81 وتفكر في قوله تعالى :{وتزودوا}أي: تزودوا لدنياكم ما تحتاجون ، ثم نب ه سبحانه إلى الزاد الأهم فقال سبحانه :{فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى }. كما أن من خصائص الأنبياء: أن الله تعالى أعطاهم القلب اليقظ الذي لَ ينام - أي لَ يغفل - عن الله تعالى أبدا ، كما ورد في الحديث : [إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولَ تنام قلوبنا] ولذلك فإنهم يوحى إليهم وإن كانوا في نومهم ، وإن نوم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لَ ينقض الوضوء كنوم غيرهم ، وقد رقد صلى الله عليه وسلم قبل أن يوتر ، ثم قام فأوتر ، فقالت له السيدة عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله أتنام قبل أن توتر ؟ فقال صلى الله عليه وسلم [ :يا عائشة إن عيني تنامان ولَ ينام قلبي] وقال الله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث: [وأنزلت عليك كتابا لَ يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان] ومعنى أنه : لَ يغسله الماء ، أي : وإن ذهب من السطور والصحف فإنه محفوظ في الصدور كما قال تعالى في الحديث القدسي : [وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤون القرآن ظاهرا]1 وقال جل وع:{بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } ولو أفرغت ماء الدنيا على صدر الحافظ لكتاب الله تعالى لمَا زال القرآن الكريم من صدره . وقوله سبحانه في الحديث القدسي : [تقرؤه نائما ويقظان] أي: أن هذا أمر خاص بك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم . عزاه في كنز العمال لَبن سعد عن عطاء مرسلا صحيح البخاري كتاب الجمعة وصحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها طرف حديث في صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها 1 قال السيوطي في الدر المنثور وابن كثير في تفسيره: أخرجه أبو نعيم في الدلَئل
عدد الصفحات ٨١82 ومن هنا تفهم قوة يقظة قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم إذ كان يقرأ القرآن الكريم نائما كما يقرؤه يقظان صلى الله عليه وسلم ، وجاء في الحديث عن ربيعة الجرشي قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له : لتنم عينك ولتسمع أذنك وليعقل قلبك - أي : لأن قلبك لَ ينام - قال صلى الله عليه وسلم [:فنامت عيناي وسمعت أذناي وعقل قلبيقال : فقيل لي : سيدٌ بنى دارا فصنع مأدبة وأرسل داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يطعم من المأدبة وسخط عليه السيد ، قال :- أي الملك مفس را ما قاله - : فالِلّ السيد - أي : بالسؤدد المطلق - ومحمد صلى الله عليه وسلم الداعي والدار الإسلام والمأدبة الجنة ] وهذا قوله تعالىمخبرا عن دعاء المؤمنين : {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِي ا يُنَادِي لِلإِْيمَانِ }وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم { أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا }الآية. ونسأل الله تعالى التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لِلّ رب العالمين . سنن الدارمي في المقدمة وأصله في صحيح البخاري كتاب الَعتصام بالكتاب والسنة
عدد الصفحات ٨٢83 بسم الله الرحمن الرحيم المحاضرةَالسابعةََ َحولَبيانَسعةَعلومهَصلىَاللهَعليهَوسلمَواط َلاعهَعلىَالمغيباتََ الحمد لِلّ رب العالمين وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : قال سبحانه :{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ* مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون * وَإِنَّ لَكَ لأََجْر ا غَيْرَ مَمْنُون * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم } أما المراد ب{ن }فهو مدد الله الفياض على القلم الأول الذي أمره سبحانه أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فأفاض عليه سبحانه علمَ ذلك فكتب ذلك . قوله تعالى :{ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون }وذلك لأن المشركين لما سمعوا القرآن الكريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعوا أحاديثه الشريفة صلى الله عليه وسلم ورأوا معجزاته قالوا عنه : مجنون ، فرد الله تعالى عليهم ونفى قولهم وبين أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم هو أعقل العقلاء وأحكم الحكماء وأفطن الفطناء وأعلم العلماء . ومعنى الآية :{ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون }أي: ما أنت يا رسول الله بسبب نعمة الله تعالى عليك بالنبوة والرسالة والعلوم والمعارف وبتعليمك ما لم تكن تعلم وإطلاعك على العوالم كلها وإخبارتك الغيبية ، ما أنت بهذا الفضل والنعمة بمجنون ، بل إن من اجتمعت فيه هذه العلوم وهذه النبوة الجامعة والرسالة العامة لَبد أن يكون أعقل خلق الله تعالى وأذكاهم وأفطنهم ، ولَ يقول عنه : مجنون إلَ من كان مجنونا معاندا . أما وجه المناسبة بين القسم والمقسَ م عليه : فهو أنه سبحانه الذي أفاض العلوم على القلم لما قال له : اكتب ، هو الذي أفاض على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الإفاضات وعل م رسوله وإن كان أمِّ يا ، وأنزل عليه الكتاب والحكمة وعل مه وأخبره بما هو كائن إلى يوم القيامة ، وأمره أن يخبر عما هو كائن إلى يوم القيامة ، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه
عدد الصفحات ٨٣84 وسلم هو أعظم من أطلعهمن الرسل على المغيبات، وهو أعظم من نال العلوم والمعارف الإلهية بتعليم وفيض من الله تعالى ، وإذا أردت أن تحصي أجناس وأنواع العلوم التي نالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لَ مَ ا أمكنك ذلك ، فمن باب أولى أنت عاجزعن استقصاء أفراد العلوم التي أفاضها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا يقول سبحانه {وَأَنْزَلَ اللهَُّ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهَِّ عَلَيْكَ عَظِيم ا } فمن جملة علومه صلى الله عليه وسلم: اط لاعه على كثير من المغي بات السماوية والأرضية والعرشية والماضية والآتية والحالي ة والظاهرة والخفية ، وقد أطلعه الله تعالى على ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : [قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم ] - فحدثهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بدء الخلق ، واستمر معهم إلى زمنهم ثم إلى يوم القيامة ومواقفها إلى أن دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار – قال سيدنا عمر رضي الله عنه : [حفظ ذلك مَن حفظه ونسيه مَ ن نسيه ] وروى مسلم في صحيحه عن عمرو بن أخطب رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر ، فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس قال : فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فأعلمُ نا أحفظُ نا ] صحيح البخاري كتاب بدء الخلق صحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة
عدد الصفحات ٨٤85 ومن جملة ذلك: أن الله تعالى أشهد سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم عالم الدنيا كله ببر ه وبحره وجباله وشجره ، كما في الحديث عن سيدنا عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [إن الله تعالى رفع لي الدنيا فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة كأنما أنظر إلى كفي هذه ] وعن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُ وي لي منها ] وقد رأى صلى الله عليه وسلم الأمم السابقة، ورأى أمته اللاحقة التي ستأتي من بعده ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [عُرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي ليس معه أحد - أي : أن هناك أنبياء ورسلا ، وهناك أنبياء فقط ، وكل منهم كان أتباعه على حسب ما قُ دِّ ر له - إذ رُ فع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي ، فقيل لي : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم ، وفي رواية : فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق - أي : كل الجهات - فقيل لي : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولَ عذاب ، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولَ عذاب ، فقال بعضهم : فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : فلعلهم الذين وُ لدوا في الإسلام ولم يشركوا بالِلّ تعالى ، وذكروا أشياء ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما الذي تخوضون فيه ؟ فأخبروه ، فقال : هم الذين لَ يَ رْ قون ولَ يسْ ترْ قون ولَ يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ، فقام عكاشة بن محصن فقال : ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال : أنت منهم ، عزاه في كنز العمال للطبراني وأبي نعيم في الحلية صحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة صحيح البخاري كتاب الطب
عدد الصفحات ٨٥86 ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : سبقك بها عكاشة ] وقد رأى صلى الله عليه وسلم أمته في عدة مناسبات ، ورآهم مرة تفصيلا ، ففي الحديث [ :عُرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة - أي : أمام حجرته صلى الله عليه وسلم - حتى لأنا أعرَ ف بالرجل منهم من أحدكم بصاحبه ، صُ و روا لي في الطين ] فرأى صلى الله عليه وسلم أم ته أفرادا أفرادا ، وصار يعرف الواحد منهم أشد من معرفة الإنسان لصاحبه ، وهذه معرفة تفصيلية بكل فرد ، فقد رآني ورآك صلى الله عليه وسلم ، ولنا الخير والبشر والسعادة في نظره لنا صلى الله عليه وسلم ، وإن لذلك حكما وأسرارا كبرى من جملتها : أنه صلى الله عليه وسلم الرسول العام لجميع الأنام إلى أبد الآبدين ، فحق له أن يُ طلعه الله تعالى في عالم الدنيا على أمته إجمالَ وتفصيلا ، فجاءت شريعته صلى الله عليه وسلم عن علم ودراية بهذه الأمة ، فيضع الدواء حيث الداء ، ويشرع الأحكام المناسبة لمن بعده ، ويكون شرعه شرع من عاين الأمور على وجه فيه سعادة من بعده إلى يوم القيامة . ومن جملة ما أطلع الله عليه رسوله صلى الله عليه وسلم من المغيبات : نعيم القبر وعذابه، وأخبر عن ذلك صلى الله عليه وسلم ، فمن ذلك : لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض القبور ، وقد مات أصحابها في الشرك وسمِ ع عذابهم ، قال صلى الله عليه وسلم : [فلولَ أن لَ تَدافنوا لدعوت الله تعالى أن يسمعكم من عذاب القبرالذي أسمع منه ] صحيح مسلم كتاب الإيمان عزاه في كنز العمال للطبراني والضياء في المختارة ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة وابن الأعرابي في معجمه طرف حديث في صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها .
عدد الصفحات ٨٦87 وقد يُطلع الله تعالى بعض أوليائه على عذاب أهل القبور أو نعيمهم ، فعن داود الطائي رضي الله عنه أنه مر على رجل يُ عذَّ ب في قبره ، فسمعه يقول : ألم أصل ألم أزك ألم أحج ؟ فأجيب : بلى يا عدو الله ، ولكنك إذا خلوت بارزت الله بالمعاصي ولم تراقبه ] - يعني أنه كان منافقا- . وقد أطلع الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على أحوال عالم الحشر والموقف والصراط والجنة والنار وجميع ما هنالك من عوالم ، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن ذلك في كثير من المناسبات ، كما أنه سبحانه أطلع رسوله على المغيَّ بات النفسية ، فكان كثيرا ما يتكلم عما يقع في نفس الرجل قبل أن يظهره ذاك الرجل ، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن أمور غيبية ستقع ، فأخبر عنها قبل وقوعها ، فمن جملة ذلك : أنه صلى الله عليه وسلم أشرف يوم بدر على أرض القتال وقال قبل أن تحتدم المعركة : [هذا مصرع فلان غدا ، ووضع يده على الأرض ، وهذا مصرع فلان غدا ووضع يده على الأرض] قال أنسرضي الله عنه : والذي نفسي بيده ما جاوز أحد منهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي الحديث قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه : لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ثم لبست حُ ل تي ثم دخلت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي : يا عبد الله ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ انظر تفسير النيسابوري لقوله تعالى : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }وقد ذكره الملا علي القاري في المرقاة شرح المشكاة صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير وسنن أبي داود كتاب الجهاد واللفظ له
عدد الصفحات ٨٧88 قال: نعم ، ذكرك آنفا بأحسن ذكر ، فبينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته - أي : عرض له أمر فتحدث عنه ، وقال [ :يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن ألَ إن على وجهه مسحة ملك ] قال جرير: فحمدت الله عز وجل على ما أبلاني - أي : أعطاني - ولقد كان جرير رضي الله عنه ذا فهم وشأن كبير في قومه ، وكان عليه مسحة من الجمال والنور الإيماني . وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : دخل جرير بن عبد الله رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أصحابه ، وضن كل رجل بمجلسه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه فألقاه إليه - لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكرم كِ رام القوم - فتلق اه - أي جرير - بنحره ووجهه فقبله ووضعه على عينيه وقال : أكرمك الله كما أكرمتني ، ثم وضعه على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [من كان يؤمن بالِلّ واليوم الآخر فإذا أتاه كريم قوم فليكرمه] . وجاء في الحديث[ :بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال : يطلع عليكم من هذا الفج ركب من خير أهل المشرق ، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتوج ه في ذلك الوجه - أي : نحو الباب الذي عي نه رسول الله صلى الله عليه وسلم - فرأى ثلاثة عشر راكبا فرح ب وقرب وقال : مَ ن القوم ؟ قالوا : قوم من عند عبد القيس قال : فما أَ قدمكم لهذه البلاد ؟ ألتجارة ؟ قالوا : لَ ، قال : فتبيعون سيوفكم هذه ؟ قالوا : لَ ، قال : فلعلكم إنما قدمتم في طلب هذا الرجل ؟ قالوا : أجل ، فمشى معهم يحد ثهم حتى نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هذا صاحبكم الذي تطلبون ، فرمى القوم بأنفسهم عن رواحلهم ، فمنهم من سعى سعيا ، ومنهم من هرول هرولة ، ومنهم من مشى حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذوا بيده يقب لونها ، وقعدوا إليه وبقي الأشج وهو أصغر القوم ، المسند 9 90 والفج هو : الطريق الواسع رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان
عدد الصفحات ٨٨89 فأناخ الإبل وعقلها وجمعمتاع القوم ثم أقبل يمشي على تؤدة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فقب لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله ، قال : وما هما يا رسول الله ؟ قال : الأناة والت ؤدة ، قال : أجبلا جُ بلت عليه أم تخل قا مني ؟ قال : بل جُ بلت عليه ، قال : الحمد لِلّ الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله ] . وروىالإمام أحمد في مسنده عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال [:يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته - أي : تقطر ماء - من وضوئه ، قد تعل ق نعليه في يده الشمال ، فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى ، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبِ عه عبد الله بن عمرو بن العاص - وكان من العُ ب اد - فقال : إني لَحَ يْ ت أبي - أي خاصمته - فأقسمت أن لَ أدخل عليه ثلاثا ، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت ، قال : نعم - وذلك حتى يط لع على عباداته - قال أنس : وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث ، فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار - أي استيقظ من نومه - وتقل ب على فراشه ذَ كَ رَ الله عز وجل وكب ر حتى يقوم لصلاة الفجر ، - وفي رواية البيهقي : حتى إذا كان في وجه السحر قام فتوضأ ثم دخل المسجد فصل ى ثنتي عشرة ركعة باثنتي عشرة سورة من المفص ل ليس من طواله ولَ من قصاره ، يدعو في كل ركعتين بعد التشهد بثلاث دعوات يقول : [اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، اللهم اكفنا ما أهمنا من أمر آخرتنا ودنيانا ، اللهم إنا نسألك من الخير كله ، وأعوذ بك قال الحافظ الزرقاني في شرح المواهب : "أخرجه البيهقي" وأبو يعلى, والطبراني بسند جيد وأخرجه البخاري في الأدب المفرد " مطوّلً من وجه آخر
عدد الصفحات ٨٩91 من الشر كله ]- ،قال عبد الله : غير أني لم أسمعه يقول إلَ خيرا ، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله ،- أي أنه رأى عمله قليلا - قلت : يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولَ هجر ثَ م ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرار : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرار ، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به ، فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما هو إلَ ما رأيت ، قال : فلما ول يت - أي : وفي نفسه شيء لأنه يريد أن يعرف حقيقة عباداته - دعاني فقال : ما هو إلَ ما رأيت غير أني لَ أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ، ولَ أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه ، فقال عبد الله : هذه التي بلغت بك ، وهي التي لَ نطيق ] ،وإنما قالها عبد الله بن عمرو بن العاص تواضعا منه رضي الله عنه ليبين أن التحقق بهذا يحتاج إلى صبر ومجاهدة نفس ، وذلك لأن طهارة القلب وسلامة النفس من صفات أهل الجنة ، بل هي من صفات أولياء الله تعالى الأكابر رضي الله عنهم أجمعين . ومن ذلك أيضا : أنه صلى الله عليه وسلم كان يخبر عن الضمائر النفسية إذا كانت الحكمة تقتضي إظهار هذا الأمر المخفي ، فعن عبد الله بن أبي بكر قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان وهو في المسجد ، فلما نظر إليه أبو سفيان قال في نفسه : ليت شعري بأي شيء غلبتني ؟ - وكان قد أسلم على حداثة عهد - فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم حتى ضرب بيده بين كتفيه وقال [:بالِلّ غلبتك يا أبا سفيان] فقال أبو سفيان: أشهد أنك رسول الله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي والناس يمشون خلفه ، فقال بينه وبين نفسه : لو عاودت هذا الرجل القتال ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضرب بيده في صدره فقال [ :إذنيخزيك الله ] شعب الإيمان للبيهقي المسند 5 انظر الروض الأنف للسهيلي
عدد الصفحات ٩٠91 قال: أتوب إلى الله وأستغفر الله مما تفوهت به ومن ذلك أيضا لما قتل يوم بدر سبعون من صناديد المشركين واشتد عليهم الأمر جلس عمير وصفوان بن أمية بن خلف ، فقال صفوان : قب ح الله العيش بعد قتلى بدر ، قال عمير : أجل ، ولولَ دين علي لَ أجد قضاءه ، وعيال لَ أدَ ع لهم شيئا لخرجت إلى محمد فقتلته إن ملأت عيني منه ، فإن لي عنده علة أعتل بها ، أقول : قدمت على ابني هذا الأسير ، ففرح صفوان وقال : علي دينك ، وعيالك أسوة عيالي في النفقة ، فجهزه صفوان وأمر بسيف فسُ م وصُ قل ، فأقبل عمير حتى قدم المدينة فنزل بباب المسجد - وكان عمير يومئذ مشركا - فنظر إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في نفر من الأنصار يتحدثون عن وقعة بدر ويذكرون نعم الله تعالى فيها ، فلما رآه عمر معه السيف فزع وقال : هذا عدو لِلّ الذي حزرنا للقوم يوم بدر ، - أي أطلعهم علينا - ثم قام عمر فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هذا عُ مير بن وهب قد دخل المسجد متقلدا سيفا وهو الغادر الفاجر ، يا رسول الله لَ تأمنه على شيء ، قال : أدخله علي ، فخرج عمر فأمر أصحابه أن ادخلوا على رسول لِلّ صلى الله عليه وسلم واحترسوا من عمير ، وأقبل عمر وعمير فدخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع عمير سيف ، فقال : أنعموا صباحا - وهي : تحيتهم في الجاهلية - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أكرمنا الله عن تحيتك ، السلام تحية أهل الجنة فما أقدمك يا عمير ؟ قال : قدمت في أسيري ففادونا في أسيركم فإنكم العشيرة والأهل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فما بال السيف في رقبتك ؟ فقال عمير : قب حها الله فهل أغنت عنا في شيء ؟ إنما نسيته حين نزلت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اصدقني ما أقدمك ؟ قال : قدمت في أسيري ، قال : فما الذي شرطت لصفوان بن أمية في الحجر ؟ ففزع عمير فقال : ما شرطت له شيئا ، قال : تحم لت له بقتلي على أن يعول بَ نِ يك - أي أولَدك - ، ويقضي دينك ، والله حائل بيني وبينك ، قال عمير : أشهد أن لَ إله إلَ الله وأشهد أنك رسول الله ، يا رسول الله كنا نكذبك بالوحي وبما يأتيك من السماء ، وإن هذا الحديث كان بيني وبين انظر دلَئل النبوة للبيهقي والإصابة وسبل الهدى والرشاد .
عدد الصفحات ٩١92 صفوان في الحجر ، والحمد لِلّ الذي ساقني هذا المساق ، وقد آمنت بالِلّ ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ففرح المسلمون حين هداه الله ] ومن جملة اطلاعاتهصلى الله عليه وسلم على الضمائر النفسية : ما جاء في الحديث أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح ، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَ فضالة - والهمزة هنا للنداء أو للاستفهام - قال فضالة : نعم يا رسول الله ، قال : ماذا كنت تحد ث به نفسك ؟ قال : لَ شيء ، كنت أذكر الله ، قال : فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : اِ ستغفر الله ، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه ، فكان فضالة يقول : والله ما رفع صلى الله عليه وسلم يده عن صدري ، حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه ] وتأمل في مسحات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لها آثارها الكبيرة في الخير والبركة والنور والإيمان . وما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر أحد إلَ نال الغاية والسعادة ، ومن ذلك ما ورد في الحديث عن أبي محذورة رضي الله عنه قال : خرجت في نفر فكنا ببعض طريق حنين ، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق فأذ ن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه انظر المعجم الكبير للطبراني وقد عزاه في كنز العمال لإ سحاق وابن جرير وانظر أسد الغابة / 25 بضم الميم وفتح اللام والواو المشددة, ثم حاء مهملة - انظر سبل الهدى والرشاد وسيرة ابن هشام والروض الأنف وقال الحافظ الزرقاني في شرح المواهب : رواه ابن هشام عن بعض أهل العلم وذكره ابن عبد البر في كتاب الدرر في السير له بهذه القصة ولم يذكره في الستيعاب وهو على شرطه وذكر عياض في الشفاء بنحوه كما في الإصابة و نقله عنه كذلك اليعمري, والشامي في نسخة صحيحة
عدد الصفحات ٩٢93 وسلم فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون - أي : معرضون - فصرخنا نحكيه ونستهزئ به ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوت فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي كم الذي سمعت صوته قد ارتفع ؟ فأشار القوم كلهم إلي وصدقوا ، فأرسل كل هم وحبسني فقال : قم فأذ ن بالصلاة ، فقمت ولَ شيء أكره إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولَ مما يأمرني به ، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فألقى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو نفسه فقال : قل : الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لَ إله إلَ الله أشهد أن لَ إله إلَ الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال لي : ارجع فامدد من صوتك ثم قال : أشهد أن لَ إله إلَ الله أشهد أن لَ إله إلَ الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لَ إله إلَ الله . ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمار ها على وجهه مرتين ثم مرتين ثم على يديه ثم على كبده ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بارك الله فيك ، فقلت : يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة ، فقال : قد أمرتك به ، وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية ، وعاد ذلك محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ] ونسأل الله تعالى أن يفيض علينا من أسرار وأنوار رسول الله صلى عليه وسلم ، وأن يرزقنا من مسحاته ونفحاته آمين . وأدعو الله العظيم بجاه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يرفع مقام والدي وسيدي وشيخي العالم العارف المحدث المفسر عبد الله سراج الدين رحمه الله تعالى في أعلى مراتب المقربين وأن يجزيه عني خير الجزاء وأن يغدق عليه كريم العطاء وعلينا وعلى إخواننا وأحبابنا والمسلمين الناصية : مقدمة الشعر والجبهة من الرأس المسند 19 5 وسنن ابن ماجه كتاب الأذان والسنة فيه.
عدد الصفحات ٩٣94 أجمعين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لِلّ رب العالمين .
عدد الصفحات ٩٤95 فهرسَالكتابَ المقدمةََ3َ كلمةَشكرَوتقديرَ7َ المحاضرةَالأولىََ حولَالإيمانَبالقضاءَوالقدرََ 9َ ثبوتَصفةَالاختيارَعندَالإنسانَشرعاًََ 61َ ثبوتَالاختيارَعندَالإنسانَذوقاًَووجداناًَََ 67َ ثبوتَالاختيارَعندَالإنسانَعقلاًَََ 02َ المحاضرةَالثانيةَََ َحولَالكتابةَالسابقةَلمقاديرَالأشياءََ ثبوتَصفةَالاختيارَفيَالإنسانََ الحكمةَفيَكتابةَالملائكةَلأعمالَبنيَآدمََ 02َ ردَعلىَشبهةَضالةَََ 32َ الحكمةَفيَكتابةَالملائكةَلأعمالكَوأقوالكََ 31َ المحاضرةَالثالثةَََ حولَبيانَأنَالكتابةَالسابقةَلاَتسلبَالإنسانَاختيارهََ كتابَالقضاءَ-َكتابَالإحصاءََ 39َ المحاضرةَالرابعةََ َحولَالكتابةَالسابقةَالخاصةَبكلَإنسانََ 22َ المحاضرة الخامسة حول بيان كتابة أعمال الإنسان بعد صدورها عنه الكتاب الخاص بكل إنسان كتاب الإحصاء العام 13َ
عدد الصفحات ٩٥96 الكتابات الخاصة في صحف خاصة لأعمال صالحة خاصة 19َ المحاضرة السادسة حول بيان سعة علومه صلى الله عليه وسلم وعظيم نعمة الله تعالى عليه بالنبوة الجامعة والرسالة العامة 70َ المحاضرةَالسابعةََ حولَبيانَسعةَعلومهَصلىَاللهَعليهَوسلمََ واط َلاعهَعلىَالمغيباتََ 33َ الخاتمةََ93َ
عدد الصفحات ٩٦