المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 03

علي محمد الصلابي

صفحة ١٣ من ٢١

الرَّسول (ص) الاتصال بقيـادة الأحزاب من اليهـود (كحيي بـن أخطب ، وكنانة بن الرَّبيع) أو قادة قريش كأبي سفيان بن حرب؛ لأنَّ هدف أولئك الرَّئيسي لم يكن المال ، وإنمَّا كان هدفهم هدفاً سياسيياً ، وعقائديايً يتوقَّف تحقيقه والوصول إليه على هدم الكيان الإسلامييِّ من الأساس ، لذا فقد كان اتصاله «فقط»بقادة غطفان ، الَّذين «فعلاً»لم يتردَّدوا في قبول العرض الَّذي عرضه عليهم النَّب (ص912])جاب القائدان الغطفانيان (عيينة بن حصن ، والحارث بن عوف) لطلب النَّبيِّ (ص) ، وحضرا مع بعض أعوانَّما إلى مقريِّ قيادة النَّبيِّ (ص) ، واجتمعا به وراء الخندق مستخفين دون أن يعلم بهما أحدٌ ، وشرع رسول الله (ص) في مفاوضتهم ، وكانت تدور حول عرضٍ تقدَّم به رسول الله (ص) يدعو فيه إلى عقد صلحٍ منفردٍ بينه ، وبين غطفان ، وأهمُّ البنود الَّتي جاءت في هذه الاتفاقيَّة المقترحة: أ ـ عقد صلحٍ منفردٍ بين المسلمين وغطفان الموجودين ضمن جيوش الأحزاب. ب ـ توادع غطفان المسلمين ، وتتوقف عن القيام بأييِّ عملٍ حربييٍ ضدَّهم (وخاصَّة في هذه الفترة). ج ـ تفكُّ غطفان الحصار عن المدينة ، وتنسحب بجيوشها عائدةً إلى بلادها. د ـ يدفع المسلمون لغطفان (مقابل ذلك) ثلث ثمار المدينة كليِّها من مختلف الأنواع ، ويظهر: أنَّ ذلك لسنةٍ واحدةٍ 913])فان: أرأيت إن جعلت لكم ثلث ثمر المدينة ترجعان بمن معكم، وتخذيِّلان بين الأعراب؟ قالا: تعطينا نصف ثمر المدينة ، فأبَ رسول الله (ص) أن يزيدها على الثُّلث، فرضيا بذلك، وجاءا في عشرة من قومهما حين تقارب الأمر914.]) ويعني قبول قائدي غطفان ما عرضه عليهما رسول الله (ص) من الوجهة العسكريَّة وضوح الهدف الَّذي خرجت غطفان من أجله ، وهو الوقود الذي يشعل نفوس هؤلاء ، ويَريِّكها في جبهة القتال ، ولاشكَّ في أنَّ اختفاء هذا الدَّافع يعني: أنَّ المحارب فقد ثلثي قدرته على القتال ، وبذلك تضعف عنده الرُّوح المعنوية الَّتي تدفعه إلى الاستبسال في مواجهة خصمه ، وبذلك استطاع (ص) أن يُفتيِّت ، ويضعف من قوَّة جبهة الأحزاب915.]) وقد أبرز (ص) في هذه المفاوضات جانباً من جوانب منهج النُّبوة في التَّحرك لفكيِّ الأزمات عند استحكامها ، وتأزُّمها؛ لتكون لأجيال المجتمع المسلم درساً تربويايً من دروس الترَّبية المنهجيَّة عند اشتداد البلاء916])

عدد الصفحات ١٩٤

رأيُهم عدم إعطاء غطفان شيئاً من ثمار المدينة ، وقال السَّعدان: سعدُ بن معاذ ، وسعدُ بن عبادة رسول الله! أمراً تحبُّه ، فنصنعُه ، أم شيئاً أمرك الله به لابدَّ لنا من العمل به ، أم شيئاً تصنعُه لنا؟ فقال: «بل شيءٌ أصنعه لكم ، والله! ما أصنع ذلك إلا لأنييِّ رأيت العرب رمتكم عن قوسٍ واحدةٍ ، وكالبوكم ـ أي: اشتدوا عليكم ـ من كليِّ جانبٍ ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما »، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله! قد كنَّا وهؤلاء على الشيِّرك بالله ، وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ، ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرةً واحدةً إلا قِّرىً ـ أي: الطَّعام الَّذي يُصنع للضَّيف ـ أو بيعاً ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدان له ، وأعزَّن بك ، وبه ، نعطيهم أموالنا؟! ما لنا بهذا من حاجةٍ، والله لا نعطيهم إلا السَّيف، حتََّّ يَكم الله بيننا وبينهم، فقال النَّبُّ (ص) : «أنت وذاك»فتناول سعد بن معاذ الصَّحيفة ، فمحا ما فيها من الكتاب ، قال: ليَجْهدوا علينا3/234([])917.]) كان رد زعيمي الأنصار: سعدُ بن معاذ ، وسعدُ بن عبادة في غاية الاستسلام لله تعالى ، والأدب مع النَّب (ص) وطاعته ، فقد جعلوا أمر المفاوضة مع غطفان ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون هذا الأمر من عند الله تعالى ، فلا مجال لإبداء الرَّأي بل لابدَّ من التَّسليم ، والريِّضا. والثَّاني: أن يكون شيئاً يَبُّه رسول الله (ص) ، باعتباره رأيه الخاصي، فرأيه مقدَّمٌ، وله الطَّاعة في ذلك. الثَّالث: أن يكون شيئاً عمله الرَّسول (ص) لمصلحة المسلمين من باب الإرفاق بهم ، فهذا هو الَّذي يكون مجالاً للرَّأي. ولمَّا تبينَّ للسَّعدين من جواب الرَّسول (ص) : أنَّه أراد القسم الثَّالث: أجاب سعدُ بن معاذ بجوابٍ قوييٍ ، كبت به زعيمي غطفان ، حيث بينَّ أنَّ الأنصار لم يذلُّوا لأولئك المعتدين في الجاهليَّة؛ فكيف وقد أعزَّهم الله تعالى بالإسلام؟! وقد أُعجب النَّبُّ (ص) بجواب سعدٍ ، وتبينَّ له منه ارتفاع معنويَّة الأنصار ، واحتفاظهم بالرُّوح المعنويَّة العالية ، فألغى بذلك ما بدأ من الصُّلح مع غطفان918.]) وفي قوله (ص «إنييِّ قد علمت: أنَّ العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدةٍ »[ (5409) ، وابن هشام3/234) ، ومجمع الزوائد(6/131([])919.]) دليلٌ على أنَّ رسول الله (ص) كان يستهدف من عمله ألا يجتمع الأعداء عليه صفياً واحداً ، وهذا يرشد المسلمين إلى عدَّة أمورٍ ، منها: * أن يَاول المسلمون التفتيش عن ثغرات القوى المعادية.

عدد الصفحات ١٩٥

* أن يكون الهدف الاستراتيجيُّ للقيادة المسلمة تحييد مَنْتستطيع تحييده ، ولا تنسى القيادة الفتوى ، والشُّورى ، والمصلحة الانيَّة ، والمستقبليَّة للإسلام920.]) وفي استشارة رسول الله (ص) للصَّحابة يتبينَّ لنا أسلوبه في القيادة ، وحرصه على فرض الشُّورى في كلي أمرٍ عسكرييٍ يتَّصل بالجماعة ، فالأمر شورى ، ولا ينف رد به فردٌ حتََّّ ولو كان هذا الفرد رسول الله (ص) ما دام الأمر في دائرة الاجتهاد ، ولم ينزل به وحيٌ921.]) إن قبول الرسول (ص) رأي الصحابة في رفض هذا الصلح يدل على أن القائد الناجح هو الذي يربط بينه وبين جنده رباط الثقة؛ حيث يعرف قدرهم ويدركون قدره، ويَترم رأيهم ويَترمون رأيه ، ومصالحة النب (ص) مع قائدي غطفان تعد من باب السياسة الشرعية التي تراعى فيها المصالح والمفاسد حسب ما تراه القيادة الرشيدة للأمة 922.]) إن موقف الصحابة من هذا الصلح يَمل في طياته ثلاثة معانٍ أ ـ أنه يؤكد شجاعة المسلمين الأدبية في إبدا ء الرأي ، والمشورة في أي أمر يخص الجماعة ، إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ب ـ أنه يكشف عن جوهر المسلمين وعن حقيقة اتصالهم بالله ورسوله (ص) وبالإسلام. ج ـ أنه يبين ما تمتلأى به الروح المعنوية لدى المسلمين من قدرة على مواجهة المواقف الحرجة بالصبر والرغبة القوية في قهر العدو ، مهما كثر عدده وعتاده أو تعدد حلفاؤه 923.]) 2 ـ اهتمام الرسول (ص) ببث الإشاعات في صفوف الأعداء استخدم النَّب (ص) سلاح التشكيك والدعاية لتمزيق ما بين الأحزاب من ثقة وتضامن ، فلقد كان يعلم (ص) أن هناك تصدعاً خفيفاً بين صفوف الأحزاب ، فاجتهد أن يبرزه ويوسع شقته ويستغله في جانبه ، فقد سبق أن أطمع غطفان ففكك عزمها ، والان ساق المولى ـ عز وجل ـ نُعيم بن مسعود الغطفاني إلى رسول الله (ص) ليعلن إسلامه ويقول له: يا رسول الله ، إن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت. فقال له رسول الله (ص) : إنما أنت فين ا رجل واحد ، فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة 3/240) ، والبيهقي في دلائل النبوة3/445 ـ446([])924.]) فقام نُعيم بزرع الشك بين الأطراف المتحالفة بأمر من رسول الله (ص) ، فأغرى اليهود بطلب رهائن من قريش لئلا تدعهم وتنصرف عن الحصار ، وقال لقري ش بأن اليهود إنما تطلب الرهائن لتسليمها للمسلمين ثمناً لعودتها إلى صلحهم ، لقد اشتهرت قصة نعيم بن مسعود في أنَّا

عدد الصفحات ١٩٦

لا تتنافى مع قواعد السياسة الشرعية؛ فالحرب خدعة 925.]) وقد نجحت دعاية نُعيم بن مسعود أيما نجاح ، فغرست روح التشكيك ، وعدم الثقة بين قادة الأحزاب ، مما أدى إلى كسر شوكتهم ، وتثبيط عزمهم ، وكان من أسباب نجاح مهمة نعيم قيامها على الأسس التالية: أ ـ أنه أخفى إسلامه عن كل الأطراف ، بحيث وثق كل طرف فيما قدمه له من نُصح. ب ـ أنه ذكير بني قريظة بمصير بني قينقاع وبني النضير ، وبصَّرهم بالمستقبل الذي ينتظر هم إن هم استمروا في حروبهم للرسول (ص) ، فكان هذا الأساس سبباً في تغيير أفكارهم وقلب مخططاتهم العدوانية. ج ـ أنه نجح في إقناع كل الأطراف بأن يكتم كل طرف ما قال له ، وفي استمرار هذا الكتمان نجاح في مهمته ، فلو انكشف أمره لدى أي طرف من الأطراف لفشلت مهمته. وهكذا قام نعيم بن مسعود بدور عظيم في غزوة الأحزاب 926.]) * * *

عدد الصفحات ١٩٧

المبحث الثَّالث مجيء نصر الله والوصف القراني لغزوة الأحزاب أولاً: شدَّة تضرُّع الرَّسول (ص) ونزول النَّصر: كان رسول الله (ص) كثير التَّضرُّع والدُّعاء ، والاستعانة بالله ، وخصوصاً في مغازيه ، وعندما اشتدَّ الكرب على المسلمين أكثر ممَّا سبق حتََّّ بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالاً شديداً ، فما كان من المسلمين إلا أن توجَّهوا إلى الرَّسول (ص) وقالوا: يا رسول الله! هل من شيءٍ نقوله؟ فقد بلغت القلوب الحناجر ، فقال: «نعم ، اللهمَّ!! استر عوراتنا وامن روعاتنا»[3/3) ، والبزار 3119) ، ومجمع الزوائد (10/136.]) وجاء في الصَّحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى ، قال: دعا رسول الله (ص) على الأحزاب ، فقال: «اللَّهمَّ! منزلَ الكتاب ، سريعَ الحساب ، هازم الأحزاب ، اللَّهمَّ! اهزمه م ، وزلزلهم »[ (2933) ، ومسلم1742 /20 و21.]) فاستجاب الله ـ سبحانه ـ دعاء نبييِّه (ص) فأقبلت بشائر الفرج ، فقد صرفهم الله بحوله وقوَّته ، وزلزل أبدانَّم ، وقلوبهم ، وشتيِّت جمعهم بالخلاف ، ثمَّ أرسل عليهم الريِّيح الباردة الشَّديدة ، وألقى الرُّعب في قلوبهم ، وأنزل جنوداً من عنده سبحانه. قال تعاهِّمْ رِّيًَا وَجُنُودًا لمَْ تـَرَوْهَا وَكَانَ الِلَُّّ بمَِّا تـَعْمَلُونَ بَصِّيرًا[ :9.] قال القرطبُّ ـ رحمه الله ـ: وكانت هذه الريِّيح معجزةً للنَّبيِّ (ص) ؛ لأنَّ النَّبَّ (ص) ، والمسلمين كانوا قريباً منها ، لم يكن بينهم وبينها إلا عرض الخندق ، وكانوا في عافيةٍ منها ، ولا خبر عندهم بها... ، بعث الله عليهم الملائكة ، فقلعت الأوتاد ، وق طعت أطناب الفساطيط 927]) وأكفأت القدور ، وجالت الخيول بعضُها في بعضٍ ، وأرسل الله عليهم الرُّعب ، وكثر تكبير الملائكة جوانب المعسكر؛ حتََّّ كان سييِّد كليِّ خباءٍ يقول: يا بني فلان! هلمَّ إليَّ ، فإذا اجتمعوا؛ قال لهم: النَّجاءَ ، النَّ جاءَ! لما بعث الله عليهم الرُّعب928.]) وحرَص الرَّسول (ص) أن يؤكيِّـد لصحبـه ، ثمَّ للمسلمين في الأرض: أنَّ هذه الأحزاب الَّتي تجاوزت عشرة الاف مقاتلٍ لم تهُزم بالقتال من المسلمين ـ رغم تضحياتهم ـ ولم تهزم بعبقرية المواجهة ، إنمَّا هُزمت

عدد الصفحات ١٩٨

بالله وحدهأَيـُّهَا الَّذِّينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِّعْمَةَ الِلَِّّّ عَلَيْكُمْ إِّذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِّمْ رِّيًَا وَجُ نُودًا لمَْ تـَرَوْهَا وَكَانَ الِلَُّّ بمَِّا تـَعْمَلُونَ بَصِّيرًا[9.] وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله (ص) ك ان يقول: «لا إله إلا الله وحدَه ، أعزَّ جنده ، ونصر عبده ، وغلب الأحزاب وحده ، فلا شيءَ بعدَه»[4114) ، ومسلم2724.]) ودعاء رسول الله (ص) ربَّه ، واعتماده عليه وحدَه ، لا يتناقض أبداً مع التماس الأسباب البشريَّة للنَّصر ، فقد تعامل (ص) في هذه الغزوة مع سنَّة الأخذ بالأسباب ، فبذل جهده لتفريق الأحزاب، وفك الحصَار، وغير ذلك من الأمور الَّتي ذكرنها929.]) إنَّ رسول الله (ص) يعليِّمنا سنَّة الأخذ بالأسباب ، وضرورة الالتجاء إلى الله ، وإخلاص العبوديَّة له؛ لأنَّه لا تجدي وسائل القوَّة كلُّها إذا لم تتوفر وسيلةُ التَّضرع إلى الله ، والإكثار من الإقبال عليه بالدُّعاء ، والاستغاثة ، فقد كان الدُّعاء والتَّضرُّع إلى الله من الأعمال المتكريِّرة الدَّائمة الَّتي فزع إليها رسولُ الله (ص) في حياته كليِّها930.]) ثانياً: تحريِّي انصراف الأحزاب كان رسول الله (ص) يتابع أمر الأحزاب ، ويَبُّ أن يتحرَّى عمَّا حدث عن قربٍ فقال: «ألا رجل يأتينا بخبر القوم ، جعله الله معي يوم القيامة؟»[1788] وكرَّره ثلاث مرَّاتٍ ، وعندما لم يجُْدِّ هذا الأسلوب لجأ إلى أسلوب الجزم ، والحزم في الأمر ، فعينَّ واحداً بنفسه ، فقال: «قم يا حذيفة! فائتنا بخبر القوم ، ولا تَذْعَرْهُم علي»[1788.]) وفي هذا معنىً تربويٌّ وهو أنَّ القيادة النَّاجحة هي الَّتي توجيِّه جنودها إلى أهدافها عن طريق الترَّغيب ، والتَّشجيع ، ولا تلجأ إلى الأمر ، والحزم إلا عند الضَّرورة. قال حذيفة رضي الله عنه: فمضيت كأنمَّا أمشي في حمََّامٍ ، فإذا أبو سفيان يَصْلِّي ظهرَه بالنَّار ـ أي: يدفئه ، ويدنيه منها ـ فوضعت سهماً في كبد القوس ، وأردت أن أرميه ، ثم ذكرت قول رسول الله (ص) : «لا تَذْعَرْهُمْ علي»، ولو رميتُه لأصبته ، فرجعت وأن أمشي في مثل الحمَّام ، فأتيت رسول الله (ص) ، وأصابني البرد حين رجعت وقررت فأخبرت رسول الله (ص) ، وألبسني فضل عَبَاءَةٍ كانت عليه يُصَليِّي فيها ، فلم أَزَلْ نئماً حتََّّ أصبحت ، فلمَّا أصبحت ، قال رسول الله (ص) : «قم يا نومان!»[1788.]) ويؤخذ من قصَّة حذيفة دروسٌ ، وعبرٌ منها:

عدد الصفحات ١٩٩

1 ـ معرفة رسول الله (ص) بمعادن الريِّجال؛ حيث اختار حذيفة؛ ليقوم بمهمَّة التَّجسس على الأحزاب ، وأنَّ معدن حذيفة معدنٌ ثمينٌ ، فهو شجاعٌ ، ولا يقوم بهذه الأعمال إلا من كان ذا شجاعةٍ ندرة ، وهو بالإضافة إلى ذلك لبقٌ ذكيٌّ خفيف الحركة ، سريع التخلُّص من المازق الحرجة. 2 ـ الانضباط العسكريُّ الَّذي كان يتحلَّى به حذيفة؛ فلقد مرَّت به فُرصةٌ سانحةٌ يستطيع أن يقتل فيها قائد الأحزاب ، وهَمَّ بذلك ، ولكنَّه ذكر أمر الرَّسول (ص) ألا يَذْعَـرَهُمْ ، وأنَّ مهمَّته الإتيان بخبرهم ، فنزع سهمه من قوسه 931.]) 3 ـ كرامات الأولياء: إنَّ ما حدث لحذيفة بن اليمان عندما سار لمعرفة خبر الأحزاب في جويٍ باردٍ ماطرٍ شديد الريِّيح وإذا به لا يشعر بهذا الجويِّ البارد ، ويمشي وكأنما يمشي في حمَّامٍ ، وتلازمه هذه الحالة مُدة بقائه بين الأحزاب وحتََّّ عو دته إلى معسكر المسلمين ، لاشك هذه كرامةٌ يمنُّ الله بها على عباده المؤمن932.]) 4 ـ لطف النَّبيِّ (ص) مع حذيفة عند رجوعه ، فقد كان (ص) يترفَّق بأصحابه ، ولم تمنعه صلاة اللَّيل ، وحلاوة المناجاة من التلطُّف بحذيفة الَّذي جاء بأحسن الأنباء ، وأصدق الأخبار ، وأهيِّها ، فشمله بكسائه الَّذي يصليِّي فيه؛ ليدفئه ، وتركه ملفوفاً به حتََّّ أتََّ صلاته ، بل حتََّّ بعد أن أفضى إليه بالمهمَّة ، فلمَّا وجبت المكتوبة؛ أيقظه بلطفٍ ، وخفَّةٍ ، ودُعابةٍ ، قائلاً: «قم يا نومان»دُعابة تقطر حلاوةً ، وتفيض بالحنان ، وتسيل رقَّ ةً ، إنََّّا صورةٌ نموذجيَّةٌ للرَّأفة ، والرَّحمة ، اللَّتين تحلَّى بهما فؤاد الرَّسول (ص) ، وتطبيقٌ فريدٌ رفيعٌ لهما في أصحابه الكرام 933]) رَحِّيمٌ [128.] 5 ـ وتستوقفنا سرعة البديهة لدى الصحابييِّ الكريم ، وقد دخل في القوم ، كما في رواية الزُّرقاني ، وقال أبو سفيان: ليأخذ كلُّ رجلٍ منكم بيد جليسه ، قال حذيفة: فضربت بيدي على يد الَّذي على يميني ، فقلت: من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان ، ثمَّ ضربت بيدي على يد الَّذي عن شمالي ، فقلت: مَنْ أنت؟ قال: عمرو بن العاص934.]) وهكذا بَدَرَهُم بالمسألة حتََّّ لا يتيح لهم فرصةً ليسألوه ، وبهذا تخلَّص من هذا المأزِّق الحرج الَّذي ربما أودى بحياته935.]) ثالثاً: الوصف القراني لغزوة الأحزاب ، ونتائجها

عدد الصفحات ٢٠٠

تحدَّث القران الكريم عن غزوة الأحزاب ، وردَّ الأمر كلَّه لله سبحانه ، وقد سجَّل القران الكريم غزوتي الأحزاب ، وبني قريظة ، والقران كعهدن به يُسَجيِّل الخالدات الَّتي تسع الزَّمان ، والمكان ، فالمسلمون معرَّضون دائماً لأن يُغزوا في عقر دارهم ، في عواصم بلدانَّم ، ومعرَّضون لأن يتكالب عليهم الأعداء جميعاً ، فإذا كان القران قد سجل حادثتي الأحزاب ، وبني قريظة ، فذلك من سمة التَّكرار على مدى العصور936]) القران الكريم على وجه الخصوص ، والَّذي يتدبَّر حديث القران عن غزوة الأحزاب يراه قد اهتم ببيان أمورٍ ، من أهيِّها ما يلي: 1 ـ تذكير المؤمنين بنعم الله عليهم ، كما قال تعا جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِّمْ رِّيًَا وَجُنُودًا لمَْ تـَرَوْهَا وَكَانَ الِلَُّّ بمَِّا تـَعْمَلُونَ بَصِّيرًا[9.] 2 ـ التَّصوير البديع لما أصاب المسلمين من هميٍ بسبب إحاطة الأحزاب بالمدينة فـَوْقِّكُمْ وَمِّنْ أَسْفَلَ مِّنْكُمْ وَإِّذْ زَاغَتِّ الأَبْصَارُ وَبـَلَغَتِّ الْقُلُوبُ الحَْنَاجِّرَ وَتَظُنُّونَ باِّ لِلَِّّّ الظُّنُونَ [10.] 3 ـ الكشف عن نوايا المنافقين السَّيئة ، وأخلاقهم الذَّميمة ، وجبنهم الخالع ، ومعاذيرهم الباطلة ، ونقضهم للعهود ، قال تعاولُهُ إِّلاَّ غُرُورًا[12.] 4 ـ حضُّ المؤمنين في كليِّ زمانٍ ، ومكانٍ على التأسيِّي برسول الله (ص) ، في أقواله ، وأفعاله ، وجهاده ، وكليِّ أحواله ، استجابةً لقوله تعا و الِلََّّ وَالْيـَوْمَ الآخِّرَ وَذَكَرَ الِلََّّ كَثِّيرًا [21.] 5 ـ مدح المؤمنين على مواقفهم النَّبيلة ، وهم يواجهون جيوش الأحزاب بإيمانٍ صادقٍ ، ووفاء بعهد تعالى ، قال تعايْهِّ فَمِّنـْهُمْ مَنْ قَضَى نحَْبَهُ وَمِّنـْهُمْ مَنْ يـَنـْتَظِّرُ وَمَا بَدَّلُوا تـَبْدِّيلاً[23.] 6 ـ بيان سنَّةٍ من سنن الله الَّتي لا تتخلَّف ، وهي جعل العاقبة للمؤمنين والهزيمة لأعدائهم ، قال تعا {هِّمْ لمَْ يـَنَالُوا خَيـْرًا وَكَفَى الِلَُّّ الْمُؤْمِّنِّينَ الْقِّتَالَ وَكَانَ الِلَُّّ قَوِّياًّ عَزِّيزًا [25.]

عدد الصفحات ٢٠١

7 ـ امتنانه سبحانه على عباده المؤمنين؛ حيث نصرهم على بني قريظة وهم في حصونَّم المنيعة بدون قتالٍ يُذْكَر ، حيث ألقى ـ سبحانه ـ الرُّعب في قلوبهم فنزلوا على حكم الله ، ورسوله (ص 937]) قال تعايقًا تـَقْتـُلُونَ وَتأَْسِّرُونَ فَرِّيقًا *وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِّياَرَهُ مْ وَأَمْوَالهَُمْ وَأَرْضًا لمَْ تَطَأُوهَا وَكَانَ الِلَُّّ عَلَى كُليِّ شَيْءٍ قَدِّيرًا }*[26 ـ27.] لقد كانت غزوة الأحزاب من الغزوات المهمَّة الَّتي خاضها المسلمون ضدَّ أعدائهم وحقَّقوا فيها نتائج مهمَّةً منها: * انتصار المسلمين ، وانَّزام أعدا ئهم ، وتفرُّقهم ، ورجوعهم مدحورين بغيظهم ، قد خابت أمانيهم ، وامالهم. * تغيرُّ الموقف لصالح المسلمين؛ فانقلبوا من موقف الديِّفاع إلى الهجوم ، وقد أشار إلى ذلك النَّبُّ (ص) حيث قال: «الان نغزوهم ، ولا يغزوننا ، نحن نسير إليهم »[4110) ، وأحمد4/262 ، و6/394.]) * كشفت هذه الغزوة يهود بني قريظة ، وحقدهم على المسلمين ، وتربُّص الدَّوائر بهم ، فقد نقضوا عهدهم مع النَّبيِّ (ص) في أحلك الظُّروف ، وأصعبها. * كشفت غزوة الأحزاب حقيقة صدق إيمان المسلمين ، وحقيقة المنافقين ، وحقيقة يهود بني قريظة ، فكان الابتلاء بغزوة الأحزاب تمحيصاً للمسلمين ، وإظهاراً لحقيقة المنافقين ، واليهود. * كانت غزوة بني قريظة نتيجةً من نتائج غزوة الأحزاب؛ حيث تََّ فيها محاسبة يهود بني قريظة الَّذين نقضوا العهد مع النَّبيِّ (ص) في أحلك الظُّروف ، وأقساها938.]) رابعاً: التَّخلُّص منبني قريظة: بعد عودة النَّبيِّ (ص) من الخندق ، ووضعِّه السيِّلاح أمر الله تعالى نبيَّه (ص) بقتال بني قريظة ، فأمر الحبيب (ص) أصحابه بالتوجُّه إليهم ، وقد أعلمهم بأنَّ الله تعالى قد أرسل جبريل؛ ليزلزل حصونَّم ، ويقذف في قلوبهم الرُّعب ، وأوصاهم بأن « لايصليِّينََّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة » [4119) ، ومسلم1770.]) وضرب المسلمون الحصار على بني قريظة خُساً وعشرين ليلةً939]) البلاء على بني قريظة ، أرادوا الاستسلام ، والنُّزول على أن يَكيِّم الرَّسول (ص) فيهم سعد بن معاذ

عدد الصفحات ٢٠٢

رضي الله عنه ، ونزلوا على حكمه ، ورأوا: أنَّه سيرأف بهم بسبب الحلف بينهم وبين قومه الأوس ، فجيء بسعدٍ محمولاً؛ لأنَّه كان قد أصابه سهمٌ في ذراعه يوم الخندق ، فقضى أن تُقتل المقاتِّلة ، وأن تُسبَ النيِّساء والذُّريِّيَّة ، وأن تُقسم أموالهم ، فأقرَّه رسول الله (ص) وقال: «قضيت بحكم»[ (3043 و4122) ، ومسلم1768/64.]) ونفَّذ حكم الإعدام في أربعمئةٍ في سوق المدينة ، حيث حفرت أخاديد ، وقتلوا فيها بشكل مجموعاتٍ ، وقد نجت مجموعةٌ قليلةٌ جدياً بسبب وفائها للعهد ، ودخولها في الإسلام ، وقسمت أموالهُم ، و ذراريهم على المسلمين. وهذا جزاءٌ عادلٌ نزل بمن أراد الغدر ، وتبرَّأ من حلفه للمسلمين ، وكان جزاؤهم من جنس عملهم حين عرَّضوا بخيانتهم أرواح المسلمين للقتل ، وأموالهم للنَّهب ، ونساءهم ، وذراريهم للسَّب ، فكان أن عوقبوا بذلك جزاءً وفاقاً940.]) ولم تقتل من نساء بني قريظة إلا واحدةٌ ، ونترك السَّيدة عائشة رضي الله عنها تحديِّثنا عنها قالت السَّيدة عائشة: لم يُقتل مِّنْ نسائهم إلا امرأةٌ واحدةٌ قالت: والله! إنََّّا لعندي ، تتحدث معي ، تضحك ظهراً ، وبطناً941]) باسمها: أين فلانة؟ قالت: أن والله! قالت: قلت لها: ويلك! ما لك؟ قالت: أقتل. قلت: ولم؟ قالت: لحدثٍ أحدثتُه 942 .]) قالت: فانطلق بها ، فضُربت عنقها ، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: والله! ما أنسى عجب من طيب نفسها ، وكثرة ضحكها ، وقد عَـرَفَتْ: أنََّّا تُقت ل6/277) ، وأبو داود (2671([])943.]) بالقضاء على بني قريظة خلت المدينة تماماً من الوجود اليهودييِّ ، وصارت خالصةً للمسلمين ، وخلت الجبهة الدَّاخلية من عنصرٍ خطرٍ ، لديه القدرة على المؤامرة ، والكيد ، والمكر ، واضمحل حلم قريش؛ لأنََّّا كانت تعويِّل ، و تؤميِّل في يهود بأن يكون لهم موقف ضدَّ المسلمين ، وابتعد خطر اليهود الَّذي كان يمدُّ المنافقين بأسباب التَّحريض والقوَّة944.]) إنَّ حماية الجبهة الدَّاخليَّة للدَّولة الإسلاميَّة من العابثين منهجٌ نبويٌّ كريمٌ ، رسمه الحبيب المصطفى (ص للأمَّة المسلمة. * * *

عدد الصفحات ٢٠٣

المبحث الرَّابع فوائد ، ودروسٌ ، وعبرٌ أولاً: المعجزات الحسيِّيَّة لرسول الله (ص): ظهرت خلال مرحلة حفر الخندق معجزاتٌ حسيِّيَّة للنَّبيِّ (ص) ، منها تكثير الطَّعام؛ الَّذي أعدَّه جابر بن عبد الله، فعن جابرٍ رضي الله عنه قال: إنَّ يوم الخندق محُفر 945]) فجاؤوا النَّبَّ (ص) ، فقالوا: هذه كديةٌ عرضت في الخندق ، فقال«أن نزلٌ»ثمَّ قام ، وبطنه معصوبٌ بحجرٍ ، ولبثنا ثلاثة أياَّمٍ لا نذوق ذواقاً ، فأخـذ النَّبُّ (ص) المِّعْوَل ، فضرب في الكُدْيَـةِّ ، فعـادت كثيباً أهيل946])947.]) قال جابر: فقلت: يا رسول الله! ائذن لي إلى البيت ، فقلت لامرأتي: رأيت بالنَّبيِّ (ص) شيئاً ما كان في ذلك صبرٌ؛ فعندك شيءٌ؟ فقالت: عندي شعير ، وعَناقٌ 948]) الشَّعير ، حتَّ جعلنا اللَّحم بالبرُمة949])ثمَّ جئت النَّبَّ (ص) والعجين قد انكسر ، والبرمة ب الأثافيي950]) ، قال«كم هو؟»فذكرت له ، فقال «كثيرٌ طييِّب»قال«قل لها: لا تنزع البرُمة ، ولا الخبز من التنُّور حتََّّ اتي» فقال: قوموا ، فقام المهاجرون ، والأنصار ، فلمَّا دخل على امرأته ، قال: ويَك! جاء النَّبُّ (ص بالمهاجرين ، والأنصار ، ومن معهم ، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم ، قال: «ادخلوا ، و تضاغطوا[»951])مة

عدد الصفحات ٢٠٤

والتـَّنُّور إذا أخذ منه ، ويقريِّب إلى أصحابه ، ثم ينزع ، فلم يزل يَكْسِّر الخبز ، ويغرف حتََّّ شبعوا ، وبقي بقيَّةٌ ، قال: «كلي هذا ، وأهدي؛ فإنَّ الناس أصابتهم مجاعةٌ»[4101) ، والبيهقي في دلائل النبوة (3/423.]) وهذه ابنة بشير بن سعد تقول: دعت أميِّي عمرة بنت رواحة ، فأعطتني حفنةً من تمرٍ في ثوبي ، ثمَّ قالت: أيْ بُـنَـيَّة! اذهب إلى أبيك ، وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما ، قالت: فأخذتهُا ، فانطلقت بها فمررت برسول الله (ص) وأن ألتمس أبي ، وخالي ، فقال: «تعاليَْ يا بنية! ما هذا معك؟»فقلت يا رسول الله! هذا تمرٌ بعثتني به أميِّي إلى أبي بشير بن سعدٍ ، وخالي عبد الله بن رواحة يتغذَّيانه. قال: «هاتيه»قالت: فصببته في كفَّيْ رسول الله (ص) فما ملأتهما ، ثمَّ أمر بثوبٍ ، فبُسط له ، ثمَّ دعا بالتَّمر عليه ، فتبدَّد فوق الثوب ، ثمَّ قال لإنسان عنده: «اصرخ في أهل الخندق: أن هلمَّ إلى الغذاء ، فاجتمع أهل الخندق عليه ، فجعلوا يأكلون منه ، وجعل يزيد حتَّ صدر أهل الخندق عنه ، وإنَّه ليسقط من أطراف الثَّوب3/228 ـ229) ، والبيهقي في دلائل النبوة3/427.]) ففي هذين الخبرين معجزاتٌ حسيِّيَّة ظاهرة ل لرسول (ص) ، كما يظهر دور المرأة المسلمة في مشاركة المسلمين في جهادهم ، فعندما اشتغل المسلمون بحفر الخندق تركوا أعمالهم ، وبعدت عنهم أرزاقهم ، وقلَّ عنهم القوت ، وأصاب النَّاس جوعٌ ، وحرمانٌ ، حتََّّ كان رسول الله (ص) والمسلمون معه يشدُّون على بطونَّم الحجارة من شدَّة الجوع ، فكانت المرأة المسلمة تعين المسلمين بإعداد ما قدرت عليه من الطَّعام952.]) ومن دلائل النُّبوة في أثناء حفر الخندق ، إخباره (ص) عمَّار بن ياسر ، وهو يَفر معهم الخندق ، بأنَّه ستقتله الفئة الباغية 447) ، ومسلم 2915])ين وكان في جيش علييٍ953.]) وعندما اعترضت صخرةٌ الصَّحابة وهم يَفرون ، ضربها الرَّسول (ص) ثلاث ضربات ، فتفتَّتت ، قال إثر الضربة الأولى: «الله أكبر! أُعطيت مفاتيح الشَّام ، والله! إنييِّ لأبصر قصورها الحمراء السَّاعة » َّثم ضربها الثانية ، فقال«الله أك! أعطيت مفاتيح فارس ، والله! إنييِّ لأبصر قصر المدائن أبيض » َّثم ضرب الثَّالثة ، وقال«الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن ، والله! إنييِّ لأبصر أبواب صنعاء من مكا هذه السَّاعة»[4/303) ، وأبو يعلى1685) ، والبيهقي في دلائل النبوة3/421) ، ومجمع الزوائد (6/130([])954.])

عدد الصفحات ٢٠٥

وقد تحقَّقت هذه البشارة الَّتي أخبرت عن اتيِّساع الفتوحات الإسلاميَّة ، والإخبار عنها في وقتٍ كان المسلمون فيه محصورين في المدينة ، يواجهون المشاقَّ ، والخوف ، والجوع ، والبرد القارس955.]) ثانياً: بين التَّصوُّر ، والواقع قال رجلٌ من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله! أرأيتم رسول الله ، وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي! قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنَّا نجهد، قال: فقال: والله! لو أدركناه، ما تركناه يمشي على الأرض ، ولحملناه على أعناقنا. فقال حذيفة: يابن أخي! والله لقد رأيتُنا مع رسول الله (ص) ، بالخندق956]) تخريجه هذا تابعيٌ يلتقي بالصَّحابييِّ حذيفة ، ويتخيَّل: أنَّه لو وجد مع رسول الله (ص) ؛ لاستطاع أن يفعل ما لم يفعله الصَّحابة الكرام ، والخيال شيءٌ ، والواقع شيءٌ اخر ، والصَّحابة رضي الله عنهم بشرٌ ، لهم طاقات البشر ، وقدراتهم ، وقد قدَّموا كلَّ ما يستطيعون ، فلم يبخلوا بالأنفس ، فضلاً عن المال والجهد ، وقد وضع (ص) الأمور في نصابها بقوله: «خير القرون قر»[6429) ، ومسلم (2533]) عملهم لا يعدله عملٌ إنَّ الذين جاؤوا من بعدُ ، فوجدوا سلطان الإسلام ممتدياً ، وعاشوا في ظليِّ الأمن ، والرَّخاء ، والعدل ، بعيدين عن الفتنة والابتلاء ، هم بحاجةٍ إلى نقلةٍ بعيدةٍ يستشعرون من خلالها أجواء الماضي بكليِّ ما فيه من جهالاتٍ ، وضلالاتٍ ، وكفرٍ.. . وبعد ذلك يمكنهم تقدير الجهد المبذول من الصَّحابة حتََّّ قام الإسلام في الأرض957.]) ثالثاً: سلمان منا أهل البيت958:]) قال المهاجرون يوم الخندق: سلمان منَّا ، وقالت الأنصار: سلمان منَّا ، فقال رسول الله (ص «سلمان منَّا أهل البيت »[3/598) ، والطبراني في المعجم الكبير (6/261) ، وابن هشام (3/235) ومجمع الزوائد 6/130]) المهاجرين؛ لأنَّ أهل البيت من المهاجرين959.]) رابعاً: الصَّلاة الوسطى قال (ص) : «ملأ الله عليهم بيوتهم ، وقبورهم نراً ، كما شغلون عن الصَّلاة الوسطى حتََّّ غابت الشَّمس»[

عدد الصفحات ٢٠٦

وقد استدلَّ طائفةٌ من العلماء بهذا الحديث على كون الصَّلاة الوسطى هي صلاة العصر ، كما هو منصوصٌ عليه ، وألزم القاضي الماورديُّ مذهب الشَّافعي بهذا لصحَّة الحديث ، وقد استدلَّ طائفةٌ من العلماء بهذا الصَّنيع على جواز تأخير الصَّلاة لعذر القتال ، كما هو مذهب مكحولٍ ، والأوزاعيي960.]) قال الدُّكتور البوطي: لقد فاتت النَّبَّ (ص) صلاةُ العصر ، كما رأيت في هذه الموقعة؛ لشدَّة انشغاله ، حتََّّ صلاَّها قضاءً بعدما غربت الشَّمس ، وفي رواياتٍ أخرى غير الصَّحيحين: أنَّ الذي فاته أكثرُ من صلاةٍ واحدةٍ ، صلاَّها تباعاً بعدما خرج وقتُها ، وفرغ لأدائها ، وهذا يدلُّ على مشروعية قضاء الفائتة ، ولا ينقض هذه الدَّلالة ما ذهب إليه البعض من أنَّ تأخير الصَّلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزاً إذ ذاك ، ثمَّ نُسخ حينما شُرعت صلاة الخوف للمسلمين رجالاً ، وركبانً عند التحام القتال بينهم وبين المشركين؛ إذ النَّسخ على فرض صحَّته ليس وارداً على مشروعية القضاء ، وإنمَّا هو وارد على صحَّة تأخير الصَّلاة بسبب الانشغال ، أي: أنَّ نسخ صحَّة التأخير ليس نسخاً لما كان قد ثبت م ن مشروعية القضاء أيضاً ، بل هي مسكوتٌ عنها ، فتبقى على مشروعيَّتها السَّابقة961.]) خامساً: الحلال والحرام عَرَضَتْ قريشٌ فداءً مقابل جثَّة عمرو بن عبد وديٍ ، فقال (ص) : «ادفعوا إليهم جيفته فإنَّه خبيث الجيفة ، خبيث الديِّية ، فلم يقبل منهم شيئاً »[(1/248) ، وابن هشام3/265.]) حدث هذا والمسلمون في ضنكٍ من العيش ، ومع ذلك فالحلال حلالٌ والحرام حرامٌ ، إنََّّا مقاييس الإسلام في الحلال والحرام ، فأين هذا من النَّاس المحسوبين على المسلمين الَّذين يَاولون إيجاد المبريِّرات لأكل الريِّبا ، وما شابهه؟962]). سادساً: شجاعة صفيَّة عمَّة الرَّسول (ص كان (ص) قد وضع النيِّساء ، والأطفال في حصن فارعٍ ، وهو حصنٌ قويٌّ؛ حمايةً لهم ، لأنَّ المسلمين في شغلٍ عن حمايتهم لمواجهتهم جيوش الأحزاب ، فعندما نقض يهود بني قريظة عهدهم مع رسول الله (ص) أرسلت يهوديايً ليستطلع وضع الحصن الَّذي فيـه نساء المسلمين ، وأطفالهم ، فأبصرتـه صفيَّـة بنت عبد المطلب عمَّـة رسول الله (ص) ، فأخذت عموداً ، ونزلت من الحصن ، فضربته بالعمود ، فقتلته ، فكان هذا الفعل من صفيَّة رادعاً لليهود من التَّحرُّش بهذا الحصن الَّذي ليس فيه إلا النيِّساء ، والأطفال ، حيث ظنَّت يهود بني قريظة: أنَّه محميٌّ من قبل الجيش الإسلامييِّ ، أو أنَّ

عدد الصفحات ٢٠٧

فيه على الأقليِّ مَنْ يدافع عنه من الريِّجال 963]) إن لم تجد مَنْ يدافع عنها964.]) سابعاً: عدم صحَّة ما يروى عن جبن حسَّانرضي الله عنه: وفي قصَّة صفيَّة عمَّـة رسول الله (ص) وقتْلِّهـا لليهودييِّ جاءت روايـةٌ سندها ضعيفٌ 965]) صفية رضي الله عنها قالت لحسان بن ثابتٍ: إنَّ هذا اليهودي يُطِّيف بالحصن ، كما ترى ، ولا امنه أن يدلَّ على عورتنا مَنْ وراءن من يهود ، وقد شُغِّل عنَّ ا رسولُ الله (ص) وأصحابه ، فانزِّلْ إليه ، فاقتـُلْه. فقال: يغفر الله لكِّ يا بنت عبد المطلب! والله! لقد عرفتِّ ما أن بصاحب هذا؟ قالت صفيَّة رضي الله عنها: فلمَّا قال ذلك ، احتجزت عموداً ثمَّ نزلت من الحصن إليه ، فضربتُه بالعمود حتََّّ قتلتُه ، ثم رجعت الحصن ، فقالت: يا حسان! انزل فاستلِّبْه ، فإنَّه لم يمنعني أن أستلبه إلا أنَّه رجلٌ ، فقال: ما لي بسلبه من حاجةٍ يا بنت عبد المطلب3/239) ، والبيهقي في دلائل النبـوة (3/442 ـ443([])966.]) وهذا الخبر لا يصح لأمور منها 1 ـ من حيث الإسناد ، فالخبر ليس مسنداً ، وهو ساقطٌ لا يصحُّ ، ولا يجوز أن يروى ، فيساء إلى صحابييٍ من صحابة رسول الله (ص) ، كان ينافح عن الدَّعوة ، وعن رسول الله (ص) عُمُرَهُ كلَّه. 2 ـ لو كان حسيان بن ثابت رضي الله عنه معروفاً بالجبن؛ الَّذي ذكر عنه؛ لهجاه أعداؤه ، ومبغضوه بهذه الخصلة الذَّميمة ، لاسيَّما الَّذين كان يهاجيهم ، فلم يسلم من هجائه أحدٌ من زعماء الجاهليَّة ، والرَّسول (ص) كان يؤييِّده ، ويدعو له ، ويشجيِّعه على هجاء زعماء المشرك 967.]) ثامناً: أول مستشفى إسلامي حر أنشأ المسلمون أوَّل مستشفى إسلامييٍ حربييٍ في غزوة الأح زاب ، فقد ضرب الرَّسول صلوات الله وسلامُه عليه خيمةً في مسجده الشَّريف في المدينة ، عندما دارت رحى غزوة الأحزاب ، فأمر (ص) أن تكون رُفـَيْدة الأسلميَّة الأنصاريَّة رئيسة ذلك المستشفى النَّبوييِّ الحربييِّ ، وبذلك أصبحت أوَّل ممريِّضةٍ عسكريَّةٍ في الإسلام968]) معاذ في خيمةٍ لامرأةٍ من أسلم ، يقال لها: رُفيدة ، في مسجده ، كانت تداوي الجرحى ، وتحتسب بنفسها على خدمة مَنْ به ضيعةٌ من المسلمين ، وكان (ص) قد قال لقومه حين أصابه السَّهم

عدد الصفحات ٢٠٨

بالخندق«اجعلوه في خيمة رفيدة حتََّّ أعوده من قريب... »[3/250) ، والطبري تفسيره (21/152.]) ويفهم من النَّص السَّابق أنَّ مَنْ أصيب من المسلمين ، إن كان له أهلٌ؛ اعتنى به أهلُه ، وإن لم يكن له أهلٌ؛ جيء به إلى المسجد؛ حيث ضُربت خيمةٌ فيه لمن كانت به ضيعةٌ من المسلمين ، وسعدُ بن معاذ الأوسيُّ ليس به ضيعةٌ ، ولكن لمَّا أراد الرَّسول (ص) الاطمئنان عليه باستمرارٍ ، جعله في تلك الخيمة الَّتي أعدَّت لمن به ضيعةٌ ، وليس له أهل؛ ذلك: أنَّ هؤلاء هم في رعاية رسول الله (ص) ، وإلا فِّلِّمَ ضُربت الخيمة في المسجد ، وكان بالإمكان ضربها في أييِّ مكانٍ اخر! إنَّ سعد بن معاذُ يكرَّم لماثره ، وما بذله في سبيل الله تعالى ، فيكون هذا التَّكريم أن يجعل في خيمةٍ أعدَّت لمن به ضيعةٌ ، وهكذا حينما يرتفع السَّادة يجعلون مع المغمورين الَّذين أخلصـوا أعمالهم لله تعالى ، فاستحقُّـوا أن يكونو ا في رعايـة رسول الله (ص 969]) للمسلمين على مدى الزَّمن تاسعاً: المسلم يقع في الإثم ، ولكنَّه يسارع إلى التَّوبة: أرسل بنو قريظة إلى أبي لبابة بن عبد المنذر ـ وكانوا حلفاءه ـ فاستشاروه في النُّزول على حكم رسول الله (ص) ، فأشار إلى حلقه ـ يعني الذَّبح ـ ثمَّ ندم فتوجَّه إلى مسجد النَّبيِّ (ص) ، فارتبط به حتََّّ تاب الله عليه ، وقد ظلَّ مرتبطاً بالجذع في المسجد ستَّ ليالٍ تأتيه امرأتُه في وقت كليِّ صلاةٍ فتحلُّه للصَّلاة ، ثمَّ يعود ، فيرتبط في الجِّذْع970.]) وقد قال أبو لبابة: لا أبرح مكاني هذا حتََّّ يتوب الله عليَّ ممَّا صنعتُ. قالت أمُّ سلمة: فسمعت رسول الله (ص) من السَّحر وهو يضحك ، فقلت: ممَّ تضحك يا رسول الله؟! أَضْحَكَ اللهُ سِّنَّك ، قال: «تِّيبَ على أبي لبابة »قالت: قلت: أفلا أبشيِّره يا رسول الله؟! قال: بلى؛ إن ش ئتِّ ، فقامت على باب حجرتها ـ وذلك قبل أن يضرب عليهنَّ الحجاب ـ فقالت: يا أبا لبابة؟ أبشر فقد تاب الله عليك! قالت: فثار النَّاس؛ ليطلقوه ، فقال: لا والله! حتَّ يكون رسول الله (ص) هو الَّذي يُطلقني بيده. فلمَّا مرَّ عليه رسول الله (ص) خارجاً إلى صلاة الصُّبح؛ أطلقه971])3/247 ـ248 ) ، والبيهقي في دلائل النبوة4/16 ـ17]) موطن العبرة في هذا الموقف يكمن في تصرُّف أبي لبابة بعدما وقعت منه هذه الزَّلَّة الَّتي أفشى بها سرياً

عدد الصفحات ٢٠٩