066 |مختصر السيرة النبوية فلما كانت ليلةُ السبتِ من شوال سنةَ خمسٍ ، وكان من صُ نع الله لرسولِ ه ﷺ أن أرسلَ أبو سفيانَ بن حرب ور ؤوس غطفانَ إلى بني قريظةَ عِ كرمةَ بن أبي جهلٍ ، في نفرٍ من قريشٍ وغطفانَ ، فقالوا لَم: إنا لسنا بدارِ مُ قامٍ ، قد هلك الخُ فُّ والحافرُ ، فاغدوا للقتالِ حتى نُ ناجز محمدً ا، ونُ فرغَ مما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم: إن اليومَ يومُ السبت، وهو يومٌ لا نعمل فيه شيئً ا، وقد كان أحدث فيه بعضُ نا حدثً ا، فأصابه ما لم يخَْ فَ عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتلُ معكم محمدً ا حتى تعط ونا رُ هُ نً ا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثِ قةً لنا حتى نُ ناجز محمدً ا، فإنا نخشى إن ضََّ سَ تْ كم الحربُ ، واشتد عليكم القتالُ أن تَ نشَ مِ روا إلى بلادكِ م وتتركونا، والرجلُ في بلدنا، ولا طاقةَ لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسلُ بما قالت بنو قُ ريظةَ ، قالت قريشٌ وغطفانُ : والله إن الذي حدَّ ثكم نُ عيمُ بن مسعود لحق ، فأرسَ لوا إلى بني قريظةَ : إنا والله لا ندفعُ إليكم رجلاً واحدً ا من رجالِ نا، فإن كنتم تُ ريدون القتالَ فاخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قُ ريظةَ حين انتهت الرسلُ إليهم بهذا: إن الذي ذَ كر لكم نُ عيم بن مسعودٍ لحَ ق ، ما يُ ريد القومُ إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فُ رصةً انتهزوها، وإن كان غيرَ ذلك انشمروا إلى بلادهم ، وخلُّ وا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريشٍ وغطفانَ : إنا والله لا نقاتلُ معكم محمدً ا حتى تُ عطونا رُ هُ نً ا، فأبوا عليهم، وخذَّ لَ اللهُ بينهم، وبعث اللهُ عليهم الريحَ في ليالٍ شاتيةٍ باردةٍ شديدةِ البرد، فجعلت تكفأُ قدورَ هم، وتطرح أبنيتهم.
عدد الصفحات ١٦٧مختصر السيرة النبوية|067 قال: فلما انتهى إلى رسولِ الله ﷺ ما اختلف من أمرِ هم، وما فرَّ ق اللهُ من جماعتهم، دعا حذيفةَ بنَ اليمان، فبعثه إليهم؛ لينظُ رَ ما فعل القومُ ليلاً ، فقال: «يا حذيفةُ ، اذهب فادخُ ل في القومِ ، فانظرْ ماذا يَ صنعون، ولا تحُ دِ ثنَّ شيئ ا حتى تأتينا». قال: فذهبتُ فدخلت في القومِ والريحُ وجنودُ الله تفعل بهم ما تَ فعل، لا تُ قر لَم قِ درً ا ولا نارً ا ولا بناء. فقام أبو سفيان، فقال: يا معشرَ قريشٍ : ليَ نظر امرؤٌ مَ ن جليسُ ه؟ قال حذيفةُ : فأخذت بيد الرجلِ الذي كان إلى جنبي، فقلت: مَ ن أنت؟ قال: فلانُ بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشرَ قريشٍ ، إنكم والله ما أصبَ حتم بدارِ مُ قامٍ ، لقد هلك الكُ راعُ والخُ فُّ ، وأخلفتنا بنو قريظةَ ، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريحِ ما ترون، ما تطمئِ نُّ لنا قدرٌ ، ولا تقوم لنا نارٌ ، ولا يستمسك لنا بناءٌ ، فارتحِ لوا فإني مُ رتحلٌ ، ثم قام إلى جمَ لِ ه وهو معقولٌ ، فجلس عليه، ثم ضبَ ه، فوثب به على ثلاثٍ ، فوالله ما أَ طلق عِ قالَ ه إلا وهو قائمٌ ، ولولا عهدُ رسول الله ﷺ إلي «أن لا تحُدِ ث شيئ ا حتى تأتيني» ثم شئت، لقتلته بسهم. قال حذيفةُ : فرجعت إلى رسولِ الله ﷺ وهو قائمٌ يصلي في مِ رطٍ (1) لبعض نسائه مُ رَ حَّ ل، فلما رآني أدخلني إلى رجليه، وطرح عليَّ طرَ ف المرطِ ، ثم ركع وسجدَ ، وإني لفِ يه، فلما سلمَ أخبرتُ ه الخبرَ ، وسمعتْ غطفانُ بما فعلت قريشٌ ، فانشمَ روا راجعين إلى بلادِ هم. (1) المِرْ ط: كساء من صوف أو خز كان يؤتزر بها.
عدد الصفحات ١٦٨068 |مختصر السيرة النبوية قالَ ا بنُ إسحاقَ : ولما أصبحَ رسولُ الله ﷺ انصرفَ عن الخندقِ راجعً ا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاحَ . 15- غزوةُ بني قريظةَ في سنةِ خمس فلما كانت الظُّ هرُ أتى جبريلُ رسولَ الله ﷺ، مُ عتجرً ا بعمامة من إستبرقٍ ، على بغلة عليها رِ حالةٌ ، عليها قطيفةٌ من ديباجٍ ، فقال: أَ وَ قَ د وضَ عْ ت السلاحَ يا رسولَ الله؟ قال: «نعم». فقال جبريلُ : فما وضعتِ الملائكةُ السلاحَ بعد، وما رجعت الآن إلا من طلبِ القومِ ، إن اللهَ يأمرُك يا محمدُ بالمَ سيرِ إلى بني قريظةَ ، فإني عامدٌ إليهم فمُ زلزلٌ بهم. فأمرَ رسولُ الله ﷺ مُ ؤذِّ نا فأذن في الناسِ : من كان سامعً ا مُ طيعً ا، فلا يُ صلِّ ين العصرَ إلا ببني قريظةَ . قالَ ابنُ إسحاقَ : وقدَّ مَ رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالبٍ برايتِ ه إلى بني قريظةَ ، وابتدَ رَ ها الناسُ . ولما أتى رسولُ الله ﷺ بني قريظةَ : نزل على بئرٍ من آبارِ ها من ناحيةِ أموالَم يُ قال لَا: بئرُ أُ نا. قال: وحاصرَ هم رسولُ الله ﷺ خمسً ا وعشرين ليلةً حتى جَ هِ دهم الحصارُ ، وقذفَ اللهُ في قلوبهم الرعبَ .
عدد الصفحات ١٦٩مختصر السيرة النبوية|069 وقد كان حُ ييُّ بن أخطبَ دخل مع بني قريظةَ في حِ صنِ هم حين رجعت عنهم قريشٌ وغَ طفانُ ، وفاءً لكعب بن أسدٍ بما كان عاهده عليه ، فلما أيقنوا بأن رسولَ الله ﷺ غيرُ منصرفٍ عنهم حتى يُ ناجزَ هم، قال كعبُ بن أسدٍ لَم: يا معشرَ ُودَ ، قد نزلَ بكم من الأمرِ ما تَ رون، وإني عارضٌ عليكم خِ لالا ثلاثً ا، فخذوا أَُّ ا شئتم. قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجلَ ونصدِّ قه فو الله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسلٌ ، وأنه للَّ ذي تَ دونه في كتابِ كم، فتأمنون على دمائِ كم وأموالِ كم وأبنائِ كم ونسائكم. قالوا: لا نُ فارقُ حكمَ التوراة أبدً ا، ولا نستبدلُ به غيرَ ه. قال: فإذا أبيتم عليَّ هذه، فهَ لُ مَّ فلنقتُ ل أبناءَ نا ونساءنا، ثم نَ خرج إلى محمدٍ وأصحابِ ه رجالاً مُ صلتين السيوفَ ، لم نترك وراءنا ثَ قَ لاً ، حتى يحَ كم اللهُ بيننا وبين محمدٍ ، فإن نهَ لِ ك نهَ لِ ك ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه، وإن نَ ظهر فلَ عمري لنجدنَّ النساءَ والأبناءَ . قالوا: نقتلُ هؤلاء المساكين! فما خيرُ العيشِ بعدَ هم؟ قال: فإن أبيتم عليَّ هذه، فإن الليلةَ ليلةُ السبتِ ، وإنه عسى أن يكون محمدٌ وأصحابُ ه قد أَ مِ نونا فيها، فانزِ لوا لعلنا نصيبُ من محمدٍ وأصحابِ ه غِ رَّ ةً . قالوا: نُ فسد سبتنا علينا، ونُ حدثُ فيه ما لم يحُ دِ ثُ مَ ن كان قبلَ نا إلا من قد علمتَ ، فأصابه ما لم يخَْ فَ عليك من المسخِ !
عدد الصفحات ١٧٠071 |مختصر السيرة النبوية قال: ما بات رجلٌ منكم منذ ولدتُ ه أمُّ ه ليلةً واحدةً من الدهر حازمً ا. قال: ثم إنهم بَ عثوا إلى رسولِ الله ﷺ: أن ابعث إلينا أبا لُ بابةَ بنِ عبدِ المنذر أخا بني عمرِ و بن عوفٍ ، وكانوا حُ لفاء الأوسِ ، لنَ ستشيرَ ه في أمرنا ؛ فأرسله رسولُ الله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجالُ ، وجَ هَ ش إليه النساءُ والصِّ بيانُ يبكون في وجهِ ه؛ فرَ قَّ لَم. وقالوا له: يا أبا لُ بابةَ ! أترى أن ننزلَ على حكم محمدٍ ؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حَ لْ قِ ه أنه الذبحُ . قال أبو لبابةَ : فوالله ما زالت قَ دماي من مكانهِ ما حتى عرَ فت أني قد خُ نت اللهَ ورسولَ ه ﷺ، ثم انطلقَ أبو لبابةَ على وجهِ ه ولم يأتِ رسولَ الله ﷺ حتى ارتُ بِ ط في المسجدِ إلى عمودٍ من عُ مُ دِ ه. وقال: لا أبرحُ مكاني هذا حتى يتوبَ الله عليَّ مما صنعتُ ، وعاهدَ الله: ألا أطأ بني قريظةَ أبدً ا، ولا أُ رى في بلدٍ خُ نت اللهَ ورسولَ ه فيه أبدً ا. قالَ ابنُ إسحاقَ : فلما بلغَ رسولَ الله ﷺ خبرُ ه -وكان قد استبطأَ هُ - قال: «أما إنه لو جاءني لاستغفرتُ له، فأما إذ قد فعلَ ما فعلَ ، فما أنا بالذي أُ طلِ قه من مكانِ ه حتى يتوبَ اللهُ عليه». قالَ ابنُ إسحاقَ : فحدثني يزيدُ بن عبدِ الله بن قُ سيطٍ أن توبةَ أبي لبابةَ نزلت على رسولِ الله ﷺ من السَّ حَ رِ ، وهو في بيتِ أم سلمةَ .
عدد الصفحات ١٧١مختصر السيرة النبوية|070 قال ابنُ هشامٍ : أقام أبو لبابةَ مُ رتبطً ا بالجذعِ ست ليالٍ ، تأتيه امرأتُ ه في كل وقت صلاةٍ ، فتَ حُ لُّ ه للصلاةِ ، ثم يعودُ فيرتبط بالجذعِ . قال فلما أصبَ حوا نزلوا على حُ كم رسولِ الله ﷺ، فتواثَ بت الأوسُ فقالوا: يا رسولَ الله، إنهم موالينا دون الخزرجِ ، وقد فعَ لْ ت في موالي إخواننا بالأمسِ ما قد علمتَ -وقد كان رسولُ الله ﷺ قبل بني قُ ريظةَ قد حاصر بني قينُ قاعَ ، وكانوا حلفاءَ الخزرج، فنزلوا على حُ كمِ ه، فسأله إياهم عبدُ الله بن أُ بي ابن سَ لولٍ ، فوهبهم له- فلما كلَّ مَ ته الأوسُ قال رسولُ الله ﷺ: «ألا تَرضون يا معشَ الأوسِ أن يحكُ م فيهم رجل منكم؟». قالوا: ب. قال رسولُ الله ﷺ: «فذاك إلى سعدِ بن معاذٍ ». وكان رسولُ الله ﷺ قد جعلَ سعدَ بن معاذٍ في خيمةٍ لامرأةٍ من أسلمَ ، يُ قال لَا: رُ فيدةُ -في مسجِ دِ ه- كانت تُ داوي الجَ رحى، وتحتسبُ بنفسها على خِ دمة من كانت به ضيعةٌ من المسلمين. وكان رسولُ الله ﷺ قد قال لقومِ ه حين أصابه السهمُ بالخندقِ : «اجعلوه خيمةِ رُ فيدةَ حتى أعودَ ه من قريبٍ ». فلما حَكَّ مه رسولُ الله ﷺ في بني قُ ريظةَ ، أتاه قومُ ه فحَ مَ لوه على حمارٍ قد وَ طَّ ئوا له بوسادةٍ من أدَ مٍ ، وكان رجلا جسيماً جميلاً ، ثم أقبَ لوا معه إلى رسولِ الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرٍ و، أحسِ ن في مواليك، فإن رسولَ الله ﷺ إنما ولاَّ ك ذلك لتُ حسنَ فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد أَ نَ ى لسعدٍ ألا تأخُ ذَ ه في الله لومةُ لائمٍ .
عدد الصفحات ١٧٢072 |مختصر السيرة النبوية فرجع بعضُ من كان معه من قومِ ه إلى دارِ بني عبد الأشهَ لِ ، فنعى لَم رجالَ بني قريظةَ -قبل أن يصلَ إليهم سعدٌ - عن كلمتِ ه التي سمع منه. فلما انتهى سعدٌ إلى رسولِ الله ﷺ والمسلمين، قال رسولُ الله ﷺ: «قوموا إلى سيِ دكم». فقاموا إليه ، فقالوا: يا أبا عمرٍ و، إن رسولَ الله ﷺ قد ولاَّ ك أمرَ مواليك لتحكُ م فيهم. فقال سعدُ بن معاذٍ : عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقُ ه أنَّ الحكمَ فيهم لمَ ا حكمتُ ؟ قالوا: نعم: وعلى من ها هنا؟ -في الناحية التي فيها رسولُ الله ﷺ، وهو مُ عرضٌ عن رسولِ الله ﷺ إجلالاً له- فقال رسولُ الله ﷺ: «نعم». قال سعدٌ : فإني أحكم فيهم أن تُ قتلَ الرجالُ ، وتُ قسَّ م الأموالُ ، وتُ سبى الذراري والنساءُ . قالَ ابنُ إسحاقَ : عن علقمةَ بن وقاصٍ الليثيِّ قال: قال رسولُ الله ﷺ لسعدٍ : «لقد حَكمت فيهم بحُ كمِ الله من فوق سبعةِ أرقعةٍ ». قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم استُ نزِ لوا، فحبَ سهم رسولُ الله ﷺ بالمدينةِ في دارِ بنت الحارثِ امرأةٍ من بني النجارِ ، ثم خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى سوقِ المدينةِ التي هي سوقُ ها اليومَ ، فخَ ندَ قَ بها خنادقَ ، ثم بعث إليهم، فضبَ أعناقَ هم في تلك الخنادِ ق، يخُ رَ جُ بهم إليه أرسالاً ، وفيهم عدوُّ الله حُ ييُّ بن أخطبَ وكعبُ بن أسدٍ رأسُ القوم، وهم ست مئةٍ أو سبع مئة، والمكَ ثِّ رُ لَم يقول: كانوا بين الثمانِ مئةٍ والتسع مئة.
عدد الصفحات ١٧٣مختصر السيرة النبوية|073 قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم إن رسولَ الله ﷺ قسمَ أموالَ بني قريظةَ ونساءَ هم وأبناءَ هم على المسلمين، وأعْ لمَ في ذلك اليومِ سُ همانَ الخيل وسُ همان الرجالِ ، وأُ خرج منها الخُ مسُ ، فكان للفارسِ ثلاثةُ أسهمٍ : للفرس سَ همانِ ولفارسه سهمٌ ، وللراجل -مَ ن ليس له فرسٌ - سهمٌ ، وكانت الخيلُ يوم بني قريظةَ ستةً وثلاثين فرسً ا، وكان أوَّ لَ فيْ ءٍ وقعت فيه السهمانُ ، وأُ خرج منها الخمس، فعلى سُ نَّ تِ ها وما مضى من رسولِ الله ﷺ فيها وقعت المقاسمُ ، ومضت السنةُ في المغازي. قالَ ابنُ إسحاقَ : فلما انقَ ضى شأنُ بني قريظةَ انفجر بسعدِ بن معاذ جُ رحُ ه فمات منه شهيدً ا. قالَ ابنُ إسحاقَ : حدثني معاذُ بن رفاعةَ الزُّ رقيُّ قال: حدثني من شئتُ من رجالِ قومي: أن جبريلَ عليه السلامُ أتى رسولَ الله ﷺ حين قُ بضَ سعدُ بن معاذٍ من جوفِ الليل معتجرً ا بعمامةٍ من إستبرقٍ ، فقال: يا محمدُ ، من هذا الميِّ تُ الذي فُ تحت له أبوابُ السماءِ ، واهتزَّ له العرشُ ؟ قال: فقام رسول الله ﷺ سريعً ا يجرُّ ثوبَ ه إلى سعدٍ فوجده قد مات. قالَ ابنُ إسحاقَ : ولم يُ ستشهد من المسلمين يومَ الخندق إلا ستةُ نفرٍ ، وقُ تلَ من المشركين ثلاثةُ نفرٍ . ولما انصرف أهلُ الخندقِ عن الخندقِ ، قال رسولُ الله ﷺ -فيما بلغني -: «لن تَغزوكم قريش بعد عامِ كم هذا، ولكنكم تَ غزونهَ م»، فلم تغزهم قريشٌ بعد ذلك، وكان هو الذي يَ غزوها، حتى فتح اللهُ عليه مكَّ ةَ .
عدد الصفحات ١٧٤074 |مختصر السيرة النبوية 16- إسلامُ عمرِ و بن العاصِ وخالدِ بن الوليدِ قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عمرِ و بن العاص قال: لما انصرفنا مع الأحزابِ عن الخندقِ جمعتُ رجالاً من قريشٍ ، كانوا يَ رون رأيي، ويسمعون منِّ ي، فقلت لَم: تَ علمون والله أني أرى أمرَ محمدٍ يعلو الأمورَ علوا ا مُ نكرً ا، وإني قد رأيتُ أمرً ا، فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيتَ ؟ قال: رأيت أن نلحقَ بالنجاشيِّ فنكونَ عنده، فإن ظهرَ محمدٌ على قومنا كنا عند النجاشيِّ ، فإنا أن نكون تحتَ يديه أحبُّ إلينا من أن نكونَ تحت يدي محمدٍ ، وإن ظهر قومُ نا فنحن مَ ن قد عَ رفوا، فلن يأتينا منهم إلا خيرٌ . قالوا: إن هذا الرأيُ . قلت: فاجمعوا لنا ما نهُ ديه له، وكان أحبَّ ما ُُ دى إليه من أرضِ نا الأدَ مُ . فجمعنا له أدمً ا كثيرً ا، ثم خرجنا حتى قدِ منا عليه. فوالله إنا لعندهُ إذ جاءه عمرو بن أميةَ الضمريُّ ، وكان رسولُ الله ﷺ قد بعثَ ه إليه في شأنِ جعفرٍ وأصحابِ ه. قال: فدخلَ عليه ثم خرجَ مِ ن عنده. قال: فقلتُ لأصحابي: هذا عمرُ و بن أميةَ الضمري، لو قد دخلتُ على النجاشيِّ وسألتُ ه إياه فأعطانيه، فضبتُ عُ نُ قَ ه، فإذا فعلتُ ذلك رأت قريشٌ أني قد أجزأتُ عنها حين قتلتُ رسولَ محمدٍ .
عدد الصفحات ١٧٥مختصر السيرة النبوية|075 قال: فدخلتُ عليه فسجدتُ له كما كنت أصنعُ ، فقال: مرحبً ا بصديقي، أهديتَ إليَّ من بلادِ ك شيئً ا؟ قال: قلت: نعم، أُا الملكُ ، قد أهديتُ إليك أدمً ا كثيرً ا. قال: ثم قرَّ بته إليه، فأعجبَ ه واشتَ هاه، ثم قلتُ له: أُا الملكُ ، إني قد رأيتُ رجلاً خرج من عندك، وهو رسولُ رجلٍ عدوٍّ لنا، فأعطنيه لأقتلَ ه، فإنه قد أصاب من أشرافِ نا وخيارِ نا. قال: فغضِ ب، ثم مد يدَ ه فضبَ بها أنفَ ه ضبةً ظننتُ أنه قد كسره، فلو انشقَّ ت لي الأرضُ لدخلتُ فيها فَ رَ قً ا منه. ثم قلت له: أُا الملكُ ، والله لو ظننتُ أنك تكرهُ هذا ما سألتُ كَ ه. قال: أتسألُ ني أن أعطيَ ك رسولَ رجلٍ يأتيه الناموسُ الأكبرُ الذي كان يأتي موسى لتَ قتُ لَ ه! قال: قلت: أُا الملك، أَ كَ ذاكَ هو؟ قال: ويحَ ك يا عمرُ و أطعني واتَّ بعه، فإنه والله لعلى الحقِّ ، وليَ ظهرنَّ على من خالفه، كما ظهرَ موسى على فِ رعون وجنودِ ه. قال: قلت: أفتُ بايِ عني له على الإسلامِ ؟ قال: نعم، فبسطَ يدَ ه، فبايعتُ ه على الإسلامِ ، ثم خرجتُ إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمتُ أصحابي إسلامي.
عدد الصفحات ١٧٦076 |مختصر السيرة النبوية ثم خرجت عامدً ا إلى رسولِ الله ﷺ لأُ سلمَ ، فلقيت خالدَ بن الوليد، وذلك قُ بيل الفتحِ ، وهو مُ قبلٌ من مكةَ ، فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقامَ المَ نسِ مُ ، وإن الرجل لنبي ، أذهبُ والله فأسلمُ ، فحتى متى؟ قال: قلت: والله ما جئتُ إلا لأسلم. قال: فقدِ منا المدينةَ على رسولِ الله ﷺ، فتقدمَ خالدُ بن الوليد فأسلمَ وبايع، ثم دنوتُ ، فقلت: يا رسولَ الله، إني أبايعُ ك على أن يُ غفرَ لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكرُ ما تأخر. قال: فقال رسولُ الله ﷺ: «يا عمرُو، بايع؛ فإن الإسلامَ يجَُ ب ما كان قبله، وإن اهمجرةَ تَُ ب ما كان قبلها»، قال: فبايعته، ثم انصرفت. 17- غزوةُ بني المُ صطَ لِق قالَ ابنُ إسحاقَ : بلغ رسولَ الله ﷺ أن بني المُ صطلِ ق يجَ مَ عون له، وقائدُ هم الحارثُ بن أبي ضِ ار أبو جويريةَ بنت الحارثِ زوجِ رسولِ الله ﷺ، فلما سمعَ رسولُ الله ﷺ بهم خرجَ إليهم، حتى لقيَ هم على ماءٍ لَم يُ قال له: المُ ريسيعُ ، من ناحية قُ ديدٍ إلى الساحل، فتزاحف الناسُ واقتتلوا، فهزمَ اللهُ بني المصطلِ ق، وقُ تل من قتل منهم، ونفلَ رسولُ الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالََ م، فأفاءهم عليه.
عدد الصفحات ١٧٧مختصر السيرة النبوية|077 فبينا رسولُ الله ﷺ على ذلك الماءِ ، وردَ ت واردةُ الناسِ ، ومع عمرَ بنِ الخطاب أجيرٌ له من بني غفارٍ يقال له: جَ هجاه بنُ مسعود يقود فرسَ ه، فازدحم جهجاه وسنانُ بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخَ الجهنيُّ : يا معشرَ الأنصار، وصرخ جَ هجاه: يا معشرَ المهاجرين، فغضب عبدُ الله بن أبي ابن سلولٍ وعنده رهطٌ من قومه فيهم زيدُ بن أرقمَ -غلام حدث- فقال: أوَ قَ د فعلوها، قد نافَ رونا وكاثَ رونا في بلادِ نا، والله ما أَ عُ دُّ نا وجَ لابيبَ قريشٍ إلا كما قال الأوَّ لُ : سمِّ ن كلبَ ك يأكلْ ك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُ خرجن الأعزُّ منها الأذلَ . ثم أقبل على من حضهُ من قومِ ه، فقال لَم: هذا م ا فعلتُ م بأنفسِ كم، أحللتموهم بلادَ كم، وقاسَ متموهم أموالَ كم، أما و الله لو أمسكتُ م عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غيرِ دارِ كم. فسمع ذلك زيدُ بن أرقمَ ، فمشى به إلى رسولِ الله ﷺ، وذلك عند فراغِ رسولِ الله ﷺ من عدوِّ ه، فأخبرَ ه الخبرَ وعنده عمرُ بن الخطابِ ، فقال: مُ ر به عَ بَّ ادَ بن بشرٍ فليقتُ له. فقال له رسولُ الله ﷺ: «فكيف يا عمرُ إذا تحدثَ الناس أن محمد ا يقتلُ أصحابَ ه! لا، ولكن أذِ ن بالرحيلِ »، وذلك في ساعةٍ لم يكن رسولُ الله ﷺ يرتحلُ فيها، فارتحل الناسُ . وقد مشى عبدُ الله بن أبي ابن سلول إلى رسولِ الله ﷺ حين بلغهُ أن زيدَ بن أرقمَ قد بلَّ غه ما سمعَ منه، فحلف بالله: ما قلتُ ما قالَ ، ولا تكلمت به.
عدد الصفحات ١٧٨078 |مختصر السيرة النبوية وكان في قومه شريفً ا عظيماً ، فقال من حضَ رسولَ الله ﷺ من الأنصارِ من أصحابِ ه: يا رسولَ الله، عسى أن يكون الغلامُ قد أوهَ م في حديثِ ه، ولم يحفظ ما قال الرجلُ ، حدبً ا على ابن أبي ابن سلولٍ ، ودفعا عنه. قالَ ابنُ إسحاقَ : فلما استقلَّ رسولُ الله ﷺ وسارَ ، لقيه أُ سيدُ بن حضيرٍ ، فحيَّ اه بتحية النبوةِ وسلم عليه، ثم قال: يا نبيَ الله، والله لقد رُ حتَ في ساعة مُ نكرةٍ ، ما كنتَ تروح في مثلها. فقال له رسولُ الله ﷺ: «أوَ ما بلغك ما قال صاحبُ كم؟» قال: وأي صاحب يا رسولَ الله؟ قال: «عبدُ الله بن أبي». قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رجعَ إلى المدينةِ ليُ خرجن الأعز منها الأذلَّ ». قال: فأنت يا رسولَ الله والله تخُ رجه منها إن شئتَ ، هو والله الذليلُ وأنت العزيزُ ، ثم قال: يا رسولَ الله، ارفق به، فوالله لقد جاءَ نا اللهُ بك، وإن قومَ ه لينظِ مون له الخرزَ ليتوجوه، فإنه ليرَ ى أنك قد استلبتَ ه مُ لكً ا. ثم مشى رسولُ الله ﷺ بالناسِ يومَ هم ذلك حتى أمسى، وليلَ تهم حتى أصبَ حَ وصدرَ يومِ هم ذلك حتى آذتهم الشمسُ ، ثم نزلَ بالناسِ ، فلم يَ لبثوا أن وجدوا مسَّ الأرضِ فوقعوا نيامً ا، وإنما فعل ذلك رسولُ الله ﷺ ليَ شغلَ الناسَ عن الحديثِ الذي كان بالأمس من حديث عبدِ الله ابن أُ بيٍّ .
عدد الصفحات ١٧٩مختصر السيرة النبوية|079 وبلغ عبدَ الله بن عبد الله بن أبي الذي كان من أمرِ أبيه. قالَ ابنُ إسحاقَ : فحدثني عاصمُ بن عمر بنِ قتادةَ أن عبد الله أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنه بلغني أنك تُ ريد قتلَ عبدِ الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلاً فمُ رني به، فأنا أحملُ إليك رأسَ ه، فوالله لقد علمت الخزرجُ ما كان لَا من رجلٍ أبرَّ بوالِ ده مني، وإني أخشى أن تأمرَ به غيري فيقتلَ ه، فلا تدعني نفسي أنظرُ إلى قاتلِ عبدِ الله بن أبي يَ مشي في الناس ؛ فأقتله فأَ قتلُ رجلاً مؤمنً ا بكافرٍ ، فأدخل النارَ . فقال رسولُ الله ﷺ: «بل نتفق به، ونُ حسنُ صُ حبَ ته ما بقي معنا». وجعل بعد ذلك إذا أحدثَ الحدثَ كان قومُ ه هم الذين يُ عاتِ بونه ويأخذونه ويُ عنِّ فونه، فقال رسولُ الله ﷺ لعمرَ بن الخطابِ حين بلغه ذلك من شأنهِ م: «كيف تَ رى يا عمرُ ، أما والله لو قتلتُ ه يوم قلتَ ل: اقتُ له، لأُ رعِ دَ ت له آنُ ف ، لو أمرتُ ا اليومَ بقتله لقتلته». قال: قال عمر: قد والله علمتُ لأََ مرُ رسولِ الله ﷺ أعظمُ بركةً من أمري. قال ابنُ هشامٍ : وكان شعارُ المسلمين يومَ بني المصطلِ ق: يا منصورُ ، أمِ تْ أمِ تْ . قالَ ابنُ إسحاقَ : وأصيبَ من بني المصطلِ ق يومئذٍ ناسٌ ، وقَ تلَ عليُّ بن أبي طالب منهم رَ جلينِ ، مالكً ا وابنه، وقتلَ عبدُ الرحمن بن عوفٍ رجلاً من فرسانهم، يُ قال له: أحمرُ ، أو أُ حيمر.
عدد الصفحات ١٨٠081 |مختصر السيرة النبوية 18- خبرُ الإفك في غزوةِ بني المُ صطلِ ق سنةَ ست قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ سفرً ا أقرَ عَ بين نسائه، فأيَّ تَ هن خرج سهمُ ها خرج بها معه، فلما كانت غزوةُ بني المُ صطلِ ق أقرع بين نسائِ ه، كما كان يصنعُ ، فخرج سَ همي عليهن معه، فخرجَ بي رسولُ الله ﷺ. قالت: وكان النساءُ إذ ذاك إنما يأكُ لن العُ لَ ق(1) لم ُُ يجهنَّ اللحمُ فيثقلن، وكنتُ إذا رُ حِّ ل لي بعيري جَ لست في هَ ودَ جي، ثم يأتي القومُ الذين يُ رحِّ لون لي ويحَ ملونني، فيَ أخذون بأسفلِ الَودجِ فيرَ فعونَ ه، فيَ ضعونه على ظهرِ البعيرِ ، فيَ شدُّ ونه بحبالِ ه، ثم يأخذون برأسِ البعيرِ ، فينطلقون به. قالت: فلما فرغَ رسولُ الله ﷺ من سفرِ ه ذلك، وجَّ ه قافلاً حتى إذا كان قريبً ا من المدينةِ نزل منزلاً ، فبات به بعضَ الليلِ ، ثم أذَّ ن في الناسِ بالرحيلِ ، فارتحل الناسُ ، وخرجتُ لبعض حاجتي، وفي عُ نقي عِ قدٌ لي، فيه جَ زْ عُ ظَ فارِ (2)، فلما فرغتُ انسلَّ من عُ نقي ولا أدري، فلما رَ جعتُ إلى الرحلِ ذهبت ألتمسُ ه في عنقي، فلم أجدْ ه، وقد أخذَ الناسُ في الرحيلِ ، فرَ جعتُ إلى مكاني الذي ذهبت إليه، فالتمستُ ه حتى وجدتُ ه، وجاء القومُ خِ لافي -الذين كانوا يُ رحِّ لون لي البعيرَ - وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الََ ودجَ ، وهم يَ ظنون أ ني فيه، كما كنت أصنعُ ، فاحتَ ملوه فشدُّ وه على البعيرِ ، ولم يشكوا أني فيه، ثم أخذوا برأسِ البعيرِ ، فانطلقوا به فرَ جعتُ إلى العسكرِ وما فيه من داعٍ ولا جلُ يبٍ ، قد انطلقَ الناس. (1) العُلَق: ما فيه بلغة من الطعام إلى وقت الغداء (2) الجَزْ ع: نوع من الخرز فيه بياض وسواد. وظَ فار: موضع باليمن.
عدد الصفحات ١٨١مختصر السيرة النبوية|080 قالت: فتلف فتُ بجِ لبابي، ثم اضطجعتُ في مكاني، وعرفت أن لو قد افتُ قِ دت لرُ جع إليَّ . قالت: فوالله إني لمُ ضطجعةٌ إذ مر بي صفوانُ بن المعطلِ السلميُّ ، وقد كان تخلفَ عن العسكرِ لبعضِ حاجته، فلم يبت مع الناسِ ، فرأى سَ وادي، فأقبل حتى وقف عليَّ ، وقد كان يراني قبل أن يُ ضبَ علينا الحجابُ ، فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجِ عون، ظعينةُ رسولِ الله ﷺ! وأنا متلففةٌ في ثيابي، قال: ما خلفك يرحمُ ك اللهُ؟ قالت: فما كلمته، ثم قرَّ بَ البعيرَ ، فقال: اركبي، واستأخَ ر عني. قالت: فركبتُ ، وأخذَ برأسِ البعيرِ ، فانطلق سريعً ا، يطلُ بُ الناسَ ، فوالله ما أدركنا الناسَ ، وما افتُ قدتُ حتى أصبحتُ ، ونزل الناسُ ، فلما اطمأنوا طلعَ الرجلُ يقودُ بي، فقال أهلُ الإِ فك ما قالوا فارتَ عجَ (1) العسكرُ، ووالله ما أعلم بشيءٍ من ذلك. ثم قدِ منا المدينةَ ، فلم ألبث أن اشتكيتُ شكوى شديدةً ، ولا يَ بلغني من ذلك شيءٌ ، وقد انتهى الحديثُ إلى رسولِ الله ﷺ، وإلى أَ بَ ويَّ لا يَ ذكرون لي منه قليلاً ولا كثيرً ا، إلا أ نيِّ قد أَ نكرتُ من رسولِ الله ﷺ بعضَ لُ طفِ ه بي، كنت إذا اشتكيتُ رحمِ ني ولطف بي، فلم يَ فعل ذلك بي في شكواي تلك، فأنكرتُ ذلك منه، كان إذا دخل عليَّ وعندي أمِّ ي تمُ رضني قال: «كيف تِ يكُ م؟» لا يزيد ع ذلك. (1) ارتَعَ جَ : اضطرب.
عدد الصفحات ١٨٢