54 |مختصر السيرة النبوية من الأوسِ والخزرجِ ، وذلك لما كانوا يَ سمعون من أحبارِ اليهود، وكانوا لَم حُ لفاءَ ، ومعهم في بلادِ هم. 5- ذِكر ما لقِ يَ رسولُ الله ﷺ من قومِ ه قال ابنُ إسحاقَ : ثم إن قريشً ا اشتد أمرُ هم للشقاءِ الذي أصابهَ م في عَ داوةِ رسولِ الله ﷺ ومن أسلَ مَ معه منهم، فأغرَ وا برسولِ الله ﷺ سُ فهاءَ هم، فكذَّ بوه وآذوه، ورموه بالشعرِ والسحر والكهانَ ةِ والجنونِ ، ورسولُ الله ﷺ مُ ظهرٌ لأمرِ الله لا يَ ستخفي به، مُ بادٍ لَم بما يَ كرهون من عَ يب دِ ينهم، واعتزالِ أوثانهِ م، وفِ راقه إياهم على كُ فرِ هم. 6- إسلامُ حمزةَ قال ابنُ إسحاقَ : حدثني رجلٌ من أسلمَ ، كان واعيةً : أن أبا جهل مَ رَّ برسولِ الله ﷺ عند الصفا، فآذاه وشتَ مه، ونال منه بعضَ ما يكرهُ من العيبِ لدينه، والتضعيفِ لأمرِ ه، فلم يكلِّ مه رسولُ الله ﷺ، ومولاةٌ لعبد الله بن جُ دعان في مَ سكنٍ لَا تَ سمعُ ذلك، ثم انصرف عنه فعمدَ إلى نادٍ من قريشٍ عند الكعبة، فجلس معهم. فلم يلبثْ حمزةُ بن عبد المطَّ لب أن أقبل مُتوشِّ حً ا قوسَ ه، راجعً ا من قنصٍ له، وكان صاحبَ قنصٍ يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قَ نصِ ه لم يصل إلى أهلِ ه حتى يطوفَ بالكعبةِ ، وكان إذا فعل ذلك لم يمرَّ على نادٍ من قريشٍ إلا وقف وسلَّ م وتحدث معهم، وكان أعزَّ فتً ى في قريش، وأشدَّ شكيمةً .
عدد الصفحات ٥٥مختصر السيرة النبوية|55 فلما مر بالمولاة -وقد رجعَ رسولُ الله ﷺ إلى بيتِ ه- قالت له: يا أبا عُ مارة، لو رأيت ما لقي ابنُ أخيك محمدٌ آنفً ا من أبي الحكم بن هشام، وجدَ ه هاهنا جالسً ا فآذاه وسبَّ ه، وبلغَ منه ما يكرهُ ، ثم انصرف عنه ولم يكلِّ مه محمدٌ ﷺ. فاحتمل حمزةَ الغضبُ لما أرادَ الله به من كرامتِ ه، فخرج يسعى ولم يقفْ على أحدٍ ، مُ عِ دا ا لأبي جهل إذا لقيه أن يُ وقعَ به، فلما دخل المسجدَ نظرَ إليه جالسً ا في القومِ ، فأقبل نحوَ ه حتى إذا قامَ على رأسه رفعَ القوسَ فضبَ ه بها فشجَّ ه شجةً مُ نكرةً . ثم قال: أتشتِ مه وأنا على دينِ ه أقولُ ما يقول؟ فردَّ ذلك عليَّ إن استطعت. فقامت رجالٌ من بني مخَ زوم إلى حمزةَ لينصروا أبا جهلٍ ، فقال أبو جهلٍ : دعوا أبا عُ مارة، فإني والله قد سببتُ ابنَ أخيه سبا ا قبيحً ا. وتمَّ حمزةُ على إسلامِه، وعلى ما تابَ ع عليه رسولَ الله ﷺ من قولِ ه. فلما أسلمَ حمزةُ عرفت قريشٌ أن رسولَ الله ﷺ قد عزَّ وامتنعَ ، وأن حمزةَ سيمنعُ ه، فكفُّ وا عن بعضِ ما كانوا يَ نالون منه. 7- قولُ عتبةَ بن ربيعةَ في أمرِ رسولِ الله ﷺ قال ابنُ إسحاق: وحدثني يزيدُ بن زيادٍ ، عن محمد بن كعب القُ رظي قال: حُ دِّ ثت أن عتبةَ بن ربيعةَ -وكان سيِّ دً ا- قال يومً ا وهو جالس في نادي قريش -ورسولُ الله ﷺ جالسٌ في المسجدِ وحدَ ه-: يا معشرَ قُ ريشٍ ، ألا أقومُ إلى محمد فأكلِّ مه وأعرضَ عليه أمورً ا لعله يقبلُ بعضَ ها فنعطيه أَُّ ا شاء، ويكفَّ عنا؟ -وذلك حين أسلم حمزةُ ،
عدد الصفحات ٥٦56 |مختصر السيرة النبوية ورأوا أصحابَ رسول الله ﷺ يزيدون ويَ كثُ رون- فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قُ مْ إليه فكلِّ مْ ه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسولِ الله ﷺ، فقال: يا ابنَ أخي، إنك منَّ ا حيث قد علمتَ من السِّ طَ ةِ في العشيرة، والمكان في النسبِ ، وإنك قد أتيتَ قومَ ك بأمرٍ عظيم فرَّ قتَ به جما عتَ هم وسفَّ هت به أحلامَ هم وعِ بت به آلَتهم ودينهم وكفَّ رت به من مضى من آبائِ هم، فاسمَ عْ مني أعرضْ عليك أمورً ا تنظر فيها لعلك تقبلُ منها بعضَ ها. قال: فقال له رسولُ الله ﷺ: «قل يا أبا الوليد، أسمعُ». قال: ياابنَ أخي، إن كنت إنما تُ ريد بما جئتَ به من هذا الأمرِ مالاً جمَ عنا لك من أموالنا حتى تكونَ أكثرنا مالاً ، وإن كنت تُ ريد به شرفً ا سوَّ دناك علينا، حتى لا نقطعَ أمرً ا دونك، وإن كنت تُ ريد به مُ لكً ا ملَّ كناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَ ئِ يا ا تراه لا تَ ستطيع ردَّ ه عن نفسِ ك، طلبنا لك الطِّ بَّ ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نُ برئَ ك منه، فإنه ربما غلب التابعُ على الرجلِ حتى يُ داوى منه. أو كما قال له. حتى إذا فرغ عُ تبةُ ، ورسولُ الله ﷺ يستمعُ منه، قال: «أقد فرغتَ يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال: «فاسمَعْ منِ ي». قال: أفعلُ.
عدد الصفحات ٥٧مختصر السيرة النبوية|57 فقال: «بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ ، (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ) [5-1]». ثم مضى رسولُ الله ﷺ فيها يَ قرؤها عليه. فلما سَ مِ عها منه عُ تبةُ أنصتَ لَا، وألقى يديه خلفَ ظهرِ ه مُ عتمدً ا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسولُ الله ﷺ إلى السجدةِ منها، فسجَ دَ ثم قال: «قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ ، فأنت وذاك». فقام عتبةُ إلى أصحابِ ه، فقال بعضُ هم لبعضٍ : نحلفُ بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغيرِ الوجه الذي ذهب به. فلماَّ جلس إليهم قالوا: ما وراءَ ك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سَ مِ عت قولا والله ما سمعتُ مثلَ ه قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكَ هانة، يا معشرَ قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلُّ وا بين هذا الرجلِ وبين ما هو فيه فاعتزِ لوه، فوالله ليكوننَّ لقوله الذي سمعتُ منه نبأٌ عظيمٌ ، فإن تُ صبه العرب فقد كُ فيتموه بغيرِ كم، وإن يظهر على العربِ فمُ لكه مُ لككم، وعِ زُّ ه عِ زُّ كم، وكنتم أسعدَ الناسِ به. قالوا: سحرَ ك والله يا أبا الوليد بلسانِ ه. قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
عدد الصفحات ٥٨58 |مختصر السيرة النبوية قال ابنُ إسحاقَ : ثم إن الإسلامَ جعل يَ فشو بمكَّ ةَ في قبائل قُ ريش في الرجالِ والنساء، وقريشٌ تحبس من قدرت على حبسِ ه، وتفتِ ن من استطاعت فتنتَ ه من المسلمين. 8- استكبارُ قريشٍ عن أن يؤمنوا بالرسولِ ﷺ فلما جاءَ هم رسولُ الله ﷺ بما عَ رفوا من الحقِّ ، وعرفوا صدقَ ه فيما حدَّ ث، وموقعَ نبوته فيما جاءَ هم به من علمِ الغُ يوب حين سألوه عماَّ سألوا عنه، حال الحسَ دُ منهم له بينهم وبين اتِّ باعه وتصديقه، فعَ تَ وا على الله وتركوا أمرَ ه عَ يانً ا، ولجُّ وا فيما هم عليه من الكفرِ ، فقال قائلهم: (ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ) [56]،أي: اجعلوه لغوً ا وباطلاً ، واتخَِّ ذوه هُ زوا لعلكم تغلبونَ ه بذلك، فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يومً ا غلبكم. 9- ذِكرُ الهجرةِ الأولى إلى أرضِ الحبشةِ قال ابنُ إسحاقَ : فلما رأى رسولُ الله ﷺ ما يصيبُ أصحابَ ه من البلاءِ ، وما هو فيه من العافية، بمكانِ ه من الله ومن عمِّ ه أبي طالبٍ ، وأنه لا يقدرُ على أن يمنعَ هم مما هم فيه من البلاءِ ، قال لَم: «لو خرجتُم إلى أرضِ الحبشة؛ فإن بها مَ لِ ك ا لا يُ ظلم عنده أحد ، وهي أرض صدقٍ ، حتى يجعلَ الله لكم فرج ا مما أنتم فيه». فخرج عند ذلك المسلمون من أصحابِ رسولِ الله ﷺ إلى أرضِ الحبشةِ ؛ مخافةَ الفتنة، وفِ رارً ا إلى الله بدينِ هم، فكانت أوَّ لَ هجرةٍ كانت في الإسلامِ . وكان أوَّ لَ من خرج من المسلمين: عثمانُ بن عفانَ بن أبي العاص بن أميَّ ة معه امرأتُ ه رقيةُ بنت رسولِ الله ﷺ، وأبو حُ ذيفةَ بن عتبةَ بن ربيعة بن عبدِ شمس
عدد الصفحات ٥٩مختصر السيرة النبوية|59 معه امرأتُه: سهلة بنت سُ هيل بن عمرو، والزبيرُ بن العوامِ ، ومُ صعبُ بن عمير، وعبدُ الرحمن بن عوف ، وأبو سلمةَ بن عبد الأسد معه امرأتُ ه أُ مُّ سلمة بنت أبي أمية، وعثمانُ بن مَ ظعونٍ ، وعامرُ بن ربي عةَ معه امرأتُ ه ليلى بنت أبي حَ ثمةَ ، وأبو سبرةَ بن أبي رُ همٍ وسُ هيل ابن بيضاء. فكان هؤلاء العشرةُ أوَّ لَ من خرج من المسلمين إلى أرضِ الحبشةِ ، فيما بلغني. قال ابنُ هشامٍ : وكان عليهم عثمانُ بن مَ ظعونٍ ، فيما ذكر لي بعضُ أهل العلم. قال ابنُ إسحاقَ : ثم خرج جعفرُ بن أبي طالبٍ ، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرضِ الحبشةِ ، فكانوا بها، منهم من خرج بأهلِ ه معه، ومنهم من خرج بنفسِ ه لا أهلَ له معه. 11- إرسالُ قريشٍ إلى الحبشة في طلب المُ هاجرين إليها قال ابنُ إسحاق: عن أُ مِّ سلمة قالت: لما نزلنا أرضَ الحبشة، جاورنا بها خيرَ جار: النجاشيَّ ، أمِ نَّ ا على ديننا، وعبدنا اللهَ تعالى لا نُ ؤذى ولا نسمعُ شيئً ا نكرهه، فلما بلغ ذلك قُ ريشً ا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشيِّ فينا رجلين منهم جلْ دين، وأن ُُ دوا للنجاشي هدايَ ا مما يُ ستطرفُ من متاعِ مكَّ ةَ ، وكان من أعجبِ ما يأتيه منها الأ دَ مُ (1)، فجمعوا له أدمً ا كثيرً ا، ولم يتركوا من بطارقته بِ طريقً ا إلا أهدوا له هديةً . (1) الأدَم: الجلود.
عدد الصفحات ٦٠61 |مختصر السيرة النبوية ثم بعثوا بذلك عبدَ الله بن أبي ربيعةَ ، وعمرَ و بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لَما: ادفعا إلى كُ لِّ بِ طريقٍ هديَّ تَ ه قبل أن تُ كلما النجاشيَّ فيهم، ثم قدِّ ما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يُ سلِ مَ هم إليكما قبل أن يُ كلِّ مهم. قالت: فخرجا حتى قدِ ما على النجاشيِّ ، ونحن عنده بخيرِ دارٍ ، عند خير جارٍ ، فلم يبقَ من بطارقته بِ طريقٌ إلا دفعا إليه هديتَ هُ قبل أن يُ كلِّ ما النجاشي، وقالا لكل بطريقٍ منهم: إنه قد ضَ وَ ى(1) إلى بلد المَ لك منا غِ لمانٌ سفهاءُ ، فارقوا دينَ قومِ هم، ولم يدخلوا في دينِ كم، وجاءوا بدينٍ مُ بتدعٍ ، لا نعرفه نحن ولا أنتمُ ، وقد بَ عَ ثَ نا إلى الملكِ فيهم أشرافُ قومِ هم ليردَّ هم إليهم، فإذا كلَّ منا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يُ سلمهم إلينا ولا يُ كلِّ مَ هم، فإن قومَ هم أعلى به م عينً ا، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لَما: نعم. ثم إنهَّ ما قدَّ ما هداياهما إلى النجاشيِّ فقبِ لها منهما، ثم كلَّ ماه فقالا له: أُا الملكُ ، إنه قد ضَ وَ ى إلى بلدِ ك منا غِ لمانٌ سُ فهاءُ ، فارقوا دينَ قومِ هم، ولم يدخلوا في دينِ ك، وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفُ ه نحن ولا أنت، وقد بَ عَ ثَ نا إليك فيهم أشرافُ قومِ هم من آبائهم وأعمامِ هم وعشائِ رهم لترَُ دَّ هم إليهم، فهم أعلى بهم عينً ا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيءٌ أبغضَ إلى عبدِ الله بن أبي ربيعةَ وعمرِ و بن العاص من أن يسمع كلامَ هم النجاشيُّ . (1) ضَوَ ى: لجأ .
عدد الصفحات ٦١مختصر السيرة النبوية|60 قالت: فقالت بَ طارقتُ ه حوله: صَ دَ قا أُا الملكُ ، قومُ هم أعلى بهم عينً ا، وأعلمُ بما عابوا عليهم؛ فأسلِ مهم إليهما فليرَُ دَّ اهم إلى بلادِ هم وقومِ هم. قالت: فغضِ بَ النجاشيُّ ، ثم قال: لاها الله إذن، لا أُ سلِ مهم إليهما، ولا يُ كادُ قومٌ جاوروني، ونَ زَ لوا بلادي، واختاروني على من سِ واي، حتى أدعوهم فأسألَُ م عما يَ قولُ هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولانِ أسلمتُ هم إليهما، ورددتهُ م إلى قومهم، وإن كانوا على غيرِ ذلك منعتُ هم منهما، وأحسنتُ جِ وارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسلَ إلى أصحابِ رسولِ الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءَ هم رسولُ ه اجتمعوا، ثم قال بعضُ هم لبعضٍ : ما تقولون للرجلِ إذا جِ ئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علِ منا، وما أمرَ نا به نبيُّ نا ﷺ كائنً ا في ذلك ما هو كائن. فلما جاءوا -وقد دعا النجاشيُّ أساقفَ تَ ه، فنشروا مصاحِ فَ هم حولَ ه- سألَم فقال لَم: ما هذا الدينُ الذي قد فارقتُ م فيه قومَ كم، ولم تدخلوا به في ديني، ولا في دينِ أحدٍ من هذه المِ لل؟ قالت: فكان الذي كلَّ مه جعفرُ بن أبي طالبٍ رِ ضوانُ الله عليه، فقال له: أُُّ ا الملكُ ، كنا قومً ا أهلَ جاهليةٍ ، نعبد الأصنامَ ، ونأكل الميتةَ ، ونأتي الفواحشَ ، ونقطعُ الأرحامَ ، ونُ سيءُ الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيفَ ، فكنا على ذلك، حتى بعثَ الله إلينا رسولاً منا، نعرف نَ سبَ ه وصدقَ ه وأمانَ ته وعفافَ ه. فدعانا إلى الله لنوحِّ دَ ه ونعبده، ونخلعَ ما كنا نعبدُ نحن وآباؤنا من دونِ ه من الحجارةِ والأوثان.
عدد الصفحات ٦٢62 |مختصر السيرة النبوية وأمرَ نا بصدقِ الحديثِ ، وأداءِ الأمانة، وصلةِ الرحمِ ، وحُ سن الجِ وار، والكفِّ عن المحارمِ والدماءِ . ونهانا عن الفَ واحشِ ، وقولِ الزور، وأكلِ مال اليتيمِ ، وقذفِ المُ حصنات. وأمرنا أن نعبدَ الله وحده، لا نشركَ به شيئً ا. وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -قالت: فعدَّ د عليه أمورَ الإسلامِ - فصدَّ قناه وآمنَّ ا به، واتَّ بعناه على ما جاءَ به من الله، فعبدنا اللهَ وحدَ ه، فلم نشركْ به شيئً ا، وحرَّ منا ما حَ رم علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومُ نا، فعذَّ بونا، وفَ تنونا عن دينِ نا؛ ليردُّ ونا إلى عبادةِ الأوثان من عبادةِ الله تعالى، وأن نَ ستحِ لَّ ما كنا نستحل من الخبائثِ . فلما قَ هرونا وظلمونا وضيَّ قوا علينا، وحالوا بينَ نا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادِ ك، واخترناكَ على من سِ واك، ورغِ بنا في جِ وارك، ورجونا ألا نُ ظلمَ عندك أُُّ ا الملكُ . قالت: فقال له النجاشيُّ : هل معك مما جاءَ به عن الله من شيءٍ ؟ قالت: فقال له جعفرٌ : نعم. فقال له النجاشيُّ : فاقرأه عليَّ . قالت: فقرأ عليه صَ درً ا من: (ﭑ ﭒ ) [5]. قالت: فبكى-والله- النجاشيُّ حتى اخضلَّ تْ لحيتُ ه، وبكت أساقفَ تُ ه حتى أخضلُ وا مصاحِ فَ هم، حين سمِ عوا ما تلا عليهم.
عدد الصفحات ٦٣مختصر السيرة النبوية|63 ثم قال لَم النجا : إن هذا والذي جاءَ به عِ يسى ليَ خرُ جُ من مِ شكاةٍ واحدةٍ ، انطلقا، فلا والله لا أسلِ مُ هم إليكما، ولا يُ كادون. قالت: فلما خرجا مِ ن عنده، قال عمرو بنُ العاص: والله لآتينَّ ه غدً ا عنهم بما أستأصلُ به خَ ضاءَ هم. قالت: فقال له عبدُ الله بن أبي ربيعةَ ، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل؛ فإن لَم أرحامً ا، وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرَ نَّ ه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مَ ريم عبدٌ . قالت: ثم غدَ ا عليه من الغَ دِ فقال له: أُُّ ا الملكُ ، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً ، فأرسِ لْ إليهم فسلهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسلَ إليهم ليسألََ م عنه. قالت: ولم يَ نزل بنا مِ ثلُ ها قط. فاجتمع القومُ ، ثم قال بعضُ هم لبعضٍ : ماذا تقولون في عيسى ابن مَ ريم إذا سألَ كم عنه؟ قالوا: نقولُ والله ما قال اللهُ ، وما جاءنا به نبيُّ نا، كائنً ا في ذلك ما هو كائنٌ . قالت: فلما دخلوا عليه، قال لَم: ماذا تقولون في عيسى ابنِ مريمَ ؟ قالت: فقال جعفرُ بن أبي طالب: نقولُ فيه الذي جاءنا به نبيُّ نا ﷺ، يقول: هو عبدُ الله ورسولُ ه وروحُ ه وكَ لِ متُ ه ألقاها إلى مريمَ العذراءِ البتولِ .
عدد الصفحات ٦٤64 |مختصر السيرة النبوية قالت: فضب النجاشيُّ بيده إلى الأرضِ ، فأخذ منها عودً ا، ثم قال: والله ما عدا عيسى ابنُ مريم ما قلتَ هذا العودَ . قالت: فتناخَ رت بطارقَ تُ ه حولَ ه حين قال ما قال. فقال: وإن نخرتُ م والله ، اذهبوا فأنتم شُ يومٌ بأرضي- والشيومُ : الآمنونَ - مَ نْ سَ بَّ كم غَ رِ مَ ، ثم قال: من سبَّ كم غَ رِ م، ثم قال: مَ ن سَ بَّ كم غَ رِ مَ ، ما أحبُّ أن لي دَ برً ا من ذهب، وأني آذيتُ رجلاً منكم، رُ دُّ وا عليهما هداياهما، فلا حاجةَ لي بها، فوالله ما أخذ اللهُ مني الرِّ شوةَ حين رَ دَّ عليَّ مُ لكي، فآخذَ الرِّ شوةَ فيه، وما أطاعَ الناس فيَّ فأطيعَ هم فيه. قالت: فخرجا من عنده مَ قبوحَ ين مَ ردودً ا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بِ خيرِ دارٍ ، مع خيرِ جارٍ . 11- إسلامُ عمرَ بن الخطابِ قال ابنُ إسحاقَ : وكان إسلامُ عمرَ فيما بلغني أن أخته فاطمةَ بنت الخطاب، وكانت قد أسلمت وأسلمَ بعلُ ها سعيدُ بن زيدٍ ، وهما مُ ستخفيان بإسلامِ هما من عمرَ ، وكان خبَّ ابُ بن الأرتِّ يختلفُ إلى فاطمةَ بنت الخطاب يُ قرئها القرآنَ ، فخرج عمر يومً ا متوشِّ حً ا سيفه يريدُ رسولَ الله ﷺ ورهطً ا من أصحابه قد ذُ كروا له أنهم قد اجتمعوا في بيتٍ عند الصفا، وهم قريبٌ من أربعينَ ما بين رجالٍ ونساءٍ . ومع رسول الله ﷺ عمُّ ه حمزةُ بن عبدِ المطلب، وأبو بكرِ بن أبي قحافةَ الصديق، وعليُّ بن أبي طالب، في رجالٍ من المسلمين ممن كان أقامَ مع رسولِ الله ﷺ بمكةَ ، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرضِ الحبشةِ .
عدد الصفحات ٦٥مختصر السيرة النبوية|65 فلقيَه نعيمُ بن عبد الله، فقال له: أين تريدُ يا عمرُ ؟ فقال: أريدُ محمدً ا هذا الصابئَ ، الذي فرَّ قَ أمرَ قريشٍ ، وسفَّ ه أحلامَ ها، وعاب دينَ ها، وسبَّ آلَتها فأقتُ له. فقال له نُ عيمٌ : والله لقد غرَّ تك نفسُ ك من نفسِ ك يا ع مرُ ، أترى بني عبد مَ ناف تاركيك تمشي على الأرضِ وقد قَ تلت محمدً ا؟! أفلا ترجع إلى أهلِ بيتك فتُ قيم أمرَ هم؟ قال: وأيُّ أهل بيتي؟ قال: خَ تنُ ك وابن عمك سعيدُ بن زيدٍ ، وأختُ ك فاطمةُ بنت الخطاب، فقد والله أسلما، وتابعا محُ مدً ا على دينه، فعليك بهما. قال: فرجع عمرُ عامدً ا إلى أختِ ه وخَ تنه، وعندهما خبَّ ابُ بن الأرتِّ معه صحيفةٌ ، فيها: (ﭵ) يُ قرئهما إياها، فلما سَ معوا حِ سَّ عمرَ ، تغيَّ ب خباب في مخَْ دَ عٍ (1) لَم، أو في بعضِ البيت. وأخذت فاطمةُ بنت الخطاب الصحيفةَ فجعلتها تحت فخِ ذِ ها، وقد سمعَ عمرُ حين دنا إلى البيت قراءةَ خبابٍ عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الََ يْ نَ مَ ة(2) التي سمعتُ؟ قالا له: ما سمعت شيئً ا. قال: بلى ، والله، لقد أُ خبرتُ أنكما تابعتما محمدً ا على دينِ ه، وبطشَ بخَ تنه سعيدِ بن زيدٍ ، فقامت إليه أختُ ه فاطمةُ بنتُ الخطاب لتكفَّ ه عن زوجها، فضَ بهَ ا (1) المَخْ دَ ع: الخزانة. (2) الََيْ نَ مَ ة: الصوت الخفي.
عدد الصفحات ٦٦66 |مختصر السيرة النبوية فشجَّ ها، فلما فعل ذلك قالت له أختُ ه وختنُ ه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسولِ ه، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عُ مر ما بأختِ ه من الدمِ ندِ مَ على ما صنع، فارعَ وى، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفةَ التي سمعتُ كم تقر ؤون آنفً ا أنظرُ ما هذا الذي جاء به محمدٌ ؟ وكان عمر كاتبً ا، فلما قال ذلك، قالت له أختُ ه: إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافي، وحلَ ف لَا بآلَته ليرَُ دَّ نهَّ ا إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك، طَ مِ عت في إسلامِ ه، فقالت له: يا أخي، إنك نَ جَ سٌ ، على شركك، وإنه لا يمسُّ ها إلا الطاهر. فقام عمر فاغتسلَ ، فأعطته الصحيفةَ ، وفيها: (ﭵ) فقرأها، فلما قرأ منها صَ درً ا، قال: ما أحسنَ هذا الكلامَ وأكرمه! فلما سمع ذلك خبابٌ خرج إليه. فقال له: يا عمرُ ، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصَّ ك بدعوةِ نبيِّ ه، فإني سمعتُ ه أمسِ وهو يقول: «اللهم أيِ دِ الإسلام بأبي الحَ كم بن هشامٍ ، أو بعمرَ بن الخطابِ » فاللهَ اللهَ يا عمرُ . فقال له عند ذلك عمرُ : فدُ لَّ ني يا خبابُ على محمدٍ حتى آتيه فأُ سلم، فقال له خباب: هو في بيتٍ عند الصفا، معه فيه نفرٌ من أصحابه، فأخذ عمرُ سيفَ ه فتوشحه، ثم عمدَ إلى رسول الله ﷺ وأصحابِ ه، فضبَ عليهم البابَ ، فلما سمعوا صوتَ ه، قام رجلٌ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ، فنظر من خَ لل الباب فرآه مُ توشِّ حً ا السيفَ ، فرجعَ إلى رسولِ الله ﷺ وهو فَ زِ عٌ .
عدد الصفحات ٦٧مختصر السيرة النبوية|67 فقال: يا رسول الله، هذا عمرُ بن الخطابِ متوشحً ا السيف، فقال حمزةُ بن عبد المطلب: فأْ ذَ نْ له، فإن كان جاء يريدُ خيرً ا بذلناه له، وإن كان جاء يريدُ شرا ا قتلناه بسيفه. فقال رسولُ الله ﷺ: «ائذن له». فأذن له الرجلُ ، ونهض إليه رسولُ الله ﷺ حتى لقيَ ه في الحُ جرة، فأخذ حُ جزته أو بمَ جمعِ ردائه، ثم جَ بذه به جبذةً شديدةً ، وقال: «ما جاء بك يا ابنَ الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تَ نتهيَ حتى يُ نزِ لَ الله بك قارعة ». فقال عمر يا رسول الله ، جئتُ ك لأومن بالله وبرسولِ ه، وبما جاء من عندِ الله. قال: فكبرَّ رسولُ الله ﷺ تكبيرةً عرف أهلُ البيت من أصحابِ رسولِ الله ﷺ أن عمر قد أسلم. فتفرَّ قَ أصحابُ رسول الله ﷺ من مكانهم، وقد عَ زُّ وا في أنفسِ هم حين أسلم عمرُ مع إسلامِ حمزةَ ، وعرفوا أنهما سيَ منعان رسولَ الله ﷺ، ويَ نتصفون بهما من عدوِّ هم. 12- خَبرُ الصحيفةِ قال ابنُ إسحاقَ : فلما رأت قريشٌ أن أصحابَ رسولِ الله ﷺ قد نزلوا بلدً ا أصابوا به أمنً ا وقرارً ا، وأن النجاشيَّ قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمرَ قد أسلمَ ، فكان هو وحمزةُ بن عبد المطلبِ مع رسولِ الله ﷺ وأصحابِ ه، وجعل الإسلامُ
عدد الصفحات ٦٨68 |مختصر السيرة النبوية يفشو في القبائلِ ، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابً ا يتعاقدون فيه على بني هاشمٍ ، وبني المطلبِ ، على أن لا ينكِ حوا إليهم ولا يُ نكحوهم، ولا يبيعوهم شيئً ا، ولا يَ بتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفةٍ ، ثم تَ عاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علَّ قوا الصحيفةَ في جوف الكعبةِ توكيدً ا على أنفسهم. قال ابنُ إسحاقَ : فلما فعلت ذلك قريشٌ انحازت بنو هاشمٍ وبنو المطَّ لب إلى أبي طالب بن عبد المطلبِ ، فدخلوا معه في شِ عبِ ه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشمٍ أبو لَبٍ عبدُ العُ زَّ ى بن عبد المطلب إلى قُ ريشٍ فظاهرهم. فأقاموا على ذلك سنتينِ أو ثلاثً ا، حتى جهدوا لا يصل إليهم شيءٌ إلا سرا ا مستخفيً ا به من أراد صلتهم من قريشٍ . 13- ذِكرُ ما لقي رسولُ الله ﷺ من قومِ ه من الأذى فجعلت قُ ريشٌ حين منعه الله منها، وقام عمُّ ه وقومه من بني هاشم وبني المطلب دونَ ه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطشِ به، ُمزونَ ه ويستهز ئون به ويخُ اصمونه، وجعل القرآنُ ينزل في قريشٍ بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته منهم، ومنهم من سُ مِّ ي لنا، ومنهم من نزل فيه القرآنُ في عامة من ذكر اللهُ من الكفار. فكان ممن سُ مِّ ي لنا من قريشٍ ممن نزل فيه القرآن عمُّ ه أبو لَبِ بن عبد المطلب وامرأتُ ه أم جميل بنتُ حرب بن أمية، حمَّ الة الحطب، وإنما سماَّ ها الله تعالى حمَّ الةَ الحطب؛ لأنها كانت -فيما بلغني- تحَ مِ ل الشوك فتطرحَ ه على طريق رسولِ الله ﷺ حيث يَ مرُّ ، فأنزل الله تعالى فيهما: (ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ
عدد الصفحات ٦٩مختصر السيرة النبوية|69 ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ) [5-1]. وأمية بنُ خلفٍ كان إذا رأى رسولَ الله ﷺ همَ زه ولمَ زه، فأنزل الله تعالى فيه: (ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ) [5-2]. ولقِي أبو جهل بنُ هشام رسولَ الله ﷺ -فيما بلغني - فقال له: والله يا محمدُ ، لتتركن سبَّ آلَتنا، أو لنسُ بَّ نَّ إلَك الذي تعبد. فأنزل الله تعالى فيه: (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ...) [542] .فذُكر لي أن رسولَ الله ﷺ كفَّ عن سبِّ آلَتهم، وجعلَ يدعوهم إلى الله. والنضُ بن الحارثِ ، كان إذا جلس رسولُ الله ﷺ جللسً ا، فدعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه القرآنَ ، وحذرَ فيه قريشً ا ما أصاب الأممَ الخالية؛ خلَ فَ ه في جللسِ ه إذا قام، فحدَّ ثهم عن رُ ستم السنديدِ ، وعن أسفَ نديارَ ، وملوك فارسَ ، ثم يقول : والله ما محمدٌ بأحسن حديثً ا مني، وما حديثُ ه إلا أساطيرُ الأولين، اكتتبَ ها كما اكتتبتُ ها. فأنزل الله فيه: (ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ) [1-6].
عدد الصفحات ٧٠