عَذَابٌ عَظِّيمٌ *إِّذْ تـَ لَقَّوْنَهُ بأَِّلْسِّنَتِّكُمْ وَتـَقُولُونَ بأَِّفـْوَاهِّكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِّهِّ عِّلْمٌ وَتحَْسَبُونَهُ هَييِّناً وَهُوَ عِّنْدَ الِلَِّّّ عَظِّيمٌ *وَلَوْلاَ إِّذْ سمَِّعْتُمُوهُ قـُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نـَتَكَلَّمَ بهَِّذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بـُهْتَانٌ عَظِّ يمٌ *يَعِّظُكُمُ الِلَُّّ أَنْ تـَعُودُوا لِّمِّثْلِّهِّ أَبَدًا إِّنْ كُنـْتُمْ مُؤْمِّنِّينَ *وَيـُبـَينيُِّ الِلَُّّ لَكُمُ الآياَتِّ وَالِلَُّّ عَلِّيمٌ حَكِّيمٌ *إِّنَّ الَّذِّينَ يَُِّبُّونَ أَنْ تَشِّيعَ الْفَاحِّشَةُ فيِّ الَّذِّينَ آمَنُوا لهَُمْ عَذَابٌ أَلِّيمٌ فيِّ الدُّ نـْيَا وَالآخِّرَةِّ وَالِلَُّّ يـَعْلَمُ وَأَنـْتُمْ لاَ تـَعْلَمُونَ *وَلَوْلاَ فَضْلُ الِلَِّّّ عَلَيْكُمْ وَرَحمَْتُهُ وَأَنَّ الِلََّّ رَؤُوفٌ رَحِّيمٌ [11 ـ20.] 6 ـ موقف أبي بكر الصيِّديق ممَّن تكلَّم في عائشة رضي الله عنها فلمَّا أنزل الله هذا في بر اءتي ، قال أبو بكر الصديِّيق رضي الله عنه ـ وكان ينفق على مسطح بن أُثاثة لقرابته منه ، وفقره ـ: والله! لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال ، فأنزل الله: { وَالْمَسَاكِّينَ وَالْمُهَاجِّرِّينَ فيِّ سَبِّيلِّ الِلَِّّّ وَلْيـَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تحُِّبُّونَ أَنْ يـَغْفِّرَ الِلَُّّ لَكُمْ وَالِلَُّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ * إِّنَّ الَّذِّينَ يـَرْمُونَ الْمُحْصَنَ اتِّ الْغَافِّلاَتِّ الْمُؤْمِّنَاتِّ لُعِّنُوا فيِّ الدُّنـْيَا وَالآ خِّرَةِّ وَلهَُمْ عَذَابٌ عَظِّيمٌ [22 ـ23.] قال أبو بكر: بلى والله! إنييِّ أحبُّ أن يغفر الله لي ، فأَرْجَعَ إلى مسطح النَّفقة الَّتي كان ينفق عليه ، وقال: والله! لا أنزعها منه أبداً. قالت عائشة: وكان رسول الله (ص) يسأل زينب بنت جحش 844])ي ، فقال«يا زينب ماذا علمت ، أو رأيت؟ »فقالت: يا رسول الله! أحمي 845]) خيراً ، قالت: وهي الَّتي كانت تسامي846])847 ]) بالورع 848])849])850]) ممَّن هلك من أصحاب الإفك كانت قصَّة الإفك حلقةً من سلسلة فنون الإيذاء ، والمحن الَّتي لقيها رسول الله (ص) من أعداء الديِّين ، وكان من لطف الله تعالى بنبييِّه وبالمؤمنين أن كشف الله زيفها ، وبطلانَّا ، وقد سجَّل التَّاريخ برواياتٍ صحيحةٍ مواقف المؤمنين من هذه الفرية، لاسيما موقف أبي أيوبٍ، وأم أيوبٍ، وهي مواقف يتأسَّى بها المؤمنون عندما تعرض لهم في حياتهم مثل هذه الفِّرْية ، فقد انقطع الوحي، وبقيت الدُّروس، لتكون عبرةً، وعظةً للأجيال إلى أن يرث الله الأرض ، ومن عليها851.]) سادساً: أهمُّ الادابوالأحكام الَّتي تؤخذ من ايات الإفك: أخذ العلماء من الايات الَّتي نزلت في حادثة الإفك أحكاماً ، واداباً ، من أهيِّها ما يأتي:
عدد الصفحات ١٧٨1 ـ تبرئـة السَّيدة عائشة رضي الله عنها من الإفك بقرانٍ يـُتـْلَى إلى اخر الزَّمان ، قال تعا جَاءُوا باِّلإِّفْكِّ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تحَْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيـْرٌ لَكُمْ لِّكُليِّ امْرِّىءٍ مِّنـْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِّنَ الإِّثمِّْ وَالَّذِّي تـَوَلىَّ كِّبـْرَهُ مِّنـْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِّيمٌ 2 ـ أنَّ حكمة الله ـ تعالى ـ اقتضت أن يبزغ الخير من ثنايا الشَّريِّ ،فقد كان ابتلاء أسرة أبي بكرٍ الصيِّديِّيق رضي الله عنه بحديث الإفك خيراً لهم ، حيث كُتِّب لهم الأجر العظيم على صبرهم ، وقوَّة إيمانَّم ، قال تعا 3 ـ الحرص على سمعة المؤمنين ، وعلى حسن الظَّنيِّ فيما بين هم ، قال تعالى: {لَوْلاَ إِّذْ سمَِّعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِّنُونَ وَالْمُؤْمِّنَاتُ بأَِّنـْفُسِّهِّمْ خَيـْرًا وَقَالُوا هَذَا إِّفْكٌ مُبِّينٌ 4 ـ تكذيب القائلين بالإفك ، قال تعا دَاءِّ فَأُولَئِّكَ عِّنْدَ الِلَِّّّ هُمُ الْكَاذِّبُونَ 5 ـ بيان فضل الله على المؤمنين ، ورأفته بهم 6 ـ وجوب التَّثبُّت من الأقوال قبل نشرها ، والتَّأكُّد من صحَّتها ، قال تعا{ : مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نـَتَكَلَّمَ بهَِّذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بـُهْتَانٌ عَظِّيمٌ 7 ـ النَّهي عن اقتراف مثل هذا الذَّنب العظيم ، أو العودة إليه ، قال تعا لِّمِّثْلِّهِّ أَبَدًا إِّنْ كُنـْتُمْ مُؤْمِّنِّينَ *وَيـُبـَينيُِّ الِلَُّّ لَكُمُ الآياَتِّ وَالِلَُّّ عَلِّيمٌ حَكِّيمٌ 8 ـ النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين ، قال تعا آمَنُوا لهَُمْ عَذَابٌ أَلِّيمٌ فيِّ الدُّنـْيَا وَ الآخِّرَةِّ وَالِلَُّّ يـَعْلَمُ وَأَنـْتُمْ لاَ تـَعْلَمُونَ 9 ـ بيان فضل الله ـ سبحانه ـ على عباده المؤمنين ، ورأفته بهم ، وكرَّر ذلك تأكيداً له ، قال تعا { 10 ـ النَّهي عن تتبُّع خطوات الشَّيطان الَّتي تؤديِّي للهلاك قال تعا خُطُوَاتِّ الشَّيْطَانِّ وَمَنْ يـَتَّبِّعْ خُطُوَاتِّ الشَّيْطَانِّ فَإِّنَّهُ يأَْمُرُ باِّلْفَحْشَاءِّ وَالْمُنْكَرِّ وَلَوْلاَ فَضْ لُ الِلَِّّّ عَلَيْكُمْ وَرَ حمَْتُهُ مَا زَكَى مِّنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِّنَّ الِلََّّ يـُزَكيِّي مَنْ يَشَاءُ وَالِلَُّّ سمَِّيعٌ عَلِّيمٌ 11 ـ الحثُّ على النَّفقة على الأقارب وإن أساؤوا 852]) وَالسَّعَةِّ أَنْ يـُؤْتُوا أُو الْقُرْبََ وَالْمَسَاكِّينَ وَالْمُهَاجِّرِّينَ فيِّ سَبِّيلِّ الِلَِّّّ وَلْيـَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تحُِّبُّونَ أَنْ يـَغْفِّرَ الِلَُّّ لَكُمْ وَالِلَُّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ
عدد الصفحات ١٧٩12 ـ غيرة الله ـ تعالى ـ على عباده المؤمنين الصَّادقين ، ودفاعه عنهم ، وتهديده لمن يرميهم بالفحشاء باللَّعن في الدُّنيا، والاخرة، قال تعالى: {إِّن الَّذِّينَ يـَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِّ الْغَافِّلاَتِّ الْمُؤْمِّنَاتِّ لُعِّنُوا فيِّ الدُّنـْيَا وَالآْخِّرَةِّ وَلهَُمْ عَذَابٌ عَظِّيمٌ * يـَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِّمْ أَلْسِّنـَتـُهُمْ وَأَيْدِّيهِّمْ وَأَرْجُلُهُم بمَِّا كَانُوا يـَعْمَلُونَ * يـَوْمَئِّذٍ يـُوَفيِّيهِّمُ الِلَُّّ دِّينـَهُمُ الحَْقَّ وَيـَعْلَمُونَ أَنَّ الِلََّّ هُوَ الحَْقُّ الْمُبِّينُ } قال صاحب الكشَّاف عند تفسيره لهذه الايات ولو فلَّيت القران كلَّه ، وفتَّشت عمَّا أوعد به العُصاة؛ لم ترَ الله تعالى قد غلَّظ في شيءٍ تغليظَه في إفك عائشة رضوانُ الله عليها ، ولا أنزل من الايات القوارع ، المشحونة بالوعيد الشَّديد ، والعتاب البليغ ، والزَّجر العنيف ، واستعظام ما ارتُكِّبَ من ذلك ، واستفظاع ما أقدم عليه ، ما أنزل فيه على طرقٍ مختلفةٍ ، وأساليب مفتنةٍ ، كلُّ واحد منها كافٍ في بابه ، ولو لم ينزل إلا هذه الايات الثَّلاث لكفى بها؛ حيث جعل القَذَفَة ملعونين في الدَّارين جميعاً ، وتوعَّدهم بالعذاب العظيم في الاخرة ، وبأنَّ ألسنتهم ، وأيديهم ، وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا ، وبهتوا ، وأنَّه يوفيِّيهم جزاءهم ا لحقَّ الواجب الَّذي هم أهلُه853.]) 13 ـ بيان سنَّةٍ من سنن الله الجارية في الكون ، وهي أنَّ الطَّيبين يجعلهم الله من نصيب الطَّيبات ، والطَّيبات يجعلهنَّ من نصيب الطَّيبين. قال تعا بَاتُ لِّلطَّييِّبِّينَ وَالطَّييِّبُونَ لِّلطَّييِّبَاتِّ أُولَئِّكَ مُبـَرَّأُونَ ممَِّّا يـَقُولُونَ لهَُمْ مَغْفِّرَةٌ وَرِّزْقٌ كَرِّيمٌ 14 ـ والنَّاس عندما رُمِّيَت الصيِّديِّيقة بنت الصيِّديِّيق بالإفك كانوا على أربعة أقسام854:]) قال فضيلة الشَّيخ عبد القادر شيبة الحمد ـ عند تعليقه على حديثٍ يتعلَّق بقصَّة الإفك ـ: إنَّ النَّاس عندما رُمِّيَتِّ الصيِّديِّيقة بنت الصيِّديِّيق بالإفك كانوا أربعة أقسام: قسمٌ ـ وهو أكثر النَّاس ـ حموا أسماعهم ، وألسنتهم ، فسكتوا ، ولم ينطقوا إلا بخيرٍ ولم يصديِّقوا ، ولم يكذيِّبوا. وقسمٌ سار ع إلى التَّكذيب ، وهم: أبو أيوبٍ الأنصاريُّ ، وأم أيوبٍ رضي الله عنهما ، فقد وصفوه عند سماعه بأنَّه إفك ، وبرَّؤوا عائشة ممَّا نسب إليها في الحال. أمَّا القسم الثالث؛ فكانوا جملةً من المسلمين ، لم يصديِّقوا ، ولم يكذيِّبوا ، ولم ينفوا ، ولكنَّهم يتحدَّثون بما يقول أهل الإفك ، وهم يَسبون: أنَّ الكلام بذلك أمرٌ هينيٌِّ لا يُعريِّضهم لعقوبة الله؛ لأن نقل الكفر ليس بكافرٍ ، وحاكي الإفك ليس بقاذفٍ ، ومن هؤلاء: حمنة بنت جحش ، وحسَّان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة.
عدد الصفحات ١٨٠أمَّا القسم الرَّابع فهم الذين جاؤوا بالإفك ، وعلى رأس هؤلاء عدوُّ الله عبد الله ابن أُبيَيِّ بن سلول ، رأسُ المنافقين ، لعنه الله ، وهو الَّذي تولىَّ كبره. وقد أشار الله ـ عزَّ وجلَّ ـ إلى فضل القسم الثاني من هذه الأقسام ، وأنَّه كان ينبغي لجميع المسلمين أن يقفوا هذا الموقف ، فقالنَّ الْمُؤْمِّنُونَ وَالْمُؤْمِّنَاتُ بأَِّنـْفُسِّهِّمْ خَيـْرًا وَقَالُوا هَذَا إِّفْكٌ مُبِّينٌ أمَّا القسم الثَّالث؛ فقد أشار الله ـ عزَّ وجلَّ ـ إلى أنَّه ما كان ينبغي لهم أن يتحدَّثوا بمثل هذا الحديث ، حيث يقوللُونَ بأَِّفـْوَاهِّكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِّهِّ عِّلْمٌ وَتحَْسَبُونَهُ هَييِّناً وَهُوَ عِّنْدَ الِلَِّّّ عَظِّيمٌ *وَلَوْلاَ إِّذْ سمَِّعْتُمُوهُ قـُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نـَتَكَلَّمَ بهَِّذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بـُهْتَانٌ عَظِّيمٌ }* وقد أثبت الله ـ عزَّ وجلـ لأهل هذا القسم فضائلهم الَّتي عملوها ، حيث أثبت لمسطح هجرته ، وإيمانه عندما حلف أبو بكر: أنه لن ينفق على مسطح ولن يتصدَّق عليه ، وهو من ذوي قرابته ، فقال ـ عزَّ وجلَّ ـ وَالْمَسَاكِّينَ وَالْمُهَاجِّرِّينَ فيِّ سَبِّيلِّ الِلَِّّّ وَلْيـَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تحُِّبُّونَ أَنْ يـَغْفِّرَ الِلَُّّ لَكُمْ وَالِلَُّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ أمَّا القسم الرَّابع وهو جماعة عبد الله بن أُبيَيٍ الَّذين جاؤوا بالإفك واخترعوا هذا الكذب؛ فقد أ شار الله إلى موتهم على الكفر ، وأنَّه لن يقبل منهم توبةً ، وأنَّه أنزل عليهم لعنته في الدُّنيا ، والاخرة855]) حيث قالعَذَابٌ عَظِّيمٌ *يـَ وْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِّمْ أَلْسِّنـَتـُهُمْ وَأَيْدِّيهِّمْ وَأَرْجُلُهُمْ بمَِّا كَانُوا يـَعْمَلُونَ *يـَوْمَئِّذٍ يـُوَفيِّيهِّمُ الِلَُّّ دِّينـَهُمُ الحَْقَّ وَيـَعْلَمُونَ أَنَّ الِلََّّ هُوَ الحَْقُّ الْمُبِّينُ سابعاً: فوائد ، وأحكامٌ ، ودروسٌ من حادثة الإفك ، وغزوة بني المصطلق: 1 ـ بشريَّة الرَّسول (ص جاءت محنة الإفك منطويةً على حكمةٍ إلهيَّةٍ استهدفت إبراز شخصيَّة النَّبيِّ (ص) ، وإظهارها صافيةً مميَّزةً عن كليِّ ما قد يلتبس بها ، فلو كان الوحي أمراً ذاتيياً غير منفصلٍ عن شخصيَّة الرَّسول (ص) ؛ لما عاش الرَّسول (ص) تلك المحنة بكليِّ أبعادها شهراً كاملاً، ولكن الحقيقة الَّتي تجلَّت للنَّاس بهذه المحنة أن ظهرت بشرية الرَّسول (ص) ونبوَّته ، فعندما حسم الوحي اللَّغط الَّذي دار حول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ عادت المياه إلى مجاريها بينها وبين الرَّسول (ص) ، وفرح الجميع بهذه النَّتيجة بعد تلك المعانة القاسية ، فدلَّ ذلك على حقيقة الوحي ، وأنَّ الأمر لو لم يكن من عند الله تعالى؛ لبقيت
عدد الصفحات ١٨١رواسب المحنة في نفس رسول الله (ص) بصفةٍ خاصَّةٍ ، ولانعكس ذلك على تصرُّفاته مع زوجته عائشة رضي الله عنها ، وهكذا شاء الله أن تكون هذه المحنة دليلاً كبيراً على نبوَّة محمَّدٍ (ص856. ]) 2 ـ حدُّ القذف ، وأهيِّيته في المحافظة على أعراض المسلم كان المجتمع الإسلاميُّ يتربََّ من خلال الأحداث ، فعندما وقعت حادثة الإفك أراد المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ أن يشريِّع بعض الأحكام الَّتي تسهم في المحافظة على أعراض المؤمنين ، ولذلك نزلت سورة النُّور ، الَّتي تحدَّثت عن حكم الزَّاني والزَّانية ، وعن قبح فاحشة الزيِّنى ، وعمَّا يجب على الحاكم أن يفعله إذا ما رمى أحد الزَّوجين صاحبه ، وعن العقوبة الَّتي أوجبها الله على الَّذين يرمون المحصنات ، ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء ، إلى غير ذلك من الأحكام857.]) إنَّ الإسلام حرم الزيِّنى ، وأوجب العقوبة على فاعله ، وقد حرَّم أيضاً كل الأسباب المسبيِّبة له ، وكل الطُّرق الموصلة إليه؛ ومنها إشاعة الفاحشة ، والقذف بها؛ لتنزيه المجتمع من أن تسري فيه ألفاظ الفاحشة ، والحديث عنها؛ لأنَّ كثرة الحديث عن فاحشة الزيِّنى وسهولة قولها في كليِّ وقتٍ يهون أمرها لدى سامعيها ، ويجريِّأى ضعفاء النُّفوس على ارتكابها ، لهذا حرَّمت الشَّريعة الإسلاميَّة القذف بالزيِّنى ، وأوجبت على من قذف عفيفاً ، أو عفيفةً ، طاهراً ، أو طاهرةً ، بريئاً ، أو بريئةً من الزيِّنى ، حدَّ القذف ، وهو الجلد ثمانون جلدةً ، وعدم قبول شهادته إلا بعد توبته توبةً صادقةً نصوحاً858.]) هذا وقد أقام رسول الله (ص) حدَّ القذف على مِّسْطحٍ ، وحسَّانَ ، وحمنةَ ، وروى محمَّد بن إسحاق ، وغيره: أنَّ النَّبَّ (ص) جلد في الإفك رجلين ، وامرأة: مسطحاً ، وحسَّانً ، وحمنة. وذ كره التريِّمذيُّ. [3181) ، ولم يُصريِّح بذكر الأسماء ، وقد صرَّح بها أبو داود4475.]) قال القرطب859]) ، وحمنةُ ، ولم يُسْمَع بحديٍ لعبد الله بن أُبيَيٍ860])دت اثارٌ ضعيفةٌ تدل على أنَّ عبد الله بن أُبيَيٍ أقيم عليه الحدُّ ، ولكنَّها كلَّها ضعيفةٌ لا تقوم بها حجَّة 861.]) وقد ذكر ابن القييِّم وجه الحكمة في عدم حديِّ عبد الله بن أبييٍ ، فقال أ ـ قيل: لأنَّ الحدود تخفيفٌ عن أهلها ، وكفارةٌ ، والخبيث ليس أهلاً لذ لك ، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الاخرة ، ويكفيه عن الحديِّ. ب ـ وقيل: كان يستوشي الحديث ، ويجمعه ، ويَكيه ، ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه.
عدد الصفحات ١٨٢جـ وقيل: الحدُّ لا يثبت إلا ببييِّنةٍ ، أو إقرارٍ ، وهو لم يقرَّ بالقذف ، ولا شهد به عليه أحدٌ ، فإنَّه كان يذك ره بين أصحابه ، ولم يشهدوا عليه ، ولم يكن يذكره بين المؤمنين. د ـ وقيل: بل ترك حدَّه لمصلحةٍ هي أعظم من إقامته عليه ، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه ، وتكلُّمه بما يوجب قتله مراراً ، وهي تأليف قومه ، وعدم تنفيرهم من الإسلام. ثمَّ قال ـ في ختام كلامه ـ: ولعلَّه ترك لهذه الوجوه كليِّها862.]) 3 ـ اعتذار حسان رضي الله عنه للسيدة عائشة رضي الله عنها قد بيَّنت الريِّوايات: أنَّ من خاض في الإفك قد تاب ـ ما عدا ابن أبييٍ ـ وقد اعتذر حسَّان رضي الله عنه عمَّا كان منه ، وقال يمدح عائشة رضي الله عنها بما هي أهلٌ له863:]) رَأيتُكِّ وَلْيـَغْفِّرْ لَكِّ اللهُ حُرَّةً مِّنَ المُحْصَنَاتِّ غَيـْرَ ذَاتِّ غَوَائِّلِّ حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تـُزَنُّ بِّرِّيـْبَةٍ وَتُصْبِّحَ غَرْثَى مِّنْ لحُُوْمِّ الغَوَافِّلِّ وَإِّني الَّذي قَدْ قِّيْلَ لَيْسَ بِّلاَئِّقٍ بِّكِّ الدَّهْرَ بَـلْ قَـوْلُ امْرِّأٍى مُ تَناحِّلِّ فَإنْ كُنْتُ أَهْجُوكُمْ كَمَا بلَّغُوكُمُ فَلاَ رَفـَعَتْ سَوْطِّي إليَّ أَنَمِّلِّي فَكَيْفَ وَوُديِّي مَا حَيِّيْتُ وَنُصْرَتيِّ لالِّ رَسُوْلِّ اللهِّ زَيْنُ المَحَافِّلِّ وَإِّنَّ لهَُمْ عِّزياً يـَرَى النَّاسُ دُوْنَهُ قِّصَاراً ، وَطَالَ العِّزُّ كلَّ التَّطاوُل864]) 4 ـ من الأحكام المستنبطة في غزوة بني المصطلق جواز الإغارة على مَنْ بلغتهم دعوة الإسلام دون إنذارٍ. ومنها: صحَّة جعل العتق صداقاً، كما فعل (ص) مع جويرية بنت الحارث في هذه الغزوة. ومنها: مشروعية القرعة بين النيِّساء عند إرادة السَّفر ببعضهن. ومنها: جواز استرقاق العرب، كما حدث في الغزوة، وهو قول جمهور العلماء 865.]) وقد أجمع العلماء قاطبةً على أنَّ من سبَّ عائشة رضي الله عنها بعد براءتها براءةً قطعيَّة بنصيِّ القران ، ورماها بما اتهُّمت به؛ فإنه كافرٌ ؛ لأنه معاندٌ للقران 866])ام الَّتي عرفت في هذه الغزوة حكم العزل عن النيِّساء ، حيث سأل الصَّحابة الرَّسول (ص) عنه ، فأذن به ، وقال: «ما عليكم ألا تفعلوا ، ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلا وهي كائنةٌ »[5210) ، ومسلم (1438/125) ، وأحمد3/68 و72([])867])إلى جواز العزل عن الزَّوجة الحرَّة بإذنَّا868])
عدد الصفحات ١٨٣وأنَّه لا يَول دون أدائها فقدُ الماء ، وهو وسيلةُ الطَّهارة الَّتي هي أعظم شروطها ، كما لا يَول الخوف ، وفقدُ الأمن من إقامتها869.]) * * * الفصل الحادي عشر غزوة الأحزاب ( 5 هـ المبحث الأوَّل تاريخ الغزوة ، وأسبابها ، وأحداثها أولاً: تاريخ الغزوة ، وأسبابها: 1 ـ تاريخ الغزوة ذهب جمهور أهل السيِّير والمغازي إلى أن غزوة الأحزاب كانت في شهر شوَّال من السَّنة الخامسة870])871]) الخامس الهجرييِّ ، وقال ابن سعدٍ 872]) يوم الأربعاء من شهر ذي القعدة سنة خُسٍ من مهاجره (ص) . ونقل عن الز هرييِّ ، ومالك بن أنس ، وموسى بن عقبة: أنََّّا وقعت سنة أربعٍ هجريَّة873.]) ويرى العلماء: أنَّ القائلين بأنََّّا وقعت سنة أربع كانوا يعدُّون التاريخ من المحرم الَّذي وقع بعد الهجرة ، ويلغون الأشهر اليتي قبل ذلك إلى ربيع الأوَّل وهو مخالف لما عليه الجمهور من جعل التَّاريخ من المحرَّم سنة الهجرة 874])875]) (ص) ردَّه يوم أحدٍ ـ وهي في السَّنة الثَّالثة باتيِّفاق ـ وهو ابن أربع عشرة سنة
عدد الصفحات ١٨٤[4097) ، ومسلم 1868([])876])لائل النبوة 2/296]) حجر877]) في نَّاية الخامسة عشرة وهو الموافق لقول الجمهور 878.]) وإلى ما ذهب إليه الجمهور ـ وهو الرَّاجح لديَّ ـ مال ابن القييِّم ، حيث قال: وكانت سنة خُسٍ من الهجرة في شوال على أصحيِّ القولين؛ إذ لا خلاف: أنَّ أُحداً كانت في شوَّال سنة ثلاثٍ ، وواعد المشركون رسول الله (ص) في العام المقبل ، وهو سنة أربعٍ ، ثمَّ أخلفوه من أجل جدب تلك السَّنة ، فرجعوا ، فلمَّا كانت سنة خُس جاؤوا لحربه879.]) 2 ـ أسبابها: إنَّ يهود بني النَّضير بعد أن خرجوا من المدينة إلى خيبر خرجوا وهم يَملون معهم أحقادهم على المسلمين ، فما إن استقرُّوا بخيبر؛ حتَّ أخذوا يرسمون الخطط للانتقام من المسلمين ، فاتَّفقت كلمتُهم على التَّوجُّه إلى القبائل العربيَّة المختلفة لتحريضها على حر ب المسلمين ، وكوَّنوا لهذا الغرض الخبيث وفداً يتكوَّن من سلام ابن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب ، وكنانة بن الرَّبيع بن أبي الحقيق ، وهوذة بن قيس الوائلي ، وأبي عمَّار880.]) وقد نجح الوفد نجاحاً كبيراً في مهمَّته ، حيث وافقت قريش الَّتي شعرت بمرارة الحصار ا قتصادييِّ المضروب عليها من قِّبَل المسلمين ، ووافقت غطفان طمعاً في خيرات المدينة ، وفي السَّلب ، والنَّهب ، وتابعتهم قبائل أخرى. وقد قال وفد اليهود لمشركي مكَّة: إنَّ دينكم خيرٌ من دين محمَّدٍ ، وأنتم أولى بالحقيِّ منه 881]) ذلك يقول الله تعا تـَرَ إِّلىَ الَّذِّينَ أُوتُوا نَصِّيبًا مِّنَ الْكِّتَابِّ يـُؤْمِّنُونَ باِّلجِّْبْتِّ وَالطَّاغُوتِّ وَيـَقُولُونَ لِّلَّذِّينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِّ أَهْدَى مِّنَ الَّذِّينَ آمَنُوا سَبِّيلاً *أُولَئِّكَ الَّذِّينَ لَعَنـَهُمُ الِلَُّّ وَمَنْ يـَلْعَنِّ الِلَُّّ فـَلَنْ تجَِّدَ لَ هُ نَصِّيرًا[51 ـ52.] وحول هذه المقالة أشار الأستاذ ولفنسون إلى الخطأ الكبير الَّذي وقع فيه هؤلاء اليهود بتفضيلهم دين قريشٍ الوثنيَّ على دين الإسلام الَّذي يدعو إلى عبادة الإله الواحد ، فقال: «والَّذي يؤلم كلَّ مؤمن بإلهٍ واحدٍ من اليهود ، والمسلمين على السَّواء ، إنمَّا هو تلك المحادثة الَّتي جرت بين نفرٍ من اليهود ، وبين قريشٍ الوثنييِّين ، حيث فضَّل هؤلاء النَّفر من اليهود أديان قريشٍ على دين صاحب الريِّسالة الإسلاميَّة[»882.])
عدد الصفحات ١٨٥ولا ريب أن قريشاً قد سُرَّت بما سمعت من مدحٍ لدينها ، فازدادت حماساً ، وأصبحت أكثر تصميماً على حرب المسلمين ، ثمَّ أعلنت موافقتها على هذه الدَّعوة ، والاشتراك في الحملة الَّتي ستهاجم المدينة ، وضربت لها موعداً883.]) وقد أبرم الوفد اليهوديُّ مع زعماء أعراب غطفان اتفاقيَّة الاتحاد العربييِّ الوثنييِّ اليهودييِّ العسكريي ضدَّ المسلمين ، وكان أهم بنود هذا الاتفاق هو: أ ـ أن تكون قوَّة غطفان في جيش الاتحيِّاد هذا ستَّةَ الاف مقاتلٍ. ب ـ أن يدفع اليهود لقبائل غطفان «مقابل ذلك»كلَّ تمر خيبر لسنةٍ واحدةٍ884.]) لقد استطاع وفد اليهود أن يرجع من رحلته إلى المدينة ومعه عشرةُالاف مقاتلٍ؛ أربعة الاف من قريشٍ ، وأحلافها ، وستَّةُ الافٍ من غطفان ، وأحلافها ، وقد نزلت تلك الأعداد الهائلة بالقرب من المدينة. ثانياً: متابعة المسلمين للأحزاب: كان جهاز أمن الدَّولة الإسلاميَّة على حذرٍ تام من أعدائه؛ لذا فقد كان يتتبَّع أخبار الأحزاب ، ويرصد تحرُّكاتهم ، ويتابع حركة الوفد اليهودييِّ منذ خرج من خيبر في اتجيِّاه مكَّة ، وكان على علمٍ تاميٍ بكليِّ ما يجري بين الوفد اليهودييِّ ، وبين قريش أوَّلاً ، ثمَّ غطفان ثانياً ، وبمجرَّد حصول المدينة على هذه المعلومات عن العدويِّ شرع الرَّسول (ص) في اتخاذ الإجراءات الديِّفاعية اللاَّزمة ، ودعا إلى اجتماعٍ عاجلٍ ، حضره كبار قادة جيش المسلمين من المهاجرين ، والأنصار ، بحث فيه معهم هذا الموقف الخطير النَّاجم عن مساعي اليهود الخبيثة 885]) حفر خندقٍ كبيرٍ لصديِّ عدوان الأحزاب ، فأُعْجِّبَ النَّبُّ (ص) بذلك ، قال الواقديُّ رحمه الله: فقال سلمان: يا رسول الله! إنَّ إذا كنا بأرض فارس ، وتخوَّفنا الخيل ، خندقنا علينا ، فهل لك يا رسول الله أن تخندق؟ فأعجب رأي سلمان المسلم 886.]) وعندما استقرَّ الرَّأي ـ بعد المشاورة ـ على حفر الخندق ، ذهب النَّبُّ (ص) هو وبعض أصحابه لتحديد مكانه ، واختار للمسلمين مكانً تتوافر فيه الحماية للجيش ، فقد ذكر الواقديُّ: أنَّ رسول الله (ص) ركب فرساً له ، ومعه نفرٌ من أصحابه من المهاجرين ، والأنصار ، فارتاد موضعاً ينزله ، فكان أعجب المنازل إليه أن يجعل سَلْعاً خلف ظهره ، ويخندق من المذاد إلى ذباب887])888]) وقد استفاد (ص) من مناعة جبل سَلْع889])
عدد الصفحات ١٨٦كان اختيار تلك المواقع موفَّقاً؛ لأنَّ شمال المدينة هو الجانب المكشوف أمام العدويِّ ، والَّذي يستطيع منه دخول المدينة ، وتهديدها ، أمَّا الجوانب الأخرى فهي حصينةٌ منيعةٌ ، تقف عقبةً أمام أييِّ هجوم يقوم به الأعداء ، فكانت الدُّور من نحية الجنوب متلاصقةً عاليةً كالسُّور المنيع ، وكانت حرَّة واقم890])كحصنٍ طبيعييٍ ، وكانت اطام بني قريظة في الجنوب الشَّرقي كفيلةً بتأمين ظهر المسلمين ، وكان بين الرَّسول (ص) وبني قريظة عهدٌ ألاَّ يمالئوا عليه أحداً ، ولا يناصروا عدوياً ضدَّه891.]) ويستفاد من بحث الرَّسول (ص) عن مكانٍ ملائمٍ لنزول الجند أهيِّيةُ الموقع ا لذي ينزل فيه الجند ، وأنَّه ينبغي أن يتوافر فيه شرطٌ أساسيٌّ ، وهو الحماية التامَّة للجند؛ لأنَّ ذلك له أثرٌ واضحٌ على سير المعركة ، ونتائجها892.]) لقد كانت خطَّة الرَّسول (ص) في الخندق متطورةً ، ومتقديِّمةً ، حيث شرع بالأخذ بالأساليب الجديدة في القتال ، ولم يكن حفر الخندق من الأمور المعروفة لدى العرب في حروبهم؛ بل كان الأخذ بهذا الأسلوب غريباً عنهم ، وبهذا يكون الرَّسول (ص) هو أوَّل من استعمل الخندق في الحروب في تاريخ العرب والمسلمين ، فقد كان هذا الخندق مفاجأةً مُذهلةً لأعداء الإسلام ، وأبطل خطَّتهم الَّ تي رسموها ، وكان من عوامل تحقيق هذه المفاجأة ما قام به المسلمون من إتقانٍ رفيعٍ لسريية الخطَّة ، وسرعة إنجازها ، وكان هذا الأسلوب الجديد في القتال له أثرٌ في إضعاف معنويات الأحزاب ، وتشتيت قواتهم. ثالثاً: اهتمام النب (ص) بالجبهة الدَّاخلية: 1 ـ لمَّا علمالنَّبُّ (ص) بقدوم جيش الأحزاب ، وأراد الخروج إلى الخندق أمر بوضع ذراري المسلمين ، ونسائهم ، وصبيانَّم في حصن بني حارثة؛ حتََّّ يكونوا في مأمنٍ من خطر الأعداء ، وقد فعل ذلك (ص) ؛ لأنَّ حماية الذَّراري ، والنيِّساء ، والصيِّبيان لها أثرٌ فعَّالٌ على معنويات الم قاتلين؛ لأنَّ الجندي إذا اطمأنَّ على زوجه ، وأبنائه يكون مرتاح الضَّمير ، هادأى الأعصاب ، فلا يشغل تفكيره أمرٌ من أمور الحياة ، يُسخيِّر كل إمكانته ، وقدراته العقليَّة ، والجسديَّة للإبداع في القتال ، أمَّا إذا كان الأمر بعكس ذلك؛ فإنَّ أمر الجندي يضطرب، ومعنوياتُه تضعُف ويستولي عليه القلق ، ممَّا يكون له أثر في تراجعه عن القتال وبذلك تنزل الكارثة بالجميع 893.]) 2 ـ ومن الأمور الَّتي أسهمت في قوية، وتماسك الجبهة الدَّاخلية مشاركةُ النب (ص) جنده أعباء العمل، فقد شارك الرَّسول (ص) الصَّحابة في العمل المضني ، فأخذ يعمل بيده الشَّريفة في حفر الخندق ، فعن
عدد الصفحات ١٨٧ابن إسحاق ، قال: سمعت البراء يَديِّث قال: لما كان يوم الأحزاب ، وخندق رسول الله (ص) ؛ رأيتُه ينقل من تراب الخندق حتََّّ وارى عني الترُّابُ جِّلدَة بطنِّه ، وكان كثير الشَّعر 4106) ، ومسلم (1803.]) فعمل رسول الله (ص) مع الصَّحابة بهمَّةٍ عاليةٍ لا تعرف الكلل ، فأعطى القدرة الحسنة لأصحابه حتََّّ بذلوا ما في وسعهم لإنجاز حفر ذلك الخندق. 3 ـ وكان (ص) يشارك الصَّحابة رضي الله عنهم في الامهم ، وامالهم ، بل كان يستأثر بالمصاعب الجمَّة دونَّم ، ففي غزوة الأحزاب نج د: أنَّه (ص) كان يعاني ألم الجوع كغيره ، بل أشدَّ ، حيث وصل به الأمر إلى أن يربط حجراً على بطنه الشَّريف من شدَّة الجوع894]) فحين وجد ما يسدُّ رمقه بعد هذا الجوع الَّذي استمر ثلاثاً ، لم يستأثر بذلك دونَّم ، وهذا ما سوف نعرفه بإذن الله عند الحديث عن وليمة جابر بن عبد الله رضي الله عنه. 4 ـ رفع معنويات الجنود وإدخال السُّرور عليهم: اقترن حفر الخندق بصعوباتٍ جمَّة ، فقد كان الجو بارداً ، والريِّيح شديدةً ، والحالة المعيشية صعبةً ، بالإضافة إلى الخوف من قدوم العدو الَّذي يتوقَّعونه في كليِّ لحظةٍ ، ويضاف إلى ذلك العمل المضني حيث كان الصَّحابة يَفرون بأيديهم وينقلون التراب على ظهورهم ، ولاشكَّ في أن هذا الظرف ـ بطبيعة الحال ـ يَتاج إلى قدرٍ كبير من الحزم ، والجديِّ ، ولكنَّ النَّبَّ (ص) لم ينسَ في هذا الظَّرف: أنَّ هؤلاء الجند إنمَّا هم بشرٌ كغيرهم ، لهم نفوسٌ بحاجةٍ إلى الرَّاحة من عناء العمل ، كما أنََّّا بحاجةٍ إلى مَنْ يدخل السُّرور عليها؛ حتََّّ تَنسى تلك الالام الَّتي تعانيها فوق معانة العمل الرَّئيسي ، ولهذا نجد: أنَّ النَّبيِّ (ص) كان يرتجز بكلمات ابن رواحة ، وهو ينقل الترُّاب: اللَّهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ ما اهْتَدَيْنا ولا تَصَدَّقـْنَا ولا صَلَّيـْنَا فأَنْزِّلَنْ سَكِّيـْنَةً عَلَيـْنَا وَثـَبيِّتِّ الأَقْدَامَ إِّنْ لاَقـَيـْنَا إنَّ الأُلىَ قَدْ بـَغَوْا عَلَيـْنَا وإِّنْ أَرَادُوا فِّتـْنَةً أَبـَيـْنَا ثمَُّ يمَدُّ صوته باخرِّهاالبخاري ( 4106.]) وعن أنسٍ رضي الله عنه: أنَّ أصحاب محمَّدٍ (ص) كانوا يقولون يوم الخندق نحَْنُ الَّذِّيْنَ باَيـَعُوا محَُمَّداً عَلَى الإِّسْلامِّ مَا بَقِّيـْنَا أَبَداً أو قال على الجهاد ، والنَّبُّ (ص) يقول: اللَّهُمَّ إِّنَّ الخَْيـْرَ خَيـْرُ الاخِّرَه فاغْ فِّرْ لِّلأَنْصَارِّ والمُهَاجِّره
عدد الصفحات ١٨٨[2834) ، ومسلم1805/130.]) لقد كان لهذا التَّبسُّط ، والمرح في ذلك الوقت أثرُه في التَّخفيف عن الصَّحابة ممَّا يعانونه نتيجةً للظُّروف الصَّعبة ، الَّتي يعيشونَّا ، وكما كان له أثرهُ في بعث الهِّمَّة ، والنَّشاط ، بإنجاز العمل الَّذي كُليِّفوا بإتمامه ، قبل وصول عدويِّهم895.]) 5 ـ تقدير ظروف الجند ، والإذن بالانصراف عند الحاجة: كان الصَّحابة رضي الله عنهم على قدرٍ كب من الأدب مع النَّبيِّ (ص) ، فكانوا يستأذنونه في الانصراف إذا عرضت لهم ضرورةٌ ، فيذهبون لقضاء حوائجهم ، ثمَّ يرجعون إلى ما كانوا فيه من العمل ، رغبةً في الخير ، واحتساباً له ، فأنزل الله فيهم: {حَتََّّ يَسْتَأْذِّنُوهُ إِّنَّ الَّذِّينَ يَسْتَأْذِّنُونَكَ أُولَئِّكَ الَّذِّينَ يـُؤْمِّنُونَ باِّلِلَِّّّ وَرَسُولِّهِّ فَإِّذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِّبـَعْضِّ شَأْنَِِّّّمْ فَأْذَنْ لِّ مَنْ شِّئْتَ مِّنـْهُمْ وَاسْتـَغْفِّرْ لهَُمُ الِلََّّ إِّنَّ الِلََّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ [62.] ومعنى الاية الكريمة: إذا استأذنكيا محمَّد! الَّذين لا يذهبون عنك إلا بإذنك في هذه المواطن لقضاء بعض حاجاتهم؛ الَّتي تعرض لهم فائذن لمن شئت منهم في الانصراف عنك لقضائها ، واستغفر لهم896]) فيه مضرَّة على ا لجماعة ، فكان يأذن ، أو يمنع حسب ما تقتضيه المصلحة ، ويقتضيه مقام الحال897.]) 6 ـ تقسيم الصَّحابة إلى دورياتٍ للحراسة: قسم النَّبُّ (ص) أصحابه إلى مجموعاتٍ للحراسة ، ومقاومة كليِّ مَنْ يريد أن يخترق الخندق ، وقام المسلمون بواجبهم في حراسة الخندق ، وحراسة نبييِّهم (ص) ، واستطاعوا أن يصدُّوا كلَّ هجومٍ حاول المشركون شنَّه ، وكانوا على أهبة الاستعداد جنوداً ، وقيادةً ، حتََّّ إنََّّم استمرُّوا ذات يوم من السَّحَر إلى جوف اللَّيل في اليوم الثَّاني ، ويفوت المسلمين الصَّلواتُ الأربع ، ويقضونَّا لعجزهم عن التوقُّف لحظةً واحدةً في أثناء الاشتباك المباشر للقتال ، واستطاع عليُّ بن أبي طالب مع مجموعة من الصَّحابة أن يصدُّوا محاولة عكرمة بن أبي جهلٍ ، بل تصدَّى عليٌّ لبطل قريش عمرو بن عبد وديِّ ، وقتله 898]) الأنصار تقوم بحراسة النَّبيِّ (ص) في كلي ليلةٍ على رأسهم عبَّاد بن بشرٍ رضي الله عنه ، فالنَّبُّ (ص) هو القائد الأعلى وهو المشرف المباشر على إدارة المعركة، فهو الَّذي يرسم الخطط ، ويراقب تنفيذها ، فهو الَّذي:
عدد الصفحات ١٨٩أ ـ أمر بحفر الخندق ، بعد أن تمَّت المشاورة في ذلك ، فاختار مكانً مناسباً لذلك ، وهي السُّهول الواقعة شمال المدينة؛ إذ كانت هي الجهة الوحيدة المكشوفة أمام الأعداء. ب ـ قسَّم أعمال حفر الخندق بين الصَّحابة ، كلَّ أربعين ذراعاً لعشرة من الصَّحابة ، ووكَّل بكليِّ جانبٍ جماعةً يَفرون فيه. ج ـ سيطر على العمل ، فلا يستطيع أحدٌ ترك عمله إلا بإذنٍ منه (ص) . د ـ قسم (ص) واجبات احتلال المواضع بنفسه بحيث تستمرُّ الحراسة على كليِّ شبرٍ من الخندق ليلاً ، ونَّاراً ، ثمَّ إنَّه (ص) كان يقوم بمهمَّة الإشراف العاميِّ على الجند بتشجيعهم ، ورفع معنوياتهم. هـ استطاع (ص) ـ لما يتمتَّع به من حنكةٍ ، وبراعةٍ سياسيَّ ةٍ مستمدَّةٍ من شخصيته النَّبويَّة ـ أن يمسك بزمام الأمور وينقذ المؤمنين من الموقف الحرج الَّذي حدث لهم عندما وصلت الأحزاب إلى المدينة ، وأصبح الخطر يهديِّد المدينة ، وما حولها899]) فكان ذلك من أسباب كسب ا عركة ، والفوز بها. * * * المبحث الثاني اشتداد المحنة بالمسلمين مع أنَّ المسلمين أخذوا بالاحتياطات كافَّةً في تأمين جبهتهم الدَّاخليَّة ، ومحاولة الديِّفاع عن الإسلام ، والمدينة من جيش الأحزاب الزَّاحف ، إلا أنَّ سنَّة الله الماضية لا نصر إلا بعد شدَّة ، ولا منحة إلا بعد محنة ، وكلَّما اقترب النَّصر زاد البلاء ، والامتحان ، وقد ازدادت محنة المسلمين في الخندق عندما: أولاً: نـَقْضُ اليهود من بني قريظة العهدَ ، ومحاولة ضرب المسلمين من الخلف:
عدد الصفحات ١٩٠كان المسلمون يخشون غدر يهود بني قريظة الَّذين يسكنون في جنوبالمدينة ، فيقع المسلمون حينئذٍ بين نرين ، اليهود خلف خطوطهم ، والأحزاب بأعدادهم الهائلة من أمامهم ، ونجح اليهوديُّ زعيم بني النَّضير في استدراج كعب بن أسد زعيم بني قريظة لينضمَّ مع الأحزاب لمحاربة المسلمين. وسرت الشَّائعات بين المسلمين بأنَّ قريظة قد نقضت عهدها معهم ، وكان الرَّسول (ص) يخشى أن تنقض بنو قريظة العهد الذي بينهم وبينه؛ لأنَّ اليهود قوم لا عهد لهم ، ولا ذمَّة ، ولذلك انتدب النَّبُّ (ص) الزبير بن العوَّام «رجل المهمَّات الصَّعبة»ليأتيه من أخبارهم ، فذهب الزُّبير ، فنظر ثمَّ رجع ، فقال: يا رسول الله! رأيتهم يصلحون حصونَّم ، ويُدريِّبون 900]) ماشيتهم901.]) وبعد أن كثرت القرائن الدَّالة على نقض بني قريظة للعهد؛ أرسل رسول الله (ص) سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وعبد الله بن رواحة ، وخَوَّات بن جبير رضي الله عنهم ، وقال لهم: انطلقو ا حتََّّ تنظروا: أحَقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم ، أم لا؟ فإن كان حقياً؛ فالحنوا لي لحناً902]) تَـفُتُّوا في أَعْضَاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم؛ فاجهروا به للنَّاس 3/232) ، والبيهقي في دلائل النبوة3/429([])903.]) فخرجوا حتََّّ أتوهم ، فوجدوهم قد نقضوا العهد ، فرجعوا ، فسلَّموا على النَّبيِّ (ص) ، وقالوا: عضَلٌ والقارَّة904])905.]) واستقبل النَّبُّ (ص) غدر بني قريظة بالثَّبات ، والحزم ، واستخدم كلَّ الوسائل الَّتي مِّنْ شأنَّا أن تق ويِّي روح المؤمنين، وتصدع جبهات المعتدين ، فأرسل النَّبُّ (ص) في الوقت نفسه «سلمة بن أسلم»في مئ رجلٍ ، وزيد بن حارثة في ثلاثمئة رجل ، يَرسون المدينة ، ويظهرون التكبير ليرهبوا بني قريظة ، وفي هذه الأثناء استعدَّت بنو قريظة للمشاركة مع الأحزاب ، فأرسلت إلى جيوشها عشرين بعيراً كانت محمَّلةً تمراً ، وشعيراً ، وتيناً؛ لتمدَّهم بها ، وتقويِّيهم على البقاء ، إلا أنََّّا أصبحت غنيمةً للمسلمين الَّذين استطاعوا مصادرتها، وأتوا بها إلى النَّبيِّ (ص906. ]) ثانياً: تشديد الحصار على المسلمين ، وانسحاب المنافقين ونشرهم الأراجيف: زادت جيوش الأحزاب في تشديد الحصار على المسلمين بعد انضمام بني قريظة إليها ، واشتدَّ الكرب على المسلمين ، وتأزَّم الموقف ، وقد تحدَّث القران الكريم عن حالة الحرج ، والتَّدهور ، الَّتي أصابت المسلمين ، ووصف ما وصل إليه المسلمون من جزعٍ ، وخوفٍ ، وفزعٍ في تلك المحنة الرَّهيبة أصدقَ
عدد الصفحات ١٩١وصفٍ ، حيث قال تعا الْقُلُوبُ الحَْنَاجِّرَ وَتَظُنُّونَ باِّلِلَِّّّ الظُّنُونَ *هُنَالِّكَ ابـْتُلِّيَ الْمُؤْمِّنُونَ وَزُلْزِّلُوا زِّلْزَ الاً شَدِّيدًا[10 ، 11.] وكان ظنُّ المسلمين بالله قويايً ، وقد سجَّله القران الكريم بقوله تعا قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَ الِلَُّّ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الِلَُّّ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِّلاَّ إِّيمَ انً وَتَسْلِّيمًا [22.] وأمَّا المنافقون؛ فقد انسحبوا من الجيش ، وزاد خوفهم حتََّّ قال مُعَتيِّب بن قُشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمَّد يعدن أن نأكل كنوز كسرى ، وقيصر ، وأحدن لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ، وطلب البعض الاخر الإذن لهم بالرُّجوع إلى بيوتهم بحجَّة أنََّّا عورة ، فقد كان موقفهم يتَّسم بالجبن ، والإرجاف وتخذيل المؤمنين ، وقد وردت رواياتٌ ضعيفةٌ تحكي أقوالهم في السُّخرية ، والإرجاف ، والتَّخذيل907.]) ولكن القران الكريم يتكفَّل بتصوير ذلك أدقَّ تصوير 908])ذْ قَالَتْ طَائِّفَةٌ مِّنـْهُمْ ياَأَهْلَ يـَثْرِّبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِّعُوا وَيَسْتَأْذِّنُ فَرِّيقٌ مِّنـْهُمُ النَّبَِّّ يـَقُولُونَ إِّنَّ بـُيُوتـَ نَا عَوْرَةٌ وَمَا هِّيَ بِّعَوْرَةٍ إِّنْ يُرِّيدُونَ إِّلاَّ فِّرَارًا *وَلَوْ دُخِّلَتْ عَلَيْهِّمْ مِّنْ أَقْطَارِّ هَا ثمَُّ سُئِّلُوا الْفِّتـْنَةَ لأََُتـَوْهَا وَمَا تـَلَبـَّثُوا بهَِّا إِّلاَّ يَسِّيرًا *وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا الِلََّّ مِّنْ قـَبْلُ لاَ يـُوَلُّونَ الأَدْباَرَ وَكَانَ عَهْدُ الِلَِّّّ مَسْؤُولاً *قُلْ لَنْ يـَنـْفَ عَكُمُ الْفِّرَارُ إِّنْ فـَرَرْتَُْ مِّنَ الْمَوْ تِّ أَوِّ الْقَتْلِّ وَإِّذًا لاَ تمَُتـَّعُونَ إِّلاَّ قَلِّيلاً *قُلْ مَنْ ذَا الَّذِّي يـَعْصِّمُكُمْ مِّنَ الِلَِّّّ إِّنْ أَرَادَ بِّكُ مْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِّكُمْ رَحمَْةً وَلاَ يجَِّدُونَ لهَُمْ مِّنْ دُونِّ الِلَِّّّ وَلِّيًّا وَلاَ نَصِّيرًا *قَدْ يـَعْلَمُ الِلَُّّ الْ مُعَويِّقِّينَ مِّنْكُمْ وَالْقَائِّلِّينَ لإِّخْوَانَِِّّّمْ هَلُمَّ إِّلَيـْنَا وَلاَ يأَْتُونَ الْبَأْسَ إِّلاَّ قَلِّيلاً *أَشِّحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِّذَا جَاءَ الخَْوْفُ رَأَ يـْتـَهُمْ يـَنْظُرُونَ إِّلَيْكَ تَدُورُ أَعْيـُنـُهُمْ كَالَّذِّي يـُغْشَى عَلَيْهِّ مِّنَ الْمَوْتِّ فَإِّذَا ذَهَبَ الخَْوْفُ سَلَقُوكُمْ بأَِّلْسِّنَةٍ حِّدَادٍ أَشِّحَّةً عَلَى الخَْيرِّْ أُولَئِّكَ لمَْ يـُؤْمِّنُوا فَأَحْبَطَ الِلَُّّ أَعْمَالهَُمْ وَكَانَ ذَلِّكَ عَلَى الِلَِّّّ يَسِّيرًا *يََْسَبُونَ الأَحْزَابَ لمَْ يَذْهَبُوا وَإِّنْ يأَْتِّ الأَحْزَابُ يـَوَدُّو ا لَوْ أَنـَّهُمْ باَدُونَ فيِّ الأَعْرَابِّ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنـْبَائِّكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِّيكُمْ مَا قَاتـَلُوا إِّلاَّ قَلِّيلاً }* [13 ـ20.] إنَّ الايات السَّابقة أشارت إلى النيِّقاق ، وما تولَّد عنه من القلق في النُّفوس ، والجبن في القلوب ، وانعدام الثيِّقة بالله عند تعاظم الخطوب ، والجرأة على الله تعالى بدل اللُّجوء إليه عند الامتحان ، ولا يقف الأمر عند الاعتقاد؛ بل يتبعه العمل المُخَذيِّل المُرْجِّف ، فهم يستأذنون الرَّسول (ص) للانصراف عن ميدان العمل ، والقتال بحججٍ واهيةٍ زاعمين: أن بيوتهم مكشوفةٌ ل لأعداء ، وإنمَّا يقصدون الفرار من
عدد الصفحات ١٩٢الموت لضعف معتقدهم ، وللخوف المسيطر عليهم ، بل ويَثُّون الاخرين على ترك موقعهم ، والرُّجوع إلى بيوتهم ، ولم يراعوا عقد الإيمان ، وعهود الإسلام 909.]) وتزايدت محاولات المشركين لاقتحام الخندق ، وأصبحت خيل المشركين تطوف بأعد ادٍ كبيرةٍ كلَّ ليلةٍ حول الخندق حتََّّ الصَّباح ، وحاول خالد بن الوليد مع مجموعةٍ من فرسان قريش أن يقتحم الخندق على المسلمين في نحيةٍ ضييِّقةٍ منه ، ويأخذهم على حين غِّرَّةٍ ، لكنَّ أُسَيْدَ بن حضير في مئتين من الصَّحابة يراقبون تحرُّكاتهم ، وقد حصلت مناوشاتٌ استشهد فيها الطُّفَيْل بن النُّعمان ، والَّذي قتله وحشيٌّ ـ قاتل حمزة يوم أحدٍ ـ رماه بحربةٍ عبر الخندق ، فأصابت منه مقتلاً910]) بن العَرِّقَة ، من المشركين أن يرمي سهماً أصاب سعد بن معاذ رضي الله عنه في أكحله911])ابن العرقة وقد قال سعد بن معاذ عندما أصيب: اللَّهُمَّ! إن كنت أبقيت من حرب قريشٍ شيئاً؛ فأبقني لها ، فإنَّه لا قومَ أحبُّ إليَّ من أن أجاهد من قومٍ اذوا رسولك ، وكذَّبوه ، وأخرجوه. اللَّهُمَّ! وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم؛ فاجعلها شهادةً ، ولا تميتني حتََّّ تقرَّ عيني من بني قريظة. [6/141 ـ142) ، وابن حبان7028.]) وقد استجاب الله دعوة هذا العبد الصَّالح وهو الَّذي سيحكم فيهم ، ثمَّ وجَّه المشركون كتيبة غليظةً نحو مقريِّ رسول الله (ص) فقاتلهم المسلمون يوماً إلى اللَّيل ، فلمَّا حانت صلاة العصر؛ دنت الكتيبة ، فلم يقدر النَّبُّ (ص) ، ولا أحدٌ من أصحابه الَّذين كانوا معه أن يصلُّوا ، وشُغِّلَ بهمُ النَّبُّ (ص) ، فلم يصليِّ العصر ، ولم تنصرف الكتيبة إلا مع اللَّيل ، فقال رسول الله (ص) : «ملأ الله عليهم بيوتهم ، وقبورهم نراً كما شغلون عن الصَّلاة الوسطى؛ حتََّّ غابت الشمس »[2931)، ومسلم627.]) ثالثاً: محاولة النَّبيِّ (ص) تخفيف حـدَّة الحصار بعقـد صلحٍ مع غطفـان ، وبثيِّ الإشاعات في صفوف الأعداء: 1 ـ سياسة النَّبيِّ (ص) في المفاوضات مع غطفان: ظهرت حنكته (ص) وحسن سياسته حين اختار قبيلة غطفان بالذَّ ات لمصالحتها على مالٍ يدفعه إليها على أن تترك محاربته ، وترجع إلى بلادها ، فهو يعلم (ص) : أنَّ غطفان وقادتها ليس لهم من وراء الاشتراك في هذا الغزو أيَّ هدفٍ سياسييٍ يريدون تحقيقه أو باعثٍ عقائدييٍ يقاتلون تحت رايته ، وإنمَّا كان هدفهم الأوَّل والأخير من الاشتراك في هذا الغزو الكبير هو الحصول على المال بالاستيلاء عليه من خيرات المدينة عند احتلالها ، ولهذا لم يَاول
عدد الصفحات ١٩٣