49 ويقول سبحانه:{ وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ كِتَاب ا } ونسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا صالحة وآثار أعمالنا صالحة ، ونسأله سبحانه التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لِلّ رب العالمين .
عدد الصفحات ٤٩51 بسم الله الرحمن الرحيم المحاضرةَالرابعةََ َحولَالكتابةَالسابقةَالخاصةَبكلَإنسانََ الحمد لِلّ رب العالمين وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : قال الله تعالى :{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ* مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون * وَإِنَّ لَكَ لأََجْر ا غَيْرَ مَمْنُون * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِ يم } افتتح سبحانه هذه السورة الكريمة بـ{ن}وقابل{ن}بـ{القلم}مما يدل على أن المراد بـ {ن} :مدد الله الفياض على القلم ، إذ لَبد للقلم من مدد ، أما القلم فهو : القلم الأعلى ، ويقال له : القلم الأول ، الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم : [إن أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب ، قال : رب وماذا أكتب ؟ قال : اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد ] فأفاض الله سبحانه على القلم العام بجميع ما سيكون إلى يوم القيامة ، فكتب القلم ما هو كائن إلى يوم القيامة ، ولقد استمد هذا القلم العلم بما هو كائن إلى يوم القيامة استمد ذلك من {ن}الذي هو مدد الله الفياض. قوله تعالى : {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون }أي: ما أنت يا رسول الله بسبب نعمة الله عليك بالنبوة الجامعة والرسالة العامة ، ونزول هذا القرآن الكريم الجامع للعلوم كلها ، والمتضمن لذكر العوالم كلها وما أطلعك الله عليه من المغيبات ، وما أعطاك من العقل الأول الأكمل - ما أنت بهذه النعم الإلهية عليك بمجنون ، بل أنت أعقل العقلاء وأنت أحكم الحكماء وأنت أفطن الفطناء ،فإن هذه النبوة وهذه الرسالة وهذه العلوم القرآنية وهذه الحكمة التي أوحاها الله تعالى عليك ، كل هذا يدل على أرجحية عقلك يا رسول الله تقدم تخريجه
عدد الصفحات ٥٠51 { وَإِنَّ لَكَ لأََجْر ا غَيْرَ مَمْنُون }أي: على صبرك على ما يقولون ويفترون ، فقد قالوا عنك : ساحر وشاعر وكاهن ومجنون ، وما هذه إلَ أقوال متناقضة ، وأنت يا رسول الله تصبر على قولهم وأذاهم ، ولَ تعاجلهم بالعقوبة والدعاء عليهم فإن لك لأجرا على صبرك { غَيْرَ مَمْنُون }أي: غير مقطوع بل هو باق مستمر أبد الآبدين { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم }أي: حقا إنك يا رسول الله لعلى خلق عظيم تصبر على كلامهم وافترائهم وإيذائهم ، ولو أردت أن تنتقم لدعوت الله عليهم بالعقوبة فعاجلهم بذلك ، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان حليما صبورا ، فقد أقسم سبحانه بالقلم الأول وما تسطره الأقلام المتتالية - أي : ما تكتبه ملائكة الله تعالى وتسطره وتكتبه نقلا عن القلم الأول وأخذا عن اللوح المحفوظ مما أُ مروا بكتابته { وَمَا يَسْطُرُونَ }أي: وما تكتبه الملائكة من أعمال بني آدم التي يفعلونها ، وأقوالهم وجميع ما يصدر عنهم ، وإن لكل إنسان كتابا معينا ، وجميع هذه الكتب مجموعة في كتاب جامع يسمى : كتاب الإحصاء العام الجامع الذي جمع جميع أفعال العباد وأقوالهم وما يصدر عنهم ، أما الكتاب الخاص بإحصاء أعمال كل مكلف فقد أشار إليه تعالى بقوله :{وَكُلَّ إِنْسَان أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاب ا يَلْقَاهُ مَنْشُور ا اقْرَأْ كِتَابَكَ }أي: الخاص بك ، وأما كتاب الإحصاء الجامع لجميع كتب المكلفين الفردية فهو المشار إليه بقوله تعالى :{وَوُضِعَ الْكِتَابُ }أي: للحساب { فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } وقوله تعالى:{وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين } وقوله سبحانه:{وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ كِتَاب ا }وقد تقدم بيان أن الحساب يجري على موجب كتاب الإحصاء ، لَ على موجب كتاب القضاء السابق . قوله جل وعلا :{ وَمَا يَسْطُرُونَ } :يشمل ما تسطره الملائكة وتكتبه من المقادير الخاصة المعي نة بالشخص ، فهناك اللوح المحفوظ الذي خط فيه القلم الأعلى وكتب فيه جميع الأشياء ، وهناك كتابة خاصة بأعمال كل إنسان ، فهناك كتاب عام في القضاء ، وهناك كتاب خاص بقضايا كل
عدد الصفحات ٥١52 إنسان وهو الذي أشار إليه الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : [إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له : اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ] إذا يكتب الملك ما سيعمله هذا الجنين إلى أن يموت . ومما يدل على وجود كتابة خاصة لقضايا كل إنسان غير الكتاب الأول الجامع لجميع القضايا : ما ورد في الحديث عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم - أي : وراءه على الدابة - يوما فقال : [يا غلام إني أعلمك كلمات]أي: كلمات جامعة فانتبه إليها وخذها بالقبول وتلق ها بكل ي تك [احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالِلّ ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلَ بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلَ بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجف ت الصحف ] وفي رواية[:واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، وأن النصر مع الصبر ، وأن الفرَ ج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ] فقوله صلى الله عليه وسلم[:احفظ]أي: احفظ أمر الله تعالى فيما أمرك به ، ومن أعظم الأوامر : الصلاة ، كما قال سبحانه :{ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى }واحفظ حدود الله تعالى ولَ تقع فيها كما قال جل وعلا :{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهَِّ }واحفظ الله تعالى فلا تنس ذكر الله طرف حديث في صحيح البخاري كتاب بدء الخلق واللفظ له وصحيح مسلم كتاب القدر . تقدم تخريجه تقدم تخريجه
عدد الصفحات ٥٢53 جل وع،وكن على ذكر لِلّ تعالى دائما بأنواع الذكر القلبي والقولي والعملي ، ومن نسي الله تعالى شمله قول الله جل وعلا : { نَسُوا اللهََّ فَنَسِيَهُمْ }أي: تركهم من رحمته . وعلى قدر حفظك لِلّ تعالى ولأمر الله تعالى وحدوده يحفظك الله سبحانه ، فيحفظ عليك دينك وإيمانك ويحفظك بأنواع الحفظ في الدنيا ومواقف الآخرة [احفظ الله تجده تجاهك]أي: تجد نور الله تعالى وعنايته أمامك ، وتجد توفيق الله تعالى مصاحبا لك . [إذا سألت فاسأل]أي توجه إليه في حاجاتك كلها ، لأن الله تعالى ربك وأنت عبده ، وبعد أن تسأل الله تعالى تسلك أسباب قضاء حوائجك ، ولَ تفهم من هذا تعطيل الأسباب والوسائط وإنكارها ، فإذا سألت الله تعالى أن يرزقك وقلت : اللهم ارزقني ، فينبغي عليك أن تسعى في طلب الرزق ، وتعمل بأسباب الرزق ، فتكون قد تعاطيت السبب وسألت المسب ب جل وعلا [وإذا استعنت فاستعن با]أي: اطلب العون من الله تعالى ، والله سبحانه يسخ ر لك أسباب المعونة ، فلو وقع من دابتك حمل ثقيل لم تستطع تحريكه فتقول : اللهم أعني ، فيسخر الله لك فلانا وفلانا ويعينوك على رفع الحمل ، كما أنك لم ا تطلب الحياة من الله تعالى وتقول : اللهم أحيني ، فإنك تسعى في أسباب الحياة فتشم الهواء وتأكل الطعام وتشرب الماء ، فلابد إذا من تعاطي الأسباب التي نصبها الله تعالى ، والوسائط والوسائل التي وس طها الله تعالى ، ولَ ينافي هذا سؤالك الله تعالى واستعانتك بالِلّ سبحانه . ومن هنا تعلم مشروعية التوسل بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه من أعظم أسباب القبول والإجابة ، ولقد هدانا الله تعالى بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وساطته ووسيلته حين خطب في الأنصار رضي الله عنهم فقال : [يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلَ فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فأل فكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي ] طرف حديث فيصحيح البخاري كتاب المغازي وصحيح مسلم كتاب الزكاة
عدد الصفحات ٥٣54 أي: أن الله تعالى هداهم لكن بواسطة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو سبحانه أغناهم لكن بسبب وواسطة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك أل ف جل وعلا بين قلوبهم بواسطة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولَ تفهم من حديث [:إذا سألت فاسأل، وإذا استعنت فاستعن بالِلّ ] لَ تفهم منه إنكار السبب والواسطة والوسيلة ، أو النهي عن سؤال الواسطة والوسيلة لأن الله تعالى يقول :{وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ }فنهى سبحانه عن رد السائل ، سواء كان سائل مال أو قضاء أو حاجة أو علم ، وإن سؤال العبد لربه سؤال عبد لرب خالق ، وسؤال العبد للعبد على أنه واسطة ووسيلة في قضاء الحاجة ، والخالق والفعال على الحقيقة هو الله تعالى وحده . فإذا كنت جاهلا فتسأل الله تعالى وتقول : اللهم عل مني ، ولَ ينافي هذا أن تحضر مجالس العلم وتسأل العلماء ، لأن الله تعالى يقول : {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لََ تَعْلَمُونَ } وإذا احتجت إلى المعونة فتسأل الله تعالى العون وتقول: اللهم أعن ي ، ولكن هذا لَ ينافي أن تطلب أسباب ووسائل المعونة لأن الله تعالى يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } وذَكَ ر سبحانه عن ذي القرنين عليه السلام قوله {فأعينوني بقوة}الآية وأما قوله صلى الله عليه وسلم [:رفعت الأقلام وجفت الصحف ]فالمراد بالأقلام : أقلام الصحف إذ إن لكل إنسان صحيفة ، وهي المشار إليها في الحديث [:ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ] طرف حديث في صحيح مسلم كتاب القدر واللفظ له وصحيح البخاري كتاب بدء الخلق
عدد الصفحات ٥٤55 أي: أن هذه الصحف التي تُ كتب على كل إنسان ، قد جف ت ورفعت الأقلام عنها ، ولَ تفهم من هذا أن الكتابة السابقة لأعمالك وما سيجري عليك تسلب صفة الَختيار منك في طاعاتك أو مخالفاتك ، فلا يلزم من إثبات القضاء السابق إنكار اختيار الإنسان ومشيئته ، فلقد قضى سبحانه أنك تفعل كذا وكذا باختيارك وإرادتك ، فقضى سبحانه أنك تصلي ولكن باختيارك وإرادتك ومشيئتك ، فالصلاة مقضية واختيارك للصلاة أمر مقضي أيضا ، والكل بقضاء وقدر من الله تعالى . ولَ يمكن للإنسان أن ينكر صفة الَختيار والمشيئة فيه فهي ثابتة له ذوقا ووجدانا ، إذ إنه يفرق بين أمور يفعلها باختياره ومشيئته كالأكل والشرب ، وبين أمور تعتريه ولَ اختيار له فيها كالعطاس والتثاؤب والَرتعاش ، كما أن صفة الَختيار ثابتة للإنسان عقلا وفطرة ، إذ إنه يفرق بين ضربة البشر وصدمة الشجر كما تقدم بيانه ، وهي ثابتة للإنسان شرعا فقد أخبر سبحانه عن ثبوت صفة الَختيار والمشيئة للإنسان في القرآن الكريم فقال تعالى : {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُ ؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } ولَ تقل: إن هذه المشيئة والَختيار ليست حقيقية في الإنسان ، فقد أثبتها الله تعالى في القرآن الكريم قال سبحانه :{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ } كما أن الشارع علق المسؤولية والحساب على الأفعال الَختيارية للعبد ، فإذا صدر منه أفعال لَ اختيار له فيها فلا مسؤولية ولَ حساب عليه كما قال تعالى :{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلََ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ } وقال سبحانه:{مَنْ كَفَرَ بِالِلَِّّ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلََّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَ لْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ }أي: فلا مسؤولية عليه لأنه نطق بكلمة الكفر مكرها مضطرا عند الضرورة ، والضرورة الشرعية هي : الضرورة المؤدية إلى الموت أو تعطيل جارحة في الإنسان .
عدد الصفحات ٥٥56 ردَعلىَشبهةَضالةَ:ََ رُ ب إنسان بسبب جهله يقول : إن الله تعالى يقول : { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ }فأثبت للإنسان اختيارا ومشيئة ، ولكنه سبحانه قال أيضا :{وَمَا تَشَاءُونَ إِلََّ أَنْ يَشَاءَ اللهَُّ } ويفهم من هذا بسبب جهله وقلة علمه أن هناك تناقضا في هاتين الآيتين وأنه لَ اختيار حقيقي له ، لأن اختياره ومشيئته بخلق الله تعالى ومشيئته ، فيقال : اعلم أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى ولَ تناقض فيه كما قال سبحانه : {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهَِّ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَف ا كَثِير ا }ولكنه من عند الله تعالى وكل ه حق وحقيقة ، فقوله تعالى :{ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ }هو كلام حق أثبت فيه المشيئة للإنسان وقوله تعالى:{ وَمَا تَشَاءُونَ إِلََّ أَنْ يَشَاءَ اللهَُّ }لَ يعني أنه لَ مشيئة للعبد ، لأن الله تعالى أثبت المشيئة للإنسان في الآية السابقة وأما قولك : إن مشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله تعالى ، وهذا يعني أن لَ مشيئة للإنسان ، فإن هذا الفهم منك للآية باطل ومردود ، واعلم أن المشيئة والَختيار صفة من صفاتك التي خلقها الله تعالى فيك ، فلمَ وقفت عند صفة الَختيار وارتبت في أمرها ؟ فقوله سبحانه :{ وَمَا تَشَاءُونَ إِلََّ أَنْ يَشَاءَ اللهَُّ }ينطبق على جميع صفاتك ، ومن هذا: وما تسمعون إلَ أن يشاء الله تعالى ، وما تبصرون إلَ أن يشاء الله تعالى ، ، وما تنطقون إلَ أن يشاء الله تعالى وهكذا .. وإذا ارتبت في هذا فقد قال سبحانه :{إِنَّ اللهََّ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ }فإذا أراد سبحانه أن يسمعك أسمعك ، وإذا أراد ما أسمعك ، وهكذا سائر أوصافك فإنها تابعة لمشيئة الله تعالى ، فكل ما صدر عنك فهو بمشيئة الله تعالى ، ومن ذلك أنه شاء أنك تشاء ، فشاء لك الصلاة فصل يت بمشيئتك ، ومشيئتك وصف من أوصافك ، ولولَ أنه سبحانه شاء لما شئت أنت ، لأنه لَ يمكن أن يحصل منك أمر إلَ بمشيئة الله تعالى وإرادته وخلقه سبحانه ، فأنت لست ربا حتى تخلق خلقا ، ولست ربا حتى تخلق عملا ، وإنما الذي يخلق ويشاء هو الله تعالى ، فإذا شاء لك أن تسمع سمعت ، وإنَّ سمعك سماع
عدد الصفحات ٥٦57 حقيقي ليس بوهمي ، مع أنه بخلق الله تعالى ومشيئة الله تعالى ، فشاء لك سبحانه أن تبصر فأنت البصير والوصف وصفك ، وشاء لك أن تسمع فأنت السميع والوصف وصفك ، وشاء لك أن تحيا فأنت الحي على الحقيقة ، وشاء لك سبحانه أن تشاء وتختار فأنت المختار على الحقيقة . وخلاصة القول : إن المشيئة وصف من أوصافك ، وجميع أوصافك بمشيئة الله تعالى وإرادته وخلقه ، فلمَ تركت الأوصاف كلها ووقفت عند صفة المشيئة ؟ وإذا كنت تد عي أنه ما دامت مشيئتك هي بخلق الله تعالى ومشيئته سبحانه فلا مشيئة لك ، فيجب عليك أن تدعي أيضا أنه لَ سمع لك ولَ بصر لك ولَ حياة لك لأن جميع هذه الأوصاف هي بخلق الله تعالى ومشيئته ، والحال أنه لَ يمكنك ذلك لأنك سميع على الحقيقة وبصير على الحقيقة وحي على الحقيقة ، والكل بخلق الله ومشيئته ، وأنت المختار على الحقيقة ، واختيارك هو بخلق الله تعالى ومشيئته ، ولقد شاء الله تعالى لك أن تحيا فخلق فيك الحياة ، فأنت حي على الحقيقة ، وحياتك إنما هي حياة عبد مخلوق بدليل أنك ستموت عند انتهاء أجلك ، وشاء سبحانه لك السمع فخلق فيك حقيقة السمع فأنت سميع على الحقيقة بدليل أن هناك فرقا بينك وبين الأطرش، وكذلك بصرك ونطقك ، فأنت بصير وناطق بخلق الله تعالى ومشيئته سبحانه . كما أنك مختار وذو مشيئة وذلك بخلق الله تعالى ومشيئته سبحانه ، فكل صفاتك إنما هي بخلق الله تعالى ومشيئته سبحانه ، ولو أنكرت صفة الَختيار لأنها بخلق الله ومشيئة الله تعالى ، لوجب عليك أن تنكر جميع صفاتك لأنها كلها بخلق الله ومشيئة الله سبحانه ، كيف وهي ثابتة لك ؟! واعلم أن التكاليف الشرعية التي كل ف الله تعالى بها الإنسان إنما جاءت على نسبة ما أعطاه الله سبحانه من القوى والمدارك والَختيار والمشيئة كما قال تعالى :{لََ يُكَلِّفُ اللهَُّ نَفْس ا إِلََّ وُ سْعَهَا }فلما كلفك سبحانه بالصلاة مثلا أعطاك القوة على فعل الصلاة والنهوض إليها ، ولم يأمرك سبحانه أن تنقل البحار من الشرق إلى الغرب ، و تنقل الجبال من الشرق إلى الغرب أو
عدد الصفحات ٥٧58 تصعد إلى السماء بجسمك ،ولقد أعطاك الله تعالى سمعا فأنت سميع ، ولكن سمعك ليس كسمع الله تعالى إذ إن سمعه سبحانه لَ يتناهى ، وكذا البصر والعقل والمشيئة والَختيار فهي أوصاف ثابتة لك مناسبة لكونك مخلوقا مكلفا ، وتكليفك على نسبة ما أعطاك سبحانه من القوى والمشيئة ، واعلم أن الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره يوجب عليك أن تعتقد أولَ علم الله السابق بالأشياء - وهذا العلم لَ أول له - ، ثم أنه سبحانه أمر بكتابة ذلك ، ثم أنه سبحانه شاء ذلك ثم خلق ذلك بخلقه تعالى . فالقضاء والقدر يتضمن العلم السابق ، ثم الكتابة والمشيئة لخلق الفعل تنفيذا ثم خلقا تكوينيا ، ولَ يلزم من هذا سلب صفة الَختيار من الإنسان كما تقدم بيانه . ومن جملة ذلك : ما تسطره الأقلام العالية في تنفيذ أحكام الله تعالى الشرعية والكونية ، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه [ :ثم عُرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ] أي: رفعت لمعتلى - لأن المستوى هو الموضع العالي - أسمع فيه صريف الأقلام أي : صوت الأقلام التي تجري بالكتابة في تنفيذ أحكام الله تعالى وقضائه تنفيذا ، أما معراجه الشريف صلى الله عليه وسلم فقد أشارت إليه الآية الكريمة : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْ حَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } فقوله تعالى:{ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا }أي: لنري هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من آياتنا الكبرى العالية التي لم يط لع عليها غيره ، ولنسمعه من آياتنا ، يدل على هذا قوله تعالى :{ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}وإن الضمير عائد إلى العبد المذكور بقوله تعالى :{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ }وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أعطاه الله تعالى قوة في سمعه وبصره ، فسمع أمورا لم يسمعها غيره ، ورأى أمورا لم يرها غيره . طرف حديث في صحيح البخاري كتاب الصلاة وصحيح مسلم كتاب الإيمان وللألوسي رحمه الله تعالى كلام نفيس في هذا الباب انظره عند تفسيره لهذه الآية الكريمة
عدد الصفحات ٥٨59 وإن قوله تعالى:{ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا }فيه إشارة إلى معراجهالشريف صلى الله عليه وسلم الذي جاء ذكره صريحا في سورة النجم ، قال تعالى : {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } وهذه الآيات هي في السموات وفوق السموات عند سدرة المنتهى ودخوله الجنة ، وانكشاف العوالم الغيبية له ، ثم رفعه إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام ، وهكذا فإن الآية :{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ }نص صريح بالإسراء ، كما أنها تشير إلى المعراج بقوله تعالى : { لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا } وهي الآيات الكبرى التي ذكرها سبحانه في سورة النجم بقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَة أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَ اغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى }وهذا نص صريح بمعراجه الشريف صلى الله عليه وسلم بنص القرآن الكريم . والمعراج هو : العروج أي : الَعتلاء إلى السموات وما فوقها . ولقد افتتح سبحانه سورة النجم التي ذكر فيها معراجه صلى الله عليه وسلم افتتحها بقوله تعالى :{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى }والمراد جنس النجوم المتحركة والتي تسرع في حركتها ضمن فلكها ، والهوي هو : السرعة في الحركة ، كما قال تعالى إخبارا عن سيدنا إبراهيم عليه السلام : { فَاجْعَلْ أَفْئِدَة مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَ يْهِمْ }أي: تسرع إليهم ، فالِلّ سبحانه الذي قدر على تسيير النجوم في أفلاكها بالسرعة القوية مع الحفاظ على جرمها وكيانها من التفتت هو قادر على أن يعرج برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسمه وروحه إلى ما فوق السموات السبع ، وأن يريه الآيات الكبرى ويسمعه كذلك مع الحفاظ على جسمه وعقله ومداركه صلى الله عليه وسلم . ولقد علا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مستوى رفيع عال سمع فيه صريف الأقلام أي : - سماع صوت وفهم - وهي الأقلام التي تجري في تنفيذ أحكام الله القضائية - فإذا تحرك القلم بتحريك فلان تحرك فلان ، وإذا
عدد الصفحات ٥٩61 سكنالقلم سكن فلان ، فجميع الحركات والسكنات والإرادات إنما هي منوطة بتلك الأقلام العالية ، ولم ينته صلى الله عليه وسلم في معراجه وانكشاف المغيبات له إلَ إلى قوله تعالى :{ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى }التي ذكرها سبحانه في آخر سورة النجم ،فلم ينته صلى الله عليه وسلم عند سموات أو سدرة أو جنة بل انتهى إلى مقام المكافحة - أي : رفع الحجب - وهناك تجلى عليه رب العالمين بالرؤيا وكل مه سبحانه وتعالى ، ونال صلى الله عليه وسلم مقاما خاصا في القرب ، أخبر عنه سبحانه بقوله : {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } فلا تفهم من قصة اسرائه ومعراجه صلى الله عليه وسلم مجرد علو وارتقاء الى السموات ، وانما هي علو وارتقاء ودخول في عوالم غيبية أطلع الله عليها رسوله صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك ماجاء في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من ه لاء يا جبريل ؟ قال : ه لاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ] وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى ، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى ] وان سيدنا جبريل بحقيقته الجبريلية له ستمائة جناح ، ملأ ما بين السموات والأرض بجناح واحد ، ولكنه في مقام الخشية من الله تعالى رآه صلى الله عليه وسلم كالحلس البالي – والحلس هو الكساء الرقيق أي يكاد جبريل عليه السلام أن يذوب من خشية الله تعالى - . انظره في سنن أبي داود كتاب الأدب والمسند 95 والمعجم الأوسط للطبراني وشعب الإيمان للبيهقي كما في المعجم الأوسط للطبراني وقال عنه في مجمع الزوائد : ورجاله رجال الصحيح ، وعزاه في كنز العمال للديلمي ، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة ، وابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء ، وقال الحافظ المناوي في فيض القدير : قال الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح ، وقال شيخه العراقي : رواه محمد بن نصر في كتاب تعظيم قدر الصلاة ، والبيهقي في الدلَئل من حديث أنس . روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته وله ست مائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق ، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم .
عدد الصفحات ٦٠61 وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [لقيت ليلة أسري بي ابراهيم وموسى وعيسى- أي : في جملة من رأى صلى الله عليه وسلم من الأنبياء - فتذاكروا أمر الساعة ، فرد وا أمرهم الى ابراهيم فقال : لا علم لي بها ، فردوا الأمر الى موسى فقال : لا علم لي بها ، فردوا الأمر الى عيسى فقال : أما وجبتها - أي وقت وقوعها- فلا يعلمها أحد الا الله ، ذلك وفيما عهد الي ربي عز وجل أن الدجال خارج ، قال : ومعي قضيبان فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص ، قال : فيهلكه الله تعالى ] ومن هذا تفهم أن الدجال لا يموت بسبب من الأسباب الا حين يرى سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ :لقيت ابراهيم ليلة أسري بي فقال: ( يا محمد أقرئ أمتك مني السلام ) - على نبينا وعلى سيدنا ابراهيم الصلاة والسلام ، وانظر في كرامة هذه الأمة على الله تعالى اذ ان حبيب الله صلى الله عليه وسلم حمل السلام من خليل الله عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة المحمدية – ( وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان ) - أي : واسعة صالحة للزراعة – ( وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر ] . وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السموات والأرض - أي : ليلة الإسراء والمعراج - قلت : يا رب انه لم يكن نبي قبلي الا وقد كر مته ، جعلت ابراهيم خليلاً وموسى كليماً وسخ رت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين وأحييت لعيسى الموتى ، فما جعلت لي ؟ قال : أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله ، أني لا أُ ذكر الا ذُ كرت معي - أي : قَ رنت ذكرك بذكري يا رسول الله ، وهذا معنى قوله تعالى : {ورفعنا لك ذكرك}- قالسبحانه : وجعلت صدور أمتك أناجيل يقر ون القرآن ظاهراً ، ولم أعطها أم ة ، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي : المسند 20 وعزاه السيوطي في الجامع الكبير إلى ابن أبي شيبة ، وابن ماجه ، والحاكم ، والبيهقي فى البعث سنن الترمذي كتاب الدعوات بهذا اللفظ وانظره في المعجم الكبير للطبراني ومسند البزار
عدد الصفحات ٦١62 لا حول ولا قوة ا بالله العلي العظيم ] . أي: فمن تمسك بها فقد تمسك بقوة عرش الله تعالى . ونسأل الله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين . انظر تفسير ابن كثير لسورة الشرح
عدد الصفحات ٦٢63 بسم الله الرحمن الرحيم المحاضرة الخامسة حول بيان كتابة أعمال الإنسان بعد صدورها عنه الكتاب الخاص بكل إنسان كتاب الإحصاء العام الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد : قال الله تعالى : {ن والقلم وما يسطرون} وان من جملة ما تسطره الملائكة: قضايا القضاء والقدر نقلاً عن الكتاب الأول ، وما تسطره من أعمال بني آدم ، وقد تقدم الدليل على أن الحجة والحساب يجري يوم القيامة بموجب كتاب الإحصاء لا بموجب كتاب القضاء السابق ، أما كتاب الإحصاء العام فهو الذي أحصى وجمع جميع أعمال بني آدم ، وهناك كتاب خاص بأعمال كل انسان ، وجميع هذه الكتب مجموعة في كتاب الإحصاء العام ، وفي هذا يقول تعالى : {وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } فقوله تعالى :{وكل انسان ألزمناه طائره}أي: ما طار منه وصدر عنه من قول وعمل اختياري اختاره ، فهو صادر عنه ، كالطائر الذي طار منه ، فهو مسطور ومسج ل عليه وملازم له لزوم القلادة والطوق للعنق ، فأعمالك ملازمة لك ومطو قة لعنقك ولا تنفك عنك ، واذا كان أهلك وقرابتك ملازمين لك بالظاهر وكذلك مالك ، اذ انك دائماً تسعى الى طلبه وتحصيله ، فهناك من يلازمك الى الأبد وهو عملك ، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه : [يتبع الميت ثلاثة ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد ، يتبعه أهله وماله وعمله ، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله ] فالملازم الحقيقي لك في حياتك وبعد مماتك وفي دنياك وآخرتك انما هو العمل ، ومن هنا يجب على العاقل أن يهتم بالعمل أشد من اهتمامه بالمال والعيال لأنه الملازم له والمصاحب له في الدنيا والآخرة ، ولذلك قال تعالى : {وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً} صحيح البخاري كتاب الرقاق وصحيح مسلم كتاب الزهد والرقائق
عدد الصفحات ٦٣64 أي: هو كتاب عمله الصادر عنه الذي طار عنه ، ولهذا جاء في قراءة أبي جعفر أحد العشرة :{ ويُخرَجُ له يوم القيامة كتاباً } أي: هذا ما صدر منك يُخرَجُ حال كونه في الآخرة كتاباً ، ويقال له : {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}أي: هذا هو حجة الله تعالى عليك في الآخرة . وان هذه الكتب الفردية لكل انسان مجموعة في كتاب عام هو كتاب الإحصاء الذي قال فيه سبحانه :{وكل شيء أحصيناه في امام مبين} .وقال جل وع:{ان جهنم كانت مرصاداً}أي: موضع ترص د وترق ب للكفار فمتى اقتربوا منها أخذتهم بقوة والعياذ بالله تعالى . {للطاغين مآباً}أي: مرجعاً للطاغين وهم المجاوزون حدود الله الشرعية {لابثين فيها أحقاباً}أي:أحقاباً بعد أحقاب وهكذا أبد الآبدين {لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً}أي: لا يذوقون فيها جواً بارداً ، ولا شراباً يروي بطونهم فلا يذوقون برودة خارجية ولا داخلية ، وقال بعض السلف : لا يذوقون فيها برداً : أي : نوماً ، لأن النوم يكسب الجسم شيئاً من البرودة {الا حميماً وغساقاً}أي: ان اشتد عليهم العطش يقدم لهم ماء الحميم فيصهر ما في بطونهم ، والغساق هو صديد أهل النار فيقدم لهم شراباً لأنهم شربوا الخبائث في الدنيا 2. {جزاء وفاقاً }أي: أن جزاءهم موافق للجرم الذي ارتكبوه {انهم كانوا لا يرجون حساباً}أي: لا ي منون بيوم الحساب ولا يحسبون له حساباً {وكذبوا بآياتنا }أي: آياتنا القرآنية التي تخبر عن يوم الحساب والآخرة هو يزيد بن القَعقَاع المخزومي المدني أبو جعفر، أحد القراء العشرة ومن التابعين ، كان إمام أهل المدينة في القراءة، توفي في المدينة سنة 5هـ رحمه الله ورضي عنه قال الحافظ ابن الجزري رحمه الله في النشر في القراءت العشر : ( واختلفوا ) في : {ونخرج له}فقرأ أبو جعفر بالياء وضمها وفتح الراء ، وقرأ يعقوب بالباء وفتحها وضم الراء ، وقرأ الباقون بالنون وضمها وكسر الراء . ( واتفقوا ) على نصب كتابا انظر ما جاء في تفسير الدر المنثور للآية الكريمة . وذكر ابن أبي الدنيا عن الحسن رضي الله عنه في قوله تعالى : {لَ يذوقون فيها بردا ولَ شرابا}قال الحسن: «البرد: النوم » 1 قال السيوطي في الدر المنثور: الحميم الحار الذي يُ حرق ، والغس اق ما يسيل من صديدهم .
عدد الصفحات ٦٤