113 بها رسول الإنسانية الرحيم الذي كان يتابع محنتها ويتحسس مصابها، ويهتم بما حدث لها، فتقدم إليها ليمسح دمعتها، ويرعاها ويكافئها نتيجة صبرها وتحملها في سبيل الله، فتزوجها رسول الله سنة ست وقيل: سنة سبع. وكان هذا الزواج مباركًا لبني أمية، فلقد لانت قلوبهم القاسية للإسلام وبعد مدة من الزمن أسلم كثير منهم، وعلى رأسهم أبوها أبو سفيان، وأمها هند، وأخوها معاوية . وهذه هي الحكمة التي من أجلها تزوجها نبي الرحمة . وقد روت -رضي الله عنها - عن النبي وعن زينب بنت جحش -رضي الله عنها . وروى عنها: ابنتها حبيبة، وأخوها معاوية، عروة بن الزبير ، -رضي الله عنه م-، وروى عنها آخرون . واختُ لف في سنة وفاتها : فقيل 42، أو 44، أو 58 للهجرة (1). وبعد أن لحق الرسول بالرفيق الْعلى أقامت أم حبيبة - رضي الله عنها - في بيتها، لا تخرج منه إلا لصلاة، ولم تكن تترك المدينة إلا لحج، حتى وافتها المنية، بعد أن ضربت أرفع النماذج في الاعتزاز بالدين، والحرص عليه وعدم وضع الا عتبارات للنسب إذا عارض العقيدة . (1) انظر: العسقلاني. "الإصابة في تمييز الصحابة" ج4/346-342. (2 )عن أبي هريرة : "كان اسم ميمونة برة، فسماها النبي ميمونة " صححه الْلباني (1420ه) في السلسلة الصحيجة 421 /1
عدد الصفحات ١١٣114 * زواجه بميمونة -رضي الله عنها -: وتزوج رسول الله ـ ميمون ة بنت الحارث كان اسمها برة فسماها "ميمونة"، زوجه إياها العباس بن عبدالمطلب ، وأصدقها العباس عن رسول الله ، وكانت قبله عند أبي رهم ، سمعت بانتصار الرسول في خيبر وفرحت أيما فرح، وكانت تتسمع لْخبار المسلمين من أختها أم الفضل -رضي الله عنه ما-، ولم تقف عند هذا الحد بل أعلنت رغبتها بالدخول في الإسلام، ورغبتها أن تستظل تحت سقف النبوة. وهاهي تفضي لشقيقتها أم الفضل بما يهفوا به قلبها، لتصبح أمًّ ا من أمهات المؤمنين، وتحدثت به أختها إلى زوجها العباس ، وجعلت له الْمر ، فمضى إلى رسول الله وعرض عليه أن يتزوجها، فقبل وأصدقها أربعمائة درهم، وفي رواية أنها هي التي وهبت نفسها للنبي. وهي آخر زوجة تزوجها النبي في السنة السابعة للهجرة في عمرة القضاء، وكانت -رضي الله عنها - في غزوة تبوك في صفوف المجاهدين تسعف الجرحى، وتواسي المرضى ، وكانت بذلك أول من نظمت فرق ة نسائية لإسعاف الجرحى، والقيام بواجبات المجاهدين، وقد قالت فيها عائشة -رضي الله عنها -: "أما إنها كانت من أتقانا لله، وأوصلنا للرحم، ولا يخفى ما في زواجه بها عليه السلام من البر وحسن الصلة وإكرام عشيرتها الذين آزروا الرسول ونصروه (1). (1 )انظر: الصابوني. "شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات الرسول " ص (53.)
عدد الصفحات ١١٤115 فأحب الرسول أن يربط الصلة بهم عن طريق هذه المصاهرة تأليفًا لهم، ولنشر أحكام الدعوة، وأيضًا لْنها وهبت نفسها له عليه السلام وهي من سادات النساء اللاتي اشتهرن بالفضل والنسب الرفيع . وقال ابن سعد: كانت آخر امرأة تزوجها، يعني ممن دخل بها، وقد انتشر الاختلاف بحكم زواجها بين الفقهاء، فمنهم من جمع بأنه عقد عليها وهو محرم ، وبنى بها بعد أن أحل من عمرته بالتنعيم وهو حلال في الحل ، وقيل عقد له عليها قبل أن يحرم ، وانتشر أمر تزويجها بعد أن أحرم ، وهي آخر من ماتت من أزواج النبي وذلك في سنة 150 من الهجرة (1) . فهؤلاء ال تي بنى بهن رسول الله إحدى عشرة ، فمات قبله منهن اثنتان خديجة بنت خويلد ، وزينب بنت خزيمة -رضي الله عنهما-. وتوفي عن تسع وهن باقي سائر أزواجه اللائي ذكرن قبله، واثنتان لم يدخل بهما: أسماء بنت النعمان الكندية، تزوجها، فوجد بها بياضً ا - وهو البرص - فمتعها، أي وصلها بشي ء تتمتع به، و ردها إلى أهلها، وعمرة بنت يزيد الكلابية ، وكانت حديثة عهد بكفر، فلما قدمت على رسول استعاذت من رسول فقال لها رسول الله :منيع عائذ، فردها إلى أهلها(2). هذاويزاد مارية القبطية -رضي الله عنها - كزوجة من زوجات النبي ،وربما يكون سبب أنها لم تذكر في الزوجات عند الكثيرين؛ (1 )انظر: العسقلاني. تهذيب التهذيب. ج 4/628. (2 )ابن هشام. السيرة النبوية . ج 4/460.
عدد الصفحات ١١٥116 أنها: أمة تسرى بها الرسول ، وأصبحت حرة بعد إنجابها إبراهيم ابن رسول الله . وعلقالْستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله على زواج النبي قائ: كان للنبي خصيصة في أمر تعدد الزوجات، جازت له قبل سريان حكم التقييد بعدد لا يزيد على أربع لسائر المسلمين ، وقد كانت خصيصة النبي عليه الصلاة و السلام مقصورة عليه ، غير قابلة للتكرار ؛ لْنها ارتبطت في مصلحة الدعوة في إبانها ، ولم يكن للدعوة رسول سواه ؛ ولم يكن له غنى عن تلك الخصيصة في البلاد التي تأسست فيها الدعوة الْولى، وهي بلاد الْنساب وروابط المصاهرة والولاء بين الْسر والبيوت . و لم تكن تلك الخص يصة لتمكين صاحبها من المتعة والاستغراق في مناعم الحياة الجنسية ، فإن البيت الذي يشكو نساؤه قلة المؤنة والزينة ، لا يقال عنه أنه بيت رجل تملكه أهواء نفسه ، وتغلبه على رشده . أما النساء اللائي اجتمعن في بيت النبي فلم تكن عليهن مهانة يشعرن بها ، أو يشعر بها أحد من أترابهن ، أو من عامة المسلمين، بل كان دخول المرأة في عداد أمهات المؤمنين شرفً ا لا يعلوه شرف ، ولا تطمع امرأة من أعرق البيوتات في كرامة حاضرة باقية، أرفع من هذه الكرامة ، التي تناظر سيدات العرب والعجم (1). (1 )مارية القبطية : هي أم ولد رسول الله إبراهيم ، لم تلقب بأم المؤمنينن ذكر ابن سعد أن المقوقس صاحب الْسكندرية بعث إلى رسول الله في سنة سبع من الهجرة بمارية وأختها سيرين مع حاطب ابن أبي بلتعة، فعرض عليها الإسلام فأسلمت، وأسلمت أختها أيضا...، وكان رسول الله يطؤها بملك اليمين، توفيت في عهد عمر سنة 16 من الهجرة ودفنت في البقيع؛ العقاد. المرأة في القرآن . (ص 28 - 80.)
عدد الصفحات ١١٦110 وختم العقاد في خصيصة تعدد زوجات النبي :وقصار القول في خص يصته النبوية أنها لم تكن امتيازً ا من امتياز القوة المسيطرة لتسخير المرأة في مرضاة خيلاء الرجل ، وحبه للمتعة الجسدية، ولكنها كانت آية أخرى من معدن الْحكام القرآنية، فيما تسفر عنه من عطف على المرأة ، وحياطة لها من مواقع الجور والإذلال(1). فخصيصة تعدد زوجات النبي كانت أحيانً ا من باب التكليف، وتلقي عليه أعباء ومشقات ومسئو ليات(2). (1 )العقاد. المرأة في القرآن . (ص 86.) (2 )انظر: عبد الوهاب. تعدد نساء الْنبياء ومكانة المأة في اليهودية والمسيحية و الإسلام ص (102)، انظر: راسم شحدة . "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه".
عدد الصفحات ١١٧112 المبحث الثاني: الحكمة(1) من تعدد زوجات النبي إن تعدد زوجات الرسول ، لم يكن بدافع الهوى أو الشهوة كما اتهمه بعض المستشرقين الغربيين المتعصبين ، وإنما كان لحكم جليلة، وغايات نبيلة وأهداف سامية، سوف يقر بها الْعداء إذا ما تركوا التعصب الْعمى ، وحكَّ موا منطق العقل والوجدان...، وسوف يجدون في هذا الزواج "المثل الْعلى" في الإنسان الفاضل الكريم ، والرسول النبي الرحيم ، الذي يضحي براحته في سبيل مصلحة غيره ، وفي سبيل الدعوة والإسلام. ولقد كان زواجه عليه السلام بأكثر من أربع زوجاتٍ لحكمٍ بليغة، و حتى يتبين للأمة الاسلامية كافة أن الزوجة أقرب الناس إلى زوجها، وأجرؤهم على سؤاله ، والزوج أيضً ا أبْ وَ ح لزوجته وأكثر مصارحة لها في أمور مختلفة و كثيرة، وخاصة فيما يستحي عادة من ذكره ، لذلك كانت زوجات النبي . يكثرن نقل الخاص والعام من أقواله وأحواله وأفعاله التشريعية ، ويسألنه عما لا يجرؤ غيرهن على أن يسألنه عنه، ثم يعملن على تبليغ الْمة بذلك. (1 )الحكمة في اللغة: ورد لها أكثر من معنى كما ذكر أهل اللغة ، منها معرفة أفضل الْشياء بأفضل العلوم، وجاءت الحكمة في القرآن بمعنى النبوة ، وتطلق الحكمة أيضً ا على طاعة الله و الفقه في الدين والعمل به. انظر: الراغب الْصف هاني المفردات في غريب القرآن . ص(134، 135 .)والحكمة عند اصوليين: ما يترتب على ربط الحكم بعلته ، أو بسببه، من جلب مصلحة أو دفع مضرة . انظر: عبد الشكور. شرح مسلم الثبوت على فواتح الرحموت ومعه : المستصفى. ج 2/203 204، والحكمة في اصطلاح الفقهاء: دفع المفسدة المترتبة على ربط الحكم الشرعي بعلته. انظر: قلعة جي. الموسوعة الفقهية الميسرة . م 1/060 - 0062، انظر: العقاد. "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه" (ص 108.)
عدد الصفحات ١١٨118 ويتضح للباحث المنصفأن كل زواج تزوجه الرسول أن الدافع الْصلي وراءه هو خدمة الدعوة التي سيطرت على قلب محمد وعقله، وظهرت آثارها في جميع أحوله وأفعاله وأقوله ، فقد عاش لها وبها منذ بعثه الله إلى أن نقله إلى جواره (1)، ويستتبع هذا الهدف - خدمة الدعوة – دوافع أخرى . يقول الشيخ محمد الصابوني : إن الحكمة من تعدد زوجات الرسول كثيرة ومتشعبة ، ويمكننا أن نجملها فيما يلي: أولا : الحكمة التعليمية. ثانيًا: الحكمة التشريعية . ثالثًا: الحكمة السياسية. رابعًا: الحكمة الاجتماعية. ونتحدث باختصار عن هذه الحكم الْربع (2). (1 )هيكل. "دحض الشبهات الواردة على تعدد الزوجات في الإسلام". ج2. ص(301.) (2 )العقاد: "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه". ص(140). انظر: الصابوني. "شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات النبي" ص (140.)
عدد الصفحات ١١٩120 أو: الحكمة التعليمية: ونحن بصدد الحكمة التعليمية من تعدد زوجات النبي يصرح ال صابوني قائلاً : لقد كانت الغاية الْساسية من تعدد زوجات الرسول هي تخريج بضع معلمات للنساء ، يعلمنهن الْحكام الشرعية ، فالنساء نصف المجتمع، وقد فرض عليهن من التكاليف ما فرض على الرجال . وقد كان الكثيرات منهن يستحيين من سؤال النبي عن بعض الْمور الشرعية ، وبخاصة المتعلقة بهن ، كأحكام الحيض والنفاس والجنابة والْمور الزوجية، وغيرها من الْحكام ، وقد كانت المرأة تغالب حياءها حينما تريد أن تسأل الرسول الكريم عن بعض هذه المسائل. كما كان من خُ لق الرسول الحياء الكامل، وكان كما تروي كتب السنة أشد حياء من العذراء في خدرها (1)، فما كان عليه الصلاة الصلاة والسلام يستطيع أن يجيب عن كل سؤال يعرض عليه من جهة النساء بالصراحة الكاملة ، بل كان يكني(2) في بعض الْحيان، ولربما لم تفهم المرأة عن طريق الكناية مراده . تروي السيدة عائشة-رضي الله عنها - أن امرأة من الْنصار سألت النبي عن غسلها من المحيض، فعلمها كيف تغتسل، ثم (1 )أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري - ر ضي الله عنه- ج 0/130 .كتاب الْدب (02 .)باب الحياء رقم ا لباب (00 .)حديث رقم 6118. انظر: العقاد. "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه". ص (140.) ( )الكنايةلغة: أن تتكلم بالشيء وتريد غيره : يقال كنيت بكذا عن كذا إذ تركت التصريح به . الكناية في اصطلاح البلاغيين: هي اللفظ الدال على الشيء بغير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه، وهذا فيه تفسير الشيء بنفسه، وإحالة أحد المجهولين على الآخر .
عدد الصفحات ١٢٠121 قال لها: خذي فرصة ممسكة (أي قطعة من القطن بها أثر الطيب) فتطهري بها! قالت كيف أتطهر بها؟ قال تطهري بها. قالت: كيف يارسول الله ؟ قال: سبحان الله، تطهري بها! قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها -: فاجتذبتها من يدها فقلت: ضعيها في مكان كذا وكذا، وتتبعي بها أثر الدم (1)، وصرحت لها بالمكان التي تضعها فيه. وهكذا مثل هذه الْسئلة المحرجة الحساسة كان يتولى عنها فيما بعد زوجاته الطاهرات ، ولهذا تقول السيدة عائشة -رضي الله عنها-: رحم الله نساء الْنصار ، ما منعنهن الحياء أن يتفقهن في الدين(2). وكانت المرأة منهن تأتي إلى أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في الظلام لتسألها عن بعض أمور الدين ، وعن أحكام الحيض والنفاس والجنابة وغيرها من الْحكام ، فكان نساء الرسول خير معلمات وموجهات لهن، وعن طريقهن تفقه النساء والرجال في دين الله، ثم إنه من المعلوم أن السنة المطهرة ليست قاصرة على قول النبي فحسب. (1 )أخرجه البخاري في صحيحه، عن عائشة. (1/83) .كتاب الحيض(6 .)باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض ، وكيف تغتسل وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع أتر ... باب رقم 14 . حديث رقم 314.انظر: راسم شحدة . "تعدد الزوجات بين الإسلام وخصومه". ص (165.) (2 )أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة-رضي الله عنها - بلفظ: نعم المساء، (1/40) . كتاب العلم. رقم 3 .باب الحياء في العلم. باب رقم 51. انظر: العقاد. "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه". ص(141 )الصابوني. "شبهات وأباطيل حول تعدد زواج النبي". ص (140.)
عدد الصفحات ١٢١122 بل هي تشمل قوله، وفعله، وتقريره ، وكل هذا من التشريع الذي يجب على الْمة اتباعه، فمن ينقل لنا أقواله وأفعاله عليه السلام في المنزل غير هؤلاء اللواتي أكرمهن الله . فكن أمهات المؤمنين ، وزو جات لرسوله الكريم في الدنيا والآخرة ! لا شك أن لزوجاته الطاهرات -رضوان الله عليهن - أكبر الفضل في نقل جميع أحواله وأطواره وأفعاله المنزلية عليه الصلاة والسلام، ولقد أصبح من هؤلاء الزوجات معلمات ومحدثات نقلن هديه عليه السلام، واشتهرن بقوة الحفظ والنبوغ والذكاء. ويشير الباحث المعاصر الدكتور عبدالله ناصح علوان إلى مشاركة أمهات المؤمنين في رواية أحاديث النبي فيقول: إن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع ، وإن أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - قد ساهمن مساهمة فعالة في رواية كل قول سمعنه، وفي نقل كل فعل رأينه من النبي ، فوصل بذلك كثير من السنة إلى الْمة الإ سلامية، و عن طريق الرواية من نساء مقطوع بصدقهن، ومجمع على أمانتهن وعدالتهن، ويكفيهن فخرً ا وشرفً ا أن سماهن القرآن أمهات المؤمنين، وخاطبهن بقوله ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِي ِ ﴾ [الْحزاب : 30 ]إلىغير ذلك من الْلقاب والصفات. ولقد ذكر الرواة أن عدد الْحاديث التي رواها نساء الرسول نحوثلاثة آلاف حديث، وأن صاحبة السهم الْكبر في رواية الحديث عائشة -رضي الله عنها -، فقد روت -رضي الله عنها - عن النبي أكثر من ألفين ومائتين وعشرة أحاديث (2210) كما ورد في بعض كتب السيرة .
عدد الصفحات ١٢٢123 ويليها أم سلمة -رضي الله عنها - التي روت عنه ثلاث مائة وثمانية وسبعين (302 )حديثًا، وباقي الزوجات كن تتراوح أحاديثهن بين أحد عشر وخمسة وستين حديثً ا (11 - 65)، وهذا التفاوت في رواية الحديث يرجع سببه إما إلى الذكاء، أو مدة الحياة الزوجية، أو امتداد العمر بعد وفاة النبي ، وقد اجتمعت هذه الْسباب للسيدة عائشة -رضي الله عنها - فقد كانت ذكية، ودخل بها النبي بعد الهجر ة وعاشت بعده حتى سنه 52هــ(1). ثانيًا: الحكمة التشريعية: وأما الحكمة التشريعية من تعدد زوجات النبي فيشير إليها الباحث المعاصر الصابوني، حيث يقول: ونتحدث الآن عن الحكمة التشريعية التي هي جزء عن حكمة تعدد زوجات الرسول ، وهذه الحكمة ظاهرة تدرك بكل بساطة ، وهي أنها كانت من أجل إبطال بعض العادات الجاهلية المستنكرة ، وأضرب مثلاً ببدعة التبني التي كان يفعلها العرب قبل الإ سلام، فقد كان دينً ا متوارثً ا عنهم، يتبنى أحدهم ولدً ا ليس من صلبه، ويجعله في حكم الولد الصبي، ويتخذه ابنً ا حقيقيً ا، له حكم الْبناء من النسب في جميع الْحوال ، في الميراث والطلاق ، والزواج، ومحرمات المصاهرة ، ومحرمات النكاح ، إلى غير ما هنالك مما تعارفوا عليه . كان الواحد منهم يتبنى ولد غيره ، فيقول له: أنت ابني، أرثك وترثني . وما كان الإسلام لا يقرهم على باطل ، ولا ليتركهم يتخبطون في ظلمات الجهالة، فمهد لذلك بأن ألهم رسوله عليه الصلاة و السلام أن تبنى أحد الْبناء وكان ذلك قبل البعثة النبوية فتبنى عليه الصلاة (1 )علوان. "تعدد الزوجات في الإسلام وحكمة تعدد زوجات النبي". ص (60،62).
عدد الصفحات ١٢٣124 والسلام زيد بن حارث ة على عادة العرب قبل الإ سلام، وأصبح الناس يدعونه بعد ذلك زيد بن محمد ، روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما - أنه قال: إن زيد بن حارثة مولى رسول الله ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد ، حتى نزل القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لآِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللََِّّ ﴾ [الْحزاب : 5]، قال النبي :أنت زيد بن حارثة بن شراحيل (1) . وقد زوجه عليه السلام ابنة عمته زينب بنت جحش الْسدية - رضي الله عنها -، وقد عاشت مع زيد -رضي الله عنها - مدة من الزمن ، ولكنها لم تطل، فقد ساءت العلاقات بينهما، فكانت تغلظ له القول، وترى أنها أشرف منه؛ لْنه كان عبدً ا مملوكً ا قبل أن يتبناه رسول الله وهي ذات حسب ونسب(2). ولحكمة يريدها -عز وجل- طلق زيد زينب -رضي الله عنهما-، فأمر الله رسوله أنيتزوجها ليبطل بدعة التبني، ويقيم أسس الإسلام، ويأتي على الجاهلية من قواعدها ، ولكنه عليه السلام كان يخشى ألسنة المنافقين والفجار أن يتكلموا فيه ويقولو ن : تزوج محمد امرأة ابنه، فكان يتباطأ حتى نزل العتاب الشديد لرسول الله في قوله-جل وعلا-: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللََُّّ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللََُّّ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ (1 )أخرجه البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عمر. ج 6/26 .كتاب تفسير القرآن (65 ) باب: "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله" باب رقم 2 .حديث رقم 4022. (2 )القرطبي . الجامع لْحكام القرآن . (4/166 102)،هيكل. "دحض الشبهات الواردة على تعدد الزوجات في الإسلام". ص (134.)
عدد الصفحات ١٢٤125 لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الْحزاب : 30]. وهكذا انتهى حكم التبني ، وبطلت تلك العادات التي كانت متبعة في الجاهلية ، ونزل قوله تعالى مؤكدً ا هذا التشريع الإلهي الجديد؛ ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللََِّّ وَخَاتَمَ النَّبِي ِينَ وَكَانَ اللََُّّ بِكُل ِ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الْحزاب : 40]. وقد كان هذا الزواج بأمر من الله تعالى، ولم يكن بدافع الهوى والشهوة كما يقول بعض الْفاكين المرجفين من أعداء الله ، وكان زواجه لغرض نبيل ، وغاية شريفة هي إبطال عادات الجاهلية ، وقد صرح الله -عز وجل - بغرض هذا الزواج بقوله : ﴿لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الْحزاب : 30]. وقد تولى عز وجل تزويج نبيه الكريم بزينب - رضي الله عنها-، امرأة ولده من التبني، ولهذا كانت تفتخر على نساء النبي بهذا الزواج الذي قضى به رب العزة من فوق سبع سموات. روى البخاري بسنده أن زينب بنت جحش -رضي الله عنها - كانت تفتخر على أزواج النبي وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات(1). وهكذا كان هذا الزواج للتشريع ، وكان بأمر الحكيم العليم . فسبحان من دقت حكمته أن تحيط بها العقول والْفهام(1). (1 )أخرجه البخاري في صحيه عن أنس بن مالك ــ. ج 2/221،222 .كتاب التوحيد (82 .)باب: وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم . سورة هود آية رقم 0 باب رقم 22 حديث رقم 0420. انظر: الصابوني. "شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات النبي" ص (53.)
عدد الصفحات ١٢٥126 من هنا يظهر أن زواج النبي لم يكن لإرضاء رغبة جنسية لديه، كما لم يكن عن شهوانية زائدة ، وإنما حققت جوانب تشريع ية أراد رب العزة إظهارها . ثالثًا: الحكمة السياسية: ويتابع الباحث المعاصر محمد علي الصابوني حديثه عن الحكمة السياسية في تعدد زوجات الرسول ،حيث يقول: لقد تزوج النبي ببعض النسوة م ن أجل تأليف القلوب عليه، وجمع القبائل حوله، فمن المعلوم أن الإنسان إذا تزوج من قبيلة أو عشيرة ، يصبح بينه وبينهم قرابة ومصاهرة ، و ذلك بطبيعته إلى نصرته وحمايته . وأضرب بعض الْمثلة على ذلك لتتضح لنا الحكمة التي هدف إليها الرسول من وراء هذا الزواج . أولاً : تزوجه بجويرية بنت الحارث سيد بن ي المصطلق- رضي الله عنها -، وكانت قد أسرت مع قومها وعشيرتها ، ثم بعد أن وقعت تحت الْسر، أرادت أن تفتدي نفسها، فجاءت إلى رسول الله تستعينه بشيء من المال، فعرض عليها الرسول الكريم أن يدفع عنها الفداء وأن يتزوج بها ، فقبلت ذلك فتزوجها، فقال المسلمون : أصهار رسول الله تحت أيدينا، فأعتقوا جميع الْسرى الذين كانو ا تحت أيديهم ، فلما رأى بنو المص طلق هذا النب ل والسمو، وهذه الشهامة والمروءة أسلموا جميعً ا، ودخلوا في دين الله، وأصبحوا من المؤمنين. (1 )انظر: رضا . "حقوق النساء في الإسلام". ص (85 - 88.) الصابوني. "شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات النبي". ص (55.)
عدد الصفحات ١٢٦120 فكان زواجه بها بركة عليها وعلى قومها وعشيرتها ؛ لْنه كان سببً ا لإ سلامهم وعتقهم ، وكانت جويرية -رضي الله عنها -، أيمن امرأة على قومها(1). ثانيًا: وكذلك تزوجه بصفية بنت حيي بن أخطب -رضي الله عنها- التي أسرت بعد قتل زوجها في غزوة خيبر ووقعت في سهم بعض المسلمين، فقال أهل الرأي والمشورة : هذه سيدة بني قريظة لا تصلح إلا لرسول الله ، فعرضوا الْمر على الرسول الكريم ، فدعاها وخيرها بين أمرين : إما أن يعتقها ويتزوجها فتكون زوجة له. وإما أن يطلق سراحها فتلحق بأهلها . فاختارت أن يعتقها وتكون زوجة له، و ذلك لما رأته من جلالة قدره وعظمته ، وحسن معاملته، وقد أسلمت وأسلم بإسلامها عدد من الناس(2). روي أن صفية -رضي الله عنها - لما دخلت على النبي قال لها الرسول الكريم : اختاري ، فإن اخترت الإ سلام أمسكتك لنفسي ، و إن اخترت اليهودية، فعسى أن أ عتقك فتلحقي بقومك، فقالت: يا رسول الله : لقد هويت الإ سلام، وصدقت بك قبل أن تدعوني إلى رحلك ، ومالي في اليهودية أرب ، ومالي فيها والد ولا (1 )انظر: العطار. "تعدد الزوجات من النواحي الدينية و الاجتماعية والقانونية". ص (140.) (2 )الصابوني. "شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات النبي". ص (20.)
عدد الصفحات ١٢٧122 أخ، وخيرتني الكفر والإ سلام، فالله ورسوله أحب إلي من العتق ، وأن أرجع إلى قومي، فأمسكها رسول الله لنفسه(1). ثالثًا: وكذلك تزوجه بأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ، وأبو سفيان كان في ذلك الحين حامل لواء الشرك وألد الْعداء لرسول الله وقد أسلمت ابنته في مكة، ثم هاجرت مع زوجها إلى الحبشة فرارً ا بدينها، وهناك مات زوجها فبقيت وحيدة فريدة لا معين لها ولا أنيس ، فلما علم الرسول الكريم بأمرها ، أرسل إلى (النجاشي) ملك الحبشة ليزوجه إياها، فأبلغها النجاشي ذلك، فسرت سرورً ا لا يعرف مقداره إلا الله سبحانه؛ لْنها لو رجعت إلى أبيها أو اهلها لْجبروها على الكفر والردة ، وقد أصدقها عنه أربعمائة دينار ، مع هدايا نفسية، ولما عادة إلى المدينة المنورة تزوجها النبي . ولما بلغ أبا سفيان الخبر، أقر ذلك الزواج. و افتخر بالرسول ولم ينكر كفاءته له ، إلى أن هداه الله للإسلام. ومن هنا تظهر لنا الحكمة الجليلة في تزوجه عليه السلام بابنة أبي سفيان . فقد كان هذا الزواج سببا لتخفيف الْذى عنه وعن أصحابه المسلمين، لا سيما بعد أن أصبح بينهم نسب وقرابة ، مع أن أبا سفيان كان من ألد بني أمية خصومة لرسول ، فكان تزوجه بابنته سببً ا لتأليف قلبه وقلب عشيرته . كما أنه أختارها لنفسه تكريمً ا لها على إيمانها ، لْنها خرجت من ديارها فارةً بدينها، فما أكرمها من سياسة وما أجلها من حكمة(1). (1 )الصابوني: "شبهات وأباطيل حول تعدد الزوجات" ص (30 . .)
عدد الصفحات ١٢٨