المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 03

علي محمد الصلابي

صفحة ١١ من ٢١

كانت ضمن الدَّولة الإسلاميَّة ، وأنَّ الدَّولة أصبحت منيعةً ، ليس في مقدور أحدٍ أن يعتدي عليها ، ولو كان ذلك في استطاعة أحدٍ؛ لكان هو عيينة بن حصن الَّذي كان يغضب لغضبه عشرة الاف فتًَّ747.]) كانت غزوة دومة الجندل بعيدةً عن المدينة من جهة الشَّام؛ إذ بينها وبين دمشق ما لا يزيد عن خُس ليالٍ ، وقد كانت بمثابة إعلان عن دعوة الإسلام ب ين سكَّان البوادي الشَّمالية ، وأطراف الشَّام الجنوبيَّة ، وأحسُّوا بقوَّة الإسلام ، وسطوته ، كما كانت لقيصر ، وجنده كما أنَّ سير الجيش الإسلامييِّ هذه المسافات الطَّويلة قد كان فيه تدريبٌ له على السَّير إلى الجهات النائية ، وفي أرضٍ لم يعهدوها من قبلُ ، ولذلك تعتبر هذه الغزوة فاتحة سير الجيوش الإسلاميَّة للفتوحات العظيمة في بلاد اسية ، وإفريقية فيما بعد748.]) كانت خطَّة الرَّسول (ص) في هذه الغزوة ترمي إلى أهدافٍ عديدةٍ ، فهي غزوةٌ ، وحربٌ استطلاعيَّةٌ تمسح الجزيرة العربيَّة ، وتتعرَّف مراكز القوى فيها ، و هي حربٌ إعلاميَّةٌ تأتي على أعقاب بدرٍ الموعد ، وتستثمر انتصاراتها ، وهي حربٌ عسكريَّةٌ تريد أن تصدَّ هجوماً محتملاً على المسلمين؛ حيث انضوى إليها قومٌ من العرب كثيرٌ يريدون أن يدنوا من المدينة ، وهي حربٌ سياسيَّة تريد أن تجُْهِّض من تحرُّكات القبائل المحتم ل أن تتحرَّك بعد أنباء غزوة أحد لتقصد المدينة ، وتستبيحها749.]) كانت هذه الغزوة دورةً تربويَّةً رائعةً ، وقاسيةً ، وشاملةً يقودها رسول الله (ص) وبين يديه ألفٌ من أصحابه، فيتلقَّون فيها كلَّ لحظةٍ دروساً في الطَّاعة، والانضباط ، ودروساً في التَّدريب الجسم ييِّ، والعسكرييِّ، والتَّحمُّل لمشاقيِّ الحياة، وصعوباتها ، وأحكاماً ، وفقهاً في الحلال ، والحرام ، وعمليات صهرٍ وتذويبٍ لقواعد الجيش الإسلامييِّ في بوتقةٍ واحدةٍ خارج إطار العشيرة ، وخارج كيان القبيلة ، حيث أخذت تَفِّدُ إلى المدينة عناصر كثيرةٌ من أبناء القبائ ل المجاورة ، والتَّخليِّي عن الأطر القبليَّة ، وعصاباتها للانصهار في بوتقة الأمَّة الواحدة الَّتي تجعل الولاء لله ورسوله. وفوق هذا كليِّه تتيح الفرصة لجيل بدرٍ الرَّائد أن يقوم بمهمة الترَّبية للوافدين الجدُد ، وتعليمهم وتثقيفهم ، كما تتيح الفرصة لكشف ضعاف ا لنُّفوس ، ومن له صلةٌ بمعسكر النيِّفاق من خلال مراقبة تصرُّفاته ، وسلوكه. إنََّّا ليست ساعاتٍ محدودةً أو أياماً معدودةً؛ بل هي دورةٌ قرابة شهرٍ ، لا يمكن إلا أن تبرز

عدد الصفحات ١٦٢

فيها كلُّ الطَّبائع ، وكلُّ النَّوازع ، فيتلقَّاها عليه الصَّلاة والسَّلام ليصوغها على ضوء الإسلام ، ويعليِّم الجيل الرَّائد فنَّ القيادة ، وعظمة السيِّياسة. كانت معركةً صامتةً ، وتربيةً هادئةً ، وكان الجيش مع قائده يقطع ما ينوف عن ألف ميل في هذه الصَّحراء يتربََّ ، ويتثقَّف ، ويتدرَّب ، ويمُتحن ، ويقوَّم ليكون هذا استعداداً لمعارك قادمةٍ 750]) وفي غيابه في غزوة دومة الجندل عينَّ (ص) سباع بن عرفطةَ الغفاريَّ والياً على المدينة في تجربةٍ جديدةٍ، فهو ليس أوسيياً، ولا خزرجيياً ، ولا قرشيياً ، بل من غفار الَّتي كانت تعتبر من سرَّاق الحجيج عند العرب ، فلابدَّ لهذا الجيل أن يتربََّ على الطَّاعة ، والان ضباط للأمير أيايً كان شأن هذا الأمير. وهذا يدلُّ على عظمة المنهج النَّبوييِّ في تربية الأمَّة ، والارتقاء بها ، وعلى عظمة قيادة النَّبيِّ (ص) ، وفراسته في أتباعه ، وثقته فيهم ، ومعرفته لمواهبهم ، فهو (ص) على معرفةٍ بكفاءة سباع بن عرفطة الغفارييِّ ، وعبقريته ، وقدرته على الإدارة الحازمة ، فكان (ص) يربييِّ أصحابه وهو غائب عن المدينة لكي يهيمن منهج ربيِّ العالمين على المسلمين ، ويصنع منها أمةً واحدةً ، تسمع ، وتطيع لكتاب ربهيِّا وسنَّة نبييِّها (ص751. ]) * * * المبحث السَّادس غزوة بني المُصْطَلِّق752]) أوَّلاً: مَنْ هم بنو المصطلق؟ ومتَّ وقعت الغزوة؟ وما أسبابها؟ 1 ـ بنو المصطلق هم بطنٌ753])754]) بن حارثة بن عمرو بن عامر ماء السَّماء755.]) واختلفوا في خُزاعة756])نََّّا قبيلةٌ عدننيَّـةٌ ، ومنهم من ذهب إلى أنََّّا قبيلةٌ قحطانيَّة يمنيَّـةٌ ، والرَّاجح ما ذهب إليه أكثر العلماء من أنََّّا قبيلةٌ قحطانيَّـةٌ يمنيَّـةٌ757.])

عدد الصفحات ١٦٣

2 ـ تاريخ الغزوة اختلف العلماء في ذلك ، وانحصرت أقوالهم فيهـا في ثلاثـة أقوالٍ ، فَمِّنْ قائلٍ : إنََّّا سنة ستيٍ ، قال بذلك ابن إسحاق إمام المغازي ، وتبعه على ذلك خليفةُ بن خيَّاط، وابن جرير الطَّبريُّ ، وابن حزمٍ ، وابن عبد الـبـَريِّ ، وابن العربييِّ ، وابن الأثير ، وابن خلدون ، فقد صرَّح كلٌّ منهم بأنَّ غزوة بني المصطلق كانت فيشعبان من السَّنة السَّ ادسة للهجرة 758.]) وهناكَ مَنْ قال بأنََّّا في شعبان من العام الرَّابع للهجرة ، وذهب إلى هذا القول المسعوديُّ ، وابن العربيي المالكيُّ ، وغيرهم. وذهبت طائفةٌ إلى أنََّّا كانت في شعبان من السنة الخامسة، ومن هؤلاء العلماء كلٌّ من: موسى بن عقبة، وابن سعد، وابن قتيبة، والبلاذري، والذَّهبُّ، وابن القييِّم ، وابن حجر العسقلانيُّ ، وابن كثيرٍ رحمهم الله! ومن المُحْدَثِّينَ: الخضري بك ، والغزاليُّ ، والبوطيُّ ، وأبو شهبة ، والشَّيخ السَّاعاتيُّ ، ومحمَّد أبو زهرة ، وسييِّد قطب ، وحسن مشَّاط ، ومحمَّد علي الصَّابوني ، ومحمَّد بكر ال عابد ، ومهدي رزق الله أحمد 759]) أ ـ أنَّ هذا القول هو ما ذهب إليه جمهور أصحاب السيِّير والمغازي ، كما أنَّ عدداً كبيراً ممَّن كتب السيِّيرة من المعاصرين سار عليه. ب ـ أنَّ في شعبان سنة أربعٍ من الهجرة كانت غزوة بدرٍ الموعد فيتعينَّ أن غزوة بني المصطلق كانت في غيرها. ج ـ أنَّ هذا القول يؤييِّده وجود سعد بن معاذ رضي الله عنه في الغزوة ، فقد جاء ذكره في حديث الإفك الَّذي كان في أعقاب غزوة بني المصطلق ، والَّذي أخرجه الإمام البخاريُّ: «فقام سعد بن معاذ الأنصاريُّ ، فقال: يا رسول الله! أن أعذرك منه؛ إن كان من الأوس؛ ضربْتُ عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج ، أمرتنا ، ففعلنا أمرك.... الحديث »[4750) ، ومسلم2770.]) وقد كانت وفاة سعد بن معاذ في أعقاب غزوة بني قريظة ، وغزوة بني ق ريظة كانت في ذي القعدة من السَّنة الخامسة على القول الرَّاجح ، فيتعينَّ أن تكون غزوة بني المصطلق قبلها 760.]) 3 ـ أسباب هذه الغزوة من أهميِّ الأسباب لهذه الغزوة:

عدد الصفحات ١٦٤

أ ـ تأييد هذه القبيلة لقريشٍ ، واشتراكها معها في معركة أُحُدٍ ضدَّ المسلمين ، ضمن كتلة الأحابيش الَّتي اشتركت في المعركة تأييداً لقريش. ب ـ سيطرة هذه القبيلة على الخطيِّ الرَّئيسييِّ المؤديِّي إلى مكَّة ، فكانت حاجزاً منيعاً من نفوذ المسلمين إلى مكَّة761.]) ج ـ أنَّ الرَّسول (ص) بلغه أنَّ بني المصطلق يجمعون له ، وكان قائدُهم الحارث بن أبي ضرا ر ينظيِّم جموعهم ، فلمَّا سمع بهم خرج إليهم ، حتََّّ لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المريسيع من نحية قُدَيْد إلى السَّاحل فهزمهم شرَّ هزيمة762.]) 4 ـ أحداث غزوة بني المصطلق عندما شعر رسول الله (ص) بحركة بني المصطلق المريبة؛ أرسل بريدة بن الحصيب الأسلميَّ ، للتأكُّد من نيَّتهم ، وأظهر لهم بريدة: أنَّه جاء لعونَّم ، فتأكَّد من قصدهم ، فأخبر الرَّسول (ص) بذلك. وفي يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان من السَّنة الخامسة للهجرة خرج الرَّسول (ص) من المدينة في سبعمئة مقاتلٍ 763])764)] المصطلق ممَّن بلغتهم دعوة الإسلام ، واشتركوا مع الكفَّار في غزوة أُحُدٍ ، وكانوا يجمعون الجموع لحرب المسلمين ، فقد روى البخاري2541])1730]) وهم غارُّون ـ أي: غافلون ـ وأنعامهم تُسْقَى على الماء ، فقتل مقاتلهم ، وسبَ ذراريهم ، وأصاب يومئذٍ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار 765.]) ثانياً: زواج رسول الله (ص) من جويرية بنت الحارث رضي الله عنها قسَّم رسول الله (ص) سبايا بني المصطلق ، وكان من بين الأسرى جويرية بنت الحارث ، وكانت بركةً على قومها ، ولنعرف قصَّتها من السَّيدة عائشة رضي الله عنها ، حيث قالت: لما قسم رسول الله (ص) سبايا بني المصطلق؛ وقعت جويرية بنت الحارث في سهمٍ لثابت بن قيس بن شمَّاس ، أو لابن عميٍ له ، فكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة حُلوةً مُلاَّحة766])لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله (ص) لتستعينه في كتابتها ، قالت: فوالله! ما هو أن رأيتها على باب حجرتي ، فكرهتها ، وعرفت أنَّه سيرى منها ما رأيت ، فدخَلَتْ عليه ، فقالت: يا رسول الله! أن جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سييِّد قومه ، وقد أصابني من البلاء ما لم يخفَ عليك ، فوقعت في السَّهم لثابت بن قيس بن شمَّاس ، أو لابن عميٍ له ، فكاتبته على نفسي ، فجئتك أستعينك على كتابتي.

عدد الصفحات ١٦٥

قال«فهل لك في خيرٍ من ذلك؟»قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي عنك كتابك ، وأتزوَّجُك»قالت: نعم يا رسول الله! قد فعلت . قالت: وخـرج الخبر إلى النَّاس: أنَّ رسول الله (ص) قد تـزوَّج جويريـة بنت الحارث. فقال النَّاس: أصهار رسول الله (ص) فأرسلوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أُعْتِّقَ بزواجه إياَّها مئةُ أهل بيت من بني المصطلق ، فما أعلم امرأةً أعظم بركةً على قومها منها6/277) ، وأبو داود 3931) ، وابن حبان 4054 و4055) ، وابن هشام (3/307 ـ308([])767.]) وجاء الحارث بن أبي ضرار ـ بعد الوقعة ـ بفداء ابنته إلى المدينة ، فدعاه النَّبُّ (ص) إلى الإسلام فأسلم768.]) تـُعَدُّ غزوة بني المصطلق من الغزوات الفريدة المباركة؛ الَّتي أ سلمت عقبها قبيلةٌ بأسرها ، وكان الحدث الَّذي أسلمت القبيلة من أجله هو أنَّ الصحابة حرَّروا ، وردُّوا الأسرى الَّذين أصابوهم إلى ذويهم بعد أن تملَّكوهم باليمين في قسم الغنائم ، واستكثروا على أنفسهم أن يتملَّكوا أصهار نبييِّهم (ص) ، وحيال هذا العتق الجماعييِّ ، وإزاء هذه الأريَيَّة الفذَّة؛ دخلت القبيلة كلُّها في دين الله. إنَّ مردَّ هذا الحدث التَّاريخييِّ ، وسببه البعيد هو حبُّ الصَّحابة للنَّبيِّ (ص) ، وتكريمُهم إياَّه ، وإكبارُهم شخصه العظيم ، وكذلك يؤتي الحبُّ النَّبويُّ هذه الثيِّمار الطَّيبة ، ويصنع هذه الم اثر الفريدة في التَّاريخ. لقد كان زواج رسول الله (ص) من جويرية بنت الحارث له أبعاده ، وتحقَّقت تلك الأبعاد بإسلام قومها ، فقد كان الزَّواج منها من أهدافه الطَّمع في إسلام قومها ، وبذلك يكثر سواد المسلمين ، ويعزُّ الإسلام ، وهذه مصلحةٌ إسلاميَّةٌ بعيدة ، يسَّر الله هذا الزَّواج ، وباركه ، وحقَّق الأمل البعيد المنشود من ورائه ، فأسلمت القبيلة كلُّها بإسلام جويرية ، وإسلام أبيها الحارث ، فقد عاد هذا الزَّواج على المسلمين بالبركة والقوَّة ، والدَّعم الماديِّييِّ والأدبييِّ معاً للإسلام ، والمسلم 769.]) أصبحت جويرية بنت الحارث زوجةً لسييِّد المرسلين ، وأمياً للمؤمنين ، فكانت رضي الله عنها عالمةً بما تسمع ، وعاملةً بما تعلم ، فقيهةً ، عابدةً ، تقيَّةً ، ورعةً ، نقيَّة الفؤاد ، مضيئة العقل ، مشرقة الرُّوح ، تحبُّ الله ورسولَه ، وتحبُّ الخير للمسلمين. وكانت رضي الله عنها تروي من حديث رسول الله (ص) ، نقلة لحقائق الديِّين من خزائنها عند

عدد الصفحات ١٦٦

من تنزَّلت عليه (ص) ، يرويه عنها سدنة العلم من علماء الصَّحابة رضي الله عنهم؛ لينشروه في المجتمع المسلم علماً ، وعملاً ، وفي المجتمع الإسلامييِّ عامَّةً دعوةً وهدايةً 770])عنها: ابنُ عبَّاس ، وعبيدُ بن السبَّاق ، وكريبُ مولى ابن عباسٍ ، ومجاهدٌ ، وأبو أيوب يَي بن مالكٍ الأزديُّ ، وبلغ مسندها في كتاب بقي بن مخلد سبعة أحاديث 771]) البخارييِّ حديثٌ ، وعند مسلمٍ حديثان ، وقد تضمَّنت مرو تها أحاديث في الصَّوم؛ في عدم تخصيص يوم الجمعة بالصَّوم ، وحديث في الدَّعوات في ثواب التَّسبيح ، وفي الزَّكاة في إباحة الهديَّة للنَّبيِّ (ص) وإن كان المُهدي ملكها بطريق الصَّدقة ، كما روت في العتق ، وبسبعة أحاديث شريفةٍ خلَّدت أمُّ المؤمنين جويرية بنت الح ارث رضي الله عنها اسمها في عالم الريِّواية؛ لتضيف إلى شرف صحبتها للنَّبيِّ (ص) ، وأمومتها للمسلمين؛ تبليغَها الأمَّة سننَ المصطفى (ص) ما تيسَّر لها ذلك772.]) وكانت أمُّ المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها من الذَّاكرين الله كثيراً ، والذَّاكرات ، القانتات ، الصَّابرات في مجال مناجاة الله تعالى ، وتحميده ، وتقديسه ، وتسبيحه773]) جويرية تحديِّثنا عن ذلك ، فتقول: إنَّ النَّبَّ (ص) خرج من عندها بُكْرَةً حين صلَّى الصُّبح ، وهي مسجدها774]): ما زلت على الحال الَّتي فارقتُك عليها؟ قالت: نعم. قال النَّبُّ (ص) : «لقد قلت بعدك أربع كلماتٍ ، ثـلاث مراتٍ لو وُزِّنت بما قلت منذ اليوم؛ لوزنتهنَّ ، سبحان الله وبحمده ، عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وَزِّنَـةَ عرشه ، ومداد كلماته» [1/258) ، ومسلم2726 )، وأبو داود1503) ، والنسائي في السنن الكبرى9912 و1277.]) وقد تُوفيِّيت رضي الله عنها سنة خُسين ، وقيل: ستيٍ وخُس 775.]) ثالثاً: محاولة المنافقين في هذه الغزوة إثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار خرج في غزوة بني المصطلق عددٌ كبير من المنافقين مع المس لمين ، وكان يغلب عليهم التَّخلُّف في الغزوات السَّابقة ، لكنَّهم لمَّا رأوا اطراد النَّصر للمسلمين؛ خرجوا طمعاً في الغنيمة776.]) وعند ماء الْمُرَيْسِّيع كشف المنافقون عن الحِّقْدِّ الَّذي يضمرونه للإسلام والمسلمين ، فكلَّما كسب الإسلام نصراً جديداً؛ ازدادو ا غيظاً على غيظهم ، وقلوبهُم تتطلَّع إلى اليوم الَّذي يُهزم فيه المسلمون ، لتشفى من الغليِّ ، فلمَّا انتصر المسلمون في المريسيع سعى المنافقون إلى إثارة العصبيَّة بين المهاجرين ، والأنصار ، فلمَّا أخفقت المحاولة سعوا إلى إيذاء الرَّسول (ص) في نفسه ، وأهل بيته ، فشنوا حرباً

عدد الصفحات ١٦٧

نفسيَّة مريرةً من خلال حادثة الإفك الَّتي اختلقوها ، ولنترك الصَّحابيَّ زيد بنَ أرقم ، وهو شاهد عيان ، ومشاركٌ في الحادث الأوَّل يَكي خبر ذلك 777])778]) الله بن أُبيَيٍ يقول: لا تنفقوا على من عند رسول حتَّ ينفضُّوا من حوله ، ولئن رجعنا من عنده ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ ، فذكرت ذلك لعميِّي 779]) فأرسل رسولُ الله (ص) إلى عبد الله بن أبييٍ ، وأصحابه ، فحلفوا ما قالوا ، فكذَّبني رسول الله (ص) ، وصدَّقه ، فأصابني هَمٌّ لم يصبني مثلُه قطُّ ، فجلست في البيت ، فقال لي عميِّي: ما أردت إلى أن كذَّبك رسولُ الله (ص) ومقَتَك؟ فأنزل الله تعا وَالِلَُّّ يـَعْلَمُ إِّنَّكَ لَرَسُولُهُ وَالِلَُّّ يَشْهَدُ إِّنَّ الْمُنَافِّقِّينَ لَكَاذِّبُونَ[ق1.] فبعث إليَّ رسول الله (ص) فقرأ، فقال«إنَّ الله قد صدَّقك يا زيد »[4900)، ومسلم (2772([])780.]) ويَكي شاهد عيان اخر هو جابر بن عبد الله الأنصاريُّ ما حدث عند ماء المريسيع ، وأدَّى إلى كلام المنافقين لإثارة العصبية ، وتمزيق وحدة المسلمين ، قال: «كنَّا في غزاةٍ فكسع 781]) المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاريُّ: يا للأنصار! وقال المهاجريُّ: يا للمهاجرين؟ فسمع ذلك رسول الله (ص) ، فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا: يا رسول الله! كسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال: «دعوها فإنَّا منتنة»، فسمع بذلك عبد الله بن أبييٍ ، فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ ، فبلغ النَّبَّ (ص) ، فقام عمر فقال: يا رسول الله! دعني أضربْ عنق هذا المنافق ، فقال النَّ بُّ : «دعه ، لا يتحدَّث الناسُ: أنَّ محمداً يقتل أصحابه»[3518) ، ومسلم2584/63([])782.]) وفي روايةٍ قال عمر بن الخطَّاب: مُرْ به عبَّاد بن بشر؛ فليقتله ، فقال له رسول الله (ص «فكيف عمر! إذا تحدَّث النَّاس: أنَّ محمداً يقتل أصحابه؟! لا. ولكن أذيِّن بالرَّحيل»، وذلك في ساعةٍ لم يكن رسول الله (ص) يرتحل فيها ، فارتحل النَّاس 28/115 ـ116) ، وابن هشام (3/303.]) وقد مشى عبد الله بن أبييِّ ابن سلول إلى رسول الله (ص) حين بلغه: أنَّ زيد بن أرقم قد بـَلَّغه ما سمعه منه ، فحلف بالله ما قلت ما قال: ولا تكلَّمت به! فقال من حضر رسول الله (ص) من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله! عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه.

عدد الصفحات ١٦٨

فلمَّا سار رسول الله (ص) ، لقيه أُسَيْدُ بن حُضَيرٍْ ، فحيَّاه بتحيَّة النُّبوَّة ، وسلَّم عليه ، ثم قال: يا نب الله! لقد رحتَ في ساعةٍ منكرةٍ ، ما كنت تروح في مثلها ، فقال له رسول الله (ص) : «أوبلغك ما قال صاحبُكم؟» قال: وأيُّ صاحبٍ يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أبييٍ» قال: وما قال؟ قال: «زعم إن رجع إلى المدينة؛ ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذل» قال: فأنت يا رسول تخرجـه منها ؛ إن شئت ، هو الذَّليـل ، وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله ! ارفق به ، فوالله لقد جاءن الله بك ، وإنَّ قومه لينظمون له الخرز؛ ليتويِّجوه ، فإنَّه يرى: أنك استلبت مُلْكَهُ. ثمَّ مشى رسولُ الله (ص) بالنَّاس يومهم ذلك حتََّّ أمسى ، وليلتهم حتََّّ أ صبح ، وصدر يومهم ذلك حتََّّ اذتهم الشَّمس ، ثمَّ نزل بالنَّاس ، فلم يلبثوا أن وجدوا مسَّ الأرض ، فوقعوا نياماً. وإنمَّا فعل ذلـك رسول الله (ص) ليشغل النَّاس عن الحديث الَّذي كان بالأمس ، من حديث عبد الله بن أبييٍ ، ونزلت السُّورة الَّتي ذُكِّرَ فيها المنافقو ن في ابن أبييٍ ، ومن كان على مثل أمره ، فلمَّا نزلت؛ أخذ رسول الله (ص) بأذن زيد بن أرقم ، ثمَّ قال: «هذا الَّذي أوفى لله بأذُنه »[ (28/116) ، وابن هشام3/305([])783.]) إنَّ هذه الحادثة من السيِّيرة النَّبويَّة العطرة مليئةٌ بالدُّروس ، وال عبر. فََُمِّنْ أهميِّ تلك الدُّروس: 1 ـ الحفاظ على السُّمعة السيِّياسيَّة ووحدة الصَّفيِّ الدَّاخلية وهذا الدَّرس يظهر في قوله (ص) : «فكيف يا عمر! إذا تحدث النَّاس: أنَّ محمداً يقتل أصحابه؟» [784.]) إنََّّا المحافظة التَّامَّة على السُّمعة السيِّي اسيَّة ، والفرق كبير جدياً بين أن يتحدَّث النَّاس عن حبيِّ أصحاب محمَّدٍ محمَّداً ، ويؤكيِّدون على ذلك بلسان قائدهم الأكبر أبي سفيان: ما رأيت أحداً يَبُّ أحداً كحبيِّ أصحاب محمَّد محمَّداً785])أنَّ وراء

عدد الصفحات ١٦٩

ذلك محاولاتٍ ضخمةً ستتمُّ في محاولة الدُّخول إلى الصَّفيِّ الدَّاخلييِّ في المدينة من العدويِّ ، بينما هم يائسون الان مِّنْ قدرتهم على شيءٍ أمام ذلك الحبيِّ ، وتلك التَّضحيات 786.]) ولم يقف النَّبُّ (ص) موقفاً سلبيياً حيال تلك المؤامرة ، الَّتي تزعمها ابنُ سلولٍ لتصديع الصَّفيِّ المسلم ، وإحياء نعرات الجاهليَّة في وسطه؛ بل اتخَّذ إزاءها الخطواتِّ الإيجابيَّة التَّالية: أ ـ سار رسول الله (ص) بالنَّاس يومهم ذلك حتََّّ أمسى ، وليلتهم حتََّّ أصبح ، وصدْرَ يومهم الثَّاني حتََّّ اذتهم الشَّمس ، ثمَّ نزل بالنَّ اس فلم يلبثوا أن وجدوا مسَّ الأرض ، فوقعوا نياماً787.]) وبهذا التَّصرُّف البالغ الغاية في السيِّياسة الرَّشيدة قضى على الفتنة قضاءً مبرماً ، ولم يدع مجالاً للحديث فيما قال ابنُ أُبييٍ. ب ـ لم يواجه النَّبُّ (ص) ابن سلولٍ ، ومؤامراتـه المدبَّـرة بالقـوَّ ة ، واستعمال السيِّلاح ، حرصاً على وحدة الصَّفيِّ المسلم؛ وذلك لأنَّ لابن أُبيَيٍ أتباعاً ، وشيعةً مسلمين مغرورين ، ولو فتك به؛ لأرعدت له أنوفٌ ، وغضب له رجالٌ متحميِّسون له ، وقد يدفعهم تحمُّسهم له إلى تقطيع الوحدة المسلمة ، وليس في ذلك أيُّ مصلحةٍ للمسلمين ، ولا للإسلام ، وإنََّّا لسياسةٌ شرعيَّةٌ حكيمةٌ رشيدةٌ في معالجة المواقف العصيبة في حزمٍ ، وقوَّة أعصابٍ ، وبـُعْد نظرٍ 788]) الأمور متفرعةٌ عن كونه (ص) نبيياً ورسولاً إ النَّاس 789])في تصرُّفاته العظيمة وقد كان لتسامح الرَّسول (ص) مع رأس المنافقين أبعدُ الاثار فيما بعد ، فقد كان ابن أُبييِّ بن سلول كلَّما أحدث حدثاً كان قومه هم الَّذين يُعاتبونه ، ويأخذونه ، ويعنيِّفونه ، ويعرضون قتله على النَّبيِّ (ص) ، والرَّسول (ص) يأبَ ، ويصفح ، فأراد رسول الله (ص) أن يكشف لسيف الحقيِّ عن اثار سياسته الحكيمة ، فقال: «كيف ترى يا عمر؟! أما والله لو قتلته يوم قلتَ لي؛ لأرعدت له أنوفٌ ، لو أمرتها اليوم؛ لقتلته!!»فقال عمر: قد ـ والله ـ علمتُ لأَمْرُ رَسُولِّ الله (ص) أعظمُ بركةً مِّنْ أمري [ه28/116 ـ117([)790])3/305.]) 2 ـ (بل نترفَّق به ، ونحُسن صحبته ما بقي معنا كان لابن أبييٍ بن سلول ولدٌ مؤمنٌ مخلصٌ ، يسمَّى عبد الله بن عبد الله بن أبييِّ بن سلول ، فلمَّا علم بالأحداث ، ونزول السُّورة ، أتى رسول الله فقال له: يا رسول الله ! بلغني: أنَّك تريد قتل أبي بن سلول فيما بلغك عنه ، فإن كنتَ فاعلاً؛ فمرني به ، فأن أحمل إليك رأسه ، فوالله لقد علمتِّ الخزرج ، ما

عدد الصفحات ١٧٠

كان بها من رجلٍ أبرُّ بوالده منييِّ ، وإنييِّ لأخشى أن تأمر به غيري ، فيقتله ، فلا تدعني نفسي أنظر إ قاتل أبي يمشي بين النَّ اس ، فأقتلُه ، فأقتل رجلاً مؤمناً بكافرٍ ، فأدخلُ النَّار ، فقال رسولُ الله (ص) : «بل نترفَّق به ، ونحسن صحبتَه ما بقي معنا »[28/116) ، وابن هشام (3/305) ، والبزار 2708) ، والطبراني في الأوسط231) ، ومجمع الزوائد9/318.]) ولمَّا وصل المسلمون مشارف المدينة ، تصدَّى عبد الله لأبيه عبد الله بن أبييٍ ، وقال له: قف ، فوالله لا تدخلها حتََّّ يأذن رسول الله (ص) في ذلك ، فلمَّا جاء رسولُ الله (ص) ؛ استأذنه في ذلك ، فأذن له791.]) 3 ـ مثلٌ أعلى في الإيمان جسَّده عبد الله بن عبد الله بن أبييِّ ابن سلول في موقفه من والده ، وتقديمه وإخلاصه لله ، ولرسوله ، وتقديم محبَّتهما ، ومراضيهما على محبَّة ، ومراضي الأبوَّة792]) الإيمان ، والتَّضحية بعاطفة الأبوَّة ، فقابله (ص) صاحب القلب الكبير ، والخلق العظيم بمثلٍ رفيعٍ العفو والرَّحمة ، وحسن الصُّحبة «بل نترفَّق بـه ، ونحسن صحبتـه ما بقي معنا»يا لروعـة العفو! ويا لجلال العظمة النَّبويَّة793]) وهدَّأ من رَوْعِّه ، وأذهب هواجِّسَه 794.]) 4 ـ محاربة العصبيَّة الجاهليَّة إنَّ العصبيَّة الممقوتة والَّتي نَصِّفُها بالجاهليَّة غير مقصورةٍ على العصبيَّة القبليَّة؛ أي: الاشتراك في النَّسب الواحد ، نسب القبيلة الَّتي ينتمون إليها ، وإنمَّا الاشتراك في معنىً ، أو وصفٍ معينٍَّ يجعل المشركين فيه يتعاونون ، ويتناصرون فيما بينهم بالحقيِّ ، وبالباطل ، ويكون ولاؤهم فيما بينهم على أساس هذا المعنى ، أو الوصف المشترك ، فعندما كسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، قال الأنصاريُّ: يا للأنصار! وقال المهاجريُّ: يا للمهاجرين! فسمع ذلك النَّبُّ (ص) فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟» قالوا: رجلٌ منالمهاجرين كسع رجلاً من الأنصار. فقال النَّبُّ (ص) : «دعوها؛ فإنََّّا منتنة»[ تخريجه795.]) ووجه الدَّلالة بهذا الخبر: أنَّ النَّبَّ (ص) أنكر هذه المناداة؛ لما تشعره من معنى العصبية ، مع أنَّ المنادي استعمل اسماً استعمله القران ، وهو (المهاجرين) و(الأنصار)؛ فالمهاجريُّ استنصر بالمهاجرين مع أنَّه هو الَّذي كسع ، فكأنَّه بندائه هذا يريد عونَّم ، لاشتراكه وإياَّهم في معنىً واحدٍ ، وهو (المهاجرة) ،

عدد الصفحات ١٧١

وكذلك الأنصاريُّ استنصر بالأنصار؛ لأنَّه منهم ، ويشترك وإياَّهم في وصفٍ واحدٍ ومعنىً واحدٍ وهو مدلول كلمة (الأ نصار)؛ وكان حقَّ الاثنين ـ إذا كان لابدَّ من الاستنصار بالغير ـ أن يكون الاستنصار بالمسلمين جميعاً ، وعلى هذا فالمطلوب من الدُّعاة التَّأكيد على نبذ العصبيَّة بجميع أنواعها ، سواءٌ كانت عصبيةً تقوم على أساس الاشتراك بالقبيلة الواحدة ، أو على أييِّ أساسٍ اخ ر ، من بلدٍ ، أو مذهبٍ ، أو حزبٍ ، أو عِّرْقٍ ، أو لونٍ ، أو دمٍ ، أو جنسٍ ، وأن يكون الولاء ، والتَّناصر على أساس الاشتراك بالأخوَّة الإسلاميَّة الَّتي أقامها ، وأثبتها الله تعالى بين المسلمين بقوله تعا إِّخْوَةٌناصر فيما بينهم تناصراً على الحقيِّ لا على الباطل ، بمعنى أن ينصروا المحقَّ ، وأن يكونوا معه لا مع المعتدي796.]) لقد أوضح الرَّسول (ص) : أنَّ العصبيات هي من دعاوى الجاهليَّة وقال «انصر أخاك ظالماً ، أو مظلوماً »فقال رجلٌ لرسول الله (ص) : أنصره إذا كان مظلوماً أفرأيت إن كان ظالماً؟ كيف أنصره؟ قال: «تحجزه ـ أو تمنعه ـ من الظُّلم ، فإنَّ ذلك نصره»،6952) ، والترمذي (2255) ، وأحمد3/201]) «انصر أخاك ظالماً ، أو مظلوماً[»797.]) إن مهمَّة الدُّعـاة ، وطـلابِّ العلم ، والعلماء ، والفقهاء هي التَّخلُّـص من العصبيَّة ، ودعوة المسلمين إلى نبذها ، كما أمر بذلك رسول الله (ص) ، وهي مهمَّةٌ صعبةٌ ، ولكنَّها ليست مستحيلةً ، ولأهيِّيتها الكبيرة علينا أن نبذل ما في وسعنا؛ لقلعها من النُّفوس 798.]) رابعاً: توجيه القران الكريم للمجتمع الإسلامييِّ في أعقاب غزوة بني المصطلق نزلت سورة (المنافقون) في أعقاب غزوة بني المصطلق ، حيث كان المسلمون راجعين إلى المدينة ، وذلك بدليل رواية الإمام التريِّمذييِّ: «فلمَّا أصبحنا؛ قرأ رسول الله (ص) سورة المنافقون [ »الترمذي (3313.]) فقد تحدَّثت السُّورة بإسهابٍ عن المنافقين ، وأشارت إلى بعض الحوادث ، والأقوال ، الَّتي وقعت منهم ، ورُويت عنهم ، وفضحت أكاذيبهم ، إلا أنََّّا في الختام حذَّرت المؤمنين من الانشغال بزينة الدُّنيا ، ومتاعها ، وحثَّت على الإنفاق ، ويمكن لدارس هذه السُّورة أن يلاحظ عدَّة محاور مهمَّةٍ ، منها: 1 ـ تحدثت السُّورة الكريمة في البدء عن أخلاق المنافقين ، وفضحت كذبهم في أقوالهم ، ووصفت حالهم799])

عدد الصفحات ١٧٢

، وحلفُ الأيمان الكاذبة ، وجبنُهم ، وضعفُهم ، وتامرُهم ، على النَّبيِّ (ص) وعلى المؤمنين ، وصدُّهم النَّاس عن دين 800.]) قال الله ـ عز وجل ـسُولُهُ وَالِلَُّّ يَ شْهَدُ إِّنَّ الْمُنَافِّقِّينَ لَكَاذِّبُونَ *اتخََّذُوا أَيمَْانـَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِّيلِّ الِلَِّّّ إِّنـَّهُمْ سَاءَ مَ ا كَانُوا يـَعْمَلُونَ *ذَلِّكَ بأَِّنـَّهُمْ آمَنُوا ثمَُّ كَفَرُوا فَطُبِّعَ عَلَى قـُلُوبهِِّّمْ فـَهُمْ لاَ يـَفْقَهُونَ *وَإِّذَا رَأَيـْ تـَهُمْ تـُعْجِّبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِّنْ يـَقُولُوا تَسْمَعْ لِّقَوْلهِِّّمْ كَأَنـَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يََْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِّمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْ هُمْ قَاتـَلَهُمُ الِلَُّّ أَنىَّ يـُؤْفَكُونَ[1 ـ4.] 2 ـ ثمَّ بينت الايات عنادهم ، وتصميمهم على الباطل ، وعصيانَّم لمن يدعوهم إلى الحقيِّ ، وبيَّنت مقالاتهِّم الشَّنيعة بالتَّفصيل ، خاصَّةً ما قالوه في غزوة بني المصطلق من أنََّّم سيطردون الرَّسول (ص) والمؤمنين من المدينة، وأنَّ العزَّة لهم إلى غير ذلك من الأقوال الفظيعة801.]) قال تعا{ :لى مُسْتَكْبرُِّونَ *سَوَاءٌ عَلَيْهِّمْ أَسْتـَغْفَرْتَ لهَُمْ أَمْ لمَْ تَسْتـَغْفِّرْ لهَُمْ لَنْ يـَغْفِّرَ الِلَُّّ لهَُمْ إِّنَّ الِلََّّ لاَ يـَهْدِّي الْقَوْمَ الْفَاسِّقِّينَ *هُمُ الَّذِّينَ يـَقُولُونَ لاَ تـُنْفِّقُوا عَلَى مَنْ عِّنْدَ رَسُولِّ الِلَِّّّ حَتََّّ يـَنـْفَضُّوا وَلِلَِِّّّّ خَزَائِّنُ السَّمَاوَاتِّ وَ الأَرْضِّ وَلَكِّنَّ الْمُنَافِّقِّينَ لاَ يـَفْقَهُونَ *يـَقُولُونَ لَئِّنْ رَجَعْنَا إِّلىَ ا لْمَدِّينَةِّ لَيُخْرِّجَنَّ الأَعَزُّ مِّنـْهَا الأَذَلَّ وَلِلَِِّّّّ الْعِّزَّةُ وَلِّرَسُولِّهِّ وَلِّلْمُؤْمِّنِّينَ وَلَكِّنَّ الْمُنَافِّقِّينَ لاَ يـَعْلَمُونَ[5 ـ8.] 3 ـ ثمَّ خُتمت السُّورة بتحذير الَّذين امنوا من الانشغال بزينـة الدُّنيا ، وعـدم التشبُّه بالمنافقين ، وحثَّتهم على الصَّدقة ـ الَّتي هي برهانٌ على الإيمان باليوم الاخر ـ قبل فوات الأوان 802]) الايـات تحثُّ المجتمع المسلم على الاشتغال بطاعة الله تعالى ، وقراءة القران ، وإدامة الذيِّكر ، وأداء الصَّلوات ، والقيام بجميع الفرائض ، وحذَّرتهم من أن ينشغلوا بالأموال ، والاهتمام بشؤون الأولاد عن أداء حقوق الله ، كما فعل المنافقون ؛ إذ قالوا بسبب الشُّحيِّ بأموالهم: لا تنفقوا على من عند رسول الله (ص) ، ومن يشتغل بالمال ، والولـد عن طاعـة ربيِّـه فأولئـك هم الخاسرون803.]) قال تعاأَيـُّهَا الَّذِّينَ آمَنُوا لاَ تـُلْهِّكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِّكْرِّ الِلَِّّّ وَمَنْ يـَفْعَلْ ذَلِّكَ فَأُو لَئِّكَ هُمُ الخَْاسِّرُونَ *وَأَنْفِّقُوا مِّنْ مَا رَزَقـْنَاكُمْ مِّنْ قـَبْلِّ أَنْ يأَْتيَِّ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فـَيـَقُولَ رَبيِّ لَوْ لاَ أَخَّرْتَنيِّ إِّلىَ أَجَلٍ قَرِّيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّالحِِّّينَ *وَلَنْ يـُؤَخيِّرَ الِلَُّّ نـَفْسًا إِّذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَالِلَُّّ خَبِّيرٌ بمَِّ ا تـَعْمَلُونَ [9 ـ11.]

عدد الصفحات ١٧٣

كانت خاتمة السُّورة الكريمة تحذيراً للمؤمنين من الانشغال بزينة الدُّنيا التي هي من أخلاق المنافق804.]) وهكذا كان المجتمع المدنيُّ يتربََّ بالأحداث ، والقران الكريم يقوم بتوجيهه ، وتعليمه ، ورسول الله (ص يقوم بالإشراف على ذلك. خامساً: محاولة المنافقين الطَّعن في عِّرْض النَّبيِّ (ص) بالافتراء على عائشة رضي الله عنها بما يعرف بحديث الإفك: حاك المنافقون في هذه الغزوة حادثة الإفك ، بعد أن فشل كيدُهم في المحاولة الأولى لإثارة النَّعرة الجاهليَّة ، فقد ألمَّتْ بالبيت النَّبوييِّ هذه النازلة الشَّديدة ، والمحنة العظيمة الَّتي كان القصد منها النَّيل من النَّبيِّ (ص) و من أهل بيته الأطهار. هذا وقد أجمع أهل المغازي والسي805]) ، وتابعهم في ذلك المفسيِّرون 806])807.]) وقد أخرج البخاريُّ ، ومسلمٌ حديث الإفك في صحيحيهما 4141) ، ومسلم (2770 ])، وهذا سياق القصَّة من صحيح البخاريي قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله (ص) إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه؛ فأيتهنَّ خرج سهمها ، خرج بها رسول الله (ص) معه ، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها808]) سهمي ، فخرجت مع رسول الله (ص) بعدما نزل الحجاب فأن أُحمَْلُ في هَوْدَجِّي 809]) فسرن حتََّّ إذا فرغ رسول الله (ص) من غزوته تلك ، وقفل ، ودنون من المدينة قافلين ، اذن ليلةً بالرَّحيل ، فقمت حين اذنوا بالرَّحيل ، فمشيت حتََّّ جاوزتُ الجيشَ ، فلمَّا قضيت شأني ، أقبلت إلى رحلي ، فإذا عِّ قْدٌ لي من جَزْعِّ ظَفَارٍ 810]) الرَّهط811]) ، وهم يَسبون أنييِّ فيه ، وكان النيِّساء ، إذ ذاك خفافاً لم يثقلهنَّ ال لَّحم إنمَّا نأكل العُلقة812]) الطَّعام ، فلم يستنكر القوم خفَّة الهودج حين رفعوه، وكنت جاريةً حديثة السيِّنيِّ ، فبعثوا الجمل فساروا ، ووجدت عِّقْدي بعدما استمرَّ الجيش ، فجئت منازلهم ، وليس بها داعٍ، ولا مجيب فتيمَّمت منزلي الَّذي كنت فيه، وظننت: أنََّّ م سيفقدوني ، فيرجعون إليَّ ، فبينما أن جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنمت ،

عدد الصفحات ١٧٤

وكان صفوان بن المعطَّل السُّلمي813])814]) منزلي ، فرأى سواد إنسان نئمٍ، فأتاني، فعرف حين راني، وكان يراني قبل الحجاب ، فاست يقظت باسترجاعـه815])816 ]) وجهـي بجلبابي ، وواللهِّ ما كلَّمني كلمـةً ، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه ، وهوى حتََّّ أنخ راحلته ، فوطأى على يديها ، فركبتها ، فانطلق يقود بي الرَّاحلة حتََّّ أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين 817 ]) ،ر الظَّهيرة818]) بن أبييِّ بن سلول 1 ـ انتشار الديِّعاية بالمدينة وقدمنا المدينة ، فاشتكيت حين قدمت شهراً والنَّاس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيءٍ من ذلك ، وهو يريب 819في ]) وجعي أني لا أعرف من رسول الله (ص) اللُّطف الَّذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنمَّا يدخل عليَّ رسول الله (ص) فيسليِّم ، ثمَّ يقول: «كيف تِّيكُمْ[»820 َّثم ]) ينصرف ، فذلك الَّذي يريبني ، ولا أشعر بالشَّريِّ ، حتََّّ خرجتُ بعدما نَقِّهْتُ ، فَخَرَجَتْ معي أم مِّسْ طَحٍ قِّبَلَ المناصِّع 821]) الكُنُف822]) أن نتَّخذها عنـد بيوتنـا ، فانطلقت أن ، وأم مِّسْطَح ، وهي ابنة أبي رُهم بن عبد منافٍ ، وأمُّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصيِّديِّيق ، وابنُها مسْطَحُ بنأُثاثة823]) قِّبَل بيتي حين فرغنا مِّنْ شأننا ، فعثرت أم مِّسْطَح في مِّرْطها 824]) لها: بئس ما قلت! أتسبيِّين رجلاً شهد بدراً؟ قالت: أي هَنـَتَاه825]) وما قال؟ فأخبرتني بخبر أهل الإفك ، فازدَدْت مرضاً على مرضي ، قالت: فلمَّا رجعت إلى بيتي ، ودخل عليَّ رسولُ الله (ص) ـ تعني: فسلَّم ـ ثمَّ قال: «كيف تِّيكُم؟»فقلت له: أتأذن لي أن اتي أبويَّ؟ قالت: وأن حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر مِّنْ قِّبَلِّهما ، قالت: فأذن لي رسول الله (ص) ، فجئت أبويَّ ، فقلت لأميِّي: يا أمتاه! ما يتحدَّث النَّاس؟ قالت: يا بنيَّة! هويِّني عليك ، فوالله! لقلَّما كانت امرأة قطُّ وضيئةٌ826])يَبُّها ، ولها ضرائر إلاَّ أكثرن عليها827.]) قالت: فقلت: سبحان الله! لقد تحدث النَّاس بهذا؟ فبكيت تلك اللَّيلة حتََّّ أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ 828])

عدد الصفحات ١٧٥

2 ـ استشارة رسول الله (ص) بعض أصحابه عند تأخَّر نزول الوحي ودعا رسول الله (ص) عليَّ بن أبي طالبٍ ، وأسامة بن زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث 829 ]) الوحي ، يستأمرها في فراق أهله ، قالت: فأمَّا أسامة؛ فأشار على رسول الله بالَّذي يعلم من براءة أهله ، وبالَّذي يعلم لهم من الوديِّ ، فقال: يا رسول الله! أهلُك ، وما نعلم إلا خيراً ، وأمَّا عليُّ بن أبي طالب ، فقال: يا رسول الله! لم يضييِّق الله عليك ، والنيِّساء سواها كثيرٌ ، وإن تسأل الجارية؛ تصدقك. قالت: فدعا رسول الله (ص) بريرة ، فقال: «أي بريرة! هل رأيت من شيءٍ يريبك؟»قالت بريرة والَّذي بعثك بالحقيِّ إنْ رأيت عليها أمراً أغمصُ ه830]) تنام عن عجين أهلها ، فتأتي الدَّاجن831])832 ]) يومئذٍ من عبد الله بن أبييِّ بن سلول ، قالت: فقال رسول الله (ص) وهو على المن «يا معشر المسلمين! من يـَعْذِّرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي ، فوالله! ما علمت على أهلي إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً833]) .»فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريُّ ، فقال: يا رسول الله! أن أعذرك منه إن كان من الأوس؛ ضربتُ عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج؛ أمرتنا ففعلنا أمرك. 3 ـ اثار فتنة الإفك قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سييِّد الخزرج ـ وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ، ولكن احتملته الحميَّة834]) ما أحببت أن يُقتل ، فقام أسيد بن حضير ، وهو ابن عميِّ سعدٍ ، فقال لسعد بن عبادة: لنقتلنَّه فإنَّك منافقٌ تجادل عن المنافقين ، فثار الحيَّان835]) (ص) قائمٌ على المنبر ، فلم يزل رسول الله (ص) يخَُفيِّضُهم حتََّّ سكتوا ، و سكت. قالت: فمكثت يومي لا يرقـأ لي دمعٌ ، ولا أكتحل بنـومٍ ، قالت: وأصبح أبواي عندي ، وقد بكيت ليلتين ، ويوماً ، لا أكتحل بنومٍ ، ولا يرقأ لي دمعٌ يظنَّان أنَّ البكاء فالق كبدي، قالت: فبينا ها جالسان عنـدي وأن أبكي ، فاستأذنتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصار ، فأ ذنت لها ، فجلست تبكي معي ، قالت: فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله (ص) فسلَّم ، ثمَّ جلس ، قالت: ولم يجلس عندي منذ ما قيل قبلها. 4 ـ مفاتحة الرَّسول (ص) لعائشة ، وجوابها له

عدد الصفحات ١٧٦

وقد لبـث الوحي شهـراً836])ل الله (ص) ح جلس ، ثمَّ قال: «أمَّا بعد: يا عائشة! فإنَّه قد بلغني عنك كذا وكذا 837]) فسيبريِّئك الله ، وإن كنت ألممتِّ بذنبٍ؛ فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإنَّ العبد إذا اعترف بذنبه ، تاب إلى الله ، تاب الله عليه»فلمَّا قضى رسول (ص) مقالته؛ قلص دمعي838]) أحسُّ منه قطرةً ، فقلت لأبي: أجب رسول الله (ص) عنييِّ فيما قال ، قال: والله! ما أدري ما أقول لرسول الله (ص) ، فقلت لأمي: أجيب رسول الله (ص) ، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله (ص) . قالت: فقلت وأن جاريةٌ حديثة السيِّنيِّ لا أقرأ كثيراً من القران: إنييِّ والله! لقد علمتُ ، لقد سمعتم هذا الحديث حتََّّ استقرَّ في أنفسكم ، وصدَّقتم به ، فلئن قلت لكم: إني بريئة ، والله يعلم أنييِّ بريئةٌ؛ لا تصديِّقوني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ ، والله يعلم أنييِّ منه بريئةٌ لتصدقـُنييِّ ، والله ! ما أجد لي ، ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف839]) [18] الله مبريِّئي ببراءتي ، ولكن والله ما كنتأظنُّ أنَّ الله منزلٌ في شأني وحياً يُتلى ، وَلَشَأْنيِّ في نفسي كان أحقر من أن يتكلَّم الله فيَّ بأمرٍ يُتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله (ص) في النَّوم رؤيا يبريِّئني الله بها. 5 ـ نزول الوحي ببراءة عائشة قالت: فوالله! ما رام 840])خرج أحدٌ من أهل البيت حتََّّ أنزل عليـه ، فأخذه ما كان يأخـذه من البـُرَحاء841])842]) شاتٍ من ثقل القول الَّذي ينزل عليه قالت: فلمَّا سُريِّي843])تكلَّم بها عائشة! أمَّا الله ـ عزَّ وجلَّ ـ فقد برَّأك ، فقالت أميِّي: قومي إليه ، قالت: والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله ـ عزَّ وجلَّ ـ. وأنزلرٌ لَكُمْ لِّكُليِّ امْرِّىءٍ مِّنـْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِّنَ الإِّثمِّْ وَالَّذِّي تـَوَلىَّ كِّبـْرَهُ مِّنـْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِّيمٌ *لَوْلاَ إِّذْ سمَِّعْتُمُوهُ ظَ نَّ الْمُؤْمِّنُونَ وَالْمُؤْمِّنَاتُ بأَِّنـْفُسِّهِّمْ خَيـْرًا وَقَالُوا هَذَا إِّفْكٌ مُبِّينٌ *لَوْلاَ جَاءُ وا عَلَيْهِّ بأَِّرْبـَعَةِّ شُهَدَاءَ فَإِّذْ لمَْ يأَْتُوا باِّلشُّهَدَاءِّ فَأُولَئِّكَ عِّنْدَ الِلَِّّّ هُمُ الْكَاذِّبُونَ *وَلَوْلاَ فَضْلُ الِلَِّّّ عَلَيْكُمْ وَرَحمَْتُهُ فيِّ الدُّنـْيَا وَالآخِّرَةِّ لَ مَسَّكُمْ فيِّ مَا أَفَضْتُمْ فِّيهِّ

عدد الصفحات ١٧٧