65 {كذاباً}أي: تكذيباً عنيفاً فكذ بوا في أنفسهم وراحوا ينكرون ذلك ويقولون : ما هذا الا خرافات وأساطير ، قال تعالى :{وكل شيء أحصيناه كتاباً} أي: كل شيء أحصيناه وجمعناه عليهم وسطرناه كتاباً {فذوقوا فلن نزيدكم الا عذاباً}نسأل الله تعالى العافية. فقوله تعالى : {وكل شيء أحصيناه كتاباً}هو الكتاب الذي أحصى جميع أعمال العباد ، وهو المشار اليه بقوله تعالى : {انا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في امام مبين }أي: وكل شيء أحصيناه على العباد في امام مبين ، وهو كتاب الإحصاء العام ، لأن جميع الكتب الفردية الخاصة بكل انسان مجموعة في هذا الكتاب ومقترنة به . واعلم أن أعمالك وأقوالك تكتب في صحيفتك ، كما تكتب هذه الأقوال والأعمال سواء كانت هذه الآثار حسية أو معنوية ، كما تقدم في الحديث : [يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم ] ، فخطوات الماشي الى المسجد أو مجلس العلم أو ذكر الله تعالى تُ كتب في صحيفة حسناته ، وكذلك آثار الأعمال والأقوال المعنوية ، فإذا تلفظت بكلمة فتكتب هذه الكلمة في صحيفتك ، وتكتب آثارها في السامعين في صحيفتك أيضاً ، وهكذا ، فليعلم الإنسان ماذا يعمل ؟ وماذا يترتب على عمله من آثار ؟ ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم الآباء من التساهل في تربية الأولاد فقال [ :ما من مولود الا يُولَ د على الفطرة ، فأبواه يهو دانه أو ينص رانه أو يمج سانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟] ، وفي رواية [ :حتى تكونوا أنتم تجدعونها] ، أي: أن ولد الشاة يولد تاماً ، ثم ان صاحبه هو الذي يجدع أذنه أو يجعل له علامة في اليته ،وهكذا المولود الإنساني يولد على فطرة الإيمان والتوحيد ، فليحافظ الوالدان على فطرته الدينية ، فلا يكف رانه ولا يتركا له المجال للكفر والفسق ، وهذا معنى [يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه]أي: أنهما يتركانه بلا تربية دينية فيضل ويفسق وربما كفر وتهو د وهكذا ، فالمس ول والمحاسب على ذلك هو أبواه ، وفي هذا يقول تعالى : {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} فليتق الم من ربه في أولاده ، بأن يرعاهم ويتعهدهم بالهدي والتربية الدينية لأن كل ذلك مكتوب في صحيفته ، ومن هنا يعلم الإنسان عظمة تقدم تخريجه صحيح البخاري كتاب الجنائز وصحيح مسلم كتاب القدر صحيح البخاري كتاب القدر
عدد الصفحات ٦٥66 فضل النبي صلى الله عليه وسلم لأن آثار الخير التي ظهرت في العالمين منذ خلق الله تعالى العالم الى أبد الآبدين انما كان سبب ظهورها هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وان كل أعمال المكلفين الصالحة من لدن آدم عليه السلام الى يوم الدين انما هي بسبب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في صحيفته لأن الله تعالى افتتح به النبوات ، والنبوة باب فضل وخير الهي كبير على العالم ، فجعل صلى الله عليه وسلم ينشر الخير ويعلمه الناس على حسب استعدادهم وما أذن الله له به . ويقول تعالى في بيان كتاب الإحصاء : {وأشرقت الأرض بنور ربهاووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون } ففي هذه الآيات الكريمة يذكر سبحانه موقف الحساب في الآخرة بعدما انفض الناس من المحشر الى الحساب وذلك بعد أن شفع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى :{وأشرقت الأرض}أي: أرض الحساب {بنور ربها}أي: لما تجلى سبحانه لفصل القضاء بين العباد ، وهذا قوله تعالى :{وجاء ربك والملك صفاً صفاً}أي: الى موقف الحساب {وجيء يومئذ بجهنم}ولما كانت قوة النور تظهر دقائق الأمور فلذلك لما أشرقت أرض الحساب بنور ربها ، هناك علمت كل نفس ما قد مت وأخ رت ، وظهرت الخفايا والدقائق والسرائر علانية ، فلا يسع نفساً أن تنكر أعمالها ، ولهذا قال تعالى :{علمت نفس ما أحضرت}. وقوله سبحانه: {ووضع الكتاب}أي: للحساب ، وهو كتاب الإحصاء الذي سيجري الحساب على موجبه ، بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى : { وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لََ يُغَادِرُ صَغِيرَة وَلََ كَبِيرَة إِلََّ أَ حْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِر ا } أي: ظهرت أعمالهم عياناً لهم وذلك بنور الله تعالى الذي تجلى به على أرض الموقف {ولا يظلم ربك أحداً} وقوله جل وع: {وجيء بالنبيين والشهداء}أي: جيء بالنبيين للس ال عن تبليغهم ، كما أنه سبحانه يسأل الأمم عن تبل غها ، وفي هذا يقول سبحانه :{فلنسألن الذي أرسل اليهم ولنسألن المرسلين}فالم منون من الأمم يشهدون أن الرسل قد بلغتهم ، أما الكفار فينكرون . جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [:يجيء النبي يوم القيامةومعه الرجل ، والنبي ومعه الرجلان ، وأكثر من ذلك ، فيُ دعى قومه فيقال لهم : هل بل غكم هذا ؟
عدد الصفحات ٦٦67 فيقولون:لا - وهم الكفار من أمته - فيقال له : هل بل غت قومك ؟ فيقول : نعم ، فيقال له : من يشهد لك ؟- أي : من يشهد لك أنك بل غت لأن أمتك الكافرة تنكر ، والبي نة على المدعي – فيقول : محمد صلى الله عليه وسلم وأم ته فيُ دعى محمد وأمته فيقال لهم : هل بل غ هذا قومه ؟ فيقولون : نعم - فتشهد هذه الأمة المتبعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد عند الله تعالى أن الرسل قد بلغت الأمم - . فيقال : وما ع لمكم ؟ فيقولون : جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا ، فذلك قوله تعالى : {وكذلكجعلناكم أمة وسطاً } . واذا كانت الشهادة لا تكون الا عن مشاهدة وعيان ، فإن وُ جد ما هو أقوى من العيان كانت الشهادة أقوى من العيان ، ولذلك فإن الشهادة على خبر القرآن الكريم الذي جاء به سيد الأنام أقوى من الشهادة المترتبة على ر يا العيان ، لأن العيان جائز عليه الزيغ ور ية خلاف الواقع اذا كان الجسم فاسد المزاج ، أما خبر القرآن الكريم فهو خبر موثوق لا يجري عليه وهم ولا خيال ولا تبديل ولا تغيير ، وفي هذا يقول تعالى :{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } أي: خياراً عدولاً يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم {لتكونوا شهداء على الناس}أي: قبلكم {ويكون الرسول عليكم شهيداً} أي: أنه يزك يكم ويعد لكم صلى الله عليه وسلم . وهذا قوله تعالى :{وجيء بالنبيين}أي: سُ ئلوا فأجابوا ، وسئلت الأمم وتكلمت {والشهداء}أي: وجيء بالشهداء لأجل أن يشهدوا ، لأن الموقف موقف حساب . والشهداء على أنواع : فهناك الملائكة الذين شاهدوا عملك وهم معك ، كما قال سبحانه :{وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد} ومن الشهداء أيضاً: الأحجار والأشجار والجدران التي شاهدت أعمالك وسمعت أقوالك كما قال صلى الله عليه وسلم [ :لا يسمع مدى صوت الم ذن جن ولا انس ولا شيء الا شهد له يوم القيامة ] وفي هذا يقولالله تبارك وتعالى عن شهادة الأرض بما شاهدت : {يومئذ تحدث أخبارها* بأن ربك أوحى لها } . وقد بين صلى الله عليه وسلم هذه الآية ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {يومئذ تحدث أخبارها } المسند وأصله في صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء صحيح البخاري كتاب بدء الخلق
عدد الصفحات ٦٧68 قال: أتدرون ما أخبارها ؟ - وجاء بذلك على طريق الس ال حتى يثب ت الجواب في قلوبهم – قالوا : الله ورسوله أعلم قال :فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أوأَ مَ ة – أي امرأة - بما عمل على ظهرها أن تقول:عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا،قال :فهذه أخبارها ] ومن تاب الى الله تعالى توبة نصوحاً محا الله تعالى آثار الذنوب من صحيفته ، ومحاها من كل من شاهده من أرض وشجر ومدر ، وبد ل مكان السيئات حسنات كما قال سبحانه :{الا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً }أي ستوراً{رحيماً} ومن جملة الشهداء: القرآن الكريم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : [والقرآن حجة لك أو عليك] ، فإن عملت به شهد لك عند الله تعالى ، وان لم تعمل به شهد عليك عند الله تعالى ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى اله عليه وسلم : [القرآن شافع مُشف ع وماح ل مصدق - أي : مُ دافع عمن عمل به - مَ ن جعله أمامه قاده الى الجنة ، ومن جعله خلف ظهره ساقه الى النار ] واعلم أن من أعظم الشهداء عليك أو لك هو سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ،كما قال تعالى : {فكيف اذا جئنا من كل أمةبشهيد وجئنا بك على ه لاء شهيداً } اللهم اكتبنا مع الشاهدين .آمين . سنن الترمذي كتاب صفة القيامة والرقائق والورع والمسند 90 طرف حديث في صحيح مسلم كتاب الطهارة عزاه السيوطي في الجامع الكبير إلى الطبرانى ، وأبي نعيم فى الحلية عن ابن مسعود وإلى ابن حبان ، والبيهقى فى شعب الإيمان ، والضياء عن جابر
عدد الصفحات ٦٨69 الكتابات الخاصة في صحف خاصة لأعمال صالحة خاصة: قال سبحانه :{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } قوله جل وع: {وما يسطرون}أي وما تسطره الملائكة الساطرون مما يتعلق بتفصيل أعمال بني آدم ، ومما يتعلق بتفصيل أحكام القضاء السابق ، ومما يتعلق بأعمال بني آدم بعد صدورها منهم ، ومما يسطرون من الدواوين العالية لأعمال خاصة لبني آدم . أما تسطير وكتابة الملائكة الساطرين لأعمال بني آدم العامة ، فقد قال سبحانه :{ كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَام ا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } وأما تسطير الأعمال الخاصة لبني آدم في صحف خاصة فهي تسطرها ملائكة خصهم الله تعالى بذلك ، وذلك لفضل هذه الأعمال عند الله تعالى ، فمن ذلك : من بك ر إلى صلاة الجمعة . روى البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمسانيد والرواية للإمام أحمد عن أبي غالب عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ تقعد المئكة يوم الجمعة على أبواب المساجد معهم الصحف يكتبون الناس ، فإذا خرج الإمام طُ ويت الصحف ، قلت : يا أبا أمامة ليس لمن جاء بعد خروج الإمام جمعة ؟ قال : بلى ولكن ليس ممن يكتب في الصحف ] أي: لا يُ كتب في تلك الصحف الخاصة ، وانما يكتب في صحيفة أعماله العامة التي يكتبها الكرام الكاتبون . فهذه الصحف الخاصة تُ دو ن في دواوين أهل السماء ، وترفع الى رب العالمين . ومن هذا أيضاً ما ورد في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي الى البر ، وان البر يهدي الى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُ كتب عند الله صديقاً ، واياكم والكذب فإن الكذب يهدي الى الفجور ، وان الفجور يهدي الى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُ كتب عند الله كذاباً ] وهذا يدلعلى أن هناك ديواناً خاصاً بالص د يقين الذين تحققوا بالصدق ، صحيح البخاري كتاب بدء الخلق وصحيح مسلم كتاب الجمعة وسنن الترمذي كتاب الجمعة وسنن النسائي كتاب الجمعة وسنن أبي داود كتاب الطهارة وموطأ الإمام مالك كتاب النداء للصلاة وسنن الدارمي كتاب الصلاة والمسند 9 صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب.
عدد الصفحات ٦٩71 وهناك ديوان الأشقياء الذين كانوا يكذبون في أقوالهم وأعمالهم ، وان كتاب الصديقين في ع ل يين ، أما كتاب الأشقياء ففي سجين . قوله صلى الله عليه وسلم [:فإن الصدق يهدي الى البر]أي: ان صدق القول والعمل يهدي الى كمال الإيمان وهو البر ، كما قال تعالى : {ولكن البر منآمن بالله واليوم الآخر }الآية أما صدق القول فهو : أن يكون القول مطابقاً للواقع ، وصدق العمل هو : الإخلاص في العمل لله تعالى دون رياء أو سمعة ، وهناك صدق الحال وهو : أن يكون ظاهرك و باطنك على حد سواء ، وأن لا يخالف ظاهرك باطنك بأن تظهر الخشية مثلاً أمام الناس ، ولكن قلبك ليس بخائف ولا وجل من الله سبحانه وتعالى . ومَ ن تحقق بالصدق في قوله وعمله وحاله كُ تب عندالله تعالى صديقاً ، ومتى سُ ج ل في ديوان الصديقين فإنه لا يمحى أبد الآبدين . ثم حذر صلى الله عليه وسلم من الكذب ، وبي ن أن الكذب في القول يهدي صاحبه الى الفجور العملي والوقوع في المخالفات ، لأن من أصر على ذنب جره الى ذنب آخر وهكذا . ومن جملة الكتابات الخاصة لأعمال خاصة في دواوين خاصة ترفع الى رب العزة سبحانه : ما ورد في الحديث عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشر يُرى في وجهه ، فقلنا : انا لنرى الب شر في وجهك ، فقال : انه أتاني ملك فقال : يا محمد ان ربك يقول : أَ مَ ا يرضيك أن لا يصلي عليك أحد من أمتك الا صليت عليه عشراً ، ولا يسل م عليك الا سلمت عليه عشراً ] وفي روايةعن أبي طلحة رضي الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسارير وجهه تبرق فقلت : يا رسول الله ما رأيتك أطيب نفساً ولا أظهر ب شراً منك في يومك هذا ، فقال [ :ومالي لا تطيب نفسي ولا يظهر ب شْ ري ، وانما فارقني جبريل عليه السلام الساعة ، فقال : يا محمد مَ ن صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ، ورفعه بها عشر درجات ، وقال له الملك مثل ما قال لك - أي قال له : وأنت صلى الله عليك ، وان الملك يقول ذلك بأمر من رب العالمين - ، قلت : يا جبريل وما ذاك الملك ؟ قال : ان الله عزوجل وك ل بها ملكاً من لدن خلقك الى أن يبعثك لا يصلي عليك أحد من المسند 0252 وسنن النسائي كتاب السهو
عدد الصفحات ٧٠71 أمتك الا قال: وأنت صلى الله عليك] وان هذه الدواوين الخاصة بأعمال صالحة خاصة انما ترفع الى رب العالمين جل وعلا وتُ نسخ في الدواوين العالية الكبرى . روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [تُعرض الأعمال على الله عز وجل في كل يوم اثنين وخميس فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً ، الا امرءاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال [:اركوا هذين حتى يصطلحا ،اركوا هذين حتى يصطلحا ] وفي رواية: [تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس]2 وفي رواية[:تُنسخ دواوين أهل الأرض في دواوين أهل السماء في كل اثنين وخميس ، فيغفر لكل مسلم لا يشرك بالله شيئاً الا رجلاً بينه وبين أخيه شحناء ]1 أي: تُ دو ن في الدواوين العالية وتصبح نسخاً في دواوين الملأ الأعلى ، ولقد كان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يصوم يوم الاثنين والخميس ل ما لهما من شأن واعتبار ، وان جميع هذه الكتابات والنسخ والتسطير مشتمل عليها قوله تعالى :{وما يسطرون} ونسأل الله تعالى التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين المعجم الكبير للطبراني وأصله في مسند الإمام أحمد بلفظ : أَتَانِي آت مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ : مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مِنْ أُمَّتِكَ صَلاَة كَتَبَ اللهَُّ لَهُ عَشْرَ حَسَنَات ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَات ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَات ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا . " قال في لسان العرب : ومعنى اركوا هذين أي : أَ خِّ روا . صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب . 1 صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب 0 المعجم الكبير والأوسط للطبراني
عدد الصفحات ٧١72 بسم الله الرحمن الرحيم المحاضرة السادسة حول بيان سعة علومه صلى الله عليه وسلم , وعظيم نعمة الله تعالى عليه بالنبوة الجامعة والرسالة العامة الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : قال تعالى :{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ* مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون } الآيات إن في هذه الآيات الكريمة بيانا لفضائل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وإشادة بفضل النبي صلى الله عليه وسلم ، وإعلانا من الله تعالى بفضل هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم . أما المراد بقوله تعالى :{ن}فهو مدد الله الفياضبدليل مقابلة {ن}بـ{ القلم}وهو القلم الأول الذي جاء ذكره على لسان صاحب البيان عن القرآن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال : [أول ما خلق الله القلم ،فقال له : اكتب ، قال : رب وماذا أكتب ؟ قال : اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ] فأمد الله تعالى القلم بالعلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، فجرى القلم وكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، وتطلق {ن}في لغة العرب على المدد التي تستمد منه الأقلام - وهو الحبر - ، ولذلك فإن {ن}هي مدد الله الفياض الذي أمد القلم بالعلم بما هو كائن إلى يوم القيامة . أما وجه المناسبة بين القسم والمقسم عليه فهو : أن الله تعالى الذي أفاض العلم على القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، هو سبحانه الذي أفاض العلوم والمعارف والأسرار والأنوار على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى :{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون }هذا هو المُقسَ م عليه ، والمعنى : بل أنت يا رسول الله أكمل عاقل ، بل أنت صاحب العقل الأول والأفضل ، وصاحب العلم الأول والمقام الأعلى ، فلله عليك نِعمٌ لَ يعلم حقيقتها إلَ الذي أنعم عليك بها وهو الله سبحانه وتعالى . تقدم تخريجه
عدد الصفحات ٧٢73 فقوله تعالى:{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ }أي: بسبب نعمة ربك عليك ، وربك أعلم بك وبقابليتك واستعدادك ، فقد أفاض عليك العلوم والمعارف والأسرار والأنوار على وجه لَ يعلم ذلك إلَ هو تبارك وتعالى . أما نعم الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فهي نعم كبيرة كثيرة لَ يعلم حَ د ها وحصرها إلَ الله تعالى ، وكل نعمة حَ وَ ت نعما كبيرة ، ولذلك قال تعالى :{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون }ومن ذلك: نعمة النبوة ، فإنها من أكبر النعم ، ونعمة الرسالة العامة ، ونعمة انزال القرآن الكريم ، ونعمة الحكمة التي أعطاها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى {وَأَنْزَلَ اللهَُّ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهَِّ عَلَيْكَ عَظِيم ا }، ونعمة المراتب والمقامات التي خص الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم هي فوق جميع المراتب . أما الدليل على أن المراد من قوله تعالى :{بنعمة ربك} :النبوة والرسالة ، فقد ذكر ذلك سبحانه في القرآن الكريم ، وبين أن النبوة والرسالة هي أعظم النعم الإلهية ، فقال سبحانه :{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيق ا نَبِي ا }ثم قال جل وع:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَص ا وَكَانَ رَسُولَ نَبِي ا }ثم قال تعالى:{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّ يق ا نَبِي ا وَرَ فَعْنَاهُ مَكَان ا عَلِي ا * أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهَُّ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا } ...الآية فلقد ذكر سبحانه فضلهم بالنبوة والرسالة ، ثم بين جل وعلا أن هذا هو الفضل والنعمة الكبرى ، وقال تعالى :{وَمَنْ يُطِعِ اللهََّ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهَُّ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ }أي: وهم أهل النعمة الكبرى {وَالصدِّيقِينَ }وهم دون الأنبياء بالفضل{وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ }الآية فالنبوة نعمة من الله تعالى كبرى ، وفضل من الله تعالى كبير ، ولَشك أن مقام النبوة مقام كبير عظيم له شأنه واعتباره ، ومع ذلك فقد قال سبحانه : { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِي ينَ عَلَى بَعْض }فهناك تفاضل بين الأنبياء ، وهناك تفاضل بين الرسل كما قال جل وعلا :
عدد الصفحات ٧٣74 {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض } وإن أفضل الأنبياء والمرسلين هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي جمع الله له جميع النبوات والرسالَت قبله ، وزاده عليهم بالنبوة المحمدية الخاصة به صلى الله عليه وسلم ،وكذلك الرسالة العامة الجامعة . واعلم أنه صلى الله عليه وسلم هو فاتح النبوة ، وهو خاتم النبيين ، ، ولقد أعطاه الله تعالى النبوة قبل جميع الأنبياء ، وذلك في عالم الأرواح قبل عالم الأشباح - أي : الأجساد - ، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه الترمذي وحس نه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قالوا : يا رسول الله متى وجبت لك النبوة - أي ثبتت - ؟ قال صلى الله عليه وسلم [:وآدم بين الروح والجسد] وفي روايةالإمام أحمد عن ميسرة الفجر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد ] وفي رواية: قيل : يا رسول الله متى استُ نبئت ؟ قال صلى الله عليه وسلم [:وآدم بين الروح والجسد] وفي رواية أن رجلا قال : يا رسول الله متى جُ علت نبيا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : [وآدم بين الروح والجسد]1 - أي لم يكتمل خلق آدم عليه السلام بعد . سنن الترمذي كتاب المناقب المسند 8595 رواه ابن سعد في الطبقات من رواية جابر الجعفي عن الشعبي 1 انظر المسند55 9
عدد الصفحات ٧٤75 ومن هذا يتبين لك أن الله تعالى خلق روح النبي صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح ، ونب أه في ذلك العالم ، كما أنه سبحانه خلق النور المحمدي قبل الأشياء كلها ، وفي الحديث : [كنت أول النبيين في الخلق ، وآخرهم في البعث ] أي: أنه صلى الله عليه وسلم أول الأنبياء خلقا في عالم الأرواح ، وآخرهم في البعث في عالم الدنيا الشهودي وقد ختمت له النبوات وختمت به صلى الله عليه وسلم فقال [:فلا رسول بعدي ولَ نبي] فإذا علمت أن النبوة هي من أعظمالنعم الإلهية على الأنبياء ، وأن النبوة على مراتب ، وأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم هو صاحب النبوة الجامعة الفاتحة والخاتمة ، فماذا تفهم من معنى النبوة ؟ نعم إن حقيقة النبوة وذوق النبوة أمر لَ يعلمه إلَ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، ولكن يمكنك التعرف على بعض خصائص النبوة ، فقد خص الله تعالى الأنبياء بخصائص وصفات في ذواتهم ومداركهم وأرواحهم وقلوبهم وعقولهم وعلومهم وانكشاف المغيَّ بات لهم ، وأعظمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . ومن جملة خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم : أن الله تعالى جعلهم موضع عنايته الخاصة منذ صغرهم ، بل وقبل ذلك عندما كانوا ينتقلون في الأصلاب والأرحام ، وفي هذا يقول تعالى :{اللهَُّ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }أي: أن هناك تدبيرات إلهية سابقة على الوجود يدبِّ ر فيها سبحانه أمر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، ومن ذلك ما قال سبحانه في موسى عليه السلام :{ولتُصنع على عيني }أي: على عناية خاصة مني يا موسى ، فأنت على مرأى مني ، وأنت موضع نظري قال في المقاصد : رواه أبو نعيم في الدلَئل وابن أبي حاتم في تفسيره وابن لَل وقال السيوطي في الدر المنثور : أخرجه الحسن بن سفيان وابن مردويه والديلمي وابن عساكر طرف حديث في سنن الترمذي كتاب الرؤيا والمسند
عدد الصفحات ٧٥76 وعنايتي ، وقال تعالى في عنايته بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنكَ بِأَعْيُنِنَا } أي: أنت يا محمد بعين العناية الإلهية في جميع أمورك وشؤوناتك ، وأنت على مرأى ومشهد خاص ، كما قال سبحانه : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ }فقوله تعالى:{الذي يراك } يعني أنه صلى عليه وسلم موضع نظر الله تعالى وعنايته {حين تقوم} أي: حين تقوم إلى الصلاة ، وحين تقوم للتهجد ، وحين تقوم من مجالسك كلها ، فأنت في جميع تحركاتك وتقلباتك على مرأى منا يا رسول الله ، ومن هذا قوله جل وعلا :{ألم يجدك يتيما فآوى}أي: أنت موضع نظر الله يا رسول الله ، فقد وجدك يتيما فآواك إليه ، وإن في قوله جل وعلا : {ألم يجدك}معاني كبيرة تدل على فضل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعناية الله تعالى به . ومن جملة خصائص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام : أن الله تعالى خص هم بخصائص في مداركهم ، فهم يسمعون ما لَ يسمع غيرهم ، ويرون ما لَ يرى غيرهم ، وتنكشف لهم أمور لَ تنكشف لغيرهم ، فمن ذلك أنهم عليهم السلام يرون ملكوت الأشياء كما يرون المحسوسات على حد سواء ، قال الله تعالى :{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ }ولكي تفهم معنى الملكوت لَبد أن تعلم أن هناك عالم ملك وعالم ملكوت ، أما عالم الملك فهو العالم الشهودي المحسوس ، وأما عالم الملكوت فهو ما وراء المشهود ، ومنه عالم الأرواح وعالم الملائكة ، وعلى هذا فإن جسم الإنسان من عالم الملك ، وروحه من عالم الملكوت ، واعلم أنه لَ قوام للعالم الشهودي المُ لكي إلَ بالملكوت ، كما أن الجسم بلا روح لَ حياة فيه ولَ قوة له ، فما قام عالم الملك إلَ بالملكوت ، وكلاهما بيد الله سبحانه الذي هو قي وم كل شيء ، وفي هذا يقول سبحانه :{تبارك الذي بيده الملك }وقال جل وع:{فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء}ومن هذا تعلم أن الملكوت هو السر الرباني الذي به قوام الأشياء ، وهذا الملكوت إنما مدده من حضرة القيوم جل وعلا الذي قامت به جميع الأشياء ، فالإنسان إنما يرى عالم الملك ، كما لو نظر إليك إنسان فلا يرى منك إلَ جسمك
عدد الصفحات ٧٦77 ولكنه لَ يرى الملكوت الذي قام به جسمك ، وأنت ترى الحجر صلبا قاسيا ، وما ذلك إلَ بالملكوت القائم فيه ، ولو سلب سبحانه السر الملكوتي في الحجر لصار هباء منثورا ، وفي هذا يقول سبحانه في الجبال عندما يريد تخريبها يوم القيامة : {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَْرْضُ رَج ا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَس ا * فَكَانَتْ هَبَاء مُنْبَث ا } فقد رأى إبراهيم عليه السلام ملك الأشياء وملكوتها ، وأطلعه الله تعالى على ذلك ، وفي هذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما في قوله تعالى : {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ } قالوا: فُ رِ جت له السموات فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش ، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن . وقال الحافظ السيوطي في الدر المنثور : أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله فدعا عليه فهلك ، ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله فدعا عليه فهلك ، ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه ، فأوحى الله إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدْ ع ُعلى عبادي ، فإنهم مني على ثلاث : إما أن يتوب فأتوب عليه ، وإما أن أُ خرِ ج انظر تفسير ابن كثير للآية الكريمة وقال السيوطي في الدر المنثور : أخرج آدم بن أبي اياس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله تعالى : {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض }قال: فرجت له السموات السبع ، فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش ، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن .
عدد الصفحات ٧٧78 من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح- أي : ولو كان من أحفاد الأحفاد - ، وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت فقوله تعالى :{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ }أي: ليشهد المَ شاهد ويأتي بالأدلة والحجج على قومه وليكون من الموقنين الذين يزدادون يقينا فوق يقين . أما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد رأى ما هو أعظم من ذلك فقد أطلعه الله تعالى على ملكوت العالم العلوي والعالم الأرضي في مناسبات متعددة ، ومن ذلك ما رواه الترمذي وأحمد أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [إني قمت من الليل فصليت ما قُ دِّ ر لي فنعست في صلاتي فاستثقلت - أي وجدت ثقلا ، وهذه حالة من حالَت الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم - فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة فقال : يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لَ أدري يا رب قال : يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لَ أدري رب - ثم تجلى عليه رب العزة وأفاض عليه العلوم والمعارف وكشف له عن المغيبات كلها – فقال صلى الله عليه وسلم : فتجلى لي كل شيء وعرفت - أي ظهر لي كل شيء عيانا وعرفت ، فنال صلى الله عليه وسلم العلوم عن طريق الشهود وعن طريق المعرفة - فقال سبحانه : يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ وقال السيوطي : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله وعليه وسلم .... فذكر رواية ثانية الحديث وأخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن سلمان الفارسي رضي الله عنه
عدد الصفحات ٧٨79 قلت: في الكفارات ، قال : وما الكفارات ؟ قلت : نقل الأقدام إلى الجمعات - وفي رواية عند الترمذي : مشي الأقدام إلى الجماعات - وجلوس في المساجد بعد الصلاة ، وإسباغ الوضوء عند الكريهات قال : وما الدرجات ؟- أي : الأعمال التي ترفع صاحبها في مراتب القرب من الله تعالى - وفي رواية قال سبحانه : ثم فيم ؟ قلت : إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام وفي رواية : وإفشاء السلام قال جل وعلا : سل ، قلت : اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين ، وأن تغفر لي وترحمني ، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون - أي : أن ينقضي عمري وأنا سالم من الفتن - وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك ] ونسأل الله تعالى ذلك من فضله كما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما أنه صلى الله عليه وسلم رأى ملكوت العوالم وعاينها ليلة الإسراء والمعراج حتى قال صلى الله عليه وسلم : [حتى ظهرت لمستوى- أي خص صت أنا بذلك - أسمع فيه صريف الأقلام ] ومن هذا يتبين لك أن الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ميزهم الله بالخصائص السمعية والبصرية والإدراكية ، فيسمعون ما لَ يسمع غيرهم ، ويرون ما لَ يرى غيرهم ، ويشهدون ما لَ يشهد غيرهم ، وأعظمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول : [إني أرى ما لَ ترون، وأسمع ما لَ تسمعون ] المسند51 المسند58 وسنن الترمذي كتاب تفسير القرآن تقدم تخريجه
عدد الصفحات ٧٩81 أي: أنكم ترون ظواهر الأشياء ، أما أنا فأرى ظواهرها وملكوتها ، وأرى ظاهرها وباطنها وسرها . ومن جملة ما كان يسمع صلى الله عليه وسلم ما جاء في الحديث : [أطت السماء وحق لها أن تئط - أي : ظهر لها صوت من كثرة الملائكة فيها - ما فيها موضع أربع أصابع إلَ وملك واضع جبهته ساجدا لِلّ تعالى ] ولَ تقس أجسام الملائكة على أجسام البشر ، بل هم من العالم اللطيف النوراني ، والعالم اللطيف لَ يشغل حيزا أو جرما ، والإنسان هو : روح قائم بجسم كثيف طيني ، أما الملك فهو روح قائم بجسم لطيف نوراني ، ثم قال صلى الله عليه وسلم [ :والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، وما تلذ ذتم بالنساء على الفرش ] أي: لو علمت شيئا مما يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تحملته ، ولتغير الحال معك لعدم استعدادك واتساعك لذلك ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت لذلك لقوة استعداده وقابليته صلى الله عليه وسلم . وجاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم صعد يوما المنبر فقال : [إني والله لأنظر إلى حوضي الآن]- فكشف الله له عن حوضه في عالم الموقف وهو على منبره في المدينة صلى الله عليه وسلم - [وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكن أخاف أن تنافسوا فيها ] وفي رواية[:وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم] وفي هذا تحذير للمؤمن أن لَ يجعل الدنيا وأموالها أكبر هم ه ، بل عليه أن يجعل الآخرة نصب عينيه ، لأن الآخرة هي المستقبل المحتم الوقوع ، أما مستقبل الدنيا فهو محتمل الوقوع ، وإن وقع فهو متاع قليل لَ ينبغي الَهتمام به بالتزاحم والتنافس على الدنيا . سنن الترمذي كتاب الزهد وسنن ابن ماجه كتاب الزهد والمسند 50 8 صحيح البخاري كتاب الجنائز وصحيح مسلم كتاب الفضائل صحيح مسلم كتاب الفضائل
عدد الصفحات ٨٠