008 |مختصر السيرة النبوية [ 1- غَزوةُ ودَّ ان وهي أول غزواته عليه الصلاةُ والسلام ثم خرج غازيً ا في صفر على رأسِ اثني عشرَ شهرً ا من مَ قدَ مه المدينةَ حتى بلغ ودانَ -وهي غزوةُ الأبواءِ - يريد قريشً ا وبني ضمرةَ بن بكر، فوادعَ ته فيها بنو ضمرةَ ، ثم رجع رسولُ الله ﷺ إلى المدينةِ ولم يلق كيدً . 2- سَريةُ عبيدة بن الحارثِ وهي أول رايةٍ عقدها عليه الصلاةُ والسلام قالَ ابنُ إسحاقَ : وبعث رسولُ الله ﷺ في مُ قامه ذلك بالمدينةِ عُ بيدةَ بنَ الحارث في ستِّ ين أو ثمانين راكبً ا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصارِ أحدٌ ، فسار حتى بلغ ماءً بالحجاز بأسفل ثنية المُ رَّ ةِ ، فلقي بها جمعً ا عظيماً من قريشٍ ، فلم يكن بينهم قتالٌ ، إلا أن سعدَ بن أبي وقاصٍ قد رَ مى يومئذٍ بسهم، فكان أوَّ لَ سهم رُ مِ يَ به في الإسلام، ثم انصرف القومُ عن القومِ ، وللمسلمين حاميةٌ . 3- غَزوةُ سَفَوَانَ وهي غزوة بدرٍ الأولى قالَ ابنُ إسحاقَ : ولم يُ قم رسولُ الله ﷺ بالمدينة حين قدِ م من غزوةِ العُ شيرة إلا ليالي قلائلَ لا تبلُ غ العشرَ ، حتى أغار كُ رز بنُ جابرٍ الفِ هريُّ على سرَْ حِ (1) المدينة، فخرج رسولُ الله ﷺ في طلبِ ه حتى بلغ واديً ا يُ قال له: سَ فَ وَ انُ ، من ناحية بدرٍ ، وفاته كرزُ بن جابرٍ ، فلم يدركه، وهي غزوةُ بدر الأولى. (1) السرَّْ ح: مرعى الأنعام.
عدد الصفحات ١١٩مختصر السيرة النبوية|009 4- سريةُ عبدِ الله بنِ جَحشٍ وبعث رسولُ الله ﷺ عبدَ الله بنَ جحش بن رئاب الأسدي في رجبٍ ، مَ قفلَ ه من بدرٍ الأولى، وبعث معه ثمانيةَ رهطٍ من المُ هاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحدٌ ، وكتب له كتابً ا وأمرَ ه ألا ينظرَ فيه حتى يسيرَ يومينِ ثم ينظر فيه فيَ مضي لما أمرَ ه به، ولا يَ ستكره من أصحابه أحدً ا. فلما سار عبدُ الله بن جحشٍ يومينِ فتح الكتابَ فنظر فيه فإذا فيه: «إذا نظرتَ في كتابي هذا فامضِ حتى تنزلَ نخلةَ ، بين مكةَ والطائفِ ، فتصُ د بها قريش ا وتعلمَ لنا من أخبارِ هم». فلما نظر عبدُ الله بن جحشٍ في الكتاب قال: سمعً ا وطاعةً ، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسولُ الله ﷺ أن أمضيَ إلى نخلةَ ، أرصدَ بها قريشً ا، حتى آتيه منهم بخبرٍ ، وقد نهاني أن أستكره أحدً ا منكم ، فمن كان منكم يريد الشهادةَ ويرغبُ فيها فلينطلقْ ، ومن كره ذلك فليرجعْ ، فأما أنا فماضٍ لأمر رسولِ الله ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابُ ه لم يتخلَّ ف عنه منهم أحدٌ . ومضى عبدُ الله بن جحشٍ وأصحابُ ه حتى نزل بنخلةَ ، فمرت به عِ يرٌ لقريشٍ تحمل زبيبً ا وأدمً ا وتارةً من تارة قريش فيها عمرو بنُ الحضمي. فلما رآهم القومُ هابوهم وقد نزلوا قريبً ا منهم، وتشاور القومُ فيهم وذلك في آخر يومٍ من رجبٍ فقال القومُ : والله لئن تركتم القومَ هذه الليلةَ ليَ دخُ لنَّ الحرمَ ، فَلَيَمْتَنِعُنَّ منكم به، ولئن قتلتموهم لَتَقْتُلُنَّهُمْ في الشهر الحرامِ ، فتردد القومُ وهابوا الإقدامَ عليهم، ثم شجَّ عوا أنفسَ هم عليهم، وأجمعوا على قتلِ من قدروا عليه منهم وأخذِ ما معهم.
عدد الصفحات ١٢٠021 |مختصر السيرة النبوية فرمى واقدُ بن عبدِ الله التميميُّ عمرَ و بن الحضم يِّ بسهم فقتله، واستأسرَ عثمانَ بنَ عبد الله، والحكمَ بن كيسانَ ، وأفلت القومُ نوفلَ بن عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبدُ الله بن جحشٍ وأصحابُ ه بالعيرِ وبالأسيرين، حتى قدِ موا على رسولِ الله ﷺ المدينةَ . قالَ ابنُ إسحاقَ : فلما قدموا على رسولِ الله ﷺ المدينةَ قال: «ما أمرتُ كم بقتالٍ في الشهر الحرامِ ». فوقف العيرَ والأسيرين، وأبى أن يأخذَ من ذلك شيئً ا، فلما قال ذلك رسولُ الله ﷺ سُ قطَ في أيدي القومِ ، وظنوا أنهم قد هَ لَ كوا، وعنَّ فهم إخوانهُ م من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريشٌ قد استحلَّ محمدٌ وأصحابُ ه الشهرَ الحرامَ ، وسفكوا فيه الدمَ ، وأخذوا فيه الأموالَ ، وأسروا فيه الرجالَ ، فقال من يَ رُ دُّ عليهم من المسلمين ممن كان بمكَّ ةَ : إنما أصابوا ما أصابوا في شعبانَ . فلما أكثر الناسُ في ذلك أنزل اللهُ على رسولِ ه ﷺ: (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ) [557]. فلما نزل القرآنُ بهذا من الأمرِ ، وفرَّ ج اللهُ تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفقِ قبضَ رسولُ الله ﷺ العيرَ والأسيرين.
عدد الصفحات ١٢١مختصر السيرة النبوية|020 5- صرفُ القبلةِ إلى الكعبةِ قالَ ابنُ إسحاقَ : ويقال: صرُ فت القبلةُ في شعبانَ على رأسِ ثمانية عشرَ شهرً ا من مَ قدَ م رسولِ الله ﷺ المدينة. 6- غَزوةُ بدرٍ الكُ برى قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم إن رسولَ الله ﷺ سمعَ بأبي سفيانَ بن حرب مُ قبلاً من الشأم في عِ يرٍ لقريشٍ عظيمةٍ ، فيها أموالٌ لقريش وتارةٌ من تاراتهم ، وفيها ثلاثون رجلاً من قريشٍ أو أربعون. قالَ ابنُ إسحاقَ : لما سمع رسولُ الله ﷺ بأبي سُ فيانَ مُ قبلاً من الشأم، ندب المسلمين إليهم وقال : «هذه عِ يرُ قريشٍ فيها أمواهمُ م فاخرجوا إليها لعل اللهَ يُ نفِ لكُ موها». فانتُدب الناسُ ، فخف بعضُ هم وثقُ ل بعضُ هم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسولَ الله ﷺ يلقى حَ ربً ا. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجازِ يتحسَّ سُ الأخبارَ ويسأل من لقي من الرُّ كبان تخوُّ فً ا على أمر الناسِ ، حتى أصاب خبرً ا من بعض الركبانِ أن محمدً ا قد استنفر أصحابَ ه لك ولعِ يرك، فحَ ذِ رَ عند ذل ك؛ فاستأجر ضَ مضمَ بن عمرٍ و الغفاريَّ ، فبعثه إلى مكةَ ، وأمره أن يأتي قريشً ا فيستنفِ رَ هم إلى أموالَم، ويخبرهم أن محمدً ا قد عرض لَا في أصحابِ ه.
عدد الصفحات ١٢٢022 |مختصر السيرة النبوية فتجهز الناسُ سرِ اعً ا وقالوا: أيظنُّ محمدٌ وأصحابُ ه أن تكون كعير ابن الحضميِّ ، كلا والله ليعلمن غيرَ ذلك، فكانوا بين رجلين: إما خارجٍ ، وإما باعث مكانه رجلاً ، وأوعَ بتْ قريشٌ (1)، فلم يتخلف من أشرافِها أحدٌ . قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عروةَ بن الزبير قال: لما أجمعت قريشٌ المسيرَ ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكرٍ ، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدَّ ى لَم إبليسُ في صورة سرُ اقةَ بن مالك بن جُ عشُ م المُ دلجي، وكان من أشراف بني كِ نانةَ ، فقال لَم: أنا لكم جارٌ من أن تأتيكم كنانةُ من خلفكم بشيءٍ تكرهونه؛ فخرجوا سراعً ا. قالَ ابنُ إسحاقَ : وخرج رسولُ الله ﷺ في ليالٍ مضت من شهر رمضانَ في أصحابه، واستعمل عمرَ و بن أم مَ كتومٍ على المدينة. قالَ ابنُ إسحاقَ : ودفع اللواءَ إلى مُ صعبِ بن عمير وكان أبيضَ . قالَ ابنُ إسحاقَ : وكان أمامَ رسولِ الله ﷺ رايتانِ سوداوان: إحداهما مع عليِّ بن أبي طالب يُ قال لَا: العُ قاب، والأخرى مع بعضِ الأنصار، وكانت رايةُ الأنصار مع سعدِ بن مُ عاذ، فيما قال ابنُ هشام. قالَ ابنُ إسحاقَ : وكانت إبلُ أصحاب رسولِ الله ﷺ يومئذٍ سبعين بعيرً ا فاعتقبوها. وأتاه الخبرُ عن قريشٍ بمسيرهم ليمنعوا عيرَ هم، فاستشار الناسَ ، وأخبرهم عن قريشٍ ، فقام أبو بكر الصديقُ فقال وأحسن ، ثم قام عمرُ بن الخطاب فقال وأحسن. (1) أَوْ عَ بَ تْ قريش: حشدت.
عدد الصفحات ١٢٣مختصر السيرة النبوية|023 ثم قام المِقدادُ بن عمرو فقال: يا رسولَ الله، امضِ لما أراك اللهُ فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لمُ وسى: (ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ) [50]، ولكن اذهب أنت وربُّ ك فقاتلا إنا مَ عكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحقِّ لو سرتَ بنا إلى بَ رْ كِ الغِ ماد(1) لجالدنا معك مَ ن دونَ ه حتى تبلُ غَ ه، فقال له رسولُ الله ﷺ خيرً ا، ودعا له به. ثم قال رسولُ الله ﷺ: «أشيروا عل أيها الناسُ » وإنما يريد انصارَ ، وذلك أنهم عددُ الناسِ ، وأنهم حين بايعوه بالعَ قَ بة قالوا: يا رسولَ الله، إنا براءٌ من ذمامِ ك حتى تصلَ إلى ديارنا، فإذا وصلتَ إلينا، فأنت في ذمَّ تنا نمنعُ ك مما نمنع منه أبناءنا ونساءَ نا. فكان رسولُ الله ﷺ يتخوَّ فُ ألا تكون الأنصارُ ترى عليها نَ صرَ ه إلا ممن دهمََ هُ بالمدينةِ من عدوِّ ه، وأن ليس عليهم أن يسيرَ بهم إلى عدوٍّ من بلادهم. فلما قال ذلك رسولُ الله ﷺ؛ قال له سعدُ بن معاذٍ : والله لكأنك تريدُ نا يا رسولَ الله؟ قال: «أَجَ لْ ». قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهِ دنا أن ما جئتَ به هو الحقُّ وأعطيناك على ذلك عُ هودَ نا ومواثيقنا على السمعِ والطاعةِ ؛ فامض يا رسولَ الله لما أردتَ فنحن معك، فوالذي بعثَ ك بالحقِّ ، لو استعرَ ضْ ت بنا هذا البحرَ فخُ ضته لخضناه معك، ما تخلَّ ف منا رجلٌ واحدٌ ، وما نكره أن تَ لقى بنا عدونا غدً ا، إنا لصُ برُ في الحربِ ، صُ دُ قٌ في اللقاءِ ، لعل الله يُ ريك منا ما تَ قرُّ به عينُ ك؛ فسرِ بنا على بركة الله. (1) بَرْ ك الغماد: موضع باليمن.
عدد الصفحات ١٢٤024 |مختصر السيرة النبوية فسرَُّ رسولُ الله ﷺ بقول سعدٍ ، ونشَّ طه ذلك، ثم قال: «سيروا وأبشوا، فإن اللهَ تعالى قد وعدني إحدى الطائفتينِ ، والله لكأني الآن أنظرُ إلى مَ صارعِ القومِ ». نزلﷺ قريبً ا من بدر، فركب هو ورجلٌ من أصحابِ ه حتى وقفَ على شيخٍ من العربِ ، فسأله عن قريشٍ ، وعن محمد وأصحابِ ه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخُ : لا أخبرُ كما حتى تخُ براني ممن أنتما؟ فقال رسولُ الله ﷺ: «إذا أخبرتَنا أخبرناك». قال: أذاك بذاك؟ قال: «نعم». قال الشيخ: فإنه بلغَ ني أن محمدً ا وأصحابَ ه خرجوا يومَ كذا وكذا، فإن كان صدَ قَ الذي أخبرني، فهم اليومَ بمكانِ كذا وكذا، للمكانِ الذي به رسولُ الله ﷺ، وبلغني أن قريشً ا خرجوا يومَ كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدَ قني فهم اليومَ بمكان كذا وكذا للمكانِ الذي فيه قريشٌ . فلما فرغ من خبرِ ه قال: ممَّ ن أنتما؟ فقال رسولُ الله ﷺ: «نحن من ماءٍ» ثم انصرف عنه قال يقول الشيخُ : ما من ماء، أمن ماء العِ راق؟! قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم رجع رسولُ الله ﷺ إلى أصحابِ ه، فلما أمسى بعث عليَّ بن أبي طالب، والزبيرَ بن العوَّ ام، وسعدَ بن أبي وقاص، في نفرٍ من أصحابه، إلى ماء بدرٍ ، يلتمسون الخبر له عليه -كما حدَّ ثني يزيدُ بن رومان، عن عروةَ بن
عدد الصفحات ١٢٥مختصر السيرة النبوية|025 الزب- فأصابوا راويةً لقريشٍ فيها أسلمُ -غلامُ بني الحجاج- وعَ ريضٌ أبو يسارٍ -غلامُ بني العاص بن سعيدٍ - فأتوا بهما فسألوهما، ورسولُ الله ﷺ قائمٌ يُ صلي، فقالا: نحن سُ قاةُ قريشٍ ، بعثونا نَ سقيهم من الماءِ . فكره القومُ خبرَ هما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان؛ فضبوهما، فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيانَ ؛ فتركوهما. وركع رسولُ الله ﷺ وسجد سجدتَ يه، ثم سلَّ م، وقال: «إذا صَ دَ قاكم ضربتموهما، وإذا كَ ذَ باكم تركتُ موهما، صدقَ ا و الله، إنهما لقريشٍ ، أخبرِ اني عن قريشٍ ؟» قالا: هم والله وراءَ هذا الكثيبِ الذي ترى بالعُ دوة القُ صوى -والكثيبُ : العَ قنقلُ - فقال لَما رسولُ الله ﷺ: «كم القومُ؟». قالا: كثيرٌ. قال: «ما عِدَّ تُ م؟». قالا: لا ندري. قال: «كم يَنحرون كلَّ يوم؟». قالا: يومًا تسعً ا، ويومً ا عشرً ا. فقال رسولُ الله ﷺ: «القومُ فيما بين التسع مئةِ والألف». ثم قال«فمن فيهم من أشراَِ قريشٍ ؟».
عدد الصفحات ١٢٦026 |مختصر السيرة النبوية قالا: عتبةُ بن ربيعةَ ، وشيبةُ بن ربيعةَ ، وأبو البَ ختري بن هشام، وحكيمُ بن حِ زام، ونوفل بن خُ ويلد، والحارثُ بن عامر بن نوفل، وطُ عيمةُ بن عديِّ بن نوفل، والنض بن الحارث، وزمعةُ بن الأسود، وأبو ج هل بن هشام، وأميةُ بن خلف، ونُ بَ يه ومُ نبِّ ه ابنا الحجاج، وسُ هيل بن عمرو، وعمرو بن عبد وُ دٍّ . فأقبل رسولُ الله ﷺ على الناس فقال: «هذه مك ةُ قد ألقت إليكم أفلاذَ كبِ دها». قالَ ابنُ إسحاقَ : وكان بَ سبسُ بن عمرو، وعديُّ بن أبي الزَّ غباء قد مضيا حتى نزلا بدرً ا، فأناخا إلى تل قريبٍ من الماءِ ، ثم أخذا شَ نا ا لَما يستقيان فيه، وجلَ ديُّ بن عمرو الجُ هني على الماء. فسمع عدي وبسبسٌ جاريتين من جواري الحاض ، وهما يتلازمان على الماء، والمَ لزومةُ تقول لصاحبتها: إنما تأتي العيرُ غدً ا أو بعد غدٍ ، فأعمل لَم، ثم أَ قضيك الذي لك. قال جلدي : صَ دَ قتِ ، ثم خلص بينهما. وسمع ذلك عدي وبسبسٌ ، فجلسا على بعيرِ ُما، ثم انطلقا حتى أتيا رسولَ الله ﷺ، فأخبراه بما سمِ عا. وأقبل أبو سفيانَ بن حرب حتى تقدم العيرَ حذِ رً ا، حتى وردَ الماء، فقال لمجديِّ بن عمرو: هل أحسست أحدً ا؟ فقال: ما رأيت أحدً ا أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التلِّ ، ثم استقيا في شَ نٍّ لَما، ثم انطلقا.
عدد الصفحات ١٢٧مختصر السيرة النبوية|027 فأتى أبو سفيانَ مُ ناخَ هما، فأخذ من أبعار بعيرُما، ففتَّ ه، فإذا فيه النوى ؛ فقال: هذه والله علائفُ يثربَ ، فرجع إلى أصحابه سريعً ا، فضب وجه عيرِ ه عن الطريق، فساحَ لَ بها(1)، وترك بدرًا بيسار، وانطلق حتى أسرعَ . قالَ ابنُ إسحاقَ : ولما رأى أبو سفيانَ أنه قد أحرز عيرَ ه، أرسل إلى قريشٍ : إنكم إنما خَ رجتُ م لتمنعوا عيرَ كم ورجالَ كم وأموالَ كم، فقد نجَّ اها الله؛ فارجِ عوا. فقال أبو جهلِ بن هشامٍ : والله لا نرجعُ حتى نرِ د بدرً ا -وكان بدرٌ موسماً من مواسم العرب، يجتمع لَم به سوقٌ كلَّ عام- فنقيم عليه ثلاثً ا، فننحر الجُ زر، ونُ طعم الطعامَ ، ونسقي الخمرَ ، وتعزِ ف علينا القيانُ ، وتسمع بنا العربُ وبمسيرنا وجمعِ نا؛ فلا يزالون َُ ابوننا أبدً ا بعدها، فامضوا. وقال الأخنسُ بن شرَ يق الثقفيُّ -وكان حليفً ا لبني زهرةَ وهم بالجُ حفة-: يا بني زهرةَ ، قد نجَّ ى اللهُ لكم أموالكم، وخلَّ ص لكم صاحبكم: مخَ رمةَ بن نوفل، وإنما نفرتم لتَ منعوه ومالَ ه، فاجعلوا بي جُ بنها وارجعوا، فإنه لا حاجةَ لكم بأن تخَ رجوا في غيرِ ضيعةٍ ، لا ما يقول هذا، يعني: أبا جهلٍ . فرجعوا، فلم يَ شهدها زُ هري واحدٌ ، أطاعوه وكان فيهم مُ طاعً ا. ولم يكن بقي من قريش بطنٌ إلا وقد نفرَ منهم ناسٌ ، إلا بني عديِّ بن كعب، لم يخرج منهم رجلٌ واحدٌ ، فرجعت بنو زهرةَ مع الأخنسِ بن شرَ يقٍ ، فلم يشهد بدرً ا من هاتين القبيلتين أحدٌ ، ومضى القوم. (1) سَاحَ لَ : أخذها جهة الساحل.
عدد الصفحات ١٢٨028 |مختصر السيرة النبوية قالَ ابنُ إسحاقَ : ومضت قريشٌ حتى نزلوا بالعُ دوةِ القُ صوى من الوادي، والقُ لُ ب(1) ببدرٍ في العُ دوة الدنيا ، وبعث اللهُ السماء، وكان الو ادي دَ هْ سً ا(2)، فأصاب رسولُ الله ﷺ وأصحابُ ه منها ما لبَّ دَ لَم الأرضَ ولم يمنعهم عن السيرِ ، وأصاب قريشً ا منها ما لم يقدروا على أن يرتحِ لوا معه. فخرج رسولُ الله ﷺ يُ بادرهم إلى الماءِ ، حتى إذا جاء أدنى ماءٍ من بدرٍ نزل به. قالَ ابنُ إسحاقَ : فحُ دِّ ثت عن رجالٍ من بني سلمةَ ، أنهم ذكروا: أن الحُ باب بنَ المنذر بن الجَ موح قال: يا رسولَ الله، أرأيت هذا المنزلَ ، أمنزلاً أَ نْ زَ لَ كَ هُ اللهُ ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخرَ عنه، أم هو الرأيُ والحرب والمكيدةُ ؟ قال: «بل هو الرأيُ والحربُ والمكيدةُ ؟». فقال: يا رسولَ الله، فإن هذا ليس بمنزلٍ ، فانهض بالناسِ حتى نأتيَ أدنى ماءٍ من القومِ ، فننزله، ثم نُ غَ وِّ رُ ما وراءَ ه من القُ لُ بِ ، ثم نبني عليه حوضً ا فنملؤه ماءً ، ثم نقاتلُ القومَ ، فنشرب ولا يشربون. فقال رسولُ الله ﷺ: «لقد أشرتَ بالرأيِ ». فنهض رسولُ الله ﷺ ومن معه من الناسِ ، فسارَ حتى إذا أتى أدنى ماءٍ من القومِ نزل عليه، ثم أمرَ بالقُ لُ بِ فغُ وِّ رت، وبنى حوضً ا على القَ ليب الذي نزل عليه، فمُ لئ ماءً ثم قذفوا فيه الآنيةَ . (1) القُلُ ب: جمع قليب، وهو البئر. (2) الدهْ س: المكان السهل اللين لا يبلغ أن يكون رملا وليس هو بتراب أو طين.
عدد الصفحات ١٢٩مختصر السيرة النبوية|029 قالَ ابنُ إسحاقَ : فحدثني عبدُ الله بنُ أبي بكر أنه حُ دِّ ثَ أن سعدَ بن معاذٍ قال: يا نبيَّ الله، ألا نبني لك عريشً ا(1) تكون فيه، ونُعد عندك ركائبَ ك، ثم نلقى عدوَّ نا، فإن أعزنا اللهُ وأظهرنا على عدوِّ نا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى، جلست على ركائبك فلحِ قت بمن وراءنا، فقد تخلَّ ف عنك أقوامٌ يا نبيَّ الله، ما نحن بأشدَّ لك حبا ا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربً ا ما تخلفوا عنك، يَ منعك اللهُ بهم، يناصحونك ويجُ اهدون معك، فأثنى عليه رسولُ الله ﷺ خيرً ا، ودعا له بخير. ثم بُ ني لرسولِ الله ﷺ عريشٌ ، فكان فيه. قالَ ابنُ إسحاقَ : وقد ارتحلت قريشٌ حين أصبحت، فأقبلت، فلما رآها رسولُ الله ﷺ تصَ وَّ بُ من العَ قنقلِ -وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي- قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخُ يلائها وفخرِ ها، تحُ اد ك وتُ كذِ ب رسولَ ك، اللهم فنصَِ ك الذي وعدتني، اللهم أحِ نهم(2) الغداةَ». قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم تزاحف الناسُ ودنا بعضُ هم من بعضٍ ، وقد أمر رسولُ الله ﷺ أصحابَ ه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: «إن اكتنفكم القومُ فانضحوهم عنكم بالنَّ بل»، ورسولُ الله ﷺ في العريش معه أبو بكر الصديق. فكانت وقعةُ بدرٍ يومَ الجمعة صبيحةَ سبع عشرة من شهر رمضانَ . (1) العَرِ يْ ش: شبه الخيمة يستظل به. (2) أَحِ نهم: أي: أهلكهم.
عدد الصفحات ١٣٠031 |مختصر السيرة النبوية قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم عدل رسولُ الله ﷺ الصفوفَ ، ورجع إلى العريشِ فدخله، ومعه فيه أبو بكر الصديق، ليس معه فيه غيرُ ه، ورسول الله ﷺ يناشد ربَّ ه ما وعده من النصرِ ، ويقول فيما يقول: «اللهم إن تْ لِ ك هذه العصابةُ اليومَ لا تُ عبد». وأبو بكر يقول: يا نب يَّ الله: بعضَ مناشدتِ ك ربَّ ك، فإن الله منجزٌ لك ما وعدك. وقد خفَ قَ (1) رسولُ الله ﷺ خَ فقةً وهو في العريش، ثم انتبه فقال: أبشرْ يا أبا بكر، أتاك نصرُ الله، هذا جبريلُ آخذٌ بعنان فرسٍ يقوده، على ثناياه النقعُ (2). قال: ثم خرج رسولُ الله ﷺ إلى الناس فحرَّ ضهم و قال: «والذي نفسُ محمد بيدِ ه، لا يقاتلهم اليومَ رجل فيُ قتل صابر ا محتسب ا، مُ قبلا غيرَ مدبر، إلا أدخله الله الجنةَ ». قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عبد الله بن ثعلبةَ أنه لما التقى الناسُ ، ودنا بعضُ هم من بعضٍ ، قال أبو جهل بن هشام: اللهمَّ أقْ طَ عَ نا للرحمِ ، وآتانا بما لا يُ عرفُ ، فأحِ نْ ه الغداةَ . فكان هو المستفتِ حَ (3). قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم إن رسولَ الله ﷺ أخذ حَ فنة من الحَ صباءِ فاستقبل قريشً ا بها، ثم قال: «شاهتِ الوجوهُ »، ثم نَ فحهم بها، وأمر أصحابَ ه فقال: (1) خَفَ قَ : نام نوما يسيرا. (2) النقْ ع: الغبار. (3) المُسْ تَ فْ تِ ح: أي: الحاكم على نفسه بهذا الدعاء.
عدد الصفحات ١٣١مختصر السيرة النبوية|030 «شدوا»، فكانت الَزيمةُ ، فقتل اللهُ تعالى من قتل من صناديدِ قريشٍ ، وأسر من أسر من أشرافِ هم. قالَ ابنُ إسحاقَ : فلما فرغَ رسولُ الله ﷺ من عدوِّ ه، أمر بأبي جهلٍ أن يُ لتمسَ في القتلى. قال عبدُ الله بن مسعود: فوجدتُ ه بآخر رمقٍ فعرفته، فوضعت رجلي على عُ نقِ ه -قال: وقد كان ضَ بَ ثَ (1) بي مرةً بمكةَ ، فآذاني ولكزني - ثم قلتُ له: هل أخزاك اللهُ يا عدوَّ الله؟ قال: وبماذا أخزاني، أعمَ د من رجلٍ قتلتموه، أخبرِ ني لمن الدائرةُ اليومَ ؟ قال: قلت: لله ولرسولِ ه. قال: ثم احتززت رأسَ ه ثم جئت به رسولَ الله ﷺ، فقلت: يا رسولَ الله، هذا رأسُ عدوِّ الله أبي جهلٍ . قال: فقال رسولُ الله ﷺ: «آ، الذي لا إله غيرُ ه» -قال: وكانت يمينُ رسولِ الله ﷺ- قال: قلت: نعم، والله الذي لا إله غيرُ ه، ثم ألقيت رأسَ ه بين يدي رسولِ الله ﷺ، فحمِ د اللهَ . قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عائشةَ قالت: لما أمر رسولُ الله ﷺ بالقتلى أن يُ طرحوا في القليبِ ؛ طُ رحوا فيه إلا ما كان من أميةَ بن خلفٍ ، فإنه انتفخ في دِ رعه فملأها، فذهبوا ليُ حركوه، فتزايَ لَ (2) لحمُه؛ فأقروه، وألقوا عليه ما غيَّ به من الترابِ والحجارةِ . (1) ضَبَ ثَ : قبض عليه. (2) تَزايَ لَ : تفرَّ ق.
عدد الصفحات ١٣٢032 |مختصر السيرة النبوية فلما ألقاهم في القليب، وقف عليهم رسولُ الله ﷺ، فقال: «يا أهلَ القليبِ ، هل وجدتُ م ما وعدكم رب كم حق ا؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني ربي حق ا». قالت: فقال له أصحابُه: يا رسولَ الله، أتكلِّ م قومً ا موتى؟ فقال لَم: «لقد علموا أن ما وعدَ هم ربه م حق ا». ثم إن رسولَ الله ﷺ أمرَ بما في العسكرِ مما جمَ عَ الناسُ فجُ مع، فاختلف المسلمون فيه. قالَ ابنُ إسحاقَ : قال عُ بادة بن الصامت : فقسَ مه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بَ واءٍ (1). ثم أقبل رسولُ الله ﷺ قافلاً إلى المدينة، ومعه الأُ سارى من المشركين، وفيهم عُ قبةُ بن أبي مُ عيط، والنضُ بن الحارث، واحتمل رسولُ الله ﷺ معه النفلَ الذي أُ صيب من المشركين. قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عبَّ اد بن عبد الله بن الزبير قال: ناحت قريشٌ على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلُ غ محمدً ا وأصحابَ ه، فيشمَ توا بكم، ولا تبْ عثوا في أسراكم حتى تستَ أنوا(2) بهم؛ لا يَ أْ رُ بُ (3) عليكم محمدٌ وأصحابُ ه في الفداء. قال: ثم بعثت قريشٌ في فداء الأُ سارى. (1) بَوَ اء: سواء. (2) حتى تَسْ تَ أْ نُ وا بهم: معناه: تؤخرون فداءهم. (3) لا يَأْ رُ ب: لا يشتد.
عدد الصفحات ١٣٣مختصر السيرة النبوية|033 قال ابنُ هشامٍ : كان فداءُ المشركين يومئذٍ أربعةَ آلاف درهمٍ للرجل، إلى ألف درهمٍ ، إلا من لا شيءَ له، فمَ نَّ رسولِ الله ﷺ عليه. قالَ ابنُ إسحاقَ : فجميعُ من شهد بدرً ا من المسلمين من المُ هاجرين والأنصار، من شهِ دها منهم ومن ضُ ب له بسهمِ ه وأجره، ثلاثُ مئة رجل وأربعةَ عشرَ رجلاً ، من المهاجرين ثلاثةٌ وثمانون رجلاً ، ومن الأوس واحدٌ وستون رجلاً ، ومن الخزرج مئةٌ وسبعون رجلاً . 7- غزوةُ السَّ ويق عن محمد بن إسحاق المُ طَّ لبي قال: ثم غزا أبو سفيانَ بن حرب غزوةَ السويق في ذي الحجةِ ، ووليَ تلك الحجَّ ةَ المشركون من تلك السنة، فكان أبو سفيانَ حين رجع إلى مكَّ ةَ ، ورجع فَ لُّ (1) قريش من بدرٍ ، نذر أن لا يَ مسَّ رأسَ ه ماءٌ من جنابة حتى يغزوَ محمدً ا ﷺ، فخرج في مئتي راكبٍ من قريشٍ ؛ ليبرَّ يمينَ ه. فنزل من المدينةِ على بَ ريدٍ أو نحوه، ثم خرج من الليلِ ، حتى أتى سلاَّ مَ بن مِ شكمٍ ، وكان سيِّ د بني النضيرِ في زمانه ذلك، وصاحبَ كَ نزِ هم، فاستأذن عليه، فأَ ذنَ له، فَ قَ راه وسقاه، وبَ طَ نَ (2) له من خبرِ الناسِ . ثم خرج في عقِ ب ليلته حتى أتى أصحابَ ه، فبعثَ رجالاً من قريشٍ إلى المدينة، فأتوا ناحيةً منها، فحرَ قوا في أصوارٍ من نخل بها، ووجدوا بها رجلاً من الأنصارِ وحَ ليفً ا له في حرثٍ لَما فقتلوهما، ثم انصرفوا راجعين. (1) الفَلُّ : القوم المنهزمون. (2) بَطَ نَ له: أي: علم له من سرهم، ومنه بطانة الرجل.
عدد الصفحات ١٣٤