20 0ـ المنهاج العرفاني يرى أن الاستعــارة ليست مظهرا لغويا صرفا ، بل هى انفتاح على آفاق من الفهم ، يجعل من الاستعارة نشاطا ذهنيا ندرك من خلالـــــه العالم من حولنا ونمارس به تجاربنا بشكل استعاري . 4ـ التصور العرفاني للاستعارة : أـ يجعل الاستعـــارة تلعب دورا يوازي ـ من حيث أهميته ـ ذلك الــدور الذى تلعبه حواسنا فى مباشرة إدراك العالم وممارسة تجربته ، فــعن طريق الاستعارة يمكن أن نرى ونسمع ونحس أشياء لا ت رى بالعين، ولا ت سمع بالأذن، ولا تحس باللمس. ب ـ يجعل نسقنا التصوري يلعب دورا مركزيا فى تحديد حقائقنا اليومية،فنحن نعتمد على نسقنا التصوري وما به من أشياء وأحداث فى إدراك ما حولنا من حقائق جديدة ج ـ الاستعارة فى اللغة ليست ممكنة إلا لأن هناك استعــــارات فى النسق التصوري لكل منا، فالاستعارة اللغوية تعتمد على النسق التصوري المسبق لنا حول الشيء. ااااااااااااقالاق ابةنااقميهرجااقاةفرييااالاستعارة ااقعصاةةة اا الأساس الإبستيمولوجي للمنهاج العرفاني أن الاستعارة التصويرية تمثـل القطب الذى تدور عليه رحى هذا المنهاج ، وأنـها تشكل نسقا فكريا مخصوصا له صــنافته التصويرية الأصلية والفرعية ، ومقاصده المعلنة والخفية ، فالمنهاج العرفاني يقــوم على دراسة الاستعارة التصويرية،وما تم فى سبيل إنشائها من عمليات عقلية ، فهى المادة التى يقوم على تفسيرها هذا المنهاج، فلا تعارض بين الاستعارة التصويـرية والمنهاج العرفاني ، فــالاستعارة التصويرية تشكل نسقنا الفكري، والتصوري حول الأشياء ، و المنهاج العرفاني يعرض لكيفية بناء هذا النسق . لذا نرى لايكوف وجونسن قد حددا الأشكال النسقية للتصورات الاستعارية حسب الوظائف التى تنجزها،وهى (الاستعارات البنيوية والأنطولوجية والانتحائية) ولكنها فى مجملها استعارات تصويرية ت بْن ين نسقنا التصوري حول الشــيء ، مـــــن خلال العمليات العقلية المختلفة ،ولذا يعد لايكوف مؤسس العرفانية .
عدد الصفحات ٨٣21 يقول د. عامر الحلواني(ومما ينبغي تأكيده فى هذا السياق ـ ونحن بصدد الكلام على الأساس الإبستيمولوجي للمنهاج العرفاني ـ أن النظرية التجريبية العرفانية تقوم على مفهوم جوهري أساسه التصورات الاستعارية، فالنسق التصوري الذى يسير تفكيرنا وسلوكنا له طبيعة استعاريــــة ، تمثل اللغة إحــــدى الطرق الموصــلة إلى اكتشافها باعتبارها مصدرا مهما للبرهنة على الكيفية الــتى يشتغل بــها هذا النسق ، لذلك تعد الاستعارة التصويرية بعدا مهما من الأبعـاد المشكـــــــــلة قــصد الدلالة فى التصور العرفاني )(1) فــالاستعارة التصويرية فى نظر العرفانيين ص نعت من أجل الدلالة ، وهى أصلى وأساس المنهاج العرفاني،وهى تشكل نسقا فكريـا مخصوصا له صفاته التصويرية الأصلية والفرعية والمعلنة والخفية . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1ـ المنوال المنهاجي والبرهان العرفاني73
عدد الصفحات ٨٤22 اقبربااقثريىا ا الاستعارةاتااقرةنية ا الفصل الأول : الكتاب والرجل. الفصل الثانى : الدراسة التطبيقية للاستعارات القرآنية. الفصل الثالث:المجاز القرآني. الفصل الرابع: دور الاستعارة القرآنية فى بناء البنية التصورية. الفصل الخامس :قيمة النظرية العرفانية فى فهم النص القرآني.
عدد الصفحات ٨٥23 اقفصلاالأال اقةجلااااقكعربا
عدد الصفحات ٨٦21 مقدمة: بعد عرض بعض النظريات الحديثة فى تحليل المعنى ودراستها للاستعارة، نقوم بعرض تلك النظريات على آيات الكتاب الكريم،ونحن هنالانناقش النص القرآني فى إبداعه فهو إبداع رب العالمين،ولكن نناقش المتلقى ،كيف فهم الصورة الاستعارية ؟ وكيف لاحظ مكونات الصورة ؟ وكيف بنى الحق سبحـــانه عقل الإنسان ليتمكن من فهم ، واستيـعاب الصور الاستعارية ، خصوصا إذا كانت الصورة لشيء لم يره من قبل كالجنة أو النار ، وقد استعنت فى ولوج هذا الباب بعالم من كبار علماء العربية، وهو الشريف الرضى من خلال كتابه(تلخيص البيان فى مجازات القرآن)الذى أقامه حول الاستعارة القرآنية ، فنرى من خلاله كيف فهم الرجل الاستعارة ، وكيف فسر الصور الاستعارية المختلفة ؟ الشريف الرضى : هو صاحب كتاب تلخيص البيان فى مجازات القرآن ( 377 ـ101 ت) وهو أول كتاب كامل أ لف لغرض واحد،وهو متابعة المجازات والاستعارات فى القرآن الكريم وهو دليل على أن الشريف الرضى خطا أول خطوة فى التأليف فى مجازات القـرآن واستعاراته تأليفا مستقلا بذاته ، ولم يأت عرضا فى خلال كتابه أو بابا من أبــــواب مصنف)(1) قيمة الكتاب : لا يعد تلخيص البيان تفسيرا للقرآن بالمعنى الكامل الصحيح لكلمة تفسير،لأنه لم يتناول القرآن الكريم كله كلمة كلمة كما فعل المفسرون ، ولكنه كان يعرض القرآن كله سورة سورة،فيستخرج من كل سورة الآيات التى فيها مجاز بياني،ويكشف عمّا فيها من وجوه المجاز والاستعارة والبيان ،وقد تكون السورة مثلا مائتين أو أكثر من الآيات فلا يخلص منها على المجاز إلا بضع عشرات من الآيـات ، أما الآيات التى ليس فيها مجاز فلم يتعرض الشريف لها )(2) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) تلخيص البيان فى مجازات القرآن ، الشريف الرضى ، دار إحياء الكتب العربية بدون تاريخ ص30 2) المرجع السابق35
عدد الصفحات ٨٧27 اااقردة ااالإبداعة اقلشةةفااقةضياعلىاعأاةلاالاستعارة اا:ا تسابقت الأقلام فى تناول الآيات القرآنية ، واستخراج المجاز الذى فيها ، ويـشير محمد عبد الغنى حسن إلى ذلك التفاوت بين العلماء فى التأويل قائلا(نحن نوازن بين هؤلاء العلماء لنبين مدى التطور فى النظرة إلى تأويل القرآن الكريم ، والكشف عن مجازه وإعجـــازه : فأبوعبيدة فى القرن الثانى الهجرى : يوجز فى التأويل والتفسير ايجازا كان من طبيعة العصر الذى عاش فيـــه ، وابن قتيبة فى القرن الثالث يمد فى حبل البيان بما يوائم زمانه ، و ما اقتضته سنـــة التدرج فى نشأة البيان ، والشريف الرضى فى القرن الرابع يرخـــــى الطول لحبل البيان ، ويمزج فى ذلك بين التطور البلاغي الذى صار إليه الأمر فــى عصره ، وبين ذوقه الأدبي الخاص الذى انحدر إليه من ميراث آبائه الكرام ، وعـــبد القاهر الجرجاني فى القرن الخامس الذى جمع فيه البلاغة بين العلم والعمل ، فكــان بجانب نظرياته وقوانينه البلاغية التى وضعها أديبا عمليا بليغا)(1) هذا القول يجعلنا نضع الرجل( الشريف)وكتابه(تلخيص البيان )فى دائرة البحث مرة أخرى ، لأن الرجل له باع طويل فى التحليل،والتأويل للاستعارات القرآنية، بما يجعله يسبق عصره ،بل إنه فى مواضع كثيرة ـ كـما سنرى ـ وافق بفكره ، بل آراء المحدثين التى تناولت الاستعارة ، وهنا يجب أن يــوضع الرجل فى مكانته العلمية اللائقة بين العلماء قديما وحديثا . 1ـ أبو عبيدة معمر بن المثنى : ت207هـ قد سبق الشريف الرضي بكتابه مجاز القرآن ، فهو أول كتاب فى علم البيان تناول كتاب الله من الناحية البيانية ، وهوليس إلا تفسيرا وجيزا لألفاظ القرآن الكريم ، فأبــــــو عبيدة فى تفسيره هذا وفى مجازاته ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 )تلخص البيان فى مجازات القرآن 72 ـ73
عدد الصفحات ٨٨21 لم يكن طويل النفس ،ممدود الأمراس ،فهو يوجز فى تأويل اللفظة القرآنية إيجازا قد يبلغ فى أكثر الأحيان إلى حد وضع اللفظة المفسرِّ ة مكان اللفظة المفسر ة. 2ـ ابن قتيبة:جاء فى القرن الثالث بكتابه(تأويل مشكل القرآن)الذى يطيل فيه الشرح ويوسع فى التفسير ويزيد فى بيان المعنى بما يتضح به المراد ، لقد فهم المجاز على أنه المجاز المقابل للحقيقة،أو الذى تقوم الـعلاقة فيه على التشبيه وسماه بالاستعارة ، وعقد له بابا فى كتابه . 3ـ الشريف الرضى: جاء فى القرن الرابــع ، وهو يفيض فى الشرح ، ويتوسع فى التأويل بما لا يكشف عنه إلا المقابلة بيــــن ابن قتيبة والشريف ، لأنهما قد دخلا إلى باب المجاز بالشرح والتأويل . إن الذى يتفوق فيه الشريف الرضى عمّ ن سبقه، ليس الإفاضة فى شرح الآيات، وتأويل المعنى،ولكن ما يفعله من السير خلف دروب المعنى ، والغوص فى أحشائه، ليوضحه كما يفعل النموذج الشبكي الدلالي الموسع فى تحليله للكلمة، كهذه الأمثلة : 1ـ إن الشريف الرضى يسعى خلف المعنى،ويغوص فى أعماقه،ولا ينسى أن يجمع خطوطه،ويربط بين أول الآية وآخرها ،فى سبيل توضيح الآية وبناء صورة متكاملة للمعنى المراد بيانه،كما فى تفسيره لقوله تعالى(أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم، وما كانوا مهتدين ) البقرة /11 يقول فى تلخيص البيان( وهذه استعارة،والمعنى أنهم استبدلوا الغى بالرشاد،والكفر بالإيمان،فخسرت صفقتهم ، ولم تربح تجارتهم ،وإنما أطلق سبحانه على أعمالهم اسم التجارة لما جاء فى أول الكلام بلفظ الشرى تأليفا لجواهر النظام وملاحمة بين أعضاء الكلام)(1)إن الرجل فى سبيل تفسير المعنى وتوضيح الصورة الاستعارية يربط بين أول الآية وآخرها،وهو يظهر تعاون أعضاء الكلام فى بناءالصورة،بما يوضح إدراكه لأجزاء الصورة الاستعارية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) تلخيص البيان فى مجازات القرآن 111
عدد الصفحات ٨٩25 2ـ وفى تحليله لقوله تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)التوبة 111(هذه استعارة،وذلك أنه سبحانه لما أمرهم ببذل نفوسهم ، وأموالهم فى الجهاد عن دينه،والمنافحة عن رسوله عليه السلام، وضمن لهم على ذلك الخلود فى النعيم، والأمان من الجحيم ، كانت نفوسهم ، وأموالهم بمنزلة العروض المبيعة ، وكانــــــــت الأعواض المضمونة عنها بمنزلة العروض المبيعة ، وكانت الأعواض المضمونة عنها بمنزلة الأثمان المنقودة ، وكـانت الصفقة رابحة لزيادة الأثمان على السلع،وإضعاف الأعواض عن القيم ،وجملة هذا الباب أن العبادات كلها كالتجارات، فى أنها طلب للمنافع،فالعبادات طلب لمنافع الآخرة،والتجارات طلب لمنافع الدنيا)1) إن هذا التحليل الذى يمسك بأطراف الصورة،ويجعلها كالبناء المتكامل،ويلخصها فى كلمتين هو دليل على تمام إدراك الرجل للصورة الاستعارية،وفهمه للهدف منها، وهو تصوير المعنوي ، وتجسيده فى صورة المادي ، حيث جعل العبادات فى مقابل التجارات،وقد أدرك الرجل مجموع التناسبات التى بين الهدف والمصدر،وهى النفع أو السمة الانتقائية التى تجمع بين التجارات والعبادات ، وهى النفع . بل إنه يدرك عمل الذهن فى هذه الصورة ( كما ترى النظرية العرفانية ) وذلك من خلال إدراكه للنتائج المادية والمعنوية فى التجارات والعبادات ، فكلاهــما يأتى بالمنفعة ، ولكن أحدهما يأتى بمنفعة دنيوية ،والآخر يأتى بمنفعة فى الآخرة، ويمكن إدراك هذه النتائج من خلال المقابلة بينهما والتجسد : العبادة ----> تجارة . مقارنة بين تحليل الشريف الرضى وتحليل ابن قتيبة : يمكن من خلال المقابلة بين الرجلين فى تناولهما لآية واحدة أن نتبين الفرق بينهما أ ـ يقول ابن قتيبة فى قوله تعالى ( سنفرغ لكم أيها الثقلان) الرحمن 31(والله تبارك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) تلخيص البيان فى مجازات القرآن170
عدد الصفحات ٩٠22 وتعالى لا يشغله شأن ،ومجازه: سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال،وقال قتادة : قد دنا من الله فراغ خلقه ، يريد أن الساعة قد أزفت وجاء أشراطها) (1) ب ـ قال الشريف الرضى عن هذه الآية ( وهذه استعارة ...أن يكون المراد بـذلك : سنعمد لعقابكم ، ونـأخد فى جزائكم على مساوئ أعمالكم ...فأعلمنا أن معنى فرغت ههنا معنى عمدت وقصدت،ولو كان يريد الفراغ من الشغل لقال:فرغت لها ولم يقل فرغت إليها ،وقال بعضهم:إنما قال سبحانه:سنفرغ لكم،ولم يقل:سنعمد،لأنه أراد: أي سنفعل فعل من يتفرغ للعمل من غير تمجيع فيه ، ولا اشتغال بغيره عنه ، ولأنه لما كان الذى يعمد إلى الشيء ربما قصر فيه لشغله معه بغـــيره ، وكان الفراغ له ـ فى الغالب ـ هو المتوفر عليه دون غيره ،دللنا بذلك على المبــالغة فى الوعيد من الجهة التى هى أعرف عندنا،ليقع الزجربأبلغ الألفاظ ،وأدل الكلام على معنى الإيعاد . وقال بعضهم أصل الاستعارة موضوع على المستعارمنه،ومستعار له،فالمستعار منه أصل ، وهو أقوى .والمستعار له فرع ، وهو أضعف ، وهــــذا مطرد فى سائر الاستعارات،فإذا تقرر ذلك كان قوله تعالى{سنفرغ لكم أيها الثــقلان}من هذا القبيل. . فالمستعار منه ههنا ما يجوز فيه الشغل ،وهو أفعال العباد،والمستعار له ما لا يجوز فيه الشغل، وهو أفعال الله تعالى ،والمعنى الجامع لهما الوعيد،إلا أن الوعيد بقول القائل:سأفرغ لعقوبتك، أقوى من الوعيد بقوله : سأعاقبك . من ق بل أنه كأنما قال : سأتجرد لمعاقبتك، كأنه يريد استفراغ قوته فى العقوبة له. ...والمراد به تغليظ الوعيد، والمبالغة فى التحذير ...قد يجوز أن يكون لذلك وجه آخر ،وهو أن يكون معنى قوله تعالى {سنفرغ لكم}أي سنفرغلكم ملائكتنا الموكلين بالعذاب ، والمعدين لعقاب أهل النار ) (2) إن هذا الشرح المطول للشريف الرضى يوضح كيف يغوص الرجل فى أعماق معنى الكلمة ، وكيف يستخرج لنا الخطوط الدلالية المختلفة للكلمة ، بكل الاحتمالات التى يمكن أن نستخرجها مـــن الكلمة ، ويمكن أن تظهر هذه الدلالات من خلال هذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ، دار إحياء الكتب العربية القاهرة1353 هـ ص55 2) تلخيص البيان فى مجازات القرآن 321 ـ323
عدد الصفحات ٩١27 الشكل ومن خلال نظرية النموذج الشبكي الموسع: [ ســـنفرغ لـــــكم ] 1ـ (بعلاقة التحديد ـ ع ح) 2ـ (بعلاقة الخصائص ـ ع ح) { بمعنى:عمد أي قصد} {بمعنى:التفرغ التام بلا شغل} 3ـ(علاقة إبداع ـ ع ب) 3ـ (علاقة إبداع ـ ع ب ) {بمعنى الوعيد سأتفرغ لعقابكم{ }بمعنى سأفرغ الملائكة لعقابكم} هذا الشكل يوضح أن كلمة سنفرغ تحمل دلالات مختلفة تقوم على علاقات متنوعة: 1ـ علاقة تحديد(ع ح) : ونعنى بها المعنى المحدد الخاص سنفرغ : نقصد نعمد. 2ـ علاقة الخصائص(ع خ):وهو المعنى الناتج عن السمات الانتقائية:التفرغ للعقاب. 3ـ علاقة الإبداع(ع ب):وهى المعانى الجديدة التى سيبدعها المتكلمون عبر الأجيال المقبلة ، وقد رصد الشريف الرضى تطور دلالي ، حـــيث أشار إلى أن الكلمة تعنى الوعيد أيضا ،وقد رصده من عادة العرب اللغوية،حيث قال (سأتفرغ لعقوبتك، أقوى من الوعيد بقوله:سأعاقبك...ثم جاء القرآن على مطرح كلام العرب،لأن معناه أسبق إلى النفس،وأظهر للعقل، والمراد به تغليظ الوعيد والمبالغة فى التحذير )(1) إنه يلج من باب جـــديد ، هو المعنى النفسي الذى يقوم على عمليات عقلية تستحضر المعنى الأصلي وتنميه وتطوره،كما فعل فى قوله تعالى {ذرنى ومن خلقت حيدا}المدثر11، أقوى فى الوعيد من (حذر فلانا من عقوبتي) ثم يأتى برأى آخر هو أننا سن فرغ لكم ملائكتنا الموكلين بالعذاب ،الذى است لهم من وجود نون الجمع فى الفعل سنفرغ أي جموع الملائكة ، وربما كان يعنى تعظيم الله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) تلخيص البيان فى مجازات القرآن 323
عدد الصفحات ٩٢70 اقفصلااقثريىاا ا ااقـدةاست ااقعطبةرة اقلاستعارة ااقرةنية ا
عدد الصفحات ٩٣71 اقدةاست ااقعطبةرة اقلاستعارةاتااقرةنيةا لقد مضى بنا الوقت فى الحديث عن المجاز كلون من ألوان البلاغة ،و رأينا كيف يمكن النظر إليه فى إطار النظريات الحديثة ،وبقى أن نجيب عن هذا السؤال : كيف يمكن أن نوظف معطيات هذه النظريات الحديثة فى دراسة الاستعارة القرآنية ؟ رأينا كيف درس علماء العربية هذه الظاهرة (الاستعارة) فى كتبهم كابن قتيبة والشريف الرضى وأبى عبيدة وغيرهم، فكان لزاما علينا أن ندخلهم فى هذه القضية التى درسوها قبلنا ، فنسترشد بآرائهم،ولهذا اخترت كتاب الشريف الرضى( تلخيص البيان فى مجازات القرآن)ليكون ميدان الدراسة التطبيقية،فنذكر الصورة الاستعارية التى ذكرها الشريف الرضى فى كتابه ، وما ذكره عنها ورأيه فيها ، ثم نقوم بتحليل نص الشريف ،ثم نحللها فى ضوء النظريات الحديثة ، لنرى الصورة الاستعارية فى تحليل جديد يخرج لنا مكنون الصورة ، بل إنه سيلقى بظلال جديدة حول الصورة ، فتبدو فى شكل جديد من حيث إدراكنا لهـــــا ، ونقابل بين تصورنا الجديد ، وتصور القدماء . مةاحلااقعطبةق : نبدأ بالبحث عن تفسير الآية فى كتب التفسير،ثم معانى الكلمات فى المعاجم وكتب المشترك اللفظي،وذلك بعد ذكر ما قاله الشريف حول الاستعارة التى فى هذه الآية ، ثم نطبق عليها هذه النظريات الدلالية الحديثة ، وهذه النظريات هى : أولا نظرية النموذج الشبكى الموسع : نبدأ ببحث الكلمة التى تقوم علـيها الاستعارة ، وذلك بجمع كل الآيات التى وردت فيه هذه الكلمة فى القرآن ، ثــم نبحث عن معناها فى المعاجم لنحدد المعنى الأصلى والمعنى الجديد ، ثم نرتب هذه المعانى من خلال العلاقات المختلفة (تــحديد ـ تخصائص ـ إبداع) فيتضح لنا كيف تنمو وتتغيــر دلالة الكلمة ، ودور الاستعارة فى ذلك ، و كيف تسهم فى خلق مجال متسع لدلالة الكلمة وذلك فى إطار هذه النظرية التى ترصد نمو وتشابك دلالة الكلمة.
عدد الصفحات ٩٤72 ثانيانظرية البنية التصورية : نعرض للصورة الاستعارية ونحــــدد نوعها (بنيوية ـ أنطولوجيةـ اتجاهية)ثم نرى دورهذا النـوع فى رسم الصورة،وعملها فى نقل الفكرة وتجسدها من خلال هذه الاستعارة،وكيف توظف هذه الاستعارة فى إدراك المجهول. ثالثا النظرية العرفانية : وهنا نلاحظ عمل العقل فى فهم الصورة الاستعارية من : تجسيد لها ، ودور الاستعارة المفهومية ، ومكانة الجسد فى الصورة ، وكيف تم عمل خطاطة الصورة ، ونتائج هذا على عملية نقل الصورة لإدراكنا .
عدد الصفحات ٩٥73 اقغشراا أول آية تقابلنا فى كتاب تلخيص البيان هى قوله تعالى(وعلى أبصارهم غشاوة) البقرة 5 قال الشريف الرضى(استعارة أخرى،لأنهم كانوا على الحقيقة ينظرون إلى الأشخاص ، ويقلبون الأبصار ، إلا أنهم لما لم ينتفعوا بالنظر ، ولم يعتبروا بالعبر ، وصف سبحانه أبصارهم بالغشي،وأجراهم مجرى الخوابط الغواشى ، أويكون تعالى كنى ههنا بالأبصار عن البصائر ،إذ كانوا غير منتفعين بها،ولا مهتدين بأدلتها، لأن الإنسان يهدى ببصيرته إلى طرق نجاته ،كما يهدى ببصره إلى مواقع خطواته)(1) تحليل نص الشريف الرضى : 1ـ هذه الآية صورة استعارية لأنها مخالفة للحقيقة ، فهم مبصرون وليسوا عميانا. 2ـ ذكر سبب وصفهم بالعميان أنهم:أ)لاينتفعون بأبصارهم بالنظر فى الواقع المادي. ب) أنهم لم يعتبروا بالعبر، وهنا ينتقل بنا من المستوى المادي للمستوى المعنوي. 3ـ وصف الأبصار: وصف الحق أبصارهم نتيجة لما سبق بـ : أ) الغشي . ب) أجراهم مجرى الخوابط الغواشي. 1ـ النوع الثانى من الأبــــــصار: وهـــو المستوى المعنوي الذى تستبدل فيه العين بالبصيرة ، وهى الرؤية الخاصة ببواطن الأمور التى لات رى بالعين المبصرة. ااقخلاص أن المعنى ـ كما يرى الشريف ـ مادي ومعنوي ( البصر والبصيرة )، والغشاوة : هى الغشي والخوابط الغواشى . المعنى فى المعاجم : 1ـفى اللسان : (غشا: الغشاء الغطاء، غشيت الشيء تغشيه إذا غطيته،وعلى بصره،وقلبه غشو...أي غطاء ...والغشيان إتيان الرجل المرأة، وقوله تعالى{فلما تغشاها حملت حملا خفيفا}كناية عن الجماع...ويقال للقيامة غاشية لأنها تجلل الخلق فتعمهم)(1) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) لسانالعرب لابن منظور دار المعارف المصرية مادة غشا
عدد الصفحات ٩٦71 2ـ المفردات فى غريب القرآن(غشى:غشية غشاوة وغشاء : أتاه إتيان ما قد غشيه ـ أي ستره ،والغشاوة:ما يغطى به الشيء...وكنى عن الجماع يقال:غشاها وتغشاها... والغاشية كل ما يغطى الشيء كغاشية السرج...وقيل الغاشية فى الأصل محمـــودة ، وإنما استعير لفظها ههنا على نحو قوله { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } ... وغشى على فلان:إذ نابه ما غشى فهمه... وقال{واستغشوا ثيابهم}أي جعلوها غشاوة على أسماعهم،وذلك عبارة عن الامتناع عن الإصغاء،وقيل استغشوا ثيابهم كنايةعن العدوـ كقولهم شمر ذيلا،وألقى ثوبه،ويقال غشيته سوطاأوسيفاـ ككسوته وعممته)(1) هذا يعنى أن أصل معنى كلمة غشاوة: غطاء ،ومنه تولدت سائر المعانى، فمن المعانى المتولدة من المعنى الأصلي عند الراغب الأصفهاني وقد أكدها بآيات : 1) الغطاء : ما يغطى به الشيء (وإذا يغشيهم الموج) و(فغشيهم من اليم ما غشيهم) و(وجعل على أبصارهم غشاوة)و(وعلى أبصارهم غشاوة)و(والليل إذا يغشى) 2)الوجود فى المكان:قال الراغب(وغشيت موضع كذا:أتيته وكنى بذلك عن الجماع {فلما تغشاها حملت})والمعنى الجامع لهما هو التغطية للمكان وللمرأة عند الجماع. 3)الغيبوبة:وهى تغطية العقل ،قال الراغب (غشى على فلان:إذا نابه ماغشى فهمه، قال تعالى{كالذى يغشى عليه من الموت} وقال{ فأغشيناهم فهم لا يبصرون }وقال {كأنما أغشيت وجوههم} هذا التحليل للراغب الأصفهاني يـوضح إدراكه للترابط الدلالي للكلمة،وكيف ينمو ويتطور من معنى أصلي واحد إلى معان متعددة. 3ـ كتب المشترك اللفظي : يقول الدامغاني( تفسر الغشيان على سبعة أوجه: الغطاء{وعلى أبصارهم غشاوة} البقرة5 { وجعل على بصره غشاوة }الجاثية23 ،القيامة {هل أتاك حديث الغاشية} الغاشية1 ، الأخذ{يوم يغشاهم العذاب}العنكبوت77 ، الركوب {وإذا غشيهم موج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهاني ط الأنجلو المصرية1750ص711
عدد الصفحات ٩٧77 كالظلل}لقمان32 {فغشيهم من اليم ما غشيهم}طه 52 ، يعلو{إذ يغشى السدرة ما يغشى}النجم11، يلقى{إذ يغشيكم النعاس }الأنفال11، الظلمة{والليل إذا يغشى } الليل1 {والليل إذا يغشاها}الشمس1 )(1) هذا التنوع الدلالي الذى ذكره الدامغاني لايخرجعن المعنى الأصلى للكلمة ،وهو الغطاء، ثم تولدت منه سائر المعانى،فهى تعنى يوم القيامة لأنه يغطى الناس جميعا، وكذلك معنى يأخذ هم { يوم يغشاهم العذاب}أي يغطيهم ، معنى ركبهم {إذاغشيهم موج كالظلل}أي غطاهم،ومعنى يعلو{يغشى السدرة ما يغشى}أي يغطي،ومعنى يلقى {إذ يغشيكم النعاس}أي يغطيكم، ومعنى يظلم{واليل إذا يغشى }أي يغطى بالظلام. ةأىاباضااقمفستةةن:ا وقــــــد أشار القرطبي إلى هذا التوليد الدلالي بين المعنى الأصلى لهذه الكلمة والمعانى الجديدة ، حيث بيّ ن المعنى الأصلي وعلاقته بالمعاني الجديدة المتولدة عنه ( الغشاوة على الأبصار . والغشاء : الغطاء ، ومنه غاشية السرج ، وغشيت الشيء أغشيه...وقال بعض المفسرين:الغشاوة على الأسماع والأبصاروالوقف على قلوبهم، وقال آخرون:الختم فى الجميع،والغشاوة هى الختم،فالوقف على هذا على غشاوة)(2) وبعد أن تعرفنا على المعنى الأصلى للكلمة،وكيف تولدت منه سائر المعانى نحاول تحليل هذا المعنى فى ضوء النظريات الدلالية الحديثة التى تحدثنا عنها آنفا. أالاا:اايرةة ااقيماذجااقشبكىااقدلاقياا يمكن من خلال العلاقات الدلالية المختلفة التى تقوم عليها هذه النظرية ؛أن نرى مراحل نمــو دلالة هذه الكلمة من المعنى الأصلى إلى المعانى المختلفة ، والمعانـى المتوقعة لها من باب الإبداع : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) الوجوه والنظائر للدامغاني ، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة 1777 /ج2ص71 2) تفسير القرطبي ، دار الريان للتراث بدون تاريخ1/115 وقال بهذا المعنى ابن كثير انظر تفسير القرآن العظيم ج1/11
عدد الصفحات ٩٨