَانُكُمْ فيِّ الديِّينِّ وَمَوَالِّيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِّيمَا أَخْطَأْتَُْ بِّهِّ وَلَكِّ نْ مَا تـَعَمَّدَتْ قـُلُوبُكُمْ وَكَانَ الِلَُّّ غَفُورًا رَحِّيمًا [5.] أي: فإن لم تعرفوا اباءهم، فليس بينكم وبينهم إلا الأخوَّة في الديِّين، والموالاة، وذلك عوضاً عمَّا فاتهم من النَّسب، فيقال: فلانٌ مولى فلان ، أو مولى بني فلان1022.]) وهذه الأخوَّة في الديِّين ،والموالاة لها أهيِّيَّة كبرى ، فهي ثابتةٌ حتََّّ للذين عُرِّف اباؤهم ، ولهذا قال رسول الله (ص) لزيد بن حارثة رضي الله عنه: «أنت أخون ومولان »[1/98 و115) عن علي ،
عدد الصفحات ٢٢٢والبخاري 2699) عن البراءالْمُؤْمِّنُونَ إِّخْوَةٌ فَأَصْلِّحُوا بـَينَْ أَخَوَيْكُمْ وَاتـَّقُوا الِلََّّ لَعَلَّكُمْ تـُرْحمَُونَ[10.] وجاءت نصوصٌ أخرى تعالج هذا الأمر من جهةٍ أخرى ، وهي جهة الابن ، فجاء تحريم الانتساب إ غير الأب الحقيقييِّ ـ والمنتسب يعلم ذلك ـ تحريماً ق اطعاً ، لا شبهة فيه1023])«مَن ادَّعى إلى غير أبيه ، أو انتمى إلى غير مواليه؛ فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والنَّاس أجمعين ، لا يقبل الله تعالى منه صَرْفاً ولا عَدْلاً1024 .»])[1870) ، ومسلم1370.]) وقد جعل الشَّارع لنشوء النَّسبسبباً واضحاً هو الاتيِّصال بالمرأة عن طريق الزَّواج، أو ملك اليمين ، وأبطل ما كان يجري عليـه أهل الجاهليَّة من إلحاق الأولاد عن طريق العُهْرِّ والزيِّنى ، قال (ص) : «الولد للفراش ، وللعاهر الحجر »[6818) ، ومسلم1458])د ثمرة لفراشٍ صحيحٍ قائمٍ على عقـد الزَّواج ، أو ملك اليمين يلتحق نسبـه بأبيه ، وأنَّ العُهْرَ والزيِّنى لا يصلح أن يكون سبباً للنَّسب، وإنمَّا يكون سبباً لشيءٍ اخر هو الرَّجم، والحجارة1025.]) ثمَّ إنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ بعد أن منع ، وحرَّم دعوة ابن بنسبته إلى من تبنَّاه ، وأمر بدعوته منسوباً إلى أبيه الحقيقييِّ إن عرف ، أو إلى الأخوة في الديِّين والموالاة ، بعد ذلك بينَّ حكم من أخطأ ، أو تعمَّد مخالفة هذا التَّشريع الإلهي ، قال الله تعا لمَْ تـَعْلَمُوا آباَءَهُمْ فَإِّخْوَانُكُمْ فيِّ الديِّينِّ وَمَوَالِّيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِّيمَا أَخْطَأْتَُْ بِّهِّ وَ لَكِّنْ مَا تـَعَمَّدَتْ قـُلُوبُكُمْ وَكَانَ الِلَُّّ غَفُورًا رَحِّيمًا [5.] فقد نفى الله ـ سبحانه وتعالى ـ الجُناح (اثم) عمَّن أخطأ في نسبة الابن إلى غير أبيه في الحقيقة ، وذلك بعد الاجتهاد ، واستفراغ الوسع ، أو نسي ، فنسب الابن إلى غير أبيه يجريان لسانه بذلك ، وأثبت الحرج ، والإثم لمن تعمَّد الباطل ، وهو دعوة الرَّجل لغير أبيه بعد علمه بتحريم ذلك1026.]) كانت عادة التبنييِّ مستحكمةً في نفوس النَّاس ، وقد أخذت أبعادها مع مرور الزَّمن ، فكان زواج النَّبيِّ (ص) بالسَّيدة زينب إلغاءً عمليياً ، وليس إلغاء ذهنيياً فحسب1027.]) إنَّ الحكمة في زواج رسول الله (ص) من السَّيدة زينب حكمةٌ واضحةٌ وظاهرةٌ ، وقد بيَّنها الله تعا بقوله ـ عزَّ وجلَّ ـ رًا [37.]
عدد الصفحات ٢٢٣وقد ذكر المبطلون من الكفار ، وفروخُهم ، ومقليِّدوهم بما يَنعِّقون به ، ويردُّده الجهَّال متعليِّقين برواياتٍ مكذو بةٍ ، خلاصتُها كما يفترون: أنَّ النب (ص) قد هوي زينب بنت جحش ، بعد أن تزوَّجت بزيد بن حارثة ، فلمَّا علم زيدٌ بذلك؛ أراد طلاقها ليتزوَّجها النَّبُّ (ص1028]) وقد نسف الإمام ابن العربييِّ هذا القول من جذوره ، فقال: فأمَّا قولكم: إنَّ ا لنَّبَّ (ص) راها ـ أي: رأى زينب بنت جحشٍ ـ فوقعت في قلبه ؛ فباطلٌ ، فإنَّه (ص) كان معها في كليِّ وقتٍ ، وموضعٍ ، ولم يكن حينئذٍ حجابٌ ، فكيف تنشأ معه ، وينشأ معها ، ويلحظها في كليِّ ساعةٍ ، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوجٌ؟! حاشا لذلك القلب المطهَّر من هذه العلاقة الفاسدة ، وقد قال تعا عَيـْنـَيْكَ إِّلىَ مَا مَتـَّعْنَا بِّهِّ أَزْوَاجًا مِّنـْهُمْ زَهْرَةَ الحَْيَاةِّ الدُّنـْيَا لِّنـَفْتِّنـَهُمْ فِّيهِّ وَرِّزْقُ رَبيِّكَ خَيـْرٌ وَأَبـْقَى [ 131]لَّقات ، فكيف في المنكوحات؟ ثمَّ إنَّ قوله تعالى: يعني: من نكاحك أقول: فلو كان الَّذي أخفاه رسول اللهِّ (ص) هو حبُّه لها؛ لأبداه الله تعالى ، وأظهره ، فتيقَّنَّا: أنَّ الَّذي أخفاه رس ول الله (ص) من أمر زينب هو نكاحُه إياَّها ، وليس ما تخيَّله المبطلون من حبيِّه لها1029.]) إن الشرع أراد تأكيد إبطال نظام التَّبنييِّ ، وإبطال كليِّ نتائجه ، وتعميق هذا الإبطال في النُّفوس ، وتأكيده بالتَّطبيق العملييِّ ، والقدوة ، والتأسيِّي بمن يُـقتدى به في تطبيق هذه الأحكام الجديدة النَّاسخة ، وهذا ما فعله رسولُ الله (ص) بزواجه بزينب بأمرٍ من الله تعالى العزيز الحكيم 1030.]) خامساً: قصَّة زواج رسول الله (ص) من زينب ، وما فيها من دروسٍ ، وع لمَّا انقضت عدَّة زينب؛ قال رسول الله (ص) لزيد: اذهب فاذكرها عليَّ ، فانطلق زيد؛ حتََّّ أتاها ، وهي تخميِّر عجينها ، قال: فلما رأيتُها عَظُمَتْ في صَدري ، حتَّ ما أستطيع أن أنظر إليها: أنَّ رسول الله (ص) ذكرها ، فولَّيـْتُها ظهري ، ونكصْتُ على عَقِّب ، فقلت: يا زينب أبشري!! أرسل رسول الله (ص) يذكرك ، قالت: ما أن بصانعةٍ شيئاً حتَّ أُوَامَر ربييِّ ، فقامت إلى مسجدها ، ونزل القران ، وجاء رسولُ الله (ص) ، فدخل عليها بغير إذنٍ 3/195) ، ومسلم1428 /87م) ، والنسائي (6/79]) الحافظ البيهقيُّ: تزوَّجها بعد بني قريظة1031.])
عدد الصفحات ٢٢٤وأولم الرَّسول (ص) في عرس زينب وليمةً كبيرةً ، فأولم بشاةٍ ، وقد دُعِّي إلى الوليمة كلُّ من لقيه أنس رضي الله عنه بناءً على أمر الرَّسول (ص) ، فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: ما رأيت رسول الله (ص) أولم على امرأةٍ من نسائه ما أولم على زينب ، أَوْلمََ بشاةٍ5168) ، ومسلم1428 /90.]) وهكذا تزوَّج رسولُ الله (ص) ـ بأمر رَبيِّه ـ زينب بنت جحش رضي الله عنها ، بعد طلاق زيدٍ لها ، وانقضاء عدَّتها ، وفي زواجه (ص) بزينب ، وما نزل فيه من القران وما واكبه من أحداث ـ عظاتٌ ، وعبرٌ [1032]) عليها ، منها 1 ـ كان خاطب زينب للنَّبيِّ (ص) هو زوجها الأوَّل زيد بن حارثة رضي الله عنه ، ولعلَّ اختيار رسول الله (ص) لزيدٍ مقصودٌ لذاته؛ ليقطع بذلك ألسنة المتقويِّلين ، وما قد يزعمونه من أنَّ طلاقها وقع بغير اختيارٍ منه ، وأنَّه قد بقي في نفسه من الرَّغبة فيها شيءٌ ، وفي هذا يقول ابن حجر: «هذا من أبلغ ما وقع في ذلك ، وهو أن يكون الَّذي كان زوجَها هو الخاطبُ؛ لئلا يظنَّ أحدٌ: أنَّ ذلك وقع قهراً بغير رضاه ، وفيه أيضاً اختبار ما كان عنده منها: هل بقي منه شيءٌ ، أم لا؟[»1033.]) وفي هذا من الحكمة أيضاً: أن ما يقع بين الزَّوجين من نفرةٍ ، وخلافٍ ، ثمَّ طلاقٍ لا يجوز أن يكون مانعاً من نصح أحـد الزَّوجين للاخر ، وأن يـراعي فيه حقوق الأخوَّة الإيمانيَّة ، فهذا زيد برغم ما وقع بينه وبين زينب ، ورغم: أنَّ هذا كان بسببها ، فإنَّه ذهب يخطبُها لرسول الله (ص) ، بـل ويقول لها: يا زينب! أبشري!. 2 ـ في الاية الَّتي نزلت بشأن هذا الزَّواج عتابٌ للنَّبيِّ (ص) من ربيِّه؛ إذ كان حين يأتيه زيدٌ يشكو زينب ، ومعاملتها له ، ورغبته في طلاقها يقول (ص) : «أمسك عليك زوجك واتَّق»[ أي: اتَّق الله ، وَدَعْ طلاقها ، أو: اتق الله فيما تذكره من سوء عشرتها؛ ورسول الله (ص) يخفي في نفسه ما أبلغه الله به: أن زيداً سيطليِّقها ، وأنََّّا ستكون زوجةً له ، ويخشى متَّ وقع هذا من كلام النَّاس في قولهم: تزوَّج مطلقة مَنْ تبنَّاه ، وهو زيد بن حارثة! روى أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: جاء زيد بن حارثة يشكو ، فجعل رسول الله (ص) يقول: «اتَّق الله ، وأمسك عليك زوجك»قال أنس: لو كان رسول الله (ص) كاتماً شيئاً من الوحي؛ لكتم هذه الاية7420.])
عدد الصفحات ٢٢٥