المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ الوقفية 2 مختصر السيرة النبوية لابن هشام

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ١٢ من ١٦

082 |مختصر السيرة النبوية قالَ ابنُ إسحاقَ : قالت: حتى وجدتُ في نفسي، فقلت: يا رسولَ الله -حين رأيتُ ما رأيتُ من جَ فائه لي-: لو أذِ نت لي، فانتقلتُ إلى أمِّ ي، فمرضتني؟ قال: «لا عليك». قالت: فانتقلتُ إلى أمِّ ي، ولا علمَ لي بشيءٍ مما كان، حتى نقِ هتُ من وجَ عي بعد بضعٍ وعشرين ليلةً ، وكنا قومً ا عرَ بً ا، لا نتخذُ في بيوتنا هذه الكنفَ التي تتخذها الأعاجمُ ؛ نَ عافُ ها ونَ كرهُ ها، إنما كنا نذهبُ في فُ سَ ح المدينةِ ، وإنما كانت النساءُ يخرجنَ كلَّ ليلةٍ في حوائِ جهن، فخر جتُ ليلةً لبعض حاجَ تي ومعي أمُّ مِ سطحٍ ، فوالله إنها لتمشي معي إذ عثُ رت في مِ رطها فقالت: تَ عِ س مِ سطحٌ ! ومسطحٌ لقب واسمه: عوفٌ . قالت: قلت: بئس لعمرُ الله ما قلت لرجلٍ من المهاجرين قد شهِ د بدرً ا، قالت: أوَ ما بلغك الخبرُ يا بنتَ أبي بكر؟ قالت: قلت: وما الخبرُ ؟ فأخبرتني بالذي كان من قولِ أهلِ الإفكِ . قالت: قلت: أوَ قد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان. قالت: فوالله ما قدِ رتُ على أن أقضيَ حاجَ تي ورجعتُ ، فوالله ما زلتُ أبكي حتى ظننت أن البكاءَ سيَ صدعُ كبِ دي.

عدد الصفحات ١٨٣

مختصر السيرة النبوية‏|083 قالت: وقلت لأمي: يغفرُ الله لك، تحدَّ ث الناسُ بما تحَ دَّ ثوا به، ولا تَ ذكُ رين لي من ذلك شيئً ا! قالت: أيْ بُ نية، خفِّ ضي عليك الشأنَ ، فوالله لقلما كانت امرأةٌ حسناءُ عند رجل يحُ بُّ ها لَا ضائرُ إلا كثَّ رن وكثر الناسُ عليها. قالت: وقد قام رسولُ الله ﷺ في الناسِ يخطُ بهم ولا أعلم بذلك، فحمِ د اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناسُ ، ما بالُ رجالٍ يُ ؤذونني في أهل، ويقولون عليهم غيرَ الحقِ ، والله ، ما عَ لمت منهم إلا خير ا، ويقولون ذلك لرجلٍ والله ما علمت منه إلا خير ا، وما يَ دخل بيت ا من بيوت إلا وهو معي». قالت: وكان كِبرُ ذلك عند عبدِ الله بن أبيِّ ابن سَ لول في رجال من الخزرجِ مع الذي قال مِ سطحُ وحمَ نةُ بنت جحش. فلما قال رسولُ الله ﷺ تلك المقالةَ ، قال أُ سيد بن حُ ضير: يا رسولَ الله، إن يكونوا من الأوسِ نَ كفِ كَ هم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرجِ ، فمُ رنا بأمرِ ك، فوالله إنهم لأهلٌ أن تُ ضب أعناقُ هم. قالت: فقام سعدُ بن عبادةَ ، وكان قبل ذلك يُ رى رجلاً صالحً ا، فقال: كذبتَ لعمرُ الله، لا نَ ضب أعناقَ هم، أما والله ما قلتَ هذه المقالةَ إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرجِ ، ولو كانوا من قومِ ك ما قلتَ هذا. فقال أسيدٌ : كذبتَ لعمرُ الله، ولكنك منافقٌ تُ ادلُ عن المنافقين.

عدد الصفحات ١٨٤

084 |مختصر السيرة النبوية قالت: وتساورَ الناسُ حتى كاد يكون بين هذين الحيَّ ين من الأوسِ والخزرج شر . قالت: ثم دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ، وعندي أبواي، وعندي امرأ ةٌ من الأنصارِ ، وأنا أبكي وهي تَ بكي معي، فجلسَ فحمِ د اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: «يا عائشةُ ، إنه قد كان ما قد بلغَ ك من قولِ الناسِ ، فاتَّ قي اللهَ، وإن كنت قد قارفتِ سوء ا مما يقولُ الناسُ فتوبي إلى الله، فإن اللهَ يقبلُ التوبةَ عن عباده». قالت فوالله ما هو إلا أن قالَ لي ذلك، فقَ لُ ص دمعي، حتى ما أُ حسُّ منه شيئً ا، وانتظرتُ أبوي أن يجُ يبا عنِّ ي رسولَ الله ﷺ، فلم يَ تكَ لَّ ما. قالت: وايمُ الله لأنا كنتُ أحقرَ في نفسي، وأصغرَ شأنً ا من أن يُ نزلَ الله فيَّ قرآنً ا يُ قرأ به في المساجدِ ، ويُ صلىَّ به، ولكني قد كنت أرجو أن يَ رى رسولُ الله ﷺ في نومِ ه شيئً ا يُ كذبُ به اللهُ عني، لما يَ علم من براءتي، أو يخُ برََ خبرً ا، فأما قرآنٌ ينزل فيَّ ! فوالله، لَ نَ فسي كانت أحقرَ عندي من ذلك. قالت: فلما لم أرَ أبويَّ يتكلمان؛ قلت لَما: ألا تُ يبان رسولَ الله ﷺ؟ قالت: فقالا: والله ما ندري بماذا نُ جيبه. قالت: ووالله ما أعلمُ أهلَ بيت دخل عليهم ما دخلَ على آلِ أبي بكرٍ في تلك الأيامِ . قالت: فلما أن استعجما عليَّ ، استعبرتُ فبكيت.

عدد الصفحات ١٨٥

مختصر السيرة النبوية‏|085 ثم قلت: والله لا أتوبُ إلى الله مما ذكرتَ أبدً ا، والله إني لأعلمُ لئن أقررت بما يقولُ الناسُ -والله يعلم أني منه بر يئةٌ - لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرتُ ما يقولون لا تُ صدقونني. قالت: ثم التمستُ اسمَ يعقوبَ فما أذكُ رُ ه، فقلت: ولكن سأقولُ كما قال أبو يوسفَ : (ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ) [52]. قالت فوالله، ما بَ رِ ح رسولُ الله ﷺ جللِ سه حتى تغشَّ اه من الله ما كان يَ تغشَّ اه، فسُ جِّ ي بثوبه ووضعت له وسادةٌ من أدَ م تحت رأسِ ه، فأما أنا حين رأيتُ من ذلك ما رأيتُ ، فوالله ما فزِ عت ولا باليتُ ، قد عَ رفت أني بريئةٌ ، وأن اللهَ  غيرُ ظالمي، وأما أبواي، فوالذي نفسُ عائشةَ بيده، ما سرُِّ ي عن رسول الله ﷺ حتى ظننت لتَ خرُ جَ نَّ أنفسُ هما فَ رَ قً ا من أن يأتي من الله تحقيقُ ما قال الناس. قالت: ثم سرُِّ ي عن رسولِ الله ﷺ، فجلسَ وإنه ليَ تحدَّ ر منه مثل الجُ مانِ في يوم شاتٍ ، فجعل يَ مسح العرقَ عن جبينِ ه ويقول: «أبشِي يا عائشةُ ، فقد أنزلَ اللهُ براءَ تك». قالت: قلت: بحمدالله، ثم خرجَ إلى الناسِ فخطبَ هم، وتلا عليهم ما أنزلَ اللهُ عليه من القرآنِ في ذلك، ثم أمرَ بمِ سطحِ بن أُ ثاثةَ ، وحسانَ بن ثابتٍ ، وحمَ نةَ بنت جحشٍ ، وكانوا ممن أفصحَ بالفاحشةِ ؛ فضُ بوا حدَّ هم.

عدد الصفحات ١٨٦

086 |مختصر السيرة النبوية [ 1- أمرُ الحديبيَ ة في آخر سنةِ ست قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم أقام رسولُ الله ﷺ بالمدينة شهرَ رمضانَ وشوالاً ، وخرج في ذي القعدة مُ عتمرً ا، لا يُ ريد حربً ا. قالَ ابنُ إسحاقَ : واستنفرَ العربَ ومن حولَ ه من أهل البوادي من الأعرابِ ليَ خرجوا معه، وهو يخَ شى من قريشٍ الذي صنَ عوا، أن يَ عرِ ضوا له بحربٍ أو يصدوه عن البيتِ ، فأبطأ عليه كثيرٌ من الأعرابِ ، وخرج رسولُ الله ﷺ بمن معه من المُ هاجرين والأنصارِ ومن لحِ ق به من العربِ ، وساقَ معه الَديَ ، وأحرمَ بالعُ مرة ليأمنَ الناسُ من حربه، وليعلمَ الناسُ أنه إنما خرجَ زائرً ا لَذا البيت ومُ عظِّ ماً له. قالَ ابنُ إسحاقَ : خرجَ رسولُ الله ﷺ عامَ الحديبية يُ ريد زيارةَ البيت، لا يُ ريدُ قتالاً ، وساق معه الَديَ سبعين بدنةً ، وكان الناس سبعَ مئة رجلٍ ، فكانت كلُّ بدنةٍ عن عشرة نفرٍ ، وكان جابرُ بن عبد الله -فيما بلغني- يقول: كنا أصحابَ الحديبيةِ أربعَ عشرة مئة. قال الزهري: وخرج رسولُ الله ﷺ حتى إذا كان بعُ سفانَ لقيه بِ شرُ بن سفيانَ الكعبيُّ ، فقال: يا رسولَ الله، هذه قريشٌ قد سمعت بمَ سيرك، فخَ رجوا معهم العُ وذُ المَ طافيلُ (1). (1) العُوذُ المَ طافِ يلُ : الإبل مع أولادها، كناية عن خروج النساء والصبيان معهم.

عدد الصفحات ١٨٧

مختصر السيرة النبوية‏|087 فقال رسولُ الله ﷺ: «يا ويحَ قريشٍ ! لقد أكَ لَ تهُ م الحربُ ، ماذا عليهم لو خلَّ وا بيني وبين سائرِ العربِ ، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهَ رني اللهُ عليهم دَ خلوا في الإسلامِ وافِ رين، وإن لم يَ فعلوا قاتَ لوا وبهم قوة ، فما تظن قريش ، فوالله لا أزالُ أجاهدُ على الذي بعثني اللهُ به حتى يُ ظهره اللهُ أو تنفردَ هذه السالفةُ ». ثم قال«مَن رجل يَ رج بنا على طريقٍ غيرِ طَ ريقهم التي هم بها؟». قالَ ابنُ إسحاقَ : فحدثني عبدُ الله بن أبي بكرٍ : أن رجلاً من أسلمَ قال: أنا يا رسولَ الله. فلما رأت خيلُ قريشٍ قَ ترَ ةَ الجيشِ (1) قد خالَ فوا عن طريقِ هم، رجعوا راكِ ضين إلى قريشٍ . وخرجَ رسولُ الله ﷺ حتى إذا سلك في ثَ نيَّ ةِ المُ رارِ بركت ناقتُ ه، فقالت الناسُ : خَ لأَ تِ (2) الناقةُ. قال: «ما خلأت وما هو هما بخُلقٍ ، ولكن حَ بَ سها حابسُ الفيل عن مكَّ ةَ ، لا تدعوني قريش اليومَ إلى خُ طةٍ يسألونني فيها صلةَ الرحمِ إلا أعطيتُ هم إياها». قال الزهري فلما اطمأن رسولُ الله ﷺ أتاه بُ ديل بن ورقاءَ الخُ زاعيُّ في رجال من خزاعةَ ، فكلموه وسألوه: ما الذي جاء به؟ (1) قَترَ ة الجيش: غباره. (2) خَلأََ تْ : أي بركت من غير علة.

عدد الصفحات ١٨٨

088 |مختصر السيرة النبوية فأخبرهم أنه لم يأت يُ ريد حربً ا، وإنما جاء زائرً ا للبيتِ ، ومُ عظِّ ماً لحرمَ تِ ه، فرَ جعوا إلى قريشٍ فقالوا: يا معشرَ قريشٍ ، إنكم تَ عجلون على محمدٍ ، إن محمدً ا لم يأت لقتالٍ ، وإنما جاء زائرً ا للبيتِ ، فاتهََّ موهم وجَ بَّ هوهم(1) وقالوا: وإن كان جاء ولا يُ ريد قتالاً ، فوالله لا يَ دخلها علينا عُ نوة أبدً ا، ولا تحَُ دِّ ث بذلك عنا العربُ . قال الزهري: وكانت خُ زاعةُ عَ يبةَ نُ صحِ رسولِ الله ﷺ، مسلمُ ها ومشركُ ها، لا يخُ فون عنه شيئً ا كان بمكَّ ةَ . قال: ثم بعثوا إليه مِ كرَ زَ بن حفصِ بن الأخيفِ أخا بني عامرِ بن لؤيٍ ، فلما رآه رسولُ الله ﷺ مُ قبلاً قال: «هذا رجل غادر »، فلما انتهى إلى رسولِ الله ﷺ وكلَّ مه، قال له رسولُ الله ﷺ نحوً ا مما قال لبُ ديلٍ وأصحابِ ه، فرجع إلى قريشٍ فأخبرَ هم بما قال له رسولُ الله ﷺ. قال الزهريُّ : ثم بعثوا إليه الحُ ليس بن علقمةَ أو ابن زبَّ ان، وكان يومئذ سيِّ د الأحابيشِ ، وهو أحدُ بني الحارث بنِ عبد مناةَ بن كنانةَ ، فلما رآه رسولُ الله ﷺ قال: «إن هذا من قومٍ يَ تأهمَّ ون، فابعثوا اهمديَ في وجهِ ه حتى يراه»، فلما رأى الَديَ يسيلُ عليه من عُ رضِ الوادي في قلائدِ ه، وقد أكلَ أوبارَ ه من طولِ الحبسِ عن محَ لِّ ه، رجع إلى قريشٍ ، ولم يَ صل إلى رسولِ الله ﷺ إعظامً ا لما رأى، فقال لَم ذلك. قال: فقالوا له: اجلسْ ، فإنما أنت أعرابي لا علم لك. (1) جَبَّ هُ وهم: أي استقبلوهم بالمكروه.

عدد الصفحات ١٨٩

مختصر السيرة النبوية‏|089 قالَ ابنُ إسحاقَ : فحدثني عبدُ الله بن أبي بكرٍ : أن الحُ ليسَ غضبَ عند ذلك وقال: يا معشرَ قريشٍ ، والله ما على هذا حالفناكُ م، ولا على هذا عاقدناكم، أيُ صدُّ عن بيت الله مَ ن جاء مُ عظِّ ماً له! والذي نفس الحُ ليس بيدِ ه، لتُ خلُّ نَّ بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفِ رن بالأحابيشِ نفرةَ رجل واحدٍ ، قال: فقالوا له: مه، كُ فَّ عنا يا حليسُ حتى نأخُ ذَ لأنفسنا ما نرضى به. ثم بعثوا إلى رسولِ الله ﷺ عروةَ بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشرَ قريشٍ ، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بَ عثتموه إلى محمدٍ إذ جاءَ كم من التعنيفِ وسوءِ اللفظ، وقد عرَ فتم أنكم والدٌ وأني ولد -وكان عروةُ لسبيعةَ بنتِ عبد شمس- وقد سمعت بالذي نابَ كم، فجمعتُ من أطاعني من قومي، ثم جئتُ كم حتى آسيتُ كُ م بنفسي. قالوا: صدقتَ ، ما أنت عندنا بمُ تَّ هم. فخرج حتى أتى رسولَ الله ﷺ، جلسَ بين يديه، ثم قال: يا محمدُ ، أجمعت أوشابَ الناسِ ، ثم جئت بهم إلى بيضَ تِ ك لتفُ ضَّ ها بهم، إنها قريشٌ قد خرجت معها العُ وذ المَ طافيلُ ، قد لبسوا جلودَ النمور، يعاهدون اللهَ لا تدخُ لها عليهم عُ نوةً أبدً ا، وايمُ الله، لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدً ا. قال: وأبو بكر الصديقُ خلفَ رسولِ الله ﷺ قاعدٌ ، فقال: امصُ ص بَ ظْ رَ اللاتِ ، أنحن ننكشفُ عنه؟! قال: من هذا يا محمدُ ؟ قال: «هذا ابن أبي قُحافةَ ».

عدد الصفحات ١٩٠

091 |مختصر السيرة النبوية قال: أما والله لولا يَ دٌ كانت لك عندي لكافأتُ ك بها، ولكن هذه بها، قال: ثم جعل يَ تناول لحِ يةَ رسولِ الله ﷺ وهو يكلِّ مه، قال: والمغيرةُ بن شعبة واقفٌ على رأسِ رسولِ الله ﷺ في الحديدِ ، قال: فجعل يقرَ عُ يدَ ه إذا تناولَ لحيةَ رسولِ الله ﷺ، ويقول: اكفُ فْ يدَ ك عن وجه رسولِ الله ﷺ قبل ألا تَ صِ لَ إليك. فكلمه رسو لُ الله ﷺ بنحوٍ مما كلم به أصحابَ ه، وأخبره أنه لم يأت يُ ريد حربً ا، فقام من عند رسولِ الله ﷺ وقد رأى ما يَ صنع به أصحابُ ه، لا يتوضأُ إلا ابتدروا وَ ضوءَ ه، ولا يَ بصُ ق بُ صاقً ا إلا ابتدروه ، ولا يسقطُ من شعره شيءٌ إلا أخذوه. فرجع إلى قريشٍ ، فقال: يا معشرَ قريشٍ ، إني قد جئت كسرى في مُ لكِ ه، وقيصرَ في ملكه ، والنجاشيَّ في ملكِ ه، وإني والله ما رأيت مَ لكً ا في قوم قط مثلَ محمدٍ في أصحابه، ولقد رأيتُ قومً ا لا يُ سلمونه لشيء أبدً ا، فَ رُ وا رَ أيَ كم. قالَ ابنُ إسحاقَ : وحدثني بعضُ أهل العلمِ أن رسولَ الله ﷺ دعا خِ راشَ بن أميةَ الخُ زاعيَّ ، فبعثه إلى قريشٍ بمكَّ ةَ ، وحمله على بعيرٍ له يُ قال له: الثعلبُ ، ليُ بَ لِّ غَ أشرافَ هم عنه ما جاءَ له، فعقروا به جملَ رسولِ الله ﷺ، وأرادوا قتلَ ه، فمنعته الأحابيشُ ، فخلوا سبيلَ ه حتى أتى رسولَ الله ﷺ. قالَ ابنُ إسحاقَ : عن ابن عباسٍ أن قريشً ا كانوا بعثوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين رجلاً ، وأمروهم أن يُ طيفوا بعسكرِ رسولِ الله ﷺ، ليُ صيبوا لَم من أصحابِ ه أحدً ا، فأُ خذوا أخذً ا، فأتي بهم رسولُ الله ﷺ، فعفا عنهم، وخلىَّ سبيلَ هم، وقد كانوا رَ موا في عسكر رسولِ الله ﷺ بالحجارةِ والنَّ بلِ .

عدد الصفحات ١٩١

مختصر السيرة النبوية‏|090 ثم دعا عمرَ بن الخطاب ليبعثَ ه إلى مكَّ ةَ ، فيُ بَ لِّ غ عنه أشرافَ قريش ما جاء له، فقال: يا رسولَ الله، إني أخاف قريشً ا على نفسي، وليس بمكَّ ةَ من بني عديِّ بن كعب أحدٌ يَ منعني، وقد عرفت قريشٌ عداوتي إياها، وغِ لظَ تي عليها، ولكني أدلُّ ك على رجلٍ أعز بها مني، عثمانَ بن عفان. فدعا رسولُ الله ﷺ عثمانَ بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيانَ وأشرافِ قريشٍ ؛ يخُ برهم أنه لم يأت لحربٍ ، وأنه إنما جاء زائرً ا لَذا البيتِ ، ومُ عظِّ ماً لحُ رمته. قالَ ابنُ إسحاقَ : فخرج عثمانُ إلى مكةَ ، فلقيه أبانُ بن سعيدِ بن العاص حين دخل مكةَ ، أو قبل أن يَ دخُ لها، فحمله بين يديه، ثم أجارَ ه حتى بلَّ غ رسالةَ رسولِ الله ﷺ، فانطلقَ عثمانُ حتى أتى أبا سفيانَ وعظماءَ قريشٍ ، فبلَّ غهم عن رسولِ الله ﷺ ما أرسلَ ه به، فقالوا لعثمانَ حين فرغَ من رسالةِ رسولِ الله ﷺ إليهم: إن شئتَ أن تطوفَ بالبيت فطُ فْ . فقال: ما كنت لأفعلَ حتى يطوفَ به رسولُ الله ﷺ، واحتبسته قريشٌ عندها، فبلغ رسولَ الله ﷺ والمسلمين أن عثمانَ بن عفان قد قُ تل. 2- بيعةُ الرِّ ضوان قالَ ابنُ إسحاقَ : فحدثني عبدُ الله بن أبي بكرٍ : أن رسولَ الله ﷺ قال حين بلغَ ه أن عثمانَ قد قُ تِ ل: «لا نبرحُ حتى نُ ناجز القومَ ». فدعا رسولُ الله ﷺ الناسَ إلى البيعةِ ، فكانت بيعةُ الرضوان تحت الشجرةِ ، فكان الناسُ يقولون: بايَ عهم رسولُ الله ﷺ على الموتِ ، وكان جابرُ بن عبدِ الله يقول: إن رسولَ الله ﷺ لم يبايعْ نا على الموت، ولكن بايعَ نا على أن لا نَ فِ رَّ .

عدد الصفحات ١٩٢

092 |مختصر السيرة النبوية فبايعَ رسولُ الله ﷺ الناسَ ، ولم يتخلف عنه أحدٌ من المسلمين حَ ضَ ها إلا الجدُّ بن قيسٍ أخو بني سلمةَ ، فكان جابرُ بن عبد الله يقول: والله لَ كأني أنظر إليه لاصقً ا بإبطِ ناقته، قد ضبَ أَ إليها، يستتر بها من الناسِ . ثم أتى رسولَ الله ﷺ أن الذي ذُ كر من أمر عثمانَ باطلٌ . 3- أمرُ الهدنةِ قالَ ابنُ إسحاقَ : قال الزهريُّ : ثم ب عثت قريشٌ سهيلَ بن عمرو أخا بني عامرِ بن لؤيٍّ إلى رسولِ الله ﷺ، وقالوا له: ائت محمدً ا فصالحه، ولا يكن في صُ لحه إلا أن يرجع عنا عامَ ه هذا، فوالله لا تحُ دِّ ثُ العربُ عنا أنه دخلها علينا عُ نوةً أبدً ا. فأتاه سُ هيل بن عمرو، فلما رآه رسولُ الله ﷺ مُ قبلاً ، قال: «قد أراد القومُ الصلحَ حين بعثوا هذا الرجلَ ». فلما انتهى سهيلُ بن عمرو إلى رسولِ الله ﷺ تكلَّ م فأطالَ الكلامَ ، وتراجَ عا، ثم جرى بينهما الصلحُ . فلما التَ أَ مَ الأمرُ ولم يبقَ إلا الكتابُ وثَ ب عمرُ بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكرٍ ، أليس برسولِ الله؟ قال: بلى. قال: أوَ لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى.

عدد الصفحات ١٩٣

مختصر السيرة النبوية‏|093 قال: أوَليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلامَ نُ عطى الدنيَّ ة في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عُ مر، الزم غرزَ ه، فإني أشهدُ أنه رسولُ الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسولُ الله. ثم أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، ألست برسولِ الله؟ قال: «ب». قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: «ب». قال أوليسوا بالمشركين؟ قال: «ب». قال: فعلامَ نُ عطى الدنيةَ في ديننا؟ قال: «أنا عبدُ الله ورسولُ ه، لن أخالفَ أمرَ ه، ولن يضيعني!». قال: فكان عمر يقول ما زلتُ أتصدَّ ق وأصومُ وأصلي وأُ عتقُ ، من الذي صنعتُ يومئذٍ مخافةَ كلامي الذي تكلمتُ به، حتى رجوتُ أن يكون خيرً ا. قال: ثم دعا رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالبٍ رِ ضوان الله عليه، فقال: «اكتُب: بسمِ الله الرحمن الرحيم».

عدد الصفحات ١٩٤

094 |مختصر السيرة النبوية قال: فقال سُ هيلٌ : لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمِ ك اللهمَّ . فقال رسولُ الله ﷺ: «اكتُب: باسمك اللهمَّ »، فكتبها. ثم قال: «اكتُب: هذا ما صالحَ عليه محمد رسولُ الله سُ هيلَ بن عمرو». قال: فقال سهيلٌ : لو شهدتُ أنك رسولُ الله لم أقاتِ لك، ولكن اكتُ بُ اسمَ ك واسم أبيك. قال: فقال رسولُ الله ﷺ: «اكتُبْ : هذا ما صالحَ عليه محمدُ بن عبدِ الله سُ هيلَ بن عمرو، اصطلحا على وضعِ الحربِ عن الناسِ عشَْ سنين، يأمنُ فيهن الناسُ ويكُ ف بعضُ هم عن بعض، على أنه من أتى محمد ا من قريشٍ بغير إذن وليِ ه ردَّ ه عليهم، ومن جاء قريش ا ممن مع محمدٍ لم يردوه عليه، وإن بيننا عَ يبة مَ كفوفة (1)، وأنه لا إسلالَ ولا إغلالَ (2)،وأنه من أحبَّ أن يدخلَ في عقد محمدٍ وعهدِ ه دخل فيه، ومن أحب أن يدخلَ في عقدِ قريشٍ وعهدِ هم دخل فيه». فتواثبت خُ زاعةُ فقالوا: نحن في عقدِ محمدٍ وعهدِ ه، وتواثبت بنو بكرٍ ، فقالوا: نحن في عقدِ قريشٍ وعهدِ هم. وأنك تَ رجعُ عنا عامَ ك هذا، فلا تدخلُ علينا مكةَ ، وأنه إذا كان عامُ قابلٍ خرجنا عنك فدَ خَ لتها بأصحابِ ك، فأقمت بها ثلاثً ا، معك سلاحُ الراكِ بِ السيوفُ في القُ ربِ ، لا تدخلها بغيرها. (1) عَيْ بَ ةً مَكفوفةً: استعارة، وإنما يريد أنك تكفّ عنا ونكفّ عنك. (2) الإسْلاَ ل: السرقة الخفية. والإغْ لاَ ل: الخيانة.

عدد الصفحات ١٩٥

مختصر السيرة النبوية‏|095 فبينا رسولُ الله ﷺ يكتُ ب الكتابَ هو وسهيلُ بن عمرو، إذ جاء أبو جَ ندلِ بن سهيلِ بن عمرو يرسُ ف في الحديدِ ، قد انفلت إلى رسولِ الله ﷺ، وقد كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ خَ رجوا وهم لا يشكُّ ون في الفتحِ ، لرؤيا رآها رسولُ الله ﷺ، فلما رأوا ما رأوا من الصلحِ والرجوعِ ، وما تحمَّ ل عليه رسولُ الله ﷺ في نفسِ ه؛ دخلَ على الناسِ من ذلك أمرٌ عظيمٌ ، حتى كادوا َُ لِ كون، فلما رأى سهيلٌ أبا جندلٍ قام إليه ف ضبَ وجهَ ه، وأخذ بتَ لْ بيبه ثم قال: يا محمدُ ، قد لجَّ ت القضيةُ (1) بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقتْ ، فجعل يَ نترُُ ه بتلبيبِ ه، ويجُ رُّ ه ليردَّ ه إلى قريشٍ ، وجعل أبو جَ ندلٍ يصرخُ بأعلى صوتِ ه: يا معشرَ المسلمين، أأُ رَ دُّ إلى المشركين يَ فتنوني في ديني؟ فزاد ذلك الناسَ إلى ما بهم، فقال رسولُ الله ﷺ: «يا أبا جندلٍ ، اصبرْ واحتسبْ ، فإن اللهَ جاعل لك ولمن معك من المُ ستضعفين فرج ا ومَ رج ا، إنا قد عَ قدنا بيننا وبين القومِ صُ لح ا، وأعطيناهم على ذلك، وأَ عطَ ونا عهدَ الله، وإنا لا نَ غدِ ر بهم». قال: فوثب عمرُ بن الخطابِ مع أبي جَ ندلٍ يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبرْ يا أبا جَ ندلٍ ، فإنما هم المشركون، وإنما دمُ أحدِ هم دمُ كلبٍ . قال: ويُ دني قائمَ السيفِ منه. قال: يقول عمر: رجوتُ أن يأخذَ السيفَ فيضبَ به أباه، قال: فضنَّ الرجلُ بأبيه، ونفذت القضيةُ . (1) َّلجت القضيةُ: أي: وَ جَ بَ تْ .

عدد الصفحات ١٩٦

096 |مختصر السيرة النبوية قالَ ابنُ إسحاقَ : وكان رسولُ الله ﷺ مضطربً ا في الحِ لِّ (1)، وكان يُصليِّ في الحرمِ ، فلما فرغَ من الصلحِ قدِ م إلى هديه فنحرَ ه، ثم جلسَ فحلقَ رأسَ ه، وكان الذي حلقه -فيما بلغني- في ذلك اليوم خِ راش بن أميةَ بن الفضل الخزاعيُّ ، فلما رأى الناسُ أن رسولَ الله ﷺ قد نحرَ وحَ لَ قَ تواثَ بوا ينحرون ويحلِ قون. 4- ما جرى عليه أمرُ قومٍ من المستضعفين بعد الصلحِ قالَ ابنُ إسحاقَ : فلما قدِ مَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أتاه أبو بَ صيرٍ عُ تبةُ بن أسيد، وكان ممن حُ بس بمكةَ ، فلما قدم على رسولِ الله ﷺ كتب فيه أزهرُ بن عبدِ عوف والأخنسُ بن شرَ يقٍ إلى رسولِ الله ﷺ، وبعثا رجلاً من بني عامرِ بن لؤيٍّ ، ومعه مولىً لَم، فقدما على رسولِ الله ﷺ بكتابِ الأزهرِ والأخنسِ . فقال رسولُ الله ﷺ: «يا أبا بَصيرٍ ، إنا قد أعطينا هؤلاءِ القومَ ما قد علمتَ ، ولا يصلُ ح لنا في دينِ نا الغدرُ ، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرج ا ومَ رج ا، فانطَ لِ ق إلى قومِ ك». قال: يا رسولَ الله، أتردُّ ني إلى المشركين يفتِ نونني في ديني؟! قال: «يا أبا بصيرٍ ، انطلقْ ، فإن اللهَ تعالى سيجعلُ لك ولمن معك من المستضعفين فرج ا ومرج ا». فانطلقَ معهما، حتى إذا كان بذي الحُ ليفةِ ، جلسَ إلى جدارٍ ، وجلسَ معه صاحباه، فقال أبو بصيرٍ : أصارمٌ سيفُ ك هذا يا أخا بني عامر؟ (1) مضطربًا في الحِ لِّ : معناه أن أبنيته كانت مضوبة في الحل وكانت صلاته في الحرم؛ وهذا لقرب الحديبية من الحرم.

عدد الصفحات ١٩٧

مختصر السيرة النبوية‏|097 فقال: نعم. قال: أنظرُ إليه؟ قال: انظرْ ، إن شئتَ . قال: فاستلَّ ه أبو بصيرٍ ، ثم علاه به حتى قتلَ ه، وخرجَ المولى سريعً ا حتى أتى رسولَ الله ﷺ وهو جالسٌ في المسجدِ ، فلما رآه رسولُ الله ﷺ طالعً ا قال: «إن هذا الرجلَ قد رأى فزع ا» فلما انتهى إلى رسولِ الله ﷺ، قال: «ويحَك! ما لك؟». قال: قتل صاحبُ كم صاحبي ، فوالله ما برِ ح حتى طلعَ أبو بصيرٍ مُ توشِّ حً ا بالسيفِ ، حتى وقف على رسولِ الله ﷺ، فقال: يا رسولَ الله، وفَ تْ ذمَّ تُ ك، وأدَّ ى اللهُ عنك، أسلَ متني بيد القومِ وقد امتنعتُ بديني أن أُ فتن فيه، أو يُ عبث بي. قال: فقال رسولُ الله ﷺ: «ويلُ أمِ ه، مِ ـحَ ش (1) حربٍ لو كان معه رجال !». ثم خرج أبو بصير حتى نزل العِ يصَ ، من ناحية ذي المَ روةِ ، على ساحلِ البحر، بطريق قُ ريشٍ التي كانوا يأخذون عليها إلى الش أم، وبلغ المسلمين الذين كانوا ا حتُ بسوا بمكَّ ةَ قولُ رسول الله ﷺ لأبي بصير: «ويلُ أ مِه ، محَِش حربٍ لو كان معه رجال ! »، فخرجوا إلى أبي بَ صيرٍ بالعِ يصِ ، فاجتمع إليه منهم قريبٌ من سبعين رجلاً ، وكانوا قد ضيَّ قوا على قريشٍ ، لا يَ ظفرون بأحدٍ منهم إلا قَ تلوه، ولا تمرُّ بهم عيرٌ إلا اقتَ طعوها، حتى كتبت قريشٌ إلى رسولِ الله ﷺ تَ سألُ بأرحامِ ها إلا آواهم، فلا حاجةَ لَم بهم؛ فآواهم رسولُ الله ﷺ، فقدِ موا عليه المدينةَ . (1) مِـحَ شُّ حربٍ : أي موقد حرب ومهيجها.

عدد الصفحات ١٩٨