المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ الوقفية 2 مختصر السيرة النبوية لابن هشام

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٦ من ١٦

86 |مختصر السيرة النبوية وقال الآخرُ : أما وجدَ الله أحدً ا يُ رسله غيرَ ك! وقال الثالثُ : والله لا أكلمك أبدً ا، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظمُ خطرً ا من أن أردَّ عليك الكلامَ ، ولئن كنت تَ كذبُ على الله، ما ينبغي لي أن أكلِّ مك. فقام رسولُ الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خيرِ ثقيفٍ ، وقد قال لَم -فيما ذكر لي-: «إذا فعلتم ما فعلتُم فاكتموا عنِ ي». وكره رسولُ الله ﷺ أن يَ بلُ غ قومَ ه عنه، فيُ ذْ ئِ رُ هم ذلك عليه(1). فلم يَ فعلوا، وأغرَ وا به سُ فهاءَ هم وعبيدَ هم، يسبُّ ونه ويصيحون به، حتى اجتمعَ عليه الناسُ ، وألجؤوه إلى حائطٍ لعُ تبةَ بن ربيعةَ وشيبةَ بن ربيعةَ وهما فيه، ورجع عنه من سُ فهاءِ ثقيفٍ مَ ن كان يتبعه، فعمِ د إلى ظلِّ حبَ لة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعةَ ينظران إليه، ويَ ريان ما لقِ ي من سُ فهاءِ أهل الطائفِ ، وقد لقي رسولُ الله ﷺ -فيما ذُ كر لي - المرأةَ التي من بني جمَُ حٍ فقال لَا: «ماذا لقينا من أحمائِ ك؟» فلما اطمأن رسولُ الله ﷺ قال -فيما ذُ كر لي-: «اللهم إليك أشكو ضَعفَ قوت، وقِ لَّ ةَ حيلتي، وهَ واني على الناس، يا أرحمَ الراحمين، أنت رب المُ ستضعفين، وأنت ربي، إلى مَ ن تَ كِ لُ ني؟ إلى بعيدٍ يتجهَّ مُ ني؟ أم إلى عدو ملَّ كته أمري؟ إن لم يكُ ن بك علَّ غضب فلا أُ بال، ولكنَّ عافيتَ ك هي أوسعُ ل، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظ لماتُ ، وصلحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرة من أن تُ نزل بي غضبَ ك، أو يحلَّ علَّ سخطك، لك العُ تبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوَّ ةَ إلا بك». (1) يُذْ ئِ رُ هم ذلك عليه: يريد يحرش بينهم.

عدد الصفحات ٨٧

مختصر السيرة النبوية‏|87 قال: فلما رآه ابنا ربيعةَ : عتبةُ وشيبةُ وما لقي ؛ تحرَّ كت له رحمُ هما، فدعوا غلامً ا لَما نصرانيا ا، يُ قال له: عدَّ اس، فقالا له: خُ ذ قِ طفً ا من هذا العنبِ ، فضعه في هذا الطَّ بق، ثم اذهبْ به إلى ذلك الرجلِ ، فقلْ له يأكل منه. ففعل عدَّ اس، ثم أقبلَ به حتى وضعَ ه بين يدي رسولِ الله ﷺ، ثم قال له: كُ لْ ، فلما وضعَ رسولُ الله ﷺ فيه يدَ ه قال: «باسم ا» ثم أكل. فنظر عدَّ اس في وجهِ ه، ثم قال: و الله إن هذا الكلامَ ما يقوله أهلُ هذه البلادِ ، فقال له رسولُ الله ﷺ: «ومن أهلِ أيِ البلاد أنت يا عَ دَّ اسُ ؟ وما دينُ ك؟». قال: نصرا، وأنا رجل من أهل نِ ينَ وى. فقال رسولُ الله ﷺ: «من قريةِ الرَّ جلِ الصالح يونسَ بن متَّ ى». فقال له عداسٌ: وما يُ دريك ما يونُ س بن متَّ ى؟ فقال رسولُ الله ﷺ: «ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبيي ». فأكبَّ عداسٌ على رسول الله ﷺ يقبِّ ل رأسَ ه ويديه وقدميه. قال: يقول ابنا ربيعةَ أحدُ هما لصاحبه: أمَّ ا غلامُ ك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عدَّ اسٌ ، قالا له: ويلك يا عداسُ ! ما لك تُ قبِّ لُ رأسَ هذا الرجلِ ويديه وقدميه؟ قال: يا سيِّ دي، ما في الأرض شيءٌ خيرٌ من هذا، لقد أخبرَ ني بأمرٍ ما يعلمُ ه إلا نبي ، قالا له: ويحَ ك يا عداسُ ، لا يصرفنَّ ك عن دينِ ك، فإن دينك خيرٌ من دينه.

عدد الصفحات ٨٨

88 |مختصر السيرة النبوية 21- أمرُ الجنِّ الذين استمَ عوا له وآمنوا به قال: ثم إن رسولَ الله ﷺ انصرفَ من الطَّ ائف راجعً ا إلى مكةَ حين يئسَ من خيرِ ثقيفٍ ، حتى إذا كان بنخلةَ قام من جوفِ الليل يُ صليِّ ، فمر به النفرُ من الجنِّ الذين ذَ كَ رَ هم اللهُ تبارك وتعالى، وهم -فيما ذُ كر لي- سبعةُ نفرٍ من جن أهل نَ صِ يبينَ ، فاستَ معوا له ؛ فلما فرغَ من صلاته ولَّ وا إلى قومِ هم مُ نذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا. فقَ صَّ الله خبرَ هم عليه ﷺ، قال ا للهُ  :(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ) إلى قوله تعالى: (ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ) [52- 35] وقال تبارك وتعا (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ) [5] إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة. 22- عَرضُ رسولِ الله ﷺ نفسَ ه على القبائلِ قال ابنُ إسحاقَ : ثم قدِ م رسولُ الله ﷺ مكَّ ةَ ، وقومُ ه أشدُّ ما كانوا عليه من خلافِ ه وفراقِ دينه، إلا قليلاً مُ ستضعفين ممن آمن به. فكان رسولُ الله ﷺ يَ عرِ ض نفسَ ه في المواسِ م إذا كانت على قبائلِ العربِ يدعوهم إلى الله، ويخُ برهم أنه نبي مرسلٌ ، ويسألَم أن يصدقوه ويَ منعوه حتى يبينِّ لَم اللهُ ما بعثه به. قال ابنُ إسحاقَ : عن ربيعةَ بن عبَّ ادٍ قال: إني لغلامٌ شاب مع أبي بمنً ى ورسولُ الله ﷺ يقفُ على منازلِ القبائلِ من العربِ ، فيقول: «يا بني فلانٍ ، إني رسولُ الله إليكم، يأمرُ كم أن تَ عبدوا الله ولا تُ شكوا به شيئ ا، وأن تَ لعوا ما

عدد الصفحات ٨٩

مختصر السيرة النبوية‏|89 تَعبدون من دونِ ه من هذه الأندادِ ، وأن تُ ؤمنوا بي، وتُ صدِ قوا بي، وتنعوني، حتى أبينَِ عن الله ما بعثني به». قال: وخلفَه رجلٌ أحولُ وضيءٌ ، له غديرتانِ ، عليه حُ لَّ ةٌ عدَ نية، فإذا فرغَ رسولُ الله ﷺ من قولِ ه وما دعا إليه، قال ذلك الرجلُ : يا بَ ني فلانٍ ، إن هذا إنما يَ دعوكم أن تَ سلخوا اللاتَ والعُ زَّ ى من أ عناقِ كم، وحُ لفاءكم من الحيِّ من بني مالك بن أُ قَ يش إلى ما جاء به من البِ دعة والضلالةِ ؛ فلا تُ طيعوه ولا تَ سمعوا منه. قال: فقلتُ لأبي: يا أبتِ ، من هذا الذي يتبعُ ه ويردُّ عليه ما يقول؟ قال: هذا عمُّ ه عبدُ العُ زَّ ى بن عبد المطلب أبو لَبٍ .

عدد الصفحات ٩٠

91 |مختصر السيرة النبوية [- بيعة العقبة وبدء الهجرة 1- بَدءُ إسلامِ الأنصارِ قال ابنُ إسحاقَ : فلما أراد اللهُ  إظهارَ دينه، وإعزازَ نبيِّ ه ﷺ، وإنجازَ مَ وعدِ ه له، خرجَ رسولُ الله ﷺ في الموسمِ الذي لقيَ ه فيه النفرُ من الأنصارِ ، فعرض نفسَ ه على قبائلِ العربِ ، كما كان يصنعُ في كُ لِّ موسم. فبينما هو عند العَ قبة لقيَ رهطً ا من الخزرجِ أرادَ الله بهم خيرً ا. قال لَم: «من أنتم؟» قالوا: نفرٌ من الخزرجِ . قال: «أمن موال يهود؟». قالوا: نعم. قال: «أفلا تَلسون أكلِ مُ كم؟». قالوا: ب فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ، وعرضَ عليهم الإسلامَ ، وتلا عليهم القرآنَ . قال: وكان مما صنعَ اللهُ بهم في الإسلامِ ، أن ُود كانوا معهم في بلادِ هم، وكانوا أهلَ كتابٍ وعِ لم، وكانوا هم أهلَ شركٍ وأصحابَ أوثانٍ ، وكانوا قد غزوهم ببلادِ هم، فكانوا إذا كان بينهم شيءٌ قالوا لَم: إن نبيا ا مبعوثٌ الآن، قد أظلَّ زمانُ ه، نتبعه فنقتُ لكم معه قتل عادٍ وإرم.

عدد الصفحات ٩١

مختصر السيرة النبوية‏|90 فلما كلم رسولُ الله ﷺ أولئك النفرَ ، ودعاهم إلى الله، قال بعضُ هم لبعض: يا قومُ ، تعلَّ موا والله، إنه للنبيُّ الذي توعَّ دكم به ُودُ ، فلا تسبقنَّ كم إليه؛ فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدَّ قوه وقبِ لوا منه ما عرضَ عليهم من الإسلامِ . وقالوا: إنا قد تركنا قو مَ نا، ولا قومَ بينهم من العداوةِ والشرِّ ما بينَ هم، فعسى أن يجَ معَ هم الله بك فسنَ قدَ مُ عليهم، فندعوهم إلى أمرِ ك، و نَ عرضُ عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن جمعَ هم اللهُ عليه فلا رجلَ أعزَّ منك. ثم انصرفوا عن رسولِ الله ﷺ راجعينَ إلى بلادِ هم، وقد آمنوا وصدَّ قوا. فلما قدِ موا المدينةَ إلى قومِ هم ذكروا لَم رسولَ الله ﷺ ودعَ وهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبقَ دارٌ من دُ ور الأنصارِ إلا وفيها ذكرٌ من رسولِ الله ﷺ. 2- العَ قبةُ الأولى ومُ صعبُ بن عُ ميرٍ حتى إذا كان العامُ المُ قبلُ وافِّ الموسمَ من الأنصارِ اثنا عشرَ رجلاً ، فلقوه بالعقبةِ ، فبايعوا رسولَ الله ﷺ على بيعةِ النساءِ (1)، وذلك قبل أن تُ فترضَ عليهم الحربُ . قال ابنُ إسحاقَ : عن عُ بادةَ بن الصامتِ قال: كنت فيمن حضَ العقبةَ الأولى، وكنا اثني عشرَ رجلاً ، فبايَ عْ نا رسولَ الله ﷺ على بيعةِ النساءِ ، وذلك قبل أن تُ فترضَ الحربُ ، على ألا نُ شرك بالله شيئً ا، ولا نَ سرقَ ، ولا نزني، ولا نَ قتلَ أولادَ نا، ولا نأتيَ ببُ هتانٍ نفتريه من بين أيدينا وأرجُ لنا، ولا نَ عصيه في معروفٍ ، فإن (1) بيعة النساء: أي لا قتال فيها، وقد ذكر الله تعالى بيعة النساء في القرآن، فقال(ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ) [55].

عدد الصفحات ٩٢

92 |مختصر السيرة النبوية وفَّ يتم فلكُ م الجنةُ ، وإن غَ شِ يتم من ذلك شيئً ا فأمرُ كم إلى الله ، إن شاء عذَّ ب وإن شاء غَ فَ رَ . قال ابنُ إسحاقَ : فلما انصرفَ عنه القومُ ، بعث رسولُ الله ﷺ معهم مصعبَ بنَ عميرٍ ، وأمره أن يُ قرئهم القرآنَ ، ويُ علِّ مهم الإسلامَ ، ويُ فقِّ هَ هُ م في الدين، فكان يُ سمى المقرئَ بالمدينة مصعب، وكان منزلُ ه على أسعدَ بن زُ رارةَ . 3- إسلامُ سعدِ بن مُ عاذٍ وأسيدِ بن حُ ضيرٍ قال ابنُ إسحاقَ : حدَّ ثني عُ بيدُ الله بن المُ غيرة وعبدُ الله بن أبي بكرٍ : أن أسعدَ بنَ زرارةَ خرج بمصعبِ بن عُ مير يريد به دارَ بني عبد الأشهلِ ، ودارَ بني ظَ فَ ر، وكان سعدُ بن معاذ ابنَ خالة أسعدَ بن زُ رارةَ ، فدخل به حائطً ا من حوائط بني ظَ فَ ر على بئرٍ يُ قال لَا: بئر مَ رقٍ ، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجالٌ ممن أسلمَ ، وسعدُ بن معاذٍ ، وأُ سيدُ بن حُ ضير، يومئذ سيدَ ا قومِ هما من بني عبد الأشهلِ ، وكلاهمُ ا مُ شركٌ على دين قومِ ه، فلما سمعا به قال سعدُ بن مُ عاذ لأسيد بن حُ ضيرٍ : لا أبا لك، انطلقْ إلى هذين الرجلين الل ذينِ قد أتيا دارينا ليُ سفِّ ها ضُ عفاءَ نا؛ فازجُ رهما وانههما عن أن يأتيا دارَ ينا، فإنَّ ه لولا أن أسعدَ بن زرارةَ مني حيث قد علمتَ كفيتُ ك ذلك، هو ابنُ خالتي، ولا أجد عليه مقدَّ مً ا. قال: فأخذ أسيدُ بن حضير حربَ ته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعدُ بن زرارةَ ، قال لمصعبِ بن عميرٍ : هذا سيدُ قومِ ه قد جاءك، فاصدُ ق اللهَ فيه، قال مصعبٌ : إن يجلس أكلِّ مْ ه. قال: فوقف عليهما متشتماً .

عدد الصفحات ٩٣

مختصر السيرة النبوية‏|93 فقال: ما جاء بكما إلينا ، تُ سفِّ هان ضُ عفاءَ نا؟! اعتزِ لانا إن كانت لكما بأنفُ سِ كما حاجةٌ ، فقال له مصعبٌ : أو تلسُ فتسمع، فإن رضيت أمرً ا قبلتَ ه، وإن كرهته كُ فَّ عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، ثم ركَ ز حربَ ته وجلس إليهما، فكلَّ مه مصعبٌ بالإسلامِ ، وقرأ عليه القرآنَ ، فقالا -فيما يذكر عنهما -: والله لعَ رفنا في وجهِ ه الإسلامَ قبل أن يتكلَّ م في إشراقِ ه وتسهُّ له. ثم قال: ما أحسن هذا الكلامَ وأجمَ له! كيف تَ صنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدينِ ؟ قالا له: تَ غتسلُ فتطهَّ ر، وتُ طهِّ ر ثوبيك، ثم تَ شهَ دُ شهادةَ الحق، ثم تُ صلي. فقام فاغتسل وطهَّ ر ثوبيه، وتَ شهَّ د شهادةَ الحق، ثم قام فركع ركعتينِ ، ثم قال لَما: إن ورائي رجلاً إن اتَّ بعكما لم يتخلَّ ف عنه أحدٌ من قومه، وسأرسلُ ه إليكما الآنَ ، سعدَ بن معاذ، ثم أخذ حربَ ته وانصرف إلى سعدٍ وقومِ ه وهم جلوسٌ في نادُم، فلما نظر إليه سعدُ بن معاذ مُ قبلاً قال: أحلفُ بالله لقد جاءكم أسيدٌ بغير الوجه الذي ذهب به من عِ ندكم، فلما وقفَ على النادي قال له سعدٌ : ما فعلتَ ؟ قال: كلَّ مت الرجلينِ ، فوالله ما رأيت بهما بأسً ا، وقد نهيتُ هما، فقالا: نفعلُ ما أحببتَ ، وقد حُ دِّ ثت أن بني حارثةَ قد خرجوا إلى أسعدَ بن زرارةَ ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابنُ خالتك، ليخفِ روك.

عدد الصفحات ٩٤

94 |مختصر السيرة النبوية قال: فقام سعدٌ مُ غضبً ا مبادرً ا، تخوُّ فً ا للذي ذُ كر له من بني حارثةَ ، فأخذ الحربةَ من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئً ا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعدٌ مطمئنين، عرف سعدٌ أن أسيدً ا إنما أراد منه أن يسمعَ منهما، فوقف عليهما مُ تشتِّ ماً ، ثم قال لأسعدَ بن زرارةَ : يا أبا أُ مامةَ ، أما والله، لولا ما بيني وبينك من القرابةِ ما رُ متَ هذا مني، أتغشانا في دارَ يْ نا بما نكرَ ه -وقد قال أسعدُ بنُ زرارةَ لمصعب بن عميرٍ : أيْ مصعبُ ، جاءك والله سيدُ مَ ن وراءه من قومِ ه، إن يتَّ بعك لا يتخلَّ ف عنك منهم اثنانِ - قال: فقالَ له مصعبٌ : أو تقعدُ فتسمع، فإن رضيتَ أمرً ا ورغبت فيه قبِ لته، وإن كرِ هته عزلنا عنك ما تكرهُ ؟ قال سعدٌ : أنصفتَ . ثم ركَ ز الحربَ ة وجلس، فعرض عليه الإسلامَ ، وقرأ عليه القرآنَ . قالا: فعرَ فنا والله في وجهِ ه الإسلامَ قبل أن يتكلَّ م، لإشراقِ ه وتسهُّ له. ثم قال لَما: كيف تَ صنعون إذا أنتم أسلمتُ م ودخلتُ م في هذا الدين؟ قالا: تَ غتسلُ فتَ طهَّ ر وتُ طهِّ ر ثوب يك، ثم تَ شهدُ شهادةَ الحقِّ ، ثم تصلي ركعتين. قال: فقام فاغتسل وطهَّ ر ثوبيه، وتشهَّ د شهادةَ الحقِّ ، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته، فأقبلَ عامدً ا إلى نادي قومِ ه ومعه أسيدُ بن حضيرٍ . قال: فلما رآه قومه مُ قبلاً ، قالوا: نحلف ب الله لقد رجع إليكم سعدٌ بغير الوجهِ الذي ذهب به من عندِ كم، فلما وقفَ عليهم قال: يا بني عبدِ الأشهل، كيف تعلمون أمرِ ي فيكم؟

عدد الصفحات ٩٥

مختصر السيرة النبوية‏|95 قالوا: سيدُ نا وأوصلنا وأفضلُ نا رأيً ا، وأيمننا نقيبةً . قال: فإن كلامَ رجالِ كم ونسائِ كم عليَّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله وبرسولِ ه. قالا: فوالله ما أمسى في دارِ بني عبدِ الأشهلِ رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مسلماً ومسلمةً ، ورجع أسعدُ ومصعبٌ إلى منزل أسعدَ بن زرارةَ ، فأقام عنده يدعو الناسَ إلى الإسلامِ ، حتى لم تبق دارٌ من دور الأنصارِ إلا وفيها رجالٌ ونساءٌ مسلمون. 4- أمرُ العقبةِ الثانيةِ قال ابنُ إسحاقَ : ثم إن مصعبَ بن عميرٍ رجع إلى مكَّ ةَ ، وخرج من خرج من الأنصارِ من المسلمين إلى الموسمِ مع حُ جاجِ قومهم من أهل الشركِ ، حتى قدموا مكَّ ةَ ، فواعدوا رسولَ الله ﷺ العقبةَ ، من أوسطِ أيام التشريقِ ، حين أرادَ الله بهم ما أرادَ من كرامتِ ه، والنصرِ لنبيِّ ه، وإعزازِ الإسلام وأهلِ ه، وإذلالِ الشرك وأهلِ ه. قال ابنُ إسحاقَ : قال كعبٌ : فلما فرغنا من الحجِّ ، وكانت الليلةُ التي واعدنا رسولَ الله ﷺ لَا نِ منا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثُ لثُ الليلِ خرجنا من رِ حالنا لمعاد رسولِ الله ﷺ، نتسلَّ لُ تسلُّ لَ القَ طا مُ ستخْ فِ ين، حتى اجتمعنا في الشِّ عب عند ا لعقبةِ ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ، ومعنا امرأتانِ من نسائِ نا. قال: فاجتمعنا في الشِّ عب ننتظرُ رسولَ الله ﷺ، حتى جاءنا ومعه عمُّ ه العباسُ بنُ عبدِ المطلب، وهو يومئذٍ على دين قومِ ه، إلا أنه أحبَّ أن يحض أمرَ ابنِ أخيه ويتوثَّ ق له.

عدد الصفحات ٩٦

96 |مختصر السيرة النبوية فلما جلسَ كان أوَّ لَ متكلمٍ العباسُ بن عبد المطلبِ ، فقال: يا معشرَ الخزرجِ – قال: وكانت العربُ إنما يُ سمُّ ون هذا الحيَ من الأنصار: الخزرجَ ، خزرجها وأوسَ ها-: إن محمدً ا منا حيث قد علمتُ م وقد منعناهُ من قومِ نا، ممن هو على مثلِ رأينا فيه، فهو في عزٍّ من قومِ ه ومَ نعةٍ في بلدِ ه، وإنه قد أب ى إلا الانحيازَ إليكم واللحوقَ بكم، فإن كنتم تَ رون أنَّ كم وافون له بما دعوتمُ وه إليه، ومانِ عوه ممن خالفه، فأنتم وما تحمَّ لتُ م من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مُ سلموه وخاذِ لوه بعد الخروجِ به إليكم، فمِ ن الآن فدعوه؛ فإنه في عِ زٍّ ومنعةٍ من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سَ معنا ما قلتَ ، فتكلمْ يا رسولَ الله، فخُ ذ لنفسِ ك ولربِّ ك ما أحببتَ . قال: فتكلم رسولُ الله ﷺ، فتلا القرآنَ ، ودعا إلى الله، ورغَّ ب في الإسلامِ ، ثم قال: «أبايعُكم على أن تَ نعوني مما تَ نعونَ منه نساءَ كم وأبناءكم». قال: فأخذ البراءُ بن معرورٍ بيدِ ه، ث م قال: نعم، والذي بعثَ ك بالحقِّ نبيا ا، لنمنَ عَ نَّ ك مما نمنعُ منه أُ زرَ نا(1)، فبايِ عنا يا رسولَ الله، فنحن والله أبناءُ الحروبِ ، وأهلُ الحلقة، ورثناها كابرً ا عن كابرٍ . قال: فاعترض القولَ -والبراءُ يكلِّ م رسولَ الله ﷺ- أبو الَيثم بن التَّ يِّ هانِ ، فقال: يا رسولَ الله، إن بينَ نا وبين الرجالِ حِ بالاً ، وإنا قاطِ عوها -يعني: اليهودَ - فهل عسيتَ إن نحن فعَ لنا ذلك ثمَّ أظهَ رَ ك اللهُ أن ترجِ عَ إلى قومِ ك وتدَ عَ نا؟ (1) أُزرَ نا: من الإزار، كناية عن النساء.

عدد الصفحات ٩٧

مختصر السيرة النبوية‏|97 قال: فتبسم رسولُ الله ﷺ، ثم قال: «بل الدمَ الدَّ مَ ، واهمدَ مَ اهمدَ مَ ، أنا منكم وأنتم منِ ي، أحاربُ من حارَ بتم، وأسالمُ من سالمتُ م». قال: وقد كان قالَ رسولُ الله ﷺ: «أخرِجوا إلَّ منكم اثني عشََ نقيب ا، ليكونوا على قومِ هم بما فيهم». فأخرَجوا منهم اثنَ ي عشرَ نقيبً ا، تسعةً من الخزرج، وثلاثةً من الأوس. قال ابنُ إسحاقَ : فحدثني عبدُ الله بن أبي بكر ، أن رسولَ الله ﷺ قال للنُّ قباءِ : «أنتم على قومِ كم بما فيهم كُ فلاءُ ، ككفالةِ الحواريين لعيسى ابنِ مريمَ ، وأنا كفيل على قومي» -يعني: المسلمين- قالوا: نعم. فلما بايعنا رسولَ الله ﷺ صرخَ الشيطانُ من رأسِ العقبةِ بأنفذِ صوتٍ سمعته قطُّ : يا أهلَ الجُ باجِ ب -والجُ باجبُ : المنازلُ - هل لكم في مُ ذمَّ مٍ والصُّ باةُ معه، قد اجتمعوا على حربِ كم. قال: فقال رسولُ الله ﷺ: «هذا أزَب العقبةِ ، هذا ابن أَ زْ يبَ ، أتسمعُ ، أي عدوَّ الله، أما والله لأفرُ غَ نَّ لك». فقال له العباسُ بن عُ بادةَ بنِ نضلةَ : والله الذي بعثك بالحقِّ ، إن شئت لنُ ميلنَّ على أهلِ مِ نً ى غدً ا بأسيافِ نا؟ قال: فقالَ رسولُ الله ﷺ: «لم نُؤمَ ر بذلك، ولكن ارجِ عوا إلى رِ حالِ كم». قال: فرجعنا إلى مَضاجِ عنا فنِ منا عليها حتى أصبَ حنا.

عدد الصفحات ٩٨

98 |مختصر السيرة النبوية قال: فلما أصبحنا غدَ ت علينا جلةُ قريشٍ ، حتى جاءونا في مَ نازِ لنا، فقالوا: يا معشرَ الخزرجِ ، إنه قد بلَ غنا أنكم قد جئتُ م إلى صاحِ بنا هذا تَ ستخرِ جونَ ه من بين أظهُ رِ نا، وتُ بايِ عونه على حربِ نا، وإنه والله ما من حيٍّ من العربِ أبغضُ إلينا أن تنشبَ الحربُ بيننا وبينهم منكم. قال: فانبعَ ث مَ ن هناك من مُ شركي قومِ نا يحَ لفون بالله ما كان من هذا شيءٌ ، وما علِ مناه. قال: وقد صَ دقوا؛ لم يعلموه. قال: ونفرَ الناسُ من منً ى، فتنطَّ س القومُ الخبرَ (1)، فوجدوه قد كان، وخَ رجوا في طلبِ القومِ ، فأدركوا سعدَ بن عُ بادةَ بأذاخرَ ، والمنذرَ بن عمرو أخا بَ ني ساعدةَ بن كعبِ بن الخزرجِ ، وكلاهمُ ا كان نقيبً ا. فأما المنذرُ فأعجزَ القومَ ، وأما سعدٌ فأخذوه، فربطوا يديه إلى عُ نقِ ه بنِ سعِ (2) رحلِه، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكَّ ةَ يَ ضبونَ ه، ويجَ ذبونَ ه بجُ مَّ تِ ه، وكان ذا شعرٍ كثيرٍ . قال: فوالله، إني لفي أيدُم يَ سحَ بونني إذ أوى لي رجلٌ ممن كان معَ هم، فقال ويحَ ك! أما بينك وبين أحدٍ من قريشٍ جوارٌ ولا عهدٌ ؟ قال: قلت: بلى والله، لقد كنت أُ جِ يرُ لجبيرِ بن مطعِ م بن عديِّ بن نوفل بن عبد مَ ناف تُ ارَ هُ ، وأمنعهم ممن أرادَ ظُ لمَ هم ببلادي، وللحارثِ بن حرب بن أميَّ ة بن عبد شمسِ بن عبد منافٍ . (1) تَنَ طَّ سُ وا الخبر: بالغوا في البحث عنه. (2) النسْ ع: سير مضفور يجعل زمامًا للبعير وغيره.

عدد الصفحات ٩٩

مختصر السيرة النبوية‏|99 قال: ويحَك! فاهتِ ف باسم الرجلينِ ، واذكر ما بينَ ك وبينهما. قال: ففعلتُ ؛ وخرج ذلك الرجلُ إليهما، فوجدَ هما في المسجدِ عند الكعبةِ ، فقال لَما: إن رجلاً من الخزرجِ الآنَ يُ ضبُ بالأبطحِ وُتِ فُ بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جِ وارً ا. قالا: ومن هو؟ قال: سعدُ بن عُ بادة. قالا: صدقَ والله، إن كان ليُ جيرُ لنا تارَ نا، ويمنعهم أن يُ ظلموا ببلِ ده. قال: فجاءا فخلَّ صا سعدً ا من أيدُم، فانطلق. 5- شروطُ البيعةِ في العقبةِ الأخيرةِ قال ابنُ إسحاقَ : وكان في بيعةِ الحربِ ، حين أذِ ن الله لرسولِ ه ﷺ في القتالِ شروطً ا سوى شرطِ ه عليهم في العقبةِ الأولى. كانت الأولى على بيعةِ النساء، وذلك أن اللهَ تعالى لم يكن أذنَ لرسولِ ه ﷺ في الحربِ ، فلما أذن اللهُ له فيها وبايعهم رسولُ الله ﷺ في العقبةِ الأخيرةِ على حربِ الأحمرِ والأسودِ ، أخذ لنفسِ ه واشترطَ على القوم لربِّ ه، وجعل لَم على الوفاءِ بذلك الجنَّ ةَ . قال ابنُ إسحاقَ : عن عبادةَ بن الصامتِ -وكان أحدَ النقباءِ - قال: بايعنا رسولَ الله ﷺ بيعةَ الحربَ -وكان عُ بادةُ من الاثني عشرَ الذين بايعوه في العقبةِ الأولى على بيعةِ النساءِ - على السمعِ والطاعةِ ، في عُ سرنا ويُ سرنا و مَ نشَ طنا

عدد الصفحات ١٠٠

011 |مختصر السيرة النبوية ومَ كرَ هنا، وأثرةٍ علينا، وألا نُ نازعَ الأمرَ أهلَ ه، وأن نقولَ بالحقِّ أينما كنا، لا نخافُ في الله لومةَ لائمٍ . 6- نُزولُ الأمرِ لرسولِ الله ﷺ في القتالِ عن محمدِ بن إسحاقَ المُ طَّ لبي: وكان رسولُ الله ﷺ قبل بيعةِ العقبةِ لم يُ ؤذَ ن له في الحربِ ولم تحُ لَّ ل له الدماءُ ، إنما يُ ؤمرُ بالدعاءِ إلى الله والصبرِ على الأذَ ى، والصفحِ عن الجاهلِ ، وكانت قريشٌ قد اضطهدت من اتَّ بعه من المهاجرينَ حتى فَ تنوهم عن دينِ هم ونفوهم من بلادِ هم، فهم من بين مَ فتونٍ في دينه، ومن بين مُ عذَّ ب في أيدُم، وبين هاربٍ في البلادِ فِ رارً ا منهم : منهم مَ ن بأرض الحبشةِ ، ومنهم مَ ن بالمدينة، وفي كلِّ وجهٍ . فلما عتت قريشٌ على الله ، ورد وا عليه ما أرادهم به من الكرامةِ ، وكذَّ بوا نبيَّ ه ﷺ، وعذَّ بوا ونفوا من عبدَ ه ووحَّ ده وصدق نبيَّ ه واعتصمَ بدينه، أذن اللهُ  لرسولِه ﷺ في القتالِ والانتصارِ ممن ظلمَ هم وبغى عليهم. فكانت أوَّ لَ آية أنزلت في إذنِ ه له في الحربِ ، وإحلالِ ه له الدماء والقتال، لمن بغى عليهم -فيما بلَ غني- عن عُ روةَ بن الزبيرِ وغيرِ ه من العُ لماءِ ، قولُ الله تبارك وتعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ) [32]. قال ابنُ إسحاقَ : فلما أذنَ اللهُ تعالى له ﷺ في الحربِ ، وبايعه هذا الحيُّ من الأنصارِ على الإسلام والنُّ صرة له ولمن اتَّ بعه وأوى إليهم م ن المسلمين، أمر رسولُ الله ﷺ أصحابَ ه من المهاجرينَ من قومِ ه، ومن معه بمكَّ ةَ من المسلمين،

عدد الصفحات ١٠١

مختصر السيرة النبوية‏|010 بالخروجِ إلى المدينةِ والَجرةِ إليها، واللحوقِ بإخوانهِ م من الأنصارِ ، وقال: «إن اللهَ  قد جعل لكم إخوانا ودار ا تأمنون بها». فخرجوا أرسالاً (1)، وأقام رسولُ الله ﷺ بمكَّ ةَ ينتظرُ أن يأذنَ له ربُّ ه في الخروجِ من مكَّ ةَ ، والَجرة إلى المدينةِ . 7- ذِكرُ المهاجرين إلى المدينةِ فكان أوَّ لَ من هاجر إلى المدينةِ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ من المُ هاجرين من قريشٍ ، من بني مخَ زوم: أبو سلمَ ةَ بن عبدِ الأسد، ثم كان أوَّ لَ من قدِ مها من المُ هاجرين بعد أبي سلمةَ : عامرُ بن ربيعةَ معه امرأتُ ه ليلى بنتُ أبي حَ ثمةَ ، ثم عبدُ الله بن جحشٍ احتملَ بأهلِ ه وبأخيه عبدُ بن جحشٍ ، ثم خرج عمرُ بنُ الخطاب، وعيَّ اشُ بن أبي ربيعةَ المخزومي، حتى قدِ ما المدينةَ ، ثم تتابعَ المُ هاجرون. 8- هِجرةُ الرسولِ ﷺ وأقام رسولُ الله ﷺ بمكَّ ةَ بعد أصحابِ ه من المُ هاجرين ينتظرُ أن يُ ؤذَ ن له في الَجرةِ ، ولم يتخلَّ ف معه بمكَّ ةَ أحدٌ من المهاجرين إلا من حُ بسَ أو فُ تن، إلا عليُّ بن أبي طالب، وأبو بكرِ بنُ أبي قحافة الصدِّ يقُ ، وكان أبو بكرٍ كثيرً ا ما يستأذن رسولَ الله ﷺ في الَجرةِ ، فيقولُ له رسولُ الله ﷺ: «لا تَ عجلْ لعلَّ اللهَ يجعلُ لك صاحب ا»، فيطمع أبو بكرٍ أن يكونَ هُ . قال ابنُ إسحاقَ : ولما رأت قريشٌ أن رسولَ الله ﷺ قد صارت له شيعةٌ وأصحابٌ من غيرِ هم بغير بلدِ هم، ورأوا خروج أصحابِ ه من المُ هاجرين إليهم، (1) أَرْ سالاً : جماعة في إثر جماعة.

عدد الصفحات ١٠٢