المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الاستعارة القرآنية والنظرية العرفانية

عطية سليمان أحمد

صفحة ١١ من ١٢

110 هذا الأمر وهوبناء استعارة بنيوية اعتمادا علىاستعارة أنطولوجية واتجاهية ، هى عملية عقلية يقوم بها كل متكلم بطريقة لا واعية ، لأنه اعتاد أن يقوم بذلك عند التفكير فى كل قضية أو فكرة تأتى إلى ذهنه ، وهو ينطلق إلى فعل هذا بدون تفكير مسبق اعتمادا على ما فى ذهنه من استعارات ثابتة (أنطولوجية واتجاهية)تمكنه من بناء استعارات بنيوية جديدة ،فيقول : نحن نعيش فى مشاكل مترسبة منذ سنين ،وقد ذاب فلان فى بحر من المشاكل ،وهنا نرى الاستعارة الأصلية بنوعيها الموجودة فى ذهن المتكلم قد سيرت استعاراته فى اتجاهات متعددة ، مـما يمكنه من إبداع أفكاره الجديدة ، التى يعبر عنها من خلال استعارات مبتكرة . كل الاستعارات الجديدة تولدت من استعارة أصلية بعد ما تم بناؤها فى ذهن المتكلم بصورة مستقرة ، وهذا يعنى أن الاستعارة التى أطلقنا عليها استعارات ميتة ، لم تعد ميتة،فقد أصبحت أساسا للاستعارات البنيوية الجديدة ، فعندما نقول:إن استعارة مثل رجل الكرسي قد أصبحت استعارة ميتة ، نـعود لنقول عنها : هــذه الاستعارة مهدت لظهوراستعارات جديدة مثل:هذه الفتاة صاحبة رجل كرسي،أى أنها لها أرجل دميمة أو نحيفة ،أو نقول : هذا الرجل جالس فى بيته رجل كنبة ، أى أنه لا يقدم ولا يؤخر شيئا . ولهذا يجب ألا ننظر إلى هذه الاستعارات على أنها استعارات ميتة ، بل على أنها استعارات ثابتة مستقرة فى ذهن المتكلم ،بلغت حد الحقيقة، رغم أنها كانت يوما ما مجــرد استعارة جديدة ، ثم تعاملنا معها بعد ذلك على أنها حقيقة ، استلهمنا منها استعاراتنا الجديدة . وإذا كان هذا هو النهج الذى تسير عليه الاستعارة فى تطورها ؛ فـــماذا لو كانت الاستعارة التى ندرسها استعارة قرآنية،إن لها من القدرة الإيحائية،والثبات فى نفوس المتكلمين بالعربية ما يجعلها حية دائما متطورة نتيجة استحضارها الدائم فى حياتهم وسلوكهم وكلامهم ، واعتبار النص القـــرآني منهج حياة لأبناء العربية من المسلمين وغير المسلمين ممن يتكلمون العربية ، ويمكن أن نرى ذلك من خلال تتبع تاريخي للاستعارات القرآنية السابقة لما بذلناه من جهد فى توضيح أصولها اللغوية وتطورها كما فى هذه العبارة القرآنية ( ختامه مسك،وفى ذلك فليتنافس المتنافسون) أخذ الناس جملة ( ختامه مسك) ليقولوا : فلان مسك الختام ، فتحولت العبارة من جملة اسمية متكاملة الأركان إلى شبه جملة مكونة من(مضاف ومضاف إليه)ليعبروا عن المعنى نفسه .

عدد الصفحات ١٦٣

111 أمثل اعحلةلة اقلاستعارةاتااقرةنية:ا أـ اقغشرا :قال تعالى(وعلى أبصارهم غشاوة )البقرة/5يرى الشريف الرضي(أن الله كنى ههنا بالأبصارعن البصائر،إذ كانوا غير منتفعين بها، ولا مهتدين بأدلتها ، لأن الإنسان يهدى ببصيرته إلى طريق نجاته،كما يهدى ببصره إلى موقع خطواته) (1 ) هذه الاستعارة بنيت على اعتقاد جديد ،وهوظهور نوع جديد من الرؤية، بأداة جديدة للإبصار، هى البصائر التى ترى طريق النجاة والهدى الذى لا ي رى بالبصر،ثم عدم النظر إلى الغطاء لأنه من القضايا المسلم بها،فنحن نعرف أن البصر يمكن أن نضع عليه غطاء ، ولكن كيف نضعه على البصيرة، هنا يأتى جانب التحول فى الاستعارة لإدراك المجهول عن طريق مجهول آخر، فنحن لم نر البصيرة ؛ فكيف لنا أن نرى الغطاء الذى ي وضع على البصيرة ؟ لقد انطلقت هذه الاستعارة البنيوية ، وهى وضع غطاء على البصيرة ،من استعارة أنطولوجية ، هى اليقين من وجود شيء فى الواقع اسمه البصيرة؛لم نره،رغم أننا نرى به ما لا يراه الناظرون،إنه آت من إعتقاد راسخ فى قلوب المؤمنين بالله بالغيب كشرط من شروط الإيمان بالله الذى لم نره وآمنا به، ويمكن أن نتصور ذلك التركيب من خلال هذا الرسم: استعارة أنطولوجية(وجود البصيرة)--->استعارة بنيوية(وجود غطاءعلى البصيرة) ثم ننطلق إلى استعارات جديدة مستوحاة من ذلك التصور فى كل عصر،مما يؤكد استمرارهذه الاستعارة القرآنية وتجددها،فنرى من يقول:بصيرتي قادتني إليك ،وإني أراك ببصيرتى التى لاتكذبني أبدا،وأنا أحيا مع الله ببصيرتى التى تنير لي الطريق. ب ـ اقمةض:قال تعالى(فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا)البقرة/10يقول الشريف الرضي (المرض فى الأجسام حقيقة وفى القلوب استعارة ،لأنه فساد فى القلوب كما أنه فساد فى الحقيقة ، وإن اختلفت جهة الفساد فى الموضعين)(2) ينطلق الـــــشريف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) تلخيص البيان فى مجازات القرآن113 2)المرجع السابق 113

عدد الصفحات ١٦٤

112 من حقيقة هى أن المرض هو فساد مادي فى الجسم،ثم تحدثالاستعارة،وهى انتقال المرض من فساد الجسم إلى فساد فى العقيدة،وهى اسـتعارة أنطولوجية،حيث ي صور المعنوي عن طريق المادي أي المرض فى الجسم ، ثم تأتى المرحلة الجديدة ، وهى تمكن الاستعارة الأنطولوجية من عقول الناس فى هذا المجتمع وتحولها إلى استعارة بنيوية،يبنون عليها استعارات جديدة منتشرة فى كل عباراتهم التى تتصل بالفساد فى أي شيء ، فساد فى الضمير فى البيع والشراء والعمل ، فكلمة (فلان مريض) تحمل كثيرا من الدلالات والاحتمالات والتلميحات المختلفة التى نعجز عن حصرها . ج ـ اقشةاء: قال تعالى (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) البقرة/11 قال الشريف الرضي (وهذه استعارة ،وال معنى أنهم استبدلوا الغى بالرشاد ،والفكر بالإيمان ، فخسرت صفق ـتهم ، ولم تربح تجارتهم ،وإنما أطلق سبحانه على أعمالهم اسم التجارة، لما جاء فى أول الكلام بلفظ الشرى تأليفا لجواهر النظام، وملاحمة بين أعضاء الكلام)(1) لقد اعتبر الشريف أن هناك عملية استبدال حدثت على يد هؤلاء الكافرين، والنتيجة أنهم دخلوا بسبب هذا الاستبدال النار،ولكن كيف عبر الحق عن هذه ال حقيقة المعلومة للجميع ؟لقد استعارلذلك مجالا مختلف عما نحن فيه ، وهو عالم السوق الذى يشترى فيه الناس ويبيعون ، ولكنه اعتبرها عملية اختيار بين السلعتين الضلالة أوالهدى، وتحول هنا مفهوما الضلالة والهدى من عمل يدخل الجنة أو النار إلى عمل يؤدى للمكسب أو الخسارة،الذى يجمع بين الشيئين هو أن كل يهما خير (الجنة أو المكسب ) أو شر(النارأو الخسارة) 3ـ كيفية إبداع وخلق الاستعارة: تتم عملية خلق استعارة جديدة من خلال تسليط الضوء على جانب معين من جوانب الشيء أو الحدث ، ثم البحث فى تجاربنا السابقة عن شيء يشبهه، وهنا تقوم عملية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) تلخيص البيان فى مجازات القرآن111

عدد الصفحات ١٦٥

113 الإبداعالعقلي بالتركيز على الجانب الأبرز فى الشيء ، ثم البحث عن شبيهه مـــــن تجاربنا المحفوظة فى الذاكرة ، وكأنه ثوب بخصائص معينة نبحث لــه عن إنسان بخصائص مماثلة ليلبسه،من حيث الطول أوالقصر،والاتساع أو الضيق،فإن وجد ما يشبهه فى بعض هذه الخصائص؛يتم التركيز عليها؛وجعلها وجه الشبه بين الشيئين ، وإخفاء مواضع الاختلاف بينهما؛حتى تتم المشابهة ؛ويقتنع السامع أن الشيء هو هو لا ما يشبهه، يقول لايكوف( تصنف الاستعارات الجديدة،بموجب اقتضائها طبقة من التجارب عن طريق تسليط الضوء عليها،أوالتخفيف من أهميتها،أوإخفائها،وبعد ذلك تخصص الاستعارة مشابهة بين طبقة التـــجارب المسلط عليها الضوء كلــها وطبقة أخرى من التجارب) ويذكر لايكوف مثالا على ذلك(فمثلا تنتقى استعارة الحب عمل فنى مشترك طبقة معينة من تجارب الحب لدينــــا ، وتحدد مشابهة بنيوية بين مجمل طبقة التجارب المسلط عليها الضوء وطبقة التجارب التى يتطلبها إنتاج أعمال فنيــة مشتركة)(1 )لقد صور المقابلة بين العمل الفنى المشترك والحب عن طريق استدعاء تجاربنا عن الحب ليس كلها بل طبقة منهــا ، تلك التى تتشابه مع تجاربنا عن العمل الفنى المشترك ، حـــيث العمل الفنى المشترك يقوم على تبادل التعاون بين أصحاب العمل الفنى،وكذلك الحب يقوم على تبادل المشاعر بين المحبين، وفى المقابل تغض هذه الاستعارة الطرف عن جوانب الاختلاف بين الحب والعمل الفنى المشترك . اااأمثل امنااقرةننااقكةةما:ا أ ـ اقمةض : لقد ركز الحق فى استعاراته على الجانب الذى جاءت من أجله، فعندما يشبه الحق الشك والـنفاق بالمرض فى قوله (فى قلوبهم مرض)هنا سلطت الاستعارة الضوء على جانب معين مـن التجربة الخاصة عندنا عن المرض ، فهو يحوى عدة طبقات من التجارب منهاأنه يحمل آلاما لصاحبه،وأنه يدل على فساد فى مكان معين من الجسم ،وأنه يصيب صاحبه بالعجز عن الحركة،ولكن الاستعارة القرآنية ركزت على جانب واحد من هذه الجوانب،وهوجانب الفساد الذى يصيب الجسم ، فقال ( فى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) الاستعارات التى نحيا بها171

عدد الصفحات ١٦٦

111 قلوبهم مرض) فحدد موضع الفساد،وهو القلب لأنه مكان فساد العقيدة بسبب النفاق ، وبذلك إختفت سائر طبقات التجارب الأخرى ،وتمت المقابلة بين أعراض المرض الجسدي التى تشير إلى فساد الجسد ، وبين أعراض النفاق التى تشير إلى فساد فى العقيدة والسلوك. ب ـ اقغشرا :الغطاء بـــكل خصائصه من تغطية على ما تحته وحماية له ، وتظليم ، وعلو فوق ما تحته ، فــــيأخذ الحق تبارك وتعالى من كل هذه الطبقات التجريبية مع الغطاء طبقة واحدة يقيم بها هذه الاستعارة (على أبصارهم غشاوة)وهى كون الغطاء يحجب الـــرؤية عن البصر ويقصد البصيرة ، ثم تختفى سائر الطبقات التجريبية مع الغطاء. ج ـ اقستاق : لقد كان السوق بكل خصائصه موضع اهتمام الحق فى النص القرآني، فجعل يقيم الاستعارات المأخوذة من السوق وخصائصه المختلفة، فهو موضع الربح والخسارة والكسب الحلال والحرام ،فقال (الذين اشتروا الضلالة بالهدى) مشيرا إلى أن الضلالة والهدى سلعتان يمكن شراؤهما ،وترك من السوق طبقات تجريبية للبشر حول السوق ، كطريقة عرض السلع والنداء عليها وعمليات النصب التى تحدث فى السوق . 1ـ الأصل فى الاستعارة : قد يتبادر إلى الذهن أن الاستعارة حقيقة ، ولكن الواقع أن المستمع يتقبل الاستعارة على أنها مجرد شبه بين الشيئين أى على اعتبارها مشابهة فقط ،يقول لايكوف ( تكون المشابهات مشابهات باعتبار الاستعارة ، فاستعارة الحب عمل فنى مشترك تحدد نوعا وحيدا من المشابهة . فتجربة الحب المحبطة ، قد تفهم باعتبارها مشابهة لتجربة فـــنية محبطة إلا أن ذلك لا يتم بموجب [سمة]الإحباط المتوفرة فى كليهما،بل باعتبار أن التجربة الفنية المحبطة تتضمن نوع الإحباط الذى قد يتضمنه الإنتاج المشترك لأعمال فنية ) (1) فهذه المشابهة بين حالتى الإحباط فقط هى التى جمعت بينهما ، ويظل لــــكل منهما صفة الإحباط الخاص به بكل سماتها ،

عدد الصفحات ١٦٧

117 ويتعامل مع المشابهة التى بينهما على وجه الاستعارة،وليس على وجه الحقيقة، هذه العملية تجعل المستمع لا ينطلق مع فكره إلى الجهة الأخرى ؛ فــــيعتبر هذا الإحباط الذى فى تجربة الحب الفاشلة ، هو نفسه الإحباط فى التجربة الفنية الفاشلة ، ولـــهذا ننطلق فى هذا الباب بقدم ثابتة يأتى ثباتها من اليقين المستقر فى نفوسنا بأنها مجرد استعارة ، وليست حقيقة ، فننسج فى كل لحظة آلاف الاستعارات ، ونحن نؤمن أنها استعارة لدى المتكلمين والمستمعين . مثال على ذلك ما نجده فى قوله تعالى(وعلى أبصارهم غشاوة)البقرة/5 فما يتبادر إلى الذهن هو طبيعة الغطاء الذى يوضع على البصر،كيف يكون ؟ وفى الوقت ذاته ندرك أنه لا يوجد غطاء على أعينهم إنما هو مجاز يشير إلى عدم رؤيتهم الهدى من الضلالة ،وكذلك عندما يقول الحق( فى قلوبهم مرض ) البقرة/10 فإننا ندرك أنه يوجد فى الواقع مرض فى القلوب،إنما هو نفاق أشار إليه بهذه الكلمة(مرض) كذلك قوله تعالى(يكاد البرق يخطف أبصارهم) البقرة/20 هـذهالاستعارة جاءت من إسناد عملية الخطف للبرق ، رغم أن الخطف ينسب للإنسان ، ومــع هذا فنحن نوقن أنها مجرد استعارة،ومن الممكن أن نتوغل فى هذا التصوربابتكاراستعارات جديدة منها. اقخلاص ا:ا إننا أمام مجموعة من الطرق التى تمكننا من إبداع استعارات جديدة ـ كما يرى لايكوف ـ وهى تتم بالفعل فى إطار الاستخدام اليومى لكل البشر،فهى وسيلة للتفاعل بينهم،حتى ولو لم يدركوا ذلك،فهى كالهواء نتنفسه ،ولا نشعر بوجوده إلا إذا فقدناه، ثم ننطلق لنبدع كل يوم استعارة الجديدة بطريقة تلقائية ، فهى عملية أساسية لقيام وإتمام لعمليات الفهم .

عدد الصفحات ١٦٨

111 اقبيةااقعصاةة اعيدااقردمرءا إن البنية التصورية بمفهوم المحدثين موجودة لدى القدماء ، ولكن بعبارة قريبة منها هى(الصورة الذهنية )لقد وجدنا هذه العبارة عند السيوطي من خلال حديثه عن الوضع كمصطلح من مصطلحات الأصوليين ، قال السيوطي ( اختلف : هل الألفاظ موضوعة بإزاء الصور الذهنية ، أي الصورة التى تصورها الواضع فى ذهنه عند إرادة الوضع ـ أو بإزاء الماهيات الخارجية)(1)يتساءل السيوطي: هل واضع الألفاظ يضعها بناء على الصورة الذهنــــــية التى تصورها فى ذهنه ، أو بناء على ماهيتها الخارجية .ويذكر السيوطي اختلاف العلماء حول ذلك قائلا : 1ـ ذهب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى الثانى ، وهو المختار. 2ـ وذهب الإمام فخر الدين وأتباعه إلى الأول،واستدلوا عليه بأن اللفظ يتغير بحسب تغير الصورة فى الذهن ؛ فإن من رأى شبحا من بعيد وظنه حجرا ؛ أطلق عليه لفظ الحجر ؛ فإذا دنا منه وظنه شجرا أطلق عليه لفظ الشجر ؛ فإذا دنا منه وظنه فرسا، أطلق عليه لفظ الفرس ؛ فإذا تحقق أنه إنسان أطلق عليه لفظ الإنسان ؛ فـبان بهذا أن إطلاق اللفظ دائر مع المعانى الذهنية دون الخارجيـــة ، فدل على أن الوضع للمعنى الذهني لا الخارجي. 3ـ وأجاب صاحب التحصيل عن هذا بأنه إنما دار مع المعانى الذهنية ؛ لاعتقاد أنها فى الخارج كذلك ، لا مجرد اختلافها فى الذهن . 1ـ قال الأسنوي فى شرح منهاج الإمام البيضاوي : وهو جواب ظاهر. قال: ويظهر أن يقال:إن اللفظ موضوع بإزاءالمعنى من حيث هو، مع قطع النظرعن كونه ذهنيا أو خارجيـــــا ؛ فإن حصول المعنى فى الخارج والذهن من الأوصاف الزائدة على المعنى ؛واللفظ إنما وضع للمعنى من غير تقييده بوصف زائد . ثم إن الموضوع له قد لا يوجد إلا فى الذهن فقط كالعلم ونحوه )(2) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) المزهر فى علوم اللغة وأنواعها ، السيوطي ، دار إحياء الكتب العربية 1321هــ ص1/12 2) المرجع السابق1 /12

عدد الصفحات ١٦٩

115 هذه الآراء توضح مفهوم الصورة الذهنيةعند القدماء ، فهى ت وضع فى مقابل الصورة الـمادية المحسوسة أي الوجود الخارجى للشيء ، فمنهم من يرى أن وضع اللفظ يــتم بناء على الصورة الخارجية ، ومنهم من يرى أنه يتـم بناء على الصورة الذهنية فى ذهن الواضع الأول، ثم يشير إلى عملية بناء الصورة الذهنية فى الخيال، وخلاف العلماء حول ذلك ، فهم يرون أنها تتم بعملية ديناميكية تـلقائية ، حيث يطلق الواضع الأول الاسم بناء على الصورة الظاهرة فى عقله للشيء:شبح، حجر، فرس، إنسان ،و كلما اتضــحت الصورة فى ذهنه التى تشير لشيء ما أطلق اسمه على هذا الشيء ،ويجيب عليه عالم آخر بأن هذه ليست صورة ذهنية، بل هى تصور لما يراه بعينه،ويحاول أن ينسبه لشيء ما:شبح ، حجر ، فرس، إنسان ،وهذا رأى الأسنوي. وقول الأسنوي يظهر رأيا جديدا لا يرتبط بالصور الذهنية أو الخارجية ، بل إنه يــرى أن اللفظ إنما وضع بإزاء المعنى من حيث هو،أي أن اللفظ وضع للمعنى فقط ولا عـــلاقة بينه كلفظ وبين الصورة الذهنية أو الخارجية الخاصة به ، لأنهمــــا من الأوصاف الزائدة على المعنى،فالأسنوي يشيرإلى أن عملية وضع اللفظ تتم بطريقة عشوائية،ولا علاقة مادية أو معنوية بين اللفظ وما يشير إليه،ونردعلى الأسنوي بأن الصورة الذهنية والصورةالخارجية ليستا بالأوصاف الزائدة للشيء،بل تمثلان جزءا من وجوده الفعلي فى أذهان المتكلمين ، والاختلاف بين المتكلمين حولهما يأتى من الصورة الــذهنية لديهم عن الشيء ،وزاوية الرؤية الخارجية التى ينظر منها المتكلم للشيء ، ولذلك قال الأسنوي : إن الموضوع له قد لا يوجد إلا فى الذهن فقط كالع ـل م ونحوه،أي أن الشيءالذى نضع له اسما قد لا يوجـــد إلا فى ذهن المتكلم، كأن نقول حضر زيد ، فلا تكون لزيد صورة ذهنية أوخارجية إلا فى ذهن من يعرفه فقط . كما أن معنى الكلمة ليس ما ننطق به من ألفاظ ، أوما يراه المتكلم أوالمستمع من أشياء ،فيصفها بهذه الكلمات ،إنما المعنى هو ما يحتويه اللفظ من دلالات مكبوسة داخله ، يسيطيع كل فرد أن يرى جانبا من تلك الدلالات فى هذا الشيء ، فتظهر له مسميات كثيرة، ولكن يظل الشيء نفسه، حاملا بداحله معناه الذى تظهر جوانب منه فى اختلاف رؤية الناس له،ويبقى المعنى رغم هذه الأسماء قادرا على ابتكارالجديد.

عدد الصفحات ١٧٠

112 مثال: آلة الاتصال المتنقلة (الموبيل)هى فى حقيقتها لا تزيد عن كونها آلة للاتصال الهاتفي بين الناس،هذا مضمون معناها لدى كل الناس ، ولكن الأسماء المختلفة التى يطلقها الناس عليها لتوضح ما نقول وهى(المحمول /الجوال/النقال/الخلوي ...) وهذا التعدد فى اسم هــذه الآلة يوضح اختلاف الرؤية لهذه الآلة عند الناس ، فكل شخص يرى هذه الآلة من زاوية مختلفة ،ويضع لها اسما يـــمثل هذه الرؤية ، بل إننا سوف نلتقى مع أسماء جديدة له فى الأجيال القادمة تمثل رؤيتهم لهذه الآلة ، ومع هذا تظل الآلة (الموبيل) كما هى، بمعناها البسيط آلة اتصال هاتفي بين الناس ، لهذا نقول :إن المعنى ثابت وإن المتغير هو رؤيتنا له التى تظهر فى تعدد أسمائه. هذا العمل يوضح الطريقة التى فكر بها هؤلاء العلماء فى الصورة الذهنية للأشياء، فهم يؤمنون بأن هناك صورة يرسمها الإنسان للمعنى فى ذهنه،تلك التى يعمل خيال ه على بنائها، صورة خاصة به ترسم ما يراه أو يحسه فى الشيء من الجوانب المادية أوالمعنوية. وهى بذلك لا تختلف عن البنية التصورية التى تحدثنا عنها آنفا، فكلاهما صورة للشيء فى ذهن المتكلم ، والجديد الذى أتى به المحدثون هو تحليلهم لمحتوى الصورة ،وطرق بنائها،وعمل العقل فى بنائها، ولذلك سميت بالبنية التصويرية ،أي الصورة التى يبنيها الإنسان للشيء فى ذهنه ، وكيف يتم ذلك ؟ وهم يتبعون منهج ابن جنى فى تصوره لابتكارأسماء الأشياء،حيث ذكر فى كتابه الخصائص أنه يجلس حكيمان ، فينظران إلى شخص قادم ،فيسميانه إنسانا ، فيصبح اسما له،وهذا التصور يفترض أن لديهم مسبقا هذاالاسم،فيطلقانه على هذا الشخص، وهذا الأمر لا أعتقد أنه يحدث بتلك التصورة إلا فى المجامع اللغوية ، حيث يجلس علماء اللغة ، ليتباحثوا فى أسماء جديدة لآلات حديثة،أومصطلحات علمية أوغيرها؛ انطلاقا من مخزونهم الثقافي وما لديهم من تراث لغوي . لكنني أظن أن أسماء ومفردات اللغة كلها بنيت بشكل آخر،حيث تخضع كل مفردة لظرف خاصة أوجدتها ، كحاجة المتكلم وقدرته الإبداعية على الخلق والربط بين الأشياء المتشابهة ،و تجميعها من خلال اسم يجمعها ، وتمثل المجامع اللغوية إحدى وسائل وضــع المفردات ، نتيجة لتطور المجتمع وحاجة الأفراد إلى كلمات جديدة لتحمل الدلالات الجديدة .

عدد الصفحات ١٧١

117 اقعصاةةااقفيىاااقبية ااقعصاةةةا ويقابلنا مصطلح بلاغي للأستاذ سيد قطب ـ رحمه الله ـ وهو التصوير الفنى فى القرآن،يقول عنه(التصوير هو الأداة المفضلة فى أسلوب القرآن. فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عـن المعنى الذهني ، والحالة النفسية ؛ وعــن الحادث المحسوس ، والمشهد المنظور،وعـــن النـــــموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ) (1 )هذا ما يعنيه بالتصوير،فهو استخدام الصورة الحسية فى التعبيرعن: 1ـ المعنى الذهني2ـ الحالة النفسية 3ـ الحادث المحسوس 1ـ المشهد المنظور7ـ النموذج الإنساني1ـالطبيعة البشرية . ثم ينتقل إلى المرحلة الثانية يقول(ثم يرتقى بالصورة التى يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة ،أوالحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة،وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد ، وإذا النموذج الإنساني شاخص حـى ، وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية )(2) إن الشيخ يتحدث هنا عن مرحلة بث الحياة فى الصورة، فتمتلئ بالحركة والمشاعر الحية ، فينظر إليها المستمع ، فيحس بالصوت واللون والحركة التى فيها. أدوات التصوير الفنى للمعنى الذهني : يرى الشيخ(أن الأداة التى تصور المعنى الذهني...إنما هى ألفاظ جامدة، لا ألوان تصوّر،ولا شخوص تعبِّر ...إن التصوير هو الأداة المفضلة فى أسلوب القرآن، فليس هو حلية أسلوب...إنما هو مذهب مقرر، وخطة موحدة ،وخصيصة شاملة ، وطريقة معينة تستخدم بطرائق شتى، وفى أوضاع مختلفة ، ولكنها ترجع فى النهاية إلى هذه القاعدة الكبيرة :قاعدة التصوير.)(3) ومفهوم التصويرعند سيد قطب أنه منهج للنص القرآنى،ووسيلة توضيح ،هذا ما نلاحظه فى عرضه للآيات،لأنه جاء بدين جديد له فكره وتصوره؛يختلف عما عهده الناس ،وعالم لم يعرفه العرب بهذا الشكل من التفصيل ،وقد نجح منهج التصوير فى رسم صورة لهذا العالم (الجنة والنار)وكذلك بيان ما جاء به الدين الجديد من تعاليم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) التصوير الفنى فى القرآن ، سيد قطب دار المعارف بمصر، ط الثامنة1757ص31 2) المرجع السلبق ص31 3) المرجع السابق ص37

عدد الصفحات ١٧٢

150 لذلك قال(يجب أن نتوسع فى معنى التصوير،حتى ندرك آفاق التصوير الفنى فى القرآن، فهو تصوير باللون ،وبالحركة،وتصويربالإيقاع،وكثيرا ما يشترك الوصف، والحوار، وجرس الكلمات ، ونغم العبارات، وموسيقى السياق ،فى إبراز صورة من الصور تتملاها العين والأذن والحس والخيال، والفكر والوجدان. وهو تصوير حى منتزع من عالم الأحياء،لا ألوان مجردة وخطوط جامدة. تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات،بالمشاعروالوجدانات، فالمعانى ترسم ، وهى تتفاعل فى نفوس آدمية حية ، أو فى مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة )(1) إنه يرى وجوب التوسع فى مفهوم التصوير الذى ذكره آنفا،من التصوير بالألفاظ الجامدة إلى استخدام الألوان والحركة والإيقاع،والوصف والحوار،وجرس الكلمات، ونغم العبارات ...)هذا الرأى للشيخ يأتى من النظر إلى التصوير كوسيلة بلاغية،لها أدوات من المحسنات البديعية ،وما ينتج عنها من جرس صوتي ، يؤثر على مشاعر السامع ووجدانه،لا كأداة لغوية تعتمد على الكلمات؛وما تنتجه من تراكيب تقوم ببناء صور فى ذهن المتكلم،وفى هذا الجانب اللغوي ؛فإننا ننطلق من أساس بلاغي أيضا هو جانب المجاز فى مقابل الحقيقة ، فتستعين التراكيب بالاستعارة والكناية ، وهما تقومان على المشابهة والمجاورة ؛ لبناء صورة ذهنية لــلشيء ، فهى تستخدم وسيلة عقلية لبيان الفكرة ،وبناء صورة فى الذهن لشيء غير معروف قد يكون غيبي، وقد يكون مجهولا للسامع فقط،ولهذا سميت بالبنية التصويرية،أى عملية بناء الصورة . أما التصويرالخاص بالشيخ ، فيمكن أن نتعرف عليه من خلال بعض الأمثلة التى ذكــرها لنقابل بين التصويرين يقول أ. سيد قطب (ونبدأ بالمعانى الذهنية التى تخرج فى صورة حسية : 1ـ يريدأن يبين أن الذين كفروا لن ينالوا القبول عند الله ، ولن يدخلوا الجنة إطلاقا، وأن القبول أوالدخول أمر مستحيل.هذه هى الطريقة الذهنية للتعبير عن هذه المعانى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) التصوير الفني فى القرآن37

عدد الصفحات ١٧٣

151 المجردة. ولكن أسلوب التصوير يعرضها فى الصور الآتية: {إن الذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا ت فتّ ح لهم أبواب السماء،ولا يدخلون الجنة،حتى يلج الجمل فى سم الخياط}ويدعك ترسم بخيالك صورةلتفتح أبواب السماء،وصورة أخرى لولوج الحبل الغليظ فى سم الخياط،ويختارمن أسماء الحبل الغليظ اسم الجمل خاصة فى هذاالمقام ويدع للــــحس أن يتأثرعــن طريق الخيال بالصورتين ما شاء له التأثر ، ليستقر فى النهاية معنى القبول، ومعنى الاستحالة، فى أعماق النفس ،وقد وردا إليها من طريق العين والحس ـ تخييلا ـ وعبرا إليها من منافذ شتى،فى هينة وتؤدة،لا من منفذ الذهن وحده، بل فى سرعة الذهن التجريدية)(1) لــونظرنا إلى كلام الشيخ نجد فيه عناصر كثيرة لبناء الصورة فى الذهن ، فــهو يبدأ بكيفية بناء المعانى الذهنية التى تظهر فى صورة حسيــة ، وهذا الغالب على التصوير القرآني فى تحويله المعانى الذهنية إلى صورحسية مراعيا طبيعةالمتلقى الذى يؤمن بالأشياءالحسية أكثرمن الأشياءالذهنية، فعملية التجسيد هذه مقصودة ،ومتعمدة فى النص القرآني لايصال فكره الجديد إليهم. بعد هذه المقدمة يذكر الشيخ أدوات رسم الصورة فى الذهن من الخيال الذى يتجسد فى صورة الحبل الغليظ،ثم يذكر عناصر بناء هذا التصور وهو الخيال،ومداخل بناء الصورة فى النفس ،وهى العين والحس ، فبالعين نرى الحبل الغليظ والحس يؤكد ما تراه العين، فيكون الناتج صورة ذهنية مجردة لبيان استحالة دخول الحبل الغليظ من سم الخياط . لقد ذكر لنا الشيخ أسماء ومصطلحات، يجب التركيز عليها بهذه العملية منها(الصورة الذهنية والصورة الحسية والخيال وأعماق النفس ومنفذ الذهن و الذهن التجريدى)هذه المصطلحات باتت من أسس الدراسة البلاغية والدلالية،لأن كل منهما يكمل عمل الآخر،فهما متعاونان فى سبيل بيان المعنى ورسمه فى أذهان المستمعين له،ثم تبدأ العملية الميكانيكية لبناء الصورة فى ذهن المستمع كما رسمهاالشيخ بالنظر إلى الشيء من خلال العين أو الحس،وعن طريق الخيال تنطلق الصورة المرئية إلى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1) التصوير الفني فى القرآن35

عدد الصفحات ١٧٤

152 الذهن لتستقر فــــى أعماق النفس ، فتتحول الصورة من شيء مرئي بالعين إلى فكر يدرك بالعقل ،ويستقر فى الذهن كصورة ذهنية تجريدية يمكن استدعاؤها فى الذهن فى أي مكان وزمان أمام العين الداخلية التى ترى الشيء قبل أن تنطق باسمه ، لقد وظف الشيخ الجسد كوسيلة لإدراك وهى فى العرفانية وسيلة إدراك أيضا والتفاعل مع الصورة التى سيبنيها بداخل ذهنه . هذا التصور لدى الشيخ فى بناء الصورة الذهنية يوافق ما قالت به النظرية العرفانية التى أساسها البنية التصويرية ، مستخدما ج ــــل مصطلحاتها و مفهوم نظرياتها من الاستعارة المفهومية التى تقوم على المقابلة بين الأشياء المتشابة ؛ فـــــــتوازن بينها عنصرا بعنصر،ومجالا بمجال لرسم صورة للشيء الغيبي ، وكذلك سائر النظريات العرفانية ، لهذا أرى أننا فى حاجة لدراسة رؤية الشيخ سيد قطب فى ضــــــوء هذه النظريات الحديثة ، فهو عمل يحتاج إلى دراسات مستقلة تستوعب كلام الرجــل كله وتحليله ، فهو لا يختلف كثيرا عما قالوا.

عدد الصفحات ١٧٥

153 اقفصلااقخرمسا قةم ااقيرةة ااقاةفرية افىافهمااقيصااقرةنييا النظرية العرفانية تقوم بدراسة عمل الذهن فى التفاعل مع الأشياء لفهمها ،وكيف يتناول الذهن الصورة الاستعارية؟ فهوعمل معقد يقوم على عناصر متعددة متعاونة، وتأتى مجموعة من النظريات لتفسر عمل الذهن فى فهم الصورة كنظرية الاستعارة المفهومية التى تقابل بين الصورتين بعناصرهما المختلفة،فتظهرمدى التشابه بينهما، وكذلك نظرية الخطاطةالتى توضح خطوط عمل الذهن فى فهم الصورة الاستعارية، وهى عملية ديناميكية تتم بطريقة مشابهة لعمل الآلة التى تقوم بفرز الأشياء المختلفة وتنسيقها وتقسيمها،بالبحث فى أوجه تشابه بينها فى الشكل أوالحجم أوالوزن وغيره، نستطيع فى ضوء هذه النظرية العرفانية وفى إطار مفاهيمها أن ننظر إلى عمل العقل فى فهم الصور ؟ وكيفية تكوين البنية التصورية للناس ؛ هذا العمل قام به رب العالمين الذى خلق الإنسان ،وبنى عقله ،و أمده بسبل الإدراك والفهم ، ومن هنا كان حديثنا عن النص القرآني ككلام يصدرمن رب العالمين،موجه إلى الآلة التى صنعها هو،ولهذا فهو سبحانه وحده أعرف بطبيعة آلته،وأخبر بمكوناتها،وقدراتهاعلى الفهم، والطريقة الميكانيكية لعملها (ولاينبئك مثل خبير ) فاطر11/37 فهو أعلم بصنعته ، ولذا يجب أن نؤمن من البداية أن النص القرآنى أفضل وأفصح وسائل التعبيراللغوي عن الأفكار والآراء الواردة فيه،إذن ما عملنا هنا؟إننا نحاول أن نعرف عظيم صنعه فى خلقه سبحانه، فنحن مطالبون أن نتدبر القرآن(أفلا يتدبرون القرآن)النساء 1/22 وكذلك التفكر فى ما خلق الله من(شجر وحجر وإنسان وآيات كونية) لنعرف إعجازه فى صنعه وخلقه،ومن بينها العقل واللغة،فهما يتعاونان ويفاعلان معا من أجل عمارة الأرض،ولا عجب،فالله الذى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؛جعلهما آلة هذه العمارة. ومن هنا كان لزاما علينا دراسة هذه النظريات التى تتعرض لإعجاز الله فى خلق عقل البشر، وكيف جاء النص القرآني مراعيا طبيعة ،وإمكانيات هذا العقل، ونبحث عن مدى صحة هذه النظريات من خلال دراسة جديدة للنص القرآني ، فحديث الحق

عدد الصفحات ١٧٦

151 عن الأشياء الغيبية يعد من المعضلات بالنسبة للإنسان البدوي الذى لا يؤمن إلا بما يراه بعينه ،أو ما حاول أن ي عمل فيه عقله ، كما فعل الأعرابي الذى قال: سماء ذات أفلاك ، وأرض ذات أفجاج ، أفلا يدلان على اللطيف الخبير؟ فهذا الرجل حاول أن يصل بعقله إلى اكتشاف خالق السماوات والأرض، لكن هل كان كل العرب يفكرون بهذه الطريقة ؟ إن تصورهم عن الحياة التى بعد الموت جاء فى قوله تعالى (إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا و ما نحن بمبعوثين) المؤمنون23/35 . لقد أنشأ النص القرآني فى عقل هؤلاء القوم صورة كاملة لتلك الحياة التى بعد الموت،وكذلك وصف كثير من الأشياء المعنوية، وأرسى قواعد الدين الجديد، وبنى صور ذهنية لأشياء وجديدة على هذا المجتمع ، ولكن كيف تم عمل ذلك ؟ لقد جمع كل عناصر بناء الصورة من صوت ولون وحركة وأحداث ، ثم وظفها لشرح وبيان تلك الأشياء التى لا ت رى بالعين ، لتتجسد فى صورة أشياء مادية قريبة إلى فهم الناس ،وهذه العملية تتكرر فى كل الصور، حيث أعتمد النص القرآني على التصوير فى بيانه ، ولكن كان لكل صورة حيثياتها الخاصة ، ولهذا يجب أن ت درس كل صورة كحالة مستقلة لها ظروفها الخاصة ، وقد فعلت هذا فى الجانب التطبيقي. (اكةفة ابيرءااقصاة االاستعارةة افىااقرةننافىاضاءااقيرةة ااقاةفرية ا)ا وضع القرآن الكريم أسسا وقواعد لهذا العمل يبدأ بـ : أولا :تحديد الصورة التى يريد نقلها إلى ذهن المستمع،فقد تكون صورة لشيء مادي لم ت رى من قبل كالجنة/النار،أو لشيء معنوي،مثل المتع النفسية فى الجنة ،أوالعذاب بالنار، أو سلوك وقواعد يجب العمل بها حسب تعاليم الدين الجديد ،وغير ذلك،وهذا بمثابة تحديد للهدف من النص .

عدد الصفحات ١٧٧

157 ثانيا:تحديد خصائص هذا الشيء الذى أشرت إليه آنفا، حتى يمكننا البحث عن أقرب شيء فيه كخاصية من خصائصه ، تشبه ما نعرف فى عالمنا المحيط بنا،وهذا عمل يحتاج إلى دقة بالغة فى جانبي الاستعارة ، وملاحظة شديدة للشيئين معا ، بما يــشبه المقابلة التامة بينهما،باستحضار صورتهما فى الذهن،والمقابل بين الصورتين، وهنا يبدأ عمل النظرية العرفانية بكل فروعها ، لبيان عمل العقل فى بناء هذه الصورة . ثالثا : إعمال النظريات العرفانية فى تحليل الصورة الاستعارية : ا2ـ النظرية الاستعارة المفهومية : وتقوم هذه النظرية العرفانية بالمقابلة بين الشيئين عنصرا بعنصر ومكونا بمكون ؛ عن طريق إسقاط التناسبات التى بينهما على الذهن لفرزها،وبيان المتطابق منها والمختلف؛اعتمادا على ما لدينامن معلومات عن الشيء الأول المعروف فى بنيتنا التصورية،حيث البنية التصورية هى أساس العرفانية كما أسس لها لايكوف،وأن ما فى الذهن عن صورة الشيءالأول تعد أسسا نبنى تصورنا عليه عن الشيء الثانى المجهول ، وهنا تقوم هـذه الاستعارة بتعظيم عناصر التشابه بينهما ،وإخفاء عناصر الاختلاف ، ليبدو لنا أن الشيء الأول هو الشيء الثانى بكل خصائصه، ولهذا سميت بالاستعارة المفهومية، فقد دخل إلى فهمنا ،وإدراكنا أن هذا الشيء الأول هو نفسه الشيء الثانى ، ومع ذلك يبقى فى قرار العقل نقطة تشير إلى أن هذا مجرد تشابه بينهما ،هذا الأمر يجعل تصورنا للأشياء يقوم على عقيدة ثابتة، للعقل الدور الأساسي فيها، وهى أننا ـ وبدون أن نشعر ـ نبنى تصورا ما عن الشيء بالاستعانة بشيء آخر قريب من إدراكنا وفهمنا ،بغرض البيان والتوضيح والجمال. فإذا قال سبحانه(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ،و جنة عرضها السماوت والأرض) آل عمران3/133انطلق ذهننا فى بناء تصور عن هذه الجنة من ثوابت نعرفها،وهى محيطة بنا ؛ هى السماوات والأرض ، فلا أحد ينكرها ، ثم تقوم عملية المقابلة بين

عدد الصفحات ١٧٨