المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ الوقفية 2 مختصر السيرة النبوية لابن هشام

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٧ من ١٦

012 |مختصر السيرة النبوية عرفوا أنهم قد نزلوا دارً ا، و أصابوا منهم مَ نعةً ، فحَ ذِ روا خروجَ رسولِ الله ﷺ إليهم، وعرفوا أنه قد أَ جمَ عَ لحربهم. فاجتَ معوا له في دار الندوة -وهي دارُ قصيِّ بنِ كلاب التي كانت قريشٌ لا تقضي أمرً ا إلا فيها - يتَ شاورون فيها ما يَ صنعون في أمرِ رسولِ الله ﷺ حين خافوه. قال ابنُ إسحاقَ : عن ع بد الله بن عباسٍ  قال: لما أجمعوا لذلك، واتَّ عدوا أن يَ دخلوا في دار الندوةِ ليَ تشاوروا فيها في أمرِ رسول الله ﷺ، غَ دوا في اليوم الذي اتَّ عدوا له، وكان ذلك اليوم يُ سمى يومَ الزحمة، فاعترضَ هم إبليسُ في هيئةِ شيخ جليلٍ عليه بَ تْ لَ ةٌ ، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفً ا على بابها، قالوا: مَ ن الشيخُ ؟ قال: شيخٌ من أهل نجدٍ سمعَ بالذي اتَّ عدتم له، فحضَ معكم ليَ سمع ما تقولون، وعسى ألا يُ عدِ مكم منه رأيً ا ونُ صحً ا. قالوا: أجل، فادخُ لْ ، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشرافُ قريشٍ ، ومن كان معهم وغيرُ هم ممن لا يُ عدُّ من قريشٍ . فقال بعضُ هم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمرِ ه ما قد رأيتُ م، فإنا والله ما نأمَ نُ ه على الوثوبِ علينا فيمن قد اتَّ بعه من غيرِ نا؛ فأجمِ عوا فيه رأيً ا. قال: فتشاوروا ثم قال قائلٌ منهم: احبِ سوه في الحديدِ ، وأغلِ قوا عليه بابً ا، ثم تَ ربَّ صوا به ما أصابَ أشباهَ ه من الشعراءِ الذين كانوا قبلَ ه: زهيرً ا والنابغةَ ومن مضى منهم من هذا الموتِ ، حتى يصيبَ ه ما أصابهَ م.

عدد الصفحات ١٠٣

مختصر السيرة النبوية‏|013 فقال الشيخُ النجديُّ : لا والله، ما هذا لكم برأيٍ ، والله لئن حبستُ موه -كما تقولون- ليَ خرُ جنَّ أمرُ ه من وراءِ الباب الذي أغلقتُ م دونَ ه إلى أصحابِ ه، فلأوشكوا أن يَ ثِ بوا عليكم، فيَ نزِ عوه من أيديكم، ثم يُ كاثروكم به، حتى يَ غلبوكم على أمرِ كم، ما هذا لكم برأيٍ ؛ فانظروا في غيرِ ه، فتَ شاوروا. ثم قال قائلٌ منهم: نُ خرجُ ه من بين أظهُ رنا، فننفيه من بلادنا، فإذا أُ خرج عنا فوالله ما نُ بالي أين ذهب، ولا حيثُ وقع إذا غاب عنا وفرَ غنا منه؛ فأصلحْ نا أمرَ نا وأُ لفتَ نا كما كانت. فقال الشيخُ النجديُّ : لا والله، ما هذا لكم برأيٍ ، ألم تروا حُ سنَ حديثِ ه، وحلاوةَ مَ نطقِ ه، وغَ لبَ ته على قُ لوب الرجالِ بما يأتي به، والله لو فعلتُ م ذلك ما أمِ نتم أن يحلَّ على حيٍّ من العرب، فيغلِ بَ عليهم بذلك من قولِ ه وحديثه حتى يُ تابعوه عليه، ثم يَ سيرُ بهم إليكم حتى يَ طأَ كُ م بهم في بلادِ كم، فيأخذ أمرَ كم من أيديكم، ثم يفعلُ بكم ما أرادَ ، دبِّ روا فيه رأيً ا غير هذا. قال: فقال أبو جهلِ بن هشامٍ : والله إن لي فيه لرأيً ا ما أراكم وقعتُ م عليه بعدُ . قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخُ ذَ من كل قبيلةٍ فتً ى شابا ا جليدً ا نسيبً ا وسيطً ا فِ ينا، ثم نعطي كُ لَّ فتً ى منهم سيفً ا صارمً ا، ثم يَ عمدوا إليه، فيَ ضبوه بها ضبةَ رجلٍ واحدٍ فيَ قتلوه؛ فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرَّ ق دمُ ه في القبائلِ جميعً ا، فلم يَ قدر بنو عبدِ مناف على حربِ قومِ هم جميعً ا، فرضُ وا منا بالعقلِ ، فعقلناه لَم.

عدد الصفحات ١٠٤

014 |مختصر السيرة النبوية قال: فقال الشيخُ النجديُّ : القولُ ما قالَ الرجلُ ، هذا الرأيُ الذي لا رأي غيرَ ه، فتفرقَ القومُ على ذلك وهم جلُ معون له. فأتى جبريلُ عليه السلامُ رسولَ الله ﷺ فقال: لا تَ بِ تْ هذه الليلةَ على فراشِ ك الذي كنت تبيتُ عليه. قال: فلما كانت عَ تَ مةٌ من الليلِ اجتمعوا على بابه يَ رصُ دونه متى ينام؛ فيَ ثِ بون عليه. فلما رأى رسولُ الله ﷺ مكانهَ م، قال لعليِّ بن أبي طالب: «نَمْ على فِ راش وتَ سَ جَّ ببرُ دي هذا الحَ ضرميِ الأخضرِ ، فنَ م فيه، فإنه لن يَ لُ صَ إليك شء تكرهُ هُ منهم»، وكان رسولُ الله ﷺ ينامُ في بُ رده ذلك إذا نامَ . قال ابنُ إسحاقَ : عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ قال: لما اجتَ معوا له، وفيهم أبو جهلِ بن هشامٍ ، فقال وهُ م على بابه: إن محمدً ا يزعم أنكم إن تابعتُ موه على أمرِ ه، كنتم ملوكَ العرب والعَ جَ م، ثم بُ عثتُ م من بعد موتِ كم، فجعلت لكم جنانٌ كجنان الأُ ردُ نِّ ، وإن لم تَ فعلوا كان له فيكم ذَ بحٌ ، ثم بُ عثتُ م من بعد مَ وتكم، ثم جُ علت لكم نارٌ تحُ رقون فيها. قال: وخرجَ عليهم رسولُ الله ﷺ، فأخذ حَ فنةً من ترابٍ في يدِ ه، ثم قال: «أنا أقولُ ذلك، أنت أحدُ هم». وأخذ الله تعا على أبصارِ هم عنه، فلا يرونَ ه، فجعلَ ينثُ ر ذلك الترابَ على رءوسِ هم وهو يتلو هؤلاء الآياتِ من يس: (ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ) إلى قوله: (ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ) [5-2]، حتى فرغ رسولُ الله ﷺ من

عدد الصفحات ١٠٥

مختصر السيرة النبوية‏|015 هؤلاء الآياتِ، ولم يبقَ منهم رجلٌ إلا وقد وَ ضع على رأسِ ه ترابً ا، ثم انصرفَ إلى حيث أراد أن يذهبَ . فأتاهم آتٍ ممن لم يكن معهم، فقال: ما تَ نتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدً ا. قال: خيَّ بكم اللهُ ! قد والله خرج عليكم محمدٌ ، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضعَ على رأسِ ه ترابً ا، وانطلَ قَ لحاجَ ته، أفما ترون ما بِ كم؟ قال: فوضع كلُّ رجل منهم يدَ ه على رأسِ ه، فإذا ع ليه ترابٌ ، ثم جعلوا يتطلَّ عون فيرون عليا ا على الفراشِ مُ تسجيً ا ببرُ دِ رسولِ الله ﷺ، فيقولون: والله إن هذا لمحمدٌ نائماً عليه بردُ ه. فلم يَ برحوا كذلك حتى أصبحوا ، فقامَ علي  عن الفِ راشِ فقالوا: والله لقد كان صدَ قنا الذي حدَّ ثنا. قال ابنُ إسحاقَ : وأذِ ن الله تعالى لنبيِّ ه ﷺ عند ذلك في الَجرةِ . قال ابنُ إسحاقَ : وكان أبو بكرٍ  رجلاً ذا مالٍ ، فكان حين استأذن رسولَ الله ﷺ في الَجرةِ ، فقال له رسولُ الله ﷺ: «لا تَعجل، لعل اللهَ يجعل لك صاحب ا» قد طمع بأن يكون رسولُ الله ﷺ إنما يَ عني نفسَ ه حين قال له ذلك، فابتاعَ راحِ لتين فاحتَ بسهما في دارِ ه يَ علفهما إعدادً ا لذلك. قال ابنُ إسحاقَ : عن عائشةَ أمِّ المؤمنين أنها قالت: كان لا يخُ طئ رسولُ الله ﷺ أن يأتيَ بيتَ أبي بكرٍ أحدَ طرفيِ النهارِ : إما بُ كرةً ، وإما عشيةً ، حتى إذا كان اليومُ الذي أُ ذن فيه لرسولِ الله ﷺ في الَجرَ ةِ والخروجِ من مكَّ ةَ من بين ظَ هرَ ي قومِ ه أتانا رسولُ الله ﷺ بالَاجرةِ ، في ساعةٍ كان لا يأتي فيها.

عدد الصفحات ١٠٦

016 |مختصر السيرة النبوية قالت: فلما رآه أبو بكرٍ قال: ما جاء رسولُ الله ﷺ هذه الساعةَ إلا لأمرٍ حدَ ثَ . قالت: فلما دخل، تأخَّ ر له أبو بكرٍ عن سريرِ ه، فجلس رسولُ الله ﷺ، وليس عند أبي بكرٍ إلا أنا وأختي أسماءُ بنت أبي بكر، فقال رسولُ الله ﷺ: «أَخرِ ج عنِ ي مَ ن عِ ندَ ك». فقال: يا رسولَ الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداكَ أبي وأمي؟! فقال: «إن اللهَ قد أذِ ن ل في الخُ روج واهمجرةِ ». قالت: فقال أبو بكر: الصحبةَ يا رسولَ الله. قال: «الصحبةَ». قالت: فوالله ما شَ عُ رت قطُّ قبل ذلك اليومِ أن أحدً ا يَ بكي من الفرَ حِ ، حتى رأيت أبا بكرٍ يبكي يومئذٍ . ثم قال: يا نبيَّ الله، إنَّ هاتين راحلتانِ قد كنت أعددتهُ ما لَذا. فاستأجرا عبدَ الله بن أرْ قَ طَ -رجلاً من بني الدُّ ئل بن بكرٍ ، وكانت أمُّ ه امرأةً من بني سهمِ بن عمرو، وكان مُ شركً ا- يدلَُّ ما على الطريقِ ، فدفعا إليه راحلتَ يهما، فكانتا عنده يَ رعاهما لمِ يعادِ هما. قال ابنُ إسحاقَ : فلما أجمعَ رسولُ الله ﷺ الخروجَ أتى أبا بكر بنَ أبي قُ حافةَ ، فخرجا من خَ وخَ ةٍ لأبي بكر في ظهر بيتِ ه، ثم عمِ د إلى غارٍ بثورٍ -جبلٍ بأسفلَ مكةَ - فدخلاه. وأمر أبو بكرٍ ابنَ ه عبدَ الله بن أبي بكر أن يتسمَّ ع لَما ما يقولُ الناسُ فيهما نهارَ ه، ثم يأتيهما إذا أمسَ ى بما يكونُ في ذلك اليومِ من الخبرِ .

عدد الصفحات ١٠٧

مختصر السيرة النبوية‏|017 وأمر عامرَ بن فُ هيرةَ مولاه أن يرعى غنَ مه نهارَ ه، ثم يُ ريحُ ها عليهما، يأتيهما إذا أمسى في الغارِ . وكانت أسماءُ بنتُ أبي بكر تأتيهما من الطعامِ إذا أمست بما يُ صلحهما. قال ابنُ إسحاقَ : فأقامَ رسولُ الله ﷺ في الغارِ ثلاثً ا ومعه أبو بكر وجَ علت قريشٌ فيه حين فقَ دوه مئةَ ناقةٍ لمن يَ ردُّ ه عليهم. وكان عبدُ الله بن أبي بكر يكونُ في قريشٍ نهارَ ه معهم يسمع ما يأتمَ رون به، وما يقولونَ في شأنِ رسولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ ، ثم يأتيهما إذا أمسَ ى فيُ خبرُ هما الخبرَ . وكان عامرُ بن فُ هيرةَ -مولى أبي بكر - يرعَى في رُ عيانِ أهل مكَّ ةَ ، فإذا أمسى أراح عليهما غنمَ أبي بكر ؛ فاحتَ لبا وذبَ حا، فإذا عبدُ الله بن أبي بكر غدَ ا من عندهما إلى مكَّ ةَ ، اتَّ بع عامرُ بن فهيرةَ أثرَ ه بالغنمِ حتى يُ عَ فِّ ي عليه، حتى إذا مضت الثلاثُ ، وسكنَ عنهما الناسُ أتاهما صاحبُ هما الذي استأجَ راه ببعيرَ ُما وبعيرٍ له، وأتتهما أسماءُ بنت أبي بكرٍ رضى الله عنهما بسُ فرتهِ ما، ونَ سيت أن تعلَ لَا عِ صامً ا، فلما ارتحلا ذهبت لتُ علِّ قَ السفرةَ فإذا ليس لَا عِ صامٌ ، فتحل نطاقَ ها فتجعله عصامً ا، ثم علَّ قتها به، فكان يُ قال لأسماءَ بنتِ أبي بكر: ذاتُ النطاق لذلك. قال ابنُ إسحاقَ : فلما قرَّ ب أبو بكر  الراحلتينِ إلى رسولِ الله ﷺ قدَّ م له أفضلَ هما، ثم قال: اركبْ ، فِ داك أبي وأمي. فقال رسولُ الله ﷺ: «إنيِ لا أركبُ بعير ا ليس ل». قال: فهي لك يا رسولَ الله، بأبي أنتَ وأمِّ ي. قال «لا، ولكن ما الثمنُ الذي ابتعتَ ها به؟».

عدد الصفحات ١٠٨

018 |مختصر السيرة النبوية قال: كذا وكذا. قال: «قد أخذتُا به». قال: هي لك يا رسول ا فركِ با وانطلقا وأردفَ أبو بكرٍ الصديق  عامرَ بنَ فُ هيرةَ مولاه خلفَ ه؛ ليخدِ مهما في الطريقِ . قالت: فمكثنا ثلاثَ ليالٍ وما ندري أين وجهُ رسولِ الله ﷺ، حتى أقبل رجلٌ من الجِ نِّ من أسفلِ مكةَ ، يتغنى بأبياتٍ من شعرٍ غناء العربِ ، وإن الناسَ ليتَّ بعونه يَ سمعون صوتَ ه وما يَ رونه حتى خرج من أعلى مكةَ وهو يقول: جزى الله ربُّ الناسِ خيرَ جزائِ ه ** رفيقينِ حلاَّ خيمَ تيْ أمِّ مَ عبَ دِ قال ابنُ إسحاقَ : قالت أسماءُ بنتُ أبي بكر : فلما سمعنا قولَه عرفنا حيث وجهُ رسولِ الله ﷺ، وأن وجهَ ه إلى المدينةِ . وكانوا أربعةً : رسولُ الله ﷺ، وأبو بكرٍ الصديقُ ، وعامرُ بن فُ هيرةَ مولى أبي بكر، وعبدُ الله بن أرقطَ دليلُ هما. قال ابنُ إسحاقَ : عن سراقةَ بن مالكٍ قال: لما خرج رسولُ الله ﷺ من مكَّ ةَ مُ هاجرً ا إلى المدينةِ جعلت قريشٌ فيه مئةَ ناقةٍ لمن ردَّ ه عليهم. قال: فبينا أنا جالسٌ في نادي قومي إذ أقبلَ رجلٌ منا، حتى وقف علينا، فقال: و الله لقد رأيت رَ كبَ ةً ثلاثةً مروا عليَّ آنفً ا، إني لأُ راهم محمدً ا وأصحابَ ه. قال: فأومأت إليه بِ عيني: أن اسكُ ت. ثم قلتُ : إنما هم بنو فلان يَ بتغون ضالةً لَم. قال: لعلَّ ه. ثم سكتَ . قال:

عدد الصفحات ١٠٩

مختصر السيرة النبوية‏|019 ثم مكثتُ قليلاً ، ثم قمتُ فدخلت بيتي، ثم أمرتُ بفرسي فقُ يِّ د لي إلى بطنِ الوادي، وأ مرتُ بسلاحي فأُ خرجَ لي من دُ بر حُ جرتي، ثم أخذت قِ داحي التي أستقْ سِ م بها، ثم انطلقتُ فلبِ ست لأْ مَ تي(1)، ثم أخرجت قِداحي فاستَ قسمت بها، فخرج السهمُ الذي أكره: «لا يَضرُ هُ »(2). قال: وكنت أرجو أن أرده على قريشٍ ، فآخذ المئةَ الناقة. قال: فركبت على أثرِ ه، فب ينما فرسي يَ شتدُّ بي عَ ثَ رَ بي؛ فسقطتُ عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قِ داحي فاستَ قسمت بها، فخرجَ السهمُ الذي أكره : «لا يَ ضر ه». قال فأبَ يتُ إلا أن أتَّ بعه. قال: فركبت في أثرِ ه، فبينا فرسي يَ شتدُّ بي، عَ ثَ ر بي ؛ فسقطتُ عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قِ داحي فاستقسمت بها فخرج السهمُ الذي أكره : «لا يَ ضر ه». قال فأبيتُ إلا أن أتَّ بعه، فركبت في أثرِ ه، فلما بدا لي القومُ ورأيتُ هم، عثَ ر بي فرسي، فذهبَ ت يداه في الأرضِ ؛ وسقطتُ عنه، ثم انتزعَ يدَ يه من الأرضِ ، وتَ بعهما دخانٌ كالإعصار. قال: فعرَ فت حين رأيتُ ذلك أنه قد مُ نِ عَ منِّ ي، وأنه ظاهرٌ . قال: فناديتُ القومَ فقلت: أنا سراقةُ بن جُ عشُ مٍ ، انظروني أكلِّ مْ كم، فوالله لا أريبُ كم، ولا يأتيكم منِّ ي شيءٌ تكرهونَ ه. قال: فقال رسولُ الله ﷺ لأبي بكر: «قُلْ له: وما تَ بتغِ ي منَّ ا؟». قال: فقال ذلك أبو بكر. قال: قلتُ : تكتُ ب لي كتابً ا يكون آيةً بيني وبينِ ك. قال: «اكتُبْ له يا أبا بكرٍ ». قال ابنُ إسحاقَ : فلما خرج بهما دليلُ هما عبدُ الله بن أرقطَ سلك بهما أسفلَ مكَّ ةَ ، ثم مضى بهما على الساحلِ . (1) اللأَّْ مَ ة: الدرع والسلاح. (2)فخرج السهمُ الذي أكره «لا يضه»أي: خرج السهم المكتوب فيه «لا يضه»

عدد الصفحات ١١٠

001 |مختصر السيرة النبوية ثم قدِ م بهما قُ باءَ على بني عمرِ و بن عوفٍ لاثنتَ ي عشرةَ ليلةً خلت من شهر ربيعٍ الأول يومَ الاثنين حين اشتدَّ الضَّ حاءُ وكادت الشمسُ تعتدل. قال ابنُ إسحاقَ : عن عبد الرحمن بن عويمرٍ قال: حدثني رجالٌ من قومي من أصحابِ رسولِ الله ﷺ قالوا: لما سمِ عنا بمَ خرجِ رسولِ الله ﷺ من مكَّ ةَ ، وتوكَّ فنا(1) قُدومَ ه، كنا نخرج إذا صلَّ ينا الصبحَ ، إلى ظاهرِ حرَّ تنا ننتظرُ رسولَ الله ﷺ. فوالله ما نبرحُ حتى تَ غلبَ نا الشمسُ على الظلالِ فإذا لم نجد ظِ لاا دخلنا، وذلك في أيام حارةٍ . حتى إذا كان اليومُ الذي قدِ م فيه رسولُ الله ﷺ، جلسنا كما كنا نَ جلس، حتى إذا لم يَ بقَ ظل دخلنا بيوتَ نا، وقدم رسولُ الله ﷺ حين دخلنا البُ يوتَ ، فكان أوَّ لَ من رآه رجلٌ من اليهودِ وقد رأى ما كنا نصنعُ ، وأنا ننتظر قُ دومَ رسولِ الله ﷺ علينا، فصرخَ بأعلى صوتِ ه: يا بَ ني قَ يلَ ةَ (2)، هذا جدكم قد جاء. قال: فخرجنا إلى رسولِ الله ﷺ، وهو في ظِ لِّ نخلةٍ ، ومعه أبو بكرٍ  في مِثل سنِّ ه، وأكثرُ نا لم يكن رأى رسولَ الله ﷺ قبل ذلك، ورَ كِ بَ هُ الناسُ (3) وما يَ عرفونَ ه من أبي بكرٍ ، حتى زال الظِّ لُّ عن رسولِ الله ﷺ، فقام أبو بكرٍ فأظلَّ ه بردائِ ه؛ فعرفناه عند ذلك. (1) توكفنا: استشعرنا وانتظرنا (2) بنو قَيْ لَ ة: يعني الأنصار، وهو اسم جدة كانت لَم. (3) أي: ازدحموا عليه

عدد الصفحات ١١١

مختصر السيرة النبوية‏|000 قال ابنُ إسحاقَ : فأقام رسولُ الله ﷺ بقُ باءَ في بَ ني عمرِ و بن عوفٍ ، يومَ الاثنين ويومَ الثلاثاء ويومَ الأربعاء ويوم الخميسِ ، وأسَّ س مسجدَ ه. ثم أخرجه اللهُ من بين أظهُ رهم يومَ الجمعةِ ، وبنو عمرِ و بن عوفٍ يزعمون أنه مَ كث فيهم أكثرَ من ذلك، فاللهُ أعلم أيَّ ذلك كان. فأدركتْ رسولَ الله ﷺ الجمعةُ في بني سالم بن عوفٍ ، فصلاَّ ها في المسجد الذي في بطنِ الوادي، وادي رانوناءَ ، فكانت أوَّ لَ جمُُ عةٍ صلاها بالمدينةِ . فأتاه رجالٌ من بني سالمِ بن عوف، فقالوا: يا رسولَ الله، أقِ م عندنا في العَ ددِ والعدَّ ة والمَ نعةِ . قال: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة » لناقته، فخلوا سبيلَ ها، فانطلقت حتى إذا وازنت دارَ بني بياضةَ ؛ تلقَّ اه رجالٌ من بني بياضةَ ، فقالوا: يا رسولَ الله: هَ لُ مَّ إلينا، إلى العَ دد والعُ دة والمنعةِ . قال: «خلوا سبيلَ ها فإنها مأمورة »، فخلوا سبيلها، فانطلقَ تْ ، حتى إذا مرت بدار بني ساعدةَ ، اعترضه رجالٌ من بني ساعدةَ ، فقالوا: يا رسولَ الله، هَ لُ مَّ إلينا إلى العَ دد والعُ دَّ ةِ والمَ نعةِ . قال: «خلوا سبيلَ ها، فإنها مأمورة »، فخلوا سبيلَ ها، فانطلقتْ ، حتى إذا وازَ نت دارَ بني الحارثِ بن الخزرج اعترضَ ه رجالٌ من بني الحارثِ بن الخزرجِ فقالوا: يا رسولَ الله، هَ لُ مَّ إلينا إلى العَ دد والعدةِ والمنعةِ . قال: «خلوا سبيلَ ها، فإنها مأمورة »، فخلوا سبيلها ، فانطلقتْ ، حتى إذا مرَّ ت بدار بَ ني عديِّ بن النجار، وهم أخوالُ ه -أمُّ عبد المطَّ لب: سلمى بنتُ

عدد الصفحات ١١٢

002 |مختصر السيرة النبوية عمرو، إحدى نسائهم- اعترضَ ه رجالٌ من بني عديِّ بن النجار، فقالوا: يا رسولَ الله، هَ لُ مَّ إلى أخوالِ ك، إلى العددِ والعُ دة والمنعةِ . قال: «خلوا سبيلَ ها فإنها مأمورة »، فخلوا سبيلَ ها، فانطلقتْ ، حتى إذا أتت دارَ بني مالكِ بن النجار، برَ كت على بابِ مسجدِ ه ﷺ، وهو يومئذٍ مِ ربَ دٌ (1) لغلامين يتيمينِ من بني النجارِ ، ثم من بَ ني مالكِ بن النجارِ . فلما بركَ ت -ورسولُ الله ﷺ عليها لم ينزلْ -وثبَ ت فس ارت غيرَ بعيدٍ ، ورسولُ الله ﷺ واضعٌ لَا زمامَ ها لا يُ ثنيها به، ثم التفتت إلى خلفِ ها، فرجعت إلى مَ بركِ ها أوَّ لَ مرةٍ ، فبركت فيه، ثم تحََ لْ حَ لَ تْ (2) ورَ زَ مَ تْ (3) ووضعتَ جِ رانها(4)، فنزل عنها رسولُ الله ﷺ، فاحتمل أبو أيوبَ خالدُ بن زيدٍ رحلَ ه، فوضعه في بيتِ ه، ونزل عليه رسولُ الله ﷺ، وسأل عن المِ ربد: «لمن هو؟» فقال له معاذُ بن عَ فراءَ : هو يا رسولَ الله لسهلٍ وسُ هيلٍ ابني عمرو، وهما يتيمان لي، وسأُ رضيهما منه، فاتخَّ ذه مسجدً ا. قال: فأمر به رسولُ الله ﷺ أن يُ بنَ ى مسجدً ا، ونزلَ رسولُ الله ﷺ على أبي أيوبَ حتى بُ ني مسجدُ ه ومساكنه، فعمِ ل فيه رسولُ الله ﷺ ليرُ غِّ بَ المسلمين في العملِ فيه، فعمِ ل فيه المُ هاجرون والأنصارُ ، ودأبوا فيه. قال ابنُ إسحاقَ : وتلاحقَ المُ هاجرونَ إلى رسولِ الله ﷺ، فلم يَ بق بمكَّ ةَ منهم أحدٌ ، إلا مَ فتونٌ أو محَ بوسٌ . (1) المِرْ بَ د: الموضع الذي يجفف فيه التمر. (2) تحََ لْ حَ لَ تْ : تحركت وانزجرت. (3) رَزَ مَ تْ : قامت من الإعياء والَزال ولم تتحرك. (4) الجِرَ ان: ما يصيب الأرض من صدر الناقة وباطن حلقها.

عدد الصفحات ١١٣

مختصر السيرة النبوية‏|003 [ني

عدد الصفحات ١١٤

004 |مختصر السيرة النبوية

عدد الصفحات ١١٥

مختصر السيرة النبوية‏|005 [ 1- كتابُ ه ﷺ بين المُ هاجرين والأنصار ومُ وادعة يهودَ قال ابنُ إسحاقَ : وكتب رسولُ الله ﷺ كتابً ا بين المُ هاجرين والأنصارِ وادعَ فيه ُودَ وعاهدهم، وأقرَّ هم على دينِ هم وأموالَِ م، وشرطَ لَم، واشترطَ عليهم. 2- المُ ؤاخاةُ بين المهاجرين والأنصارِ قالَ ابنُ إسحاقَ : وآخى رسولُ الله ﷺ بين أصحابِ ه من المُ هاجرين والأنصار. 3- الأعداءُ من يهودَ قالَ ابنُ إسحاقَ : ونصبت عند ذلك أحبارُ ُود لرسولِ الله ﷺ العداوةَ ، بغيً ا وحسدً ا وضِ غنً ا؛ لما خصَّ الله تعالى به العربَ من أخذِ ه رسولَ ه منهم، وانضاف إليهم رجالٌ من الأوسِ والخزرج، ممن كان عَ سيَِ على جاهليته فكانوا أهلَ نفاقٍ على دين آبائِ هم من الشركِ والتكذيب بالبَ عث، إلا أن الإسلامَ قهَ رهم بظهورِ ه واجتماعِ قومِ هم عليه، فظهروا بالإسلام، واتخذوه جُ نَّ ةً من القتلِ ونافقوا في السرِّ ، وكان هواهُ م مع ُودَ ؛ لتكذيبهم النبيَّ ﷺ، وجُ حودهم الإسلامَ . وكانت أحبارُ ُودَ هم الذين يَ سألون رسولَ الله ﷺ ويتعنَّ تونه، ويأتونه باللَّ بس؛ ليَ لبسوا الحقَّ بالباطلِ ، فكان القرآنُ ينزل فيهم فيما يسألون عنه، إلا قليلاً من المسائلِ في الحلالِ والحرام كان المُ سلمون يَ سألون عنها.

عدد الصفحات ١١٦

006 |مختصر السيرة النبوية فهؤلاء أحبارُ اليهودِ وأهلُ الشرورِ والعداوةِ لرسولِ الله ﷺ وأصحابِ ه، وأصحاب المسألة، والنصب لأمرِ الإسلام الشرورَ ليُ طفئوه، إلا ما كان من عبدِ الله بن سلام ومخُ يريقٍ . 4- مَن اجتمع إلى يهودَ من مُ نافقي الأنصارِ قالَ ابنُ إسحاقَ : وكان ممن انضافَ إلى ُودَ ، من سُ مِّ ي لنا من المنافقين من الأوسِ والخزرج. وكان هؤلاء المنافقون يحَ ضون المسجدَ فيستمعون أحاديثَ المسلمين، ويسخرون ويستهز ؤون بدينِ هم، فاجتمع يومً ا في المسجدِ منهم ناسٌ ، فرآهم رسولُ الله ﷺ يتحدَّ ثون بينهم، خافِ ضي أصواتهِ م، قد لصق بعضُ هم ببعضٍ ، فأمر بهم رسولُ الله ﷺ فأُ خرجوا من المسجدِ إخراجً ا عنيفً ا. ففي هؤلاء -من أحبار ُودَ والمنافقين من الأوسِ والخزرج- نزلَ صدرُ سورة البقرةِ إلى المئة منها -فيما بلغني- والله أعلمُ . 5- ذِكرُ من اعتلَّ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عائشةَ ، قالت: لما قدِ م رسولُ الله ﷺ المدينةَ ، قدِ مها وهي أوبأُ أرضِ الله من الحُ مَّ ى، فأصاب أصحابه منها بلاءٌ وسقمٌ ، فصرف الله تعالى ذلك عن نبيِّ ه ﷺ. قالت فكان أبو بكر، وعامرُ بن فُ هيرةَ ، وبلالٌ -مَ وْ ليا أبي بكر- مع أبي بكر في بيتٍ واحد، فأصابتهم الحُ مَّ ى، فدخلتُ عليهم أَ عُ ودُ هم، وذلك قبل أن يُ ضبَ علينا الحجابُ ، وبهم ما لا يعلمه إلا اللهُ من شدَّ ةِ الوعك.

عدد الصفحات ١١٧

مختصر السيرة النبوية‏|007 فقلت لرسولِ الله ﷺ: إنهم ليَ هذون وما يَ عقِ لون من شدةِ الحمَّ ى؛ فقال رسولُ الله ﷺ: «اللهم حبِب إلينا المدينةَ كما حببَّ ت إلينا مكَّ ةَ أو أشد، وبارِ ك لنا في مُ دِ ها وصاعها، وانقُ ل وباءها إلى مَ هْ يعةَ ». ومهيعةُ: الجُ حفة. 6- تاريخُ الهجرةِ قدِ م رسولُ الله ﷺ المدينةَ يومَ الاثنين، حين اشتدَّ الضَّ حاء، وكادتِ الشمسُ تعتدل لثنتي عشرةَ ليلةً مضت من شهر ربيعٍ الأوَّ لِ ، ورسولُ الله ﷺ يومئذٍ ابنُ ثلاث وخمسين سنةً ، وذلك بعد أن بعثه اللهُ  بثلاث عشرةَ سنة، فأقام بها بقيةَ شهر ربيعٍ الأول، وشهر ربيعٍ الآخرِ ، وجمُ اديين، ورجبً ا، وشعبانَ ، وشهر رمضانَ ، وشوَّ الا، وذا القعدة، وذا الحجَّ ة -ووَ ليَِ تلك الحجةَ المشركون- والمحرم.

عدد الصفحات ١١٨